في الواجهةمقالات قانونية

ملاحظات حول مقترحات مدونة الأسرة بقلم: زهير الداودي

ملاحظات حول مقترحات مدونة الأسرة بقلم: زهير الداودي

ملاحظات حول مقترحات مدونة الأسرة

بقلم: زهير الداودي / باحث في القانون الخاص

مقدمة

تحتل الأسرة مكانة مركزية في البناء الاجتماعي والقانوني، باعتبارها الإطار الذي تتشكل داخله العلاقات الزوجية، وتتحدد من خلاله حقوق الأطفال وواجبات الآباء، كما تتبلور في نطاقها المصالح الشخصية والمالية التي تستدعي حماية قانونية متوازنة. لذلك، فإن القواعد المنظمة للأسرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أحكام قانونية تقنية، بل ينبغي فهمها باعتبارها منظومة متكاملة تتداخل فيها الاعتبارات الشرعية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية.

وفي هذا السياق، شكلت مدونة الأسرة الصادرة بموجب القانون رقم 70.03 محطة مهمة في تحديث التشريع الأسري المغربي منذ سنة 2004، غير أن التحولات التي عرفها المجتمع، وتطور أوضاع النساء والرجال، وتزايد النزاعات المرتبطة بالطلاق والحضانة والنفقة وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، أعادت طرح سؤال مدى كفاية المقتضيات الحالية وقدرتها على الاستجابة للإشكالات العملية التي يكشف عنها التطبيق القضائي.

وقد أُعلن، في دجنبر 2024، عن الخطوط العريضة لمراجعة المدونة، عقب انتهاء الهيئة المكلفة بهذه المهمة من إعداد تقرير تضمن 139 مقترحاً للتعديل، شملت مختلف كتب المدونة، إلى جانب مقترحات ذات طابع مؤسساتي تروم تحسين شروط تطبيقها. وقد استند هذا المسار إلى مشاورات واسعة، وإلى النظر في المسائل ذات الصلة بالأحكام الشرعية، مع التأكيد على ضرورة تحقيق العدل والمساواة والتضامن، وحماية الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع.

غير أن أهمية هذا الورش لا تكمن في عدد المقترحات أو اتساع نطاقها، وإنما في مدى قدرتها على معالجة مواطن القصور التي أفرزها التطبيق، وصياغة قواعد واضحة تحد من تضارب التأويلات القضائية، وتحقق التوازن بين حقوق الزوجين ومصالح الأطفال واستقرار الأسرة.

ومن ثم، فإن مناقشة هذه المقترحات تقتضي تجاوز العرض الوصفي لمضامينها إلى مساءلة مدى دقتها التشريعية، وقابليتها للتطبيق، والآثار التي قد تترتب عليها عند الانتقال من التصور العام إلى القاعدة القانونية الملزمة.

وتأسيسا على ذلك، يمكن تناول الموضوع من خلال مطلبين: يخصص الأول للملاحظات المرتبطة بمؤسسة الزواج والعلاقات المالية بين الزوجين، بينما يتناول الثاني المقترحات المتعلقة بانحلال العلاقة الزوجية والحضانة والنيابة الشرعية والضمانات القضائية والمؤسساتية.

المطلب الأول: ملاحظات بشأن المقترحات المرتبطة بمؤسسة الزواج والتدبير المالي للعلاقة الزوجية

تثير المقترحات المعلنة بشأن مراجعة مؤسسة الزواج عددا من الإشكالات القانونية التي لا يكفي في معالجتها تبني أهداف عامة من قبيل تحقيق المساواة أو تعزيز الحماية الأسرية، بل يتعين الانتقال إلى تحديد الآليات القانونية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، دون إحداث اختلال في المراكز القانونية للأطراف أو خلق منازعات جديدة نتيجة غموض النصوص.

ففيما يتعلق بزواج القاصر، يتجه الإصلاح المعلن إلى تشديد الاستثناءات المرتبطة بالإذن بالزواج قبل بلوغ سن الرشد القانوني. ولا جدال في أن الحد من زواج القاصرات يندرج ضمن حماية الطفولة وضمان استكمال النمو النفسي والاجتماعي والتعليمي، غير أن فعالية هذا التوجه تظل مرتبطة بمدى وضوح الضوابط التي تحكم الاستثناء، وبمدى قدرة القضاء على مراقبة توافر شروطه بصورة جدية. ذلك أن مجرد التشديد على الشروط لا يكفي، إذا لم يقترن بتحديد دقيق لمعايير الإذن، وبيان طبيعة البحث الذي يتعين على المحكمة إجراؤه، ومدى اعتبار رأي القاصر ومصلحته الفعلية، فضلاً عن وضع ضمانات تمنع تحول الاستثناء إلى مسلك اعتيادي للتحايل على القاعدة العامة. ومن ثم، فإن المطلوب ليس فقط تقليص حالات الإذن، وإنما بناء نظام قانوني يجعل الأصل واضحاً والاستثناء محدوداً ومعللاً وقابلاً للمراقبة.

أما بخصوص التعدد، فقد تضمنت المقترحات المعلنة إلزامية استطلاع رأي الزوجة عند توثيق عقد الزواج بشأن اشتراط عدم التزوج عليها، مع ترتيب أثر قانوني على هذا الشرط، فضلاً عن حصر المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد في حالات محددة، مع إمكانية تقدير القاضي لحالات أخرى مماثلة وفق معايير قانونية.

وتكمن أهمية هذا التوجه في تعزيز وضوح الالتزامات الناشئة عن عقد الزواج، وتمكين الزوجة من اتخاذ موقف صريح بشأن أحد الآثار الجوهرية للعلاقة الزوجية. غير أن الإشكال يظل قائماً بشأن طبيعة الشرط وآثاره عند النزاع: هل يتعلق الأمر بشرط تعاقدي ملزم تترتب على مخالفته الآثار التي يحددها القانون، أم بقيد على إمكانية الإذن بالتعدد، أم بمقتضى يجمع بين الأمرين؟ إن عدم التمييز بين هذه الصور قد يفضي إلى اختلاف في التكييف القانوني، سواء أمام قاضي الأسرة أو عند ترتيب الآثار المترتبة على مخالفة الشرط.

كما أن حصر المبررات الموضوعية للتعدد في حالات معينة، مع فتح المجال أمام حالات مماثلة يقدرها القاضي، يثير بدوره سؤالاً يتعلق بحدود السلطة التقديرية للقضاء. فكلما اتسعت عبارة «الحالات المماثلة» دون تحديد معاييرها، ازدادت احتمالات اختلاف الاجتهادات القضائية بشأن الوقائع المتشابهة. لذلك، فإن نجاح الإصلاح يقتضي وضع مؤشرات موضوعية قابلة للتحقق، تتصل بالظروف الواقعية للأسرة، وبالقدرة على الإنفاق، وبالآثار المحتملة على الزوجة والأطفال، مع بيان كيفية الموازنة بينها في تعليل الإذن أو رفضه.

ولا ينبغي أن ينحصر النقاش هنا في توسيع القيود أو تضييقها، وإنما يتعين أن ينصب على مدى قدرة القاعدة القانونية على ضبط القرار القضائي، وضمان عدم تحوله إلى إجراء شكلي لا يحقق الغاية التي وُضع من أجلها.

ومن جهة أخرى، تبرز المقترحات المتعلقة بتثمين العمل المنزلي للزوجة واعتباره مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة أثناء الزواج باعتبارها من أكثر جوانب الإصلاح إثارة للنقاش. فقد كشفت الممارسة عن صعوبات عملية في إثبات مساهمة أحد الزوجين في تكوين الثروة الأسرية، خصوصاً عندما تتخذ هذه المساهمة صورة غير مباشرة، كالتفرغ لتدبير شؤون المنزل ورعاية الأطفال وتمكين الزوج الآخر من التفرغ للعمل المهني أو التجاري.

وتستند أهمية هذا المقترح إلى أن المساهمة الاقتصادية لا ينبغي أن تختزل في الدخل المالي المباشر أو في الأموال التي يمكن إثبات تحويلها من حساب إلى آخر، إذ قد يؤدي العمل المنزلي دوراً فعلياً في استقرار الأسرة واستمرار النشاط المهني للزوج، وإن لم ينتج عنه مقابل مالي مباشر.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل المنزلي لا يعفي المشرع من تحديد شروط ترتيب أثره المالي. فثمة فرق بين الاعتراف بهذا العمل باعتباره مساهمة ذات قيمة اقتصادية، وبين افتراض أن مجرد قيام العلاقة الزوجية ينشئ حقاً تلقائياً في اقتسام الأموال المسجلة باسم أحد الزوجين. فالاقتسام يحتاج إلى أساس قانوني محدد، وإلى قواعد تضبط نطاق الأموال المشمولة، والفترة التي يتعين اعتمادها، وكيفية تقدير المساهمة، والجهة المكلفة بإثباتها، والآثار المترتبة على اختلاف طبيعة العمل الذي قام به كل طرف.

ومن هنا، فإن المراجعة المنتظرة للمادة 49 من مدونة الأسرة ينبغي أن تتجنب الغموض بين نظام استقلال الذمة المالية لكل زوج وبين نظام المشاركة في الأموال المكتسبة. فالأول يظل قائماً من حيث الأصل، بينما يحتاج أي أثر مالي للمساهمة المنزلية إلى تنظيم صريح يبين شروطه وحدوده. كما ينبغي التمييز بين الأموال التي كانت مملوكة قبل الزواج، والأموال المكتسبة أثناءه، والأموال المتأتية عن الإرث أو الهبة، وبين المساهمة في تنمية مال معين والمساهمة العامة في تحمل أعباء الحياة الأسرية.

وتبرز أهمية هذه الدقة حين يتعلق الأمر بعقار مسجل باسم أحد الزوجين، أو مشروع تجاري، أو أصل مالي اكتسب خلال الزواج. فإذا لم يحدد النص وسائل إثبات المساهمة وكيفية تقويمها، فقد تتحول الدعوى من وسيلة لتحقيق الإنصاف إلى منازعة مطولة تستلزم الخبرة المحاسبية والعقارية وتثير خلافاً حول طبيعة كل مساهمة ومدى تأثيرها في تكوين الثروة.

وبالتالي، فإن النقد الموجه إلى هذا المقترح لا ينبغي أن ينصب على الاعتراف بالعمل المنزلي في حد ذاته، وإنما على ضرورة تأطيره بقواعد قابلة للتطبيق، تمنع في الوقت نفسه إهدار المساهمة غير النقدية، وتفادي افتراض حقوق مالية دون ضوابط إثباتية واضحة. فالمطلوب هو تحقيق الإنصاف من خلال معيار قانوني منضبط، لا استبدال غموض سابق بغموض جديد.

ويظل هذا الإشكال متصلاً أيضاً بمسألة استقلال الذمة المالية للزوجين، إذ ينبغي ألا يؤدي الاعتراف بالمساهمة إلى محو الحدود بين الأموال الخاصة والأموال المكتسبة بصورة مشتركة، وإنما إلى تحديد الحالات التي يبرر فيها العمل أو الاستثمار أو تحمل الأعباء الأسرية ترتيب حق مالي، وفق شروط معلومة سلفاً.

وعليه، فإن المقترحات المتعلقة بالزواج والتدبير المالي تكشف عن اتجاه نحو تعزيز الضمانات القانونية داخل الأسرة، غير أن فعاليتها ستظل رهينة بجودة الصياغة التشريعية، وبقدرة المشرع على تحويل المبادئ العامة إلى قواعد دقيقة لا تترك للممارسة القضائية سوى هامش التقدير الضروري، دون أن تتحول إلى مصدر لتفاوت غير مبرر في الأحكام.

المطلب الثاني: ملاحظات بشأن انحلال العلاقة الزوجية والحضانة والنيابة الشرعية وضمانات التطبيق

تتصل المقترحات المرتبطة بانحلال العلاقة الزوجية بمجال تتعدد فيه المصالح المتعارضة، وتتجاوز آثاره الزوجين إلى الأطفال والذمة المالية للأسرة. ولذلك، فإن أي مراجعة لهذه المقتضيات ينبغي أن تنطلق من التمييز بين تبسيط المسطرة وبين تقليص الضمانات القضائية، وبين تسريع الفصل في النزاع وبين ضمان أن يكون القرار الناتج عنه قابلاً للتنفيذ ومحققاً للمصلحة التي يرمي إلى حمايتها.

وفي هذا الإطار، تضمنت المقترحات المعلنة إمكانية تنظيم الطلاق الاتفاقي باتفاق مباشر بين الزوجين دون سلوك المسطرة القضائية المعتادة، وإحداث هيئة غير قضائية للصلح والوساطة، إلى جانب تحديد أجل أقصى مقترح للبت في دعاوى الطلاق والتطليق، واعتماد وسائل التبليغ الإلكترونية في هذه القضايا.

ويبدو أن الغاية من هذه التدابير تتمثل في تخفيف العبء عن المحاكم، وتقليص آجال النزاعات الأسرية، وتمكين الزوجين من إنهاء العلاقة الزوجية بصورة توافقية عندما تنتفي الرغبة في استمرارها. غير أن الطلاق، رغم طابعه الشخصي، لا تقتصر آثاره على إنهاء الرابطة الزوجية، بل يرتب نتائج تتعلق بالنفقة والمتعة والسكن والحضانة والزيارة وتدبير الأموال، وقد تتصل به حقوق أطفال لا يملكون القدرة على حماية مصالحهم بأنفسهم.

ومن ثم، فإن إخضاع الطلاق الاتفاقي لتعاقد مباشر يثير ضرورة تحديد نطاق الاتفاق وآثاره، والتمييز بين حرية الزوجين في إنهاء العلاقة وبين التصرف في الحقوق التي تتصل بالنظام الحمائي للأسرة. فالتراضي لا يضمن، بمجرده، تحقق التوازن بين الطرفين، خاصة عندما توجد تفاوتات اقتصادية أو اجتماعية قد تؤثر في حرية التفاوض أو في القدرة على رفض الشروط المقترحة.

ولا يعني ذلك أن كل طلاق اتفاقي ينبغي أن يخضع بالضرورة لإجراءات قضائية معقدة، وإنما إن تبسيط المسطرة يجب أن يقترن بضمانات للتحقق من الرضا، وتحديد الحقوق المالية وحقوق الأطفال، والتأكد من أن الاتفاق لا يتضمن تنازلاً غير مشروع عن حقوق محمية قانوناً. كما ينبغي تحديد الجهة المختصة بتوثيق الاتفاق، وكيفية مراقبة استيفائه للشروط، وآليات الرجوع إلى القضاء عند ظهور نزاع بشأن التنفيذ أو صحة الرضا.

ويثير اقتراح إحداث هيئة غير قضائية للصلح والوساطة إشكالاً آخر يتصل بحدود اختصاص هذه الهيئة وعلاقتها بالمحكمة. فإذا كانت مهمتها تنحصر في محاولة الإصلاح والتوفيق بشأن آثار الانفصال، فإن النص ينبغي أن يحدد طبيعة تدخلها، وأثر فشل الوساطة، ومدى إلزامية اللجوء إليها، والمدة المخصصة لها، مع ضمان عدم تحولها إلى مرحلة إضافية تؤخر الوصول إلى القضاء. كما يتعين توفير شروط الاستقلال والحياد والكفاءة المهنية، وإقرار ضمانات تحول دون استعمال الوساطة للضغط على أحد الزوجين أو حمله على قبول شروط لا تعكس إرادته الحرة.

أما تحديد أجل أقصى للبت في دعاوى الطلاق والتطليق، فإنه يثير مسألة التوفيق بين النجاعة القضائية ومتطلبات البحث والتحقيق والاستماع إلى الأطراف. فالأجل القانوني لا يحقق الغاية منه بمجرد النص عليه، إذا لم تدعمه الموارد البشرية الكافية، وفعالية التبليغ، وتوافر المساعدات الاجتماعية والخبرات عند الاقتضاء. كما أن فرض أجل موحد على ملفات تختلف من حيث تعقيدها وعدد الأطراف والطلبات المرتبطة بها قد يؤدي إلى ضغط إجرائي لا يخدم جودة الحكم.

لذلك، فإن تحديد آجال معقولة ينبغي أن يواكبه تنظيم دقيق لكيفية احتسابها، وحالات وقفها أو تمديدها عند الضرورة، وآثار تجاوزها، دون أن يؤدي التأخير المنسوب إلى صعوبات التبليغ أو نقص الموارد إلى المساس بحقوق الدفاع أو إلى إصدار قرارات متسرعة. فالنجاعة القضائية لا تقاس بسرعة النطق بالحكم وحدها، وإنما كذلك بمدى سلامته القانونية وقابليته للتنفيذ وقدرته على إنهاء النزاع بصورة فعلية.

وفيما يتعلق بالحضانة، اتجهت المقترحات إلى اعتبارها حقاً مشتركاً بين الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية، مع إمكانية استمرار هذا التدبير بعد الانفصال في حالة الاتفاق، وتعزيز الحق في سكن المحضون، ووضع ضوابط جديدة للزيارة والسفر به، فضلاً عن اقتراح عدم سقوط حضانة الأم لمجرد زواجها.

وتستحق هذه المقترحات مناقشة دقيقة، لأن الحضانة ليست مجرد امتياز يمنح لأحد الأبوين في مواجهة الآخر، وإنما وظيفة قانونية غايتها توفير الرعاية اليومية والتربية والحماية للمحضون. ومن ثم، فإن معيار تنظيمها ينبغي أن يكون المصلحة الفضلى للطفل، لا مجرد الموازنة المجردة بين حقوق الأب والأم.

ويثير اعتبار الحضانة حقاً مشتركاً أثناء قيام الزواج ضرورة التمييز بين المسؤولية المشتركة عن تربية الأطفال وبين الممارسة الفعلية للحضانة في حالات النزاع أو الانفصال. فالمسؤولية الأبوية المشتركة لا تعني بالضرورة أن كل قرار متعلق بالإقامة اليومية أو الدراسة أو العلاج يمكن أن يتخذ بصورة مشتركة دون تحديد آلية لحسم الخلاف. ولذلك، يتعين على النص أن يميز بين القرارات الجوهرية التي تستوجب التشاور، والأعمال اليومية التي ينبغي أن تكون للوالد الذي يتولى الرعاية الفعلية، والحالات التي تستدعي تدخلاً قضائياً عاجلاً لحماية الطفل.

أما عدم سقوط حضانة الأم لمجرد زواجها، فهو توجه يضعف منطق الجزاء الآلي القائم على واقعة الزواج وحدها، ويتيح النظر إلى الظروف الفعلية للمحضون. غير أن اعتماد هذا المبدأ ينبغي ألا يقود إلى تجاهل أثر الظروف الجديدة على الطفل، بل إلى إخضاع كل نزاع لمعيار موضوعي يراعي الاستقرار النفسي والتربوي، ومدى استمرار الرعاية، وظروف الإقامة، والعلاقة مع كل من الأبوين.

فالزواج الجديد، في حد ذاته، لا يثبت عدم أهلية الحاضن، كما أن بقاء الحضانة لا يثبت تلقائياً أن الوضع يحقق مصلحة الطفل. والعبرة ينبغي أن تكون بآثار الوقائع على المحضون، مع تمكين المحكمة من الاستماع إليه متى كان ذلك مناسباً لسنّه ونضجه، والاستعانة بالبحث الاجتماعي أو الخبرة عند الحاجة، وتعليل القرار على أساس عناصر واقعية محددة.

ويظل تنظيم زيارة المحضون والسفر به من المسائل التي تحتاج إلى دقة خاصة، لأن الصياغة العامة للحق في الزيارة لا تكفي لضمان تنفيذه، كما أن إغفال تحديد مكان التسليم ومدته وشروطه وآليات التعامل مع الامتناع عن التنفيذ قد يؤدي إلى تجدد النزاع بعد كل حكم. لذلك، ينبغي أن يتضمن التنظيم قواعد واضحة بشأن الزيارة، وتغيير محل الإقامة، والسفر داخل المغرب أو خارجه، مع التمييز بين السفر المؤقت الذي لا يمس استقرار الطفل وبين الانتقال الذي قد يؤدي إلى تعطيل حق الطرف الآخر في التواصل معه.

وفي هذا السياق، لا يكفي تعزيز حق المحضون في السكن دون تحديد طبيعة الالتزام، والجهة الملزمة بتوفيره، وكيفية تقدير تكلفته، وعلاقته بعناصر النفقة الأخرى. فإذا لم يقع التمييز بين واجب توفير السكن وبين المساهمة المالية في تكلفته، فقد تنشأ منازعات بشأن ازدواج احتساب المصاريف أو بشأن التنفيذ. ومن ثم، فإن النص التشريعي المنتظر ينبغي أن يحدد مضمون هذا الحق وحدوده، بما يحمي الطفل دون أن يترك تقديره لاختلاف الممارسات القضائية.

أما النيابة الشرعية، فإن المقترح المتعلق بجعلها مشتركة بين الزوجين أثناء قيام العلاقة الزوجية وبعد انفصامها يثير إشكالاً عملياً لا يمكن تجاوزه بالاكتفاء بإقرار مبدأ المشاركة. فالنيابة الشرعية تتصل بتمثيل القاصر وإدارة شؤونه القانونية والمالية، وقد تستلزم اتخاذ قرارات مرتبطة بالتعليم والعلاج والسفر والتصرف في الأموال. وإذا كان الاتفاق بين الوالدين ممكناً في الظروف العادية، فإن النزاع بينهما قد يجعل ممارسة النيابة المشتركة مصدراً لتعطيل مصالح الطفل.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المشاركة في اتخاذ القرارات وبين ضرورة تحديد صاحب الاختصاص عند الخلاف. فالرجوع إلى قاضي الأسرة في كل نزاع، مهما كانت طبيعته، قد يثقل كاهل القضاء ويؤخر اتخاذ القرارات التي لا تحتمل الانتظار. ولذلك، ينبغي أن يحدد النص الحالات التي تستوجب موافقة الوالدين معاً، والحالات التي يجوز فيها لأحدهما التصرف بصورة مستقلة، والحالات التي يتعين فيها تدخل القضاء، مع إقرار مسطرة استعجالية للمسائل التي تتصل بالصحة أو التعليم أو حماية أموال القاصر.

كما ينبغي أن يراعي التنظيم المقترح الفرق بين المسؤولية عن الرعاية اليومية وبين السلطة القانونية في تمثيل القاصر أمام الإدارات والمحاكم والمؤسسات المالية. فالمساواة في المسؤولية لا تقتضي بالضرورة تطابق الاختصاصات في جميع الحالات، وإنما تستلزم وضع نظام واضح يمنع الإقصاء غير المبرر لأي من الوالدين، وفي الوقت نفسه لا يجعل مصالح الطفل رهينة باستمرار التوافق بينهما.

ومن جهة أخرى، فإن وضع معايير مرجعية لتقدير النفقة وتسريع تبليغ الأحكام وتنفيذها يمثل توجهاً عملياً مهماً، غير أن نجاحه يتوقف على تحديد عناصر التقدير بصورة قابلة للإثبات، مع مراعاة دخل الملزم بالنفقة والتزاماته الضرورية واحتياجات المستفيدين ومستوى المعيشة. كما ينبغي إيجاد آليات فعالة لمراجعة النفقة عند تغير الظروف، وتيسير التنفيذ عند الامتناع عن الأداء، دون المساس بضمانات الأطراف.

فالمشكلة في منازعات النفقة لا تتصل دائماً بصدور الحكم، بل قد تتعلق بصعوبة تحديد الموارد الحقيقية، أو عدم انتظام الدخل، أو التأخر في التنفيذ. ومن ثم، فإن الاكتفاء بوضع معايير عامة قد لا يحقق وحدة الممارسة، ما لم يقترن بتنظيم وسائل التحقق من الدخل، والاستعانة بالبيانات المتاحة قانوناً، وتحديد إجراءات مراجعة المبالغ عند تغير الظروف، مع احترام المعطيات الشخصية وضمانات التقاضي.

وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية المقترحات ذات الطابع المؤسساتي، ولا سيما توفير الموارد البشرية المؤهلة، والتكوين التخصصي المستمر، وإحداث شباك موحد بمحاكم الأسرة، ودراسة إمكانية إنشاء سجل وطني لعقود الزواج والطلاق. وقد وردت هذه التدابير ضمن الخطوط العريضة المعلنة للمراجعة، باعتبارها عناصر مساعدة على تحسين تطبيق المدونة.

غير أن هذه التدابير، على أهميتها، لا ينبغي أن تظل في مستوى التوصيات العامة، بل تحتاج إلى برمجة تنفيذية واضحة تحدد المسؤوليات والآجال والموارد اللازمة ومؤشرات قياس النتائج. فإحداث شباك موحد، مثلاً، لن يحقق غايته إذا لم يكن مزوداً بموظفين مؤهلين، وقاعدة بيانات محينة، ونظام إحالة فعال بين المصالح المعنية. كما أن السجل الوطني لن يكون مجرد أداة تقنية لتجميع المعلومات، بل ينبغي أن تحدد قواعد الولوج إليه، وآثار التسجيل، وكيفية تصحيح البيانات، وحماية المعطيات الشخصية، ومدى حجية المعلومات المسجلة عند النزاع.

ويقتضي هذا التوجه أيضاً تعزيز التنسيق بين المحاكم ومصالح الحالة المدنية والجهات المكلفة بالتوثيق، مع تحديد المسؤولية عن الأخطاء والتأخر في تحيين البيانات. فالتحديث الرقمي لا يعوض التنظيم القانوني، وإنما يظل وسيلة لتحقيق النجاعة متى أُحسن تأطيره وضُمنت سلامة المعطيات وإمكانية مراقبة استعمالها.

وعليه، فإن مراجعة مدونة الأسرة لا ينبغي أن تنحصر في إعادة توزيع الحقوق والالتزامات بين الزوجين، بل يجب أن تشمل أيضاً البيئة المؤسساتية التي تتولى تطبيق هذه الحقوق. فالنص الجيد قد يفقد جانباً كبيراً من فعاليته إذا غابت الموارد اللازمة لتنفيذه، أو ظلت المساطر معقدة، أو استمرت صعوبات التبليغ والتنفيذ، أو لم تتوافر للقضاة الوسائل الضرورية لتقدير الوقائع المتصلة بالمصلحة الفضلى للطفل.

خاتمة

يتضح من خلال استقراء أبرز المقترحات المعلنة لمراجعة مدونة الأسرة أن الإصلاح يتجه إلى معالجة عدد من الإشكالات التي كشف عنها التطبيق، خصوصاً في مجالات الزواج والتعدد، والتدبير المالي للأموال المكتسبة، والطلاق الاتفاقي، والحضانة، والنيابة الشرعية، والنفقة. غير أن أهمية هذه المقترحات لا ينبغي أن تحجب ضرورة إخضاعها لنقاش قانوني دقيق، يتجاوز الشعارات العامة إلى دراسة آثار كل مقتضى على المراكز القانونية للأطراف وعلى استقرار الأسرة.

فالتشريع الأسري لا يحقق أهدافه بمجرد إقرار مبادئ جديدة، وإنما بقدرته على تحويلها إلى قواعد واضحة، قابلة للتطبيق والإثبات والتنفيذ. كما أن تحقيق التوازن داخل الأسرة لا يقتضي الانتصار المسبق لطرف على حساب آخر، بل يستلزم حماية الحقوق المشروعة لكل من الزوجين، مع إيلاء المصلحة الفضلى للطفل مكانتها الأساسية في القرارات التي تمسه.

ومن ثم، فإن الملاحظة الجوهرية التي يمكن تسجيلها على مسار الإصلاح هي أن نجاحه سيظل مرتبطاً بجودة الصياغة التشريعية، وبمدى تحديد المفاهيم والآثار القانونية والضمانات الإجرائية المرتبطة بها. فكلما كانت القاعدة واضحة، تقلص مجال التنازع في تفسيرها، وتراجعت احتمالات اختلاف الأحكام في الوقائع المتشابهة. وكلما تُركت المبادئ العامة دون ضوابط كافية، انتقلت صعوبات التشريع إلى مرحلة التطبيق، وأصبح القضاء مطالباً بمعالجة إشكالات كان من الممكن تجنبها منذ البداية.

كما أن إصلاح مدونة الأسرة لا يكتمل بتعديل النص وحده، بل يحتاج إلى مواكبة اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية، تشمل نشر الوعي بالحقوق والواجبات، وتيسير الولوج إلى القضاء، وتعزيز التكوين المتخصص، وضمان تنفيذ الأحكام داخل آجال معقولة. فالحماية القانونية للأسرة ليست نتيجة النصوص وحدها، وإنما ثمرة تكامل التشريع والقضاء والسياسات العمومية.

وأخيرا، ينبغي التأكيد على أن هذه الملاحظات تتعلق بالمقترحات المعلنة وخطوطها العامة، ولا تمثل حكماً على صيغة تشريعية نهائية لم يُتحقق من صدورها ونشرها. فقد أكدت وزارة العدل، في دجنبر 2025، أن مسودة المشروع كانت لا تزال قيد النقاش والتدقيق داخل الحكومة.

لذلك، فإن الموقف القانوني السليم لا يقوم على قبول جميع المقترحات أو رفضها بصورة مطلقة، وإنما على إخضاع كل مقتضى لمعيار الضرورة والوضوح والتناسب وقابلية التطبيق، مع الحفاظ على الانسجام بين مختلف أبواب المدونة وبينها وبين باقي النصوص التشريعية ذات الصلة. فالإصلاح الحقيقي ليس في كثرة المواد المعدلة، وإنما في قدرة النص الجديد على تقليل النزاع، وتحقيق الإنصاف، وحماية الأسرة دون أن يخلق إشكالات قانونية أكبر من تلك التي جاء لمعالجتها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى