في الواجهةمقالات قانونية

إصلاح القطاع العام في ضوء الخطابات الملكية ودستور المملكة وقوانينها

إصلاح القطاع العام في ضوء الخطابات الملكية ودستور المملكة وقوانينها

إعداد: نورالدين مصلوحي، عدل متمرن وباحث بماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط

 

 

بمناسبة عيد العرش الذي يصادف الذكرى العشرين لحكم الملك محمد السادس، وجه هذا الأخير، مساء يوم الاثنين 29 يوليوز 2019، خطابا إلى الأمة. وقد خصص هذا الخطاب في جزئه الأكبر منه تجاوبا مع انشغالات المواطنين وطلباتهم الاجتماعية، محاولا إعطاء خطط توجيهية لتدبير الشأن العام، والنهوض بالاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وقد ارتأينا في مقالنا هذا تسليط الضوء على ما يهم إصلاح القطاع العام باعتباره قطاعا حيويا ذا صلة وثيقة بمصالح المواطنين.

لقد تمت الإشارة في خطاب العرش الأخير إلى إصلاح القطاع العام بشكل غير مسهب نظرا لأن مجمل التفاصيل تمت الإشارة إليها في خطابات ورسائل ملكية أخرى، وهو ما عبر عنه الملك محمد السادس بقوله: “وقد سبق أن دعوت إلى ضرورة تغيير وتحديث أساليب العمل، والتحلي بالاجتهاد والابتكار في التدبير العمومي”.

إن حساسية القطاع العام اقتضت التعجيل بإحداث ثورة عاجلة للنهوض به، حيث أكد الملك ذلك بشكل جامع ومختصر، “فالقطاع العام يحتاج، دون تأخير، إلى ثورة حقيقية ثلاثية الأبعاد: ثورة في التبسيط، وثورة في النجاعة، وثورة في التخليق”.

أولا: ثورة التبسيط:

يحظى اليوم تبسيط المساطر الإدارية بأهمية استراتيجية في مجال تطوير جودة الخدمات العمومية ودعم شفافية العلاقة بين الإدارة والمرتفقين وتحسين مناخ الأعمال ببلادنا.

ويقصد ب “تبسيط المساطر الإدارية” مجموع الإجراءات العملية التي من شأنها تطوير العلاقة بين الإدارة والمرتفقين. ويتعلق الأمر على الخصوص ب:

  • وضع جرد شامل للمساطر الإدارية والإجراءات الإدارية؛
  • تدوين المساطر ودراستها من خلال مراجعة مكونات المسطرة؛ أي الوثائق المطلوبة، المتدخلين في المسطرة، تحديد المصالح المعنية فيما يخص إيداع الطلب أو الوثائق، وتسلم الخدمة، رسوم المسطرة والآجال المعقولة للحصول على الخدمة، والسند القانوني للمسطرة، وأخيرا ملاءمة المساطر مع السند القانوني المحدث لها؛
  • وضع المساطر ضمن سجل مركزي يمكن المرتفقين من الولوج إليها والتعرف على مجمل الإجراءات المرتبطة بالحصول على الخدمات العمومية[1].

فتبسيط المساطر علاوة على أنه يكسب المواطنين والمستثمر مزيدا من الوقت والمال والجهد، فإنه يزيد كذلك من ثقتهم في الدولة، هذه الثقة التي تعد رأسمالا اجتماعيا لا غنى عنه للمضي قدما نحو تحقيق النجاحات والرفاه الاجتماعي والاقتصادي. كما أن هذا التبسيط يعد بلا ريب مظهرا من مظاهر الحكامة الجيدة التي تعد من مرتكزات الدولة الحديثة حسب تصدير دستور المملكة لسنة 2011، هاته الحكامة التي هي أيضا من إحدى الأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة وفقا للفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور.

وفي هذا الصدد، أوكل القانون الجديد رقم 18-47 المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار لهذه المراكز باعتبارها مؤسسات عمومية، مهاما ذات صلة بتبسيط المساطر منها تقديم المساعدة للمستثمرين في القيام بالمساطر والإجراءات الإدارية التي يستلزمها إحداث مقاولاتهم، والسهر على نزع الصفة المادية عن المساطر والإجراءات المتعلقة بدراسة ملفات مشاريع الاستثمار، ووضع المعلومات ذات الطابع العمومي بكل الوسائل المتاحة رهن إشارة المستثمرين والمقاولات لاسيما كتيبات تتضمن المساطر والإجراءات الواجب القيام بها، وتحدد لائحة الوثائق الواجب الإدلاء بها قصد الحصول على التراخيص المطلوبة لإنجاز مشاريع الاستثمار.

كما تقوم المراكز الجهوية للاستثمار تحت إشراف السلطة الحكومية الوصية باقتراح كل تدبير على الحكومة يرمي إلى تبسيط المساطر الإدارية المتعلقة بالاستثمار وتقليص الآجال المتعلقة بها والنهوض بالمبادرة المقاولاتية والاستثمار.

وجدير بالتذكير أن الملك محمد السادس دعا في خطاب العرش في ذكراه 19 إلى اعتماد نصوص قانونية، تنص من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة موافقة من قبلها، ومن جهة ثانية: على ألا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى؛ إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.

ولا يخفى على متتبع لكل مستجد قانوني ما يستند عليه الميثاق الوطني للاتمركز الإداري من مبادئ جد فعالة منها على الخصوص: تبسيط إجراءات الولوج إلى الخدمات العمومية، والتعريف بها لدى المرتفقين، ومساعدتهم على إنجاز هذه الإجراءات في ظروف ملائمة[2].

ثانيا: ثورة النجاعة:

تتحقق نجاعة القطاع العام بحسن تجاوب المرافق العمومية مع المواطنين والإنصات لمطالبهم، والاستعانة بالتكنولوجيات الحديثة لإشباع حاجات المواطنين، وكذا التكوين الأساسي والتخصصي للموظفين، والإنصاف في نقل الخبرات والكفاءات إلى كل المرافق العمومية ذات الخصاص في هذه الخبرات والكفاءات.

 وقد سبق أن عبر الملك محمد السادس بكلمات جسدت المفهوم الحقيقي للنجاعة، وذلك في خطاب له يعود لسنة 2016 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، جاء من ضمنه ما يلي: “إننا نؤمن بأن النجاعة الإدارية تساهم في النهوض بالتنمية، وفي جلب الاستثمار الوطني والأجنبي، وتعزيز الثقة التي يحظى بها المغرب، لذا ندعو الجميع، حكومة وبرلمانا، أحزابا ونقابات، جمعيات وموظفين، للتحلي بروح الوطنية والمسؤولية، من أجل بلورة حلول حقيقية للارتقاء بعمل المرافق الإدارية، والرفع من جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.

إن إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكات والعقليات، وجودة التشريعات، من أجل مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن.

فالوضع الحالي، يتطلب إعطاء عناية خاصة، لتكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة، وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل، مع استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب. كما يتعين تعميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة، تتيح الولوج المشترك للمعلومات بين مختلف القطاعات والمرافق، فتوظيف التكنولوجيات الحديثة، يساهم في تسهيل حصول المواطن، على الخدمات، في أقرب الآجال، دون الحاجة إلى كثرة التنقل والاحتكاك بالإدارة، الذي يعد السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة الرشوة، واستغلال النفوذ”.

كما استنكر الملك في نفس الخطاب سوء التواصل والتجاوب بين الإدارة والمواطنين قائلا: “إن الصعوبات التي تواجه المواطن في علاقته بالإدارة كثيرة ومتعددة، تبتدئ من الاستقبال، مرورا بالتواصل، إلى معالجة الملفات والوثائق، بحيث أصبحت ترتبط في ذهنه بمسار المحارب. فمن غير المعقول أن يتحمل المواطن، تعب وتكاليف التنقل إلى أي إدارة، سواء كانت قنصلية أو عمالة، أو جماعة ترابية، أو مندوبية جهوية وخاصة إذا كان يسكن بعيدا عنها، ولا يجد من يستقبله، أو من يقضي غرضه، ومن غير المقبول، ألا تجيب الإدارة على شكايات وتساؤلات الناس وكأن المواطن لا يساوي شيئا، أو أنه مجرد جزء بسيط من المنظر العام لفضاء الإدارة. فبدون المواطن لن تكون هناك إدارة.

واختتم الخطاب نفسه بتأكيد الملك مسؤولية الجميع عن نجاعة الإدارة “والكل مسؤول على نجاعة الإدارة العمومية والرفع من جودتها باعتبارها عماد أي إصلاح وجوهر تحقيق التنمية والتقدم، الذي نريده لأبناء شعبنا الوفي”.

وما يجب الإشارة إليه أن دستور المملكة وضع إطارا توجيهيا للمعايير التي يجب أن تخضع لها المرافق العمومية، ومن هذه المعايير حسب الفصل 154 من الدستور: معيار الجودة، والنجاعة تجسيد للجودة في أبهى تجلياتها، وقد نظم الفصل 156 من الدستور العلاقة الإيجابية التي يجب أن تكون بين المرافق العمومية والمرتفقين، حيث ينص الفصل المذكور على ما يلي: “تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها، واقتراحاتهم وتظلماتهم، وتؤمن تتبعها.

ثالثا: ثورة التخليق:

يقوم التخليق في كنهه على وضع إطار قانوني للأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها أعوان المرافق العمومية، والمبادئ التي يجب أن يخضع لها هؤلاء الأعوان في ممارستهم لوظائفهم، وربط مسؤوليتهم بالمحاسبة، فيجب أن تكون قرارات المسؤولين عن المرافق العمومية سواء كانت بالرفض أو الإيجاب مبنية على أساس قانوني، وهو ما أكده الملك محمد السادس في الخطاب السالف ذكره سنة 2016 حيث قال: ” ومن حقه (أي المواطن) أن يتلقى جوابا عن رسائله، وحلولا لمشاكله، المعروضة عليها، وهي ملزمة بأن تفسر الأشياء للناس وأن تبرر قراراتها التي يجب أن تتخذ بناء على القانون“. وعلاقة بواجب الخضوع إلى القانون في تدبير الشأن العام الوطني والمحلي، فلا يسعنا نسيان ما جاء في خطاب العرش في ذكراه 18، إذ أكد ملك البلاد أن “الواجب يقتضي أن يتلقى المواطنون أجوبة مقنعة، وفي آجال معقولة، عن تساؤلاتهم وشكاياتهم، مع ضرورة شرح الأسباب وتبرير القرارات، ولو بالرفض، الذي لا ينبغي أن يكون دون سند قانوني، وإنما لأنه مخالف للقانون، أو لأنه يجب على المواطن استكمال المساطر الجاري بها العمل”. كم جاء تساؤله في محله وهو” وما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟”

وبالرجوع إلى دستور المملكة في فصله 155، نجده ينص بجلاء أن أعوان المرافق العمومية يمارسون وظائفهم وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة.

ونحن ننتظر على أحر من الجمر صدور القانون المتعلق بميثاق المرافق العمومية، والذي أكد الملك محمد السادس غير ما مرة على ضرورة التسريع بإخراجه، وإعطائه صبغة إلزامية، تجعل منه مرجعا رئيسيا للحكامة الجيدة، في تسيير وتدبير الإدارات العمومية، والجماعات الترابية والأجهزة العمومية، يجسد بكيفية صريحة وقوية، المفهوم الجديد للسلطة، الذي يشمل مختلف فئات ودرجات الإدارات والمرافق العمومية، دون استثناء، وعلى رأسها منظومة الوظيفة العمومية العليا.

وقد صادق المجلس الحكومي، على مشروع قانون هذا الميثاق، والذي لازالت مسودته لم تنشر للعموم احتراما للحق في الحصول على المعلومة وفقا للقانون 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، والذي توجب المادة 10 منه على ضرورة النشر الاستباقي للمعلومات ومنها مشاريع القوانين، بواسطة جميع وسائل النشر المتاحة خاصة الإلكترونية منها بما فيها البوابات الوطنية للبيانات العمومية.

ومهما يكن، فإن الفصل 157 من الدستور، يفيد أن التزام المرافق العمومية باحترام المواطنين والمرتفقين يجب أن يتم تجسيده من خلال إصدار ميثاق للمرافق العمومية.

وسوف ينص هذا الميثاق على المبادئ الكونية التي ينبغي أن تحكم علاقات المواطن مع المرافق العمومية، كما هي محددة في الفصول 154 و155 و156 من الدستور، ويجب أن يعمل هذا الميثاق على النهوض بالحكامة الجيدة والتنمية المستدامة، وأن يشكل أداة دائمة لتحسين وتحديث الإدارة، من أجل تمكين المرتفق من خدمة متلائمة مع حاجاته، في احترام لحقوقه وكرامته وخصوصيته.

وينبغي للميثاق كذلك أن يحترم مرجعية الحقوق كما حددها الميثاق الاجتماعي الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في دجنبر 2011، كما ينبغي له أن ينبني على المقتضيات العامة المتعلقة بواجبات ودور المرافق العمومية، بهدف إرساء وتحسين صورتها ومصداقيتها ومشروعيتها لدى المواطنين والمرتفقين، ولكن كذلك على أساس مقتضيات تتعلق بسلوك الأعوان العموميين أثناء ممارستهم لمهامهم، وبالتشريع، وبالأجهزة والآليات، وكذا بأدوات المراقبة والتتبع.

كما أن التصور المتعلق بميثاق المرافق العمومية يجب أن يضمن من جهة أخرى التوازن العادل بين حقوق الأعوان ومصالح السلطة وحاجيات المواطنين ومستعملي المرافق العمومية.

إن هذا الميثاق والنصوص التي تحدده وتعمل على تفعيله، تشكل كلها عمادا من أعمدة الاستراتيجية الموجهة لإصلاح المرافق العمومية وحكامتها[3].

وإن المسؤولية وإن كانت تشريفا وتكليفا في نفس الوقت، فإنها لا تعفي من تحمل تبعات المحاسبة، فربط المسؤولية بالمحاسبة يعد من الأسس التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة حسب الفصل الأول من الدستور، والمحاسبة والمسؤولية تعدان كذلك من المعايير الجوهرية التي تخضع لها المرافق العمومية حسب الفصل 154 من الدستور.

وحول مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، نعيد الأذهان لما قاله الملك محمد السادس في خطاب العرش في ذكراه 18، حيث قال: ” وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدإ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة.

إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] أنظر الموقع الإلكتروني لوزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية www.mmsp.gov.ma

[2] أنظر المادة 8 من المرسوم رقم 2.17.618 الصادر في 18 من ربيع الآخر 1440 ’26 ديسمبر 2018′ بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري

[3] تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول حكامة المرافق العمومية، http://www.ces.ma

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق