في الواجهةمقالات قانونية

منهجية تحليل النازلة  (نظريا وتطبيقيا)

                    إعداد:  ذ ياسين الكعيوش

                       منهجية تحليل النازلة

(نظريا وتطبيقيا)

تمهيد:

    تكتسي النازلة أهمية بالغة في الحياة العملية، إذ من خلال تحليل العديد منها يتمكن الطالب من فهم النصوص القانونية واستيعابها بشكل واقعي عن طريق الربط بين المقتضيات القانونية (عامة ومجردة) وبين وقائع مادية (اجتماعية ملموسة).

وقبل عرض الخطوات المنهجية المتبعة في تحليل النازلة وبالأخص في المجال الجنائي وإن كان ليس هناك اختلاف كبير بين المجال الجنائي، المدني، تجاري، أسري، إداري، إلا من حيث استعمال المصطلحات الملائم لكل مجال على حدة أثناء التحليل، إذ تبقى الخطوات هي نفسها مهما كانت طبيعة النازلة،( باستثناء كل طالب له طريقته الخاصة أثناء التحرير)، لذا يقتضي توضيح بعض المصطلحات المرتبطة بمفهوم بالنازلة.

إن النازلة ما هي إلا مجموعة من الوقائع المادية أو الأحداث أو السلوكات الواقعة داخل المجتمع والتي يتعين إيجاد حل قانوني ملائم لها. مثال أن يرتكب موظف عمومي سلوك يشكل إخلال بالتزاماته المهنية تجاه الإدارة كإفشاء السر المهني مثلا.

فنلاحظ أن هذا المثال يتضمن وقائع (يعني نازلة) تحتاج إلى حل قانوني مناسب لها؛ فهذا الحل إذا كان عن طريق الإدارة التي ينتمي إليها هذا الموظف يسمى قرارا إداريا في النازلة. وإذا كانت هذه النازلة معروضة على المحكمة فيسمى هذا الحل حكما قضائيا، وإذا عرضت النازلة على شخص عارف بالقانون يكون الحل بمثابة استشارة قانونية.

إذن ما يهمنا هو الاستشارة القانونية وهي:  الرأي أو الحل القانوني الذي يعطيه خبير أو شخص عارف بالقانون (أستاذ –محامي- مستشار قانوني-عدل- موثق-….) في  الوقائع المعروضة عليه، أو بعبارة أخرى موقف القانون من وقائع معينة.

لهذا فالعمل يكمن في إعطاء استشارة قانونية في نازلة (مجموعة من الوقائع المادية) عرضت عليك، تبدي فيها الحل القانوني المناسب الذي تراه أنت هو الأقرب إلى الصواب، معللا جوابك بما ينسجم مع القانون الذي تنضوي تحته تلك الوقائع. فالأساس في حل النازلة احترام المنهجية، وتعليل الجواب المفترض تعليلا قانونيا منسجما مع الوقائع وليس شخصيا، وعدم إصدار أحكام مطلقة على الوقائع التي غالبا ما قد تحمل عدة تأويلات.

  • عناصر الإجابة على النازلة

تضم الإجابة على النازلة ثلاثة عناصر وهي: مقدمة وعرض ثم خاتمة أو استنتاج

أولا: المقدمة

بعد قراءة الوقائع، طبعا بتمعن وفهمها جيدا، يتم تحديد الموضوع الذي تعالجه النازلة من خلال ما يلي:

  • وضع الإطار العام الذي تندرج فيه الوقائع من خلال الحديث عن سياق أو تعريف الموضوع. يعني ما هي الجريمة أو الجرائم التي يمكن أن تتضمنها هذه الوقائع (جرائم أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أو جريمة محددة ( مؤامرة – اعتداء – خيانة – تجسس-…) جرائم الأموال جرائم الأشخاص…إلخ، دون الحسم في الجواب الذي يكون مكانه هو العرض. إلا إذا كانت الوقائع واضحة ومحددة في تكييف واضح.
  • تلخيص الوقائع بشكل موجز وكتابتها بطريقتك الخاصة، على أن يقتصر الطالب على الوقائع التي تصلح كأساس واقعي للحل وبشكل واضح وموجز.
  • تحديد الإشكال القانوني الجوهري (غالبا من خلال الأسئلة التي يطرحها الأستاذ).
  • الإفصاح عن خطة الإجابة أي التصميم انطلاقا من الإشكال القانوني المطروح وبالترتيب المنطقي (وفق عدد الأسئلة المطروحة من الأستاذ دون أن تضيف عنصر لم يطلب منك الإجابة عنه) مثال:

المطلب الأولى: ………………………

المطلب الثاني: ……………………….

المطلب الثالث: ……………………….

ثانيا: العرض

يخصص العرض لمناقشة الوقائع في ظل القانون، من خلال التطرق إلى التصميم الذي وضعته سابقا في المقدمة، وذلك بالإجابة عن كل مطلب (سؤال) الذي يجب أن يحتوي على محاولة ملاءمة وقائع النازلة مع الجانب القانوني المنظم لها (ما درسته في الدروس النظرية) لإعطاء حل وتعليله، للخروج باستنتاج مناسب يكون بمثابة جواب على سؤال الأستاذ. والجواب دائما يتضمن ما يلي:

  • الرجوع إلى وقائع النازلة المرتبطة بالسؤال.
  • البحث عن المقتضى القانوني الذي ينسجم معها.(لابد من إبراز أركان الجريمة في علاقتها بالوقائع).
  • الحل أو الاستنتاج (النتيجة).

ثالثا: الخاتمة

يتم فيها تلخيص مضمون العرض (جمع عناصر الإجابة) بشكل موجز، كما يمكن إعطاء رأي شخصي.

    ملاحظة:

    إن تمكن الطالب من حل النازلة وتحليلها رهين بضبط المنهجية جيدا، مع فهم واستيعاب العناصر المعرفية القانونية الخاصة بكل موضوع (( أركان كل الجريمة (قانوني-مادي-معنوي) / المحاولة وأركانها الخاصة (البدء في التنفيذ + غياب العدول الاختياري) المشاركة في الجريمة….إلخ)).

 

“”” نموذج تطبيقي”””  (جريمة الرشوة)

“” ضبط (زيد) الذي يشتغل كعون بجماعة ترابية وبحوزته 100.000 درهم تسلمها من رئيس مقاولة تعمل في مجال البناء. حيث اعترف (زيد) أنه تسلم هذا المبلغ بأمر من رئيس المجلس الجماعي كمقابل لامتياز منحه هذا الأخير للمقاولة التي حصلت على مشروع إصلاح طرق الجماعة الترابية وبناء بعض المرافق””.

حلل وناقش هذه الوقائع في ظل مقتضيات القانون الجنائي، مبرزا مسؤولية كل متهم من المتهمين ؟

الحل المقترح

تندرج وقائع النازلة محل الدراسة ضمن نوع من جرائم الإخلال بالثقة العامة التي تمس المرفق العمومي وهي جريمة الرشوة، حيث تتسم هذه الأخيرة بخطورة على النظامين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والاستقرار النفسي للأفراد، وسلوك يتنافى مع الأمانة والنزاهة التي أولتها الدولة للموظف العمومي أو من في حكمه. لهذا أحاطها المشرع بجزاءات جنائية وتأديبية، واعتمد منطق الثنائية في التجريم، بحيث قام بفصل جريمة الراشي عن جريمة المرتشي، بدل اعتماد وحدة الجريمة كما فعل المشرع المصري، وذلك لسد جميع الثغرات التي قد تسمح بإفلات أولائك اللذين يتاجرون في وظائفهم من العقاب.

إن وقائع النازلة تبرز بوضوح أفعال تخل بالثقة العامة التي أولتها الدولة في شخص يسير مرفقها وينوب عن مواطنيها في خدمة مصالحهم، والتي نلخصها في ” تواطؤ رئيس المجلس الجماعي مع مقاولة استفادت من مشروع بناء بالجماعة الترابية بعيدا عن قواعد العرض والمنافسة، مقابل مبلغ مالي حدد في 100.000 درهم تسلمه عون بنفس الجماعة بأمر من رئيسها””.

لهذا نتساءل إلى أي حد تتوافق هذه الأفعال مع العناصر التكوينية لجريمة الرشوة كما حددها المشرع الجنائي؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال اعتماد التصميم التالي:

المطلب الأول: موقف المشرع الجنائي من سلوك رئيس الجماعة الترابية.

           المطلب الثاني: موقف المشرع الجنائي من سلوك رئيس المقاولة.

           المطلب الثالث: موقف المشرع الجنائي من سلوك عون الجماعة الترابية

 

 

         المطلب الأول: موقف المشرع الجنائي من سلوك رئيس الجماعة الترابية.

يستفاد من وقائع النازلة أن رئيس المجلس الجماعي بحكم توليه لمركز نيابي تواطأ مع رئيس المقاولة في منح هذا الأخير امتياز في أشغال عمومية تدخل في اختصاصاته الوظيفية مقابل مبلغ مالي حدد في 100.000 درهم. مما يجعل سلوكه هذا يتوافق مع الركن القانوني لجريمة الرشوة الوارد في الفصل 248 ق ج. الذي جاء فيه” يعد مرتكبا لجريمة الرشوة…من طلب أو قبل عرضا…من أجل القيام بعمل من أعمال وظيفته بصفته… متوليا مركزا نيابيا أو الامتناع عن هذا العمل…””.

وحيث إن اختصاصات وظيفته النيابية سهلت له التواطؤ مع رئيس المقاولة مقابل الحصول على هذا المبلغ فإن الركن المادي متوافر أيضا في حقه، ما دام أن المشرع جعل جريمة الرشوة من جرائم الخطر، لا يشترط لقيام الركن المادي فيها توافر العناصر الثلاث (السلوك – نتيجة – علاقة سببية) وإنما يكفي إتيان المرتشي لسلوك يلوث سمعة وشرف وظيفته، وهو ما فعله رئيس المجلس الجماعي حينما أمر العون بتسلم المبلغ المالي الذي طلبه أو عرض عليه مسبقا من رئيس المقاولة، وإن لم يكن قد تسلم المبلغ فعلا. لأن إعلانه عن رغبته في الحصول على مقابل لعمله، يظهر ذلك الانحراف الذي يتحقق به الاتجار في الخدمات العمومية التي يفرض القانون تقديمها بالمجان ويجعل جريمة الرشوة تامة.

أما على مستوى القصد الجنائي نلاحظ أن رئيس المجلس الجماعي يريد ويعلم أن المبلغ الذي عرض عليه أو طلبه وسخر العون لتسلمه هو للقيام بعمل يدخل في وظيفته النيابية واستغل هذا الاختصاص للحصول على فائدة غير مشروعة.

انطلاقا من كل ما سبق يعد هذا الرئيس مرتكبا لجريمة الرشوة (مرتشي) ويعاقب طبقا لمقتضيات الفصل 248 ق ج بالحبس من سنتين إلى خمس وبغرامة من ألفي درهم إلى خمسين ألف درهم. كما يجوز للمحكمة تطبيق مقتضيات الفصل 256 ق ج في حقه وحرمانه لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات من مزاولة الوظائف أو الخدمات العامة المشار إليها ضمن الفصل 40 ق ج.

المطلب الثاني: موقف المشرع الجنائي من سلوك رئيس المقاولة.

استنادا لما جاء في وقائع النازلة أن رئيس المقاولة قدم مبلغا ماليا لرئيس المجلس الجماعي كمقابل لامتياز منحه إياه هذا الأخير لبناء بعض المرافق وإصلاح طرق الجماعة الترابية حيث توسط في أخذه عون بنفس الجماعة، مما يجعل هذا السلوك إغراء ساوم به رئيس المقاولة موظف يتاجر في اختصاصاته، وبالتالي يتحقق فيه الركني القانوني والمادي كما حددهما الفصل 251 ق ج.

أما بالنسبة للقصد الجنائي فيتضح من كون رئيس المقاولة عالما بأنه يتجه بماله إلى موظف عمومي ويريد الحصول على مزية وهي منح المقاولة المشروع المذكور، وتبعا لذلك يعاقب بنفس العقوبة المحكوم بها على المرتشي السابق (رئيس الجماعة) طبقا للفصل 251 ق ج. كما تتخذ في حقه عقوبة إضافية بمصادرة المبلغ المالي الذي ضبط بحوزة العون وتمليكه لفائدة خزينة الدولة طبقا للفصل 255 ق ج.

المطلب الثالث: موقف المشرع الجنائي من سلوك عون الجماعة الترابية

يتبين من الوقائع السابقة أن العون الذي يشتغل بالجماعة الترابية هو من توسط بين رئيس المقاولة (الراشي) ورئيسه (المرتشي)، ممثلا هذا الأخير لإتمام جريمة الرشوة، وحيث إن المشرع الجنائي لم يتطرق صراحة لحكم الوساطة في الرشوة التي قام بها هذا العون، فإن سلوكه يكيف مشاركة في جريمة الرشوة، ما دام أنه تسلم المبلغ المالي وهو عالما بالمقصود منه طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 129 ق ج  التي تجعل كل من ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكاب الجريمة مشاركا فيها مع علمه بذلك.

وحيث إن الفاعلين الأصليين (رئيس المقاولة ورئيس الجماعة الترابية) قد تمت معاقبتهم فإن العون الذي كان وسيط بينهم سيعاقب أيضا بنفس العقوبة المقررة للفاعلين لأنه يستمد العقاب منهم طبقا للفصل 130 ق ج. مع ظروف التخفيف التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.

    خاتمة:

تجدر الإشارة أن القصد الجنائي لا يتحقق إذا كان رئيس المقاولة يهدف من وراء عرضه للمبلغ المالي على الموظف العمومي لضبطه متلبسا بجريمة الرشوة من طرف الشرطة القضائية، ولا يعتبر في هذه الحالة راشيا ويعفى من العقاب، طبقا للفصل 1-256 ق ج حيث يهدف المشرع من ذلك تحفيز الأشخاص للتبليغ والكشف عن المرتشين والحد من هذه الجريمة الشنعاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق