القانون الدولي و العلوم السياسيةفي الواجهةمقالات قانونية

التجمهر بين النص القانوني والممارسة: حق ممارسة التجمهر في المغرب الدكتور : أشخلف عبد الله الأستاذة : أشهبار سميرة

التجمهر بين النص القانوني والممارسة: حق ممارسة التجمهر في المغرب

الدكتور : أشخلف عبد الله

دكتور في العلوم القانونية والسياسية كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سوسي جامعة محمد الخامس بالرباط

الأستاذة : أشهبار سميرة

محامية بهيئة تطوان،

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI


https://doi.org/10.63585/EJTM3163

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

التجمهر بين النص القانوني والممارسة: حق ممارسة التجمهر في المغرب

الدكتور : أشخلف عبد الله

دكتور في العلوم القانونية والسياسية كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سوسي جامعة محمد الخامس بالرباط

الأستاذة : أشهبار سميرة

محامية بهيئة تطوان،

ملخص:

أثار حق التجمهر في التشريع المغربي وممارسات القائمين على إنفاذ القانون إشكالات قانونية وإجرائية، كما أثار جدل كبير بين المقاربات الردعية والزجرية والمقاربات الحقوقية والقانونية. مع الإشارة إلى أن القانون العادي المغربي أدرج التجمهر ضمن الممارسات العدوانية، مما جعلها ممارسة جرمية يعاقب عليها القانون وليست حقا أو مكسبا حقوقيا، وللإظهار جانب الجرم في التجمهر أضفى القانون المغربي عليه صفة الممارسة المسلحة. إلا أن دستور 2011 كان مخالفا تماما للقانون العادي، حيث أضفى الدستور المغربي على التجمهر صفة المشروعية وأدرجه في الباب الثاني الخاص بالحقوق والحريات الأساسية، وخصه بضمانات دستورية. مما يجعل الوثيقة الدستورية متطابقة مع الالتزامات الدولية للدولة الطرف، وهذه الخطوة كانت مهمة لإصلاح النصوص التشريعية العادية الخاصة بالتجمعات والاجتماعات العمومية السلمية، لأنها ضرورية لتصحيح ممارسات القائمين على إنفاذ القانون التي مازالت تعتمد مقتضيات ظهير 1.58.377 والقانون 76.00 المعدل له، رغم مرور أزيد من أربعة عشرة سنة على إصدار دستور 2011. وعلى مصادقة المغرب على عدة اتفاقيات دولية تشدد على احترام وتعزيز حق التجمعات السلمية.

الكلمات المفتاحية:

التجمعات والاجتماعات العمومية، التجمهر، السلمية، التسلح، التشريع الوطني، الالتزامات الدولية.

Assembly between legal text and practice: The right to assemble in Morocco

Achekhlaf Abdellah

Doctor of Legal and Political Sciences, Faculty of Legal, Economic and Social Sciences, Soussi, Mohammed V University, Rabat

Achahbar Samira

Lawyer at the Tetouan Bar, Master’s degree holder in Human Rights from the Faculty of Legal, Economic and Social Sciences in Tanger

Abstract  :

The right to assemble in Moroccan legislation and the practices of law enforcement officials have raised legal and procedural issues, as well as considerable controversy between deterrent and punitive approaches and human rights and legal approaches. It should be noted that Moroccan ordinary law classifies assembly as an aggressive practice, making it a criminal offense punishable by law rather than a right or legal entitlement. To highlight the criminal nature of assembly, Moroccan law has classified it as an armed practice. However, the 2011 Constitution was completely contrary to ordinary law, as it conferred legitimacy on assembly and included it in the second chapter on fundamental rights and freedoms, granting it constitutional guarantees. This brings the constitutional document into line with the international obligations of the State party. This step was important for reforming ordinary legislative texts on peaceful assemblies and public meetings, as it is necessary to correct the practices of law enforcement officials who still rely on the provisions of Dahir 1.58.377 and Law 76.00, as amended, despite the fact that more than fourteen years have passed since the adoption of the 2011 Constitution. Morocco has also ratified several international conventions that emphasize respect for and promotion of the right to peaceful assembly

Keywords :

Gatherings and public meetings, Crowd, Peaceful, armement, National législation, International obligations.

مقدمة:

تأسست ثقافة وفلسفة حقوق الإنسان على أساس حماية ممارسة الاستقلال الذاتي الفردي في التضامن مع الأخرين، وأكدت بأن هذه الحماية تتعزز في إطار النظم الديمقراطية وسيادة القانون والرغبة الفعلية لدى الأفراد والجماعات والمؤسسات في حماية واحترام جميع أشكال وأنواع وتصنيفات حقوق الإنسان، وحرصت على تفسيرها تفسيرا واسعا وتجويدها بما يتناسب مع المردودية والفعالية والسرعة في التنفيذ مسايرة لتطورات الأجيال المتلاحقة لحقوق الإنسان والمكرسة لمبدأ توسيع الحقوق بما يناسب الظروف والسياق والأحوال.

تعتبر التجمعات والاجتماعات السلمية بشكل عام، جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات الأساسية، والحق في التجمهر هو شكل من هذه الاجتماعات والتجمعات، حيث يعتمده الأفراد في بعض الحالات والقضايا ذات الطابع العفوي والفوري وغير المنظم للتعبير عن آرائهم يحال قضايا تهم حقوقهم الطبيعية. لذلك فإن القانون الدولي الذي اعتبر التجمهر حق من الحقوق الأساسية، لم يميز بينه وبين باقي أشكال التجمعات والاجتماعات والتظاهرات والاحتجاجات السلمية، ولم يخص هذا الحق بأي نص خاص أو استثنائي، كما لم يشمله أي تقييد أو منع إلا التي نص عليها القانون الدولي والمتعلقة بحماية النظام والأمن العام وفق معايير محددة (الشرعية -الضرورة -المجتمع الديمقراطي)، وهذه القيود الضرورية والمعقولة والمقبولة التي تصنف ضمن معايير حقوق الإنسان، تنسحب على جميع أشكال التجمعات والاجتماعات السلمية، وعلى باقي الحقوق والحريات الأساسية.

يكتسي حق التجمهر في القانون المغربي خلافا لما سبق طابعا خاصا، إذ يعتبره ممارسة عدوانية وإجرامية، وربط التجمهر بمتلازمة التسلح، مما أخرج هذه الممارسة من طابعها السلمي، وأدرجها في إطار الممارسات المستوجب للعقاب والجزاء، ولكي يؤكد المشرع المغربي على رفضه لحق التجمهر، ويقطع الطريق على أي مدخل لشرعنته فقد اعتبره ممارسة ممنوعة ومرفوضة حتى وإن كانت غير مسلحة، كما أن المشرع المغربي لم يصنف التجمهر في إطار (السلمي -غير السلمي) على غرار باقي أشكال التجمعات الأخرى، بل لازمه بصفة (مسلح – غير مسلح). وإن هذه الخلفية وراء اعتبار التجمهر ممارسة عدوانية محظورة، وحدد لها عقوبات سجنية مشددة وغرامات مالية. وإن تعاطي المشرع المغربي مع الحق في التجمهر بهذا الشكل وهذا الوصف، يفرض البحث عن طبيعة تصوره للحق في التعبير عن الرأي، ويفرض كذلك تحديد المنهجيات المعتمدة في التعاطي مع الحق في التجمعات العمومية بشكل عام والحق في التجمهر بشكل خاص، وإذا كان هذا الواقع يتعارض مع التزامات الدولة الطرف والمعنية فإن كشف مكامن الخلل سوف يجيب عن ضرورة إيجاد مخرج للتوفيق بين النصوص القانونية الداخلية فيما بينها من جهة، وبين الأخيرة والالتزامات الدولية من جهة أخرى.

الإشكالية الرئيسية:

إلى أي حد يمكن التوفيق بين النص الدستوري المغربي الذي يعتبر التجمهر ممارسة مشروعة وبين النص العادي الذي يعتبرها محظورة وبين الأخير والالتزامات الدولية؟

المحور الأول: التجمهر حق من الحقوق والحريات الأساسية

أدرج القانون الدولي لحقوق الإنسان التجمهر ضمن الحقوق والحريات الأساسية، وأكد على أن التجمعات والاجتماعات السلمية على درجة عالية من الأهمية لأنها تخدم أغراضا كثيرة بما فيها التعبير عن الآراء المختلفة التي لا تحظى بالشعبية أو أراء الأقليات، فيمكن للحق في التجمع السلمي أن يلعب دورا هاما في الحفاظ على الثقافة وتنميتها، كما هو الحال مع الحفاظ على هوية الأقليات، حماية حرية التجمع السلمي أمر جوهري لبناء مجتمع متسامح تعددي ذي المعتقدات المختلفة والسياسات والممارسات المتواجدة معا بسلام[1]. هناك بعض الأشكال من التجمعات العمومية التي تتطلب صياغة أحكام قانونية خاصة والتجمهر من ضمنها إلا أن الثابت والمؤكد في القانون الدولي لحقوق الإنسان هو حماية جميع أشكال التجمعات السلمية ومن بينها الحق في التجمهر. لذلك فالقانون الدولي صنف هذا الحق ضمن التجمعات والاجتماعات السلمية، ولم يشر إلى أي استثناء يتعلق بهذا الحق كما لم يخصه بقيود أو اعتبارات خاصة، ونظرا لدوره المحوري في تفعيل حقوق الإنسان بشكل عام، فقد تم التنصيص عليه في عدة صكوك دولية وإقليمية، مما يعني أنه من الممارسات المدرج ضمن الحقوق والحريات الأساسية التي لا ينبغي تجزئتها أو تقييدها أو التصرف فيها.

أولا: الحق في التجمعات السلمية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية”[2] ويبدو أن الإعلان العالمي يتحدث عن جميع التجمعات والاجتماعات دون تحديد أشكالها وأنواعها وتقييد بعضها أو توسيع بعضها الأخر، والصفة المشروطة في جميع هذه الأشكال هي صفة السلمية فقط. ويحق للأفراد والجماعات عقد الاجتماعات والاعتصامات والإضرابات والتجمعات والفعاليات والاحتجاجات السلمية، سواء عبر الإنترنت أو في الحياة الواقعية. ويشمل الحق في حرية تكوين الجمعيات حق الأفراد في التفاعل والتنظيم فيما بينهم للتعبير الجماعي عن المصالح المشتركة وتعزيزها والسعي إلى تحقيقها والدفاع عنها.[3] لذلك يعتبر التجمع السلمي وتكوين الجماعات والجمعيات السلمية حق مكفول لا يمكن المساس به وفقا لهذه المادة وهذا الإعلان، والأخير لم يستثني الحق في التجمهر في نصوصه ولم يستبعده في الممارسة، بل إن الحق في التجمهر حق مكفول لجميع الأفراد والجماعات وهو شكل من أشكال التجمعات والاجتماعات السلمية.

ثانيا: الحق في التجمعات السلمية في الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان

نصت عدة اتفاقيات دولية على الحق في التجمعات السلمية، وأكدت على أهمية هذا الحق وعلى دوره في التنمية بالمفهوم الواسع، ومساهمته في القضاء على الفساد، والحد من الانتهاكات، وتشجيعه على سيادة القانون. وفي هذا الإطار فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أكد على ضرورة حماية التجمعات السلمية أينما كانت، سواء في الهواء الطلق، أو في الأماكن المغلقة أو عبر الأنترنيت، أو في الفضاءين العام والخاص، أو مزيج منهما. وقد تتخذ هذه التجمعات أشكالا عديدة، بما فيها المظاهرات والاحتجاجات والمواكب والتجمعات والاعتصامات والوقفات على ضوء الشموع والتجمعات المفاجئة وسواء كانت ثابتة، مثل الاعتصامات أو متنقلة، مثل المواكب والمسيرات[4]. وجميع الأشكال السابقة محمية بنص العهد السابق الذي ينص على أن ” يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”[5]. وفي هذا الإطار ينبغي الإشارة والتأكيد على أنه لا ينبغي أن تنسب أعمال العنف أو المخالفات المتفرقة التي يرتكبها البعض إلى الأخرين الذين تظل نواياهم وسلوكياتهم سلمية بطبيعتها[6]، ولا ينبغي أن تعتمد الدولة الطرف والمعنية الأعمال العنيفة المتفرقة والمعزولة من طرف بعض المتجمهرين كسبب مباشر لحرمان الأفراد من حقهم في التجمع السلمي، أو ذريعة لتصفية الحسابات مع المعارضين، أو فرصة لتلفيق تهم ثقيلة مستوجبة لمتابعات جزائية قد تصل حد تصنيفها في خانة الجنايات. ومن جانب أخر فإن هذا العهد يفرض على الدول الأطراف التزاما باحترام الحق في جميع أشكال التجمعات السلمية وكفالة ممارستها دون تمييز.[7] كما نصت الاتفاقية الدولية الخاصة بمناهضة جميع أشكال التمييز العنصري بأن “تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الاثني، في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحق في حرية الاجتماع السلمي وتكوين الجمعيات السلمية أو الانتماء إليها”[8] وبدورها نصت الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل على أن ” تعترف الدول الأطراف بحقوق الطفل في حرية تكوين الجمعيات وفى حرية الاجتماع السلمي”[9]. وإلى جانب الاتفاقيات الدولية نصت كذلك عدة مواثيق إقليمية على حق الأفراد في التجمعات والاجتماعات السلمية، كالاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان[10]، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب[11]، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان[12]. والميثاق العربي لحقوق الإنسان[13]، والميثاق الإفريقي لحقوق الطفل[14]. إن تنصيص كل هذه الإعلانات والاتفاقيات الدولية والمواثيق والصكوك الإقليمية على الحق في التجمعات والاجتماعات السلمية يثبت حقيقة أن الحق في هذه الاجتماعات يرقى إلى مستوى القواعد العرفية القطعية التي لا ينبغي منعها بغض النظر عن المبررات والذرائع، وهذا راجع إلى دور هذه التجمعات في حماية الحقوق والحريات الأساسية والتنمية البشرية وتعزيز حقوق الإنسان بشكل عام. لذلك لا يمكن النظر إلى الاحتجاجات والتظاهرات والتجمهرات بأنها ممارسات تهدد الأمن والنظام العام، بل بالعكس فهي تعززه لأنها تساهم في اجتثاث الفساد والطغيان واستغلال السلطة والنفوذ، وفي تقويم الأساليب والممارسات غير القانونية والحقوقية الصادرة عن القائمين على إنفاذ القانون وأصحاب القرار. وإن هذه الممارسات تعتبر مداخل حقيقة تهدد الأمن والنظام العام وتهدد الاستقرار الاجتماعي وتفقد الثقة بين السلطة والجماهير، لذلك ينبغي حماية هذه التجمعات السلمية ودعمها وتعزيزها باعتبارها آلية رقابية اجتماعية تساعد على تحقيق الأمن بالمفهوم الواسع، وأسلوب فعال يقطع الطريق على الفساد، وأداة من أدوات تحقيق التنمية بمفهومها الشامل.

ثالثا: معايير تقييد الحق في التجمهر والتجمعات السلمية

وضع القانون الدولي لحقوق الإنسان عدة قيود على الحقوق والحريات الأساسية، ومن بينها الحق في التجمعات والاجتماعات السلمية، إلا أن هذه القيود أخضعها لعدة معايير دقيقة منسجمة إلى حد كبير مع ثقافة وفلسفة حقوق الإنسان التي تراعي تقاطع الحقوق، وتقدر الظروف والحالات والاعتبارات، لذلك فإن جل الحقوق والحريات الأساسية تستوجب في حالات عديد ضرورة اعتماد عدة تدابير خاصة، والأخير ليس خرقا لحقوق الإنسان أو تمييزا أو منهجا تراجعيا، وإنما هي أساليب تستحضر الأولويات وتركز على إنصاف الجميع، وتراعي تحديات بعض الحالات أو الاستثناءات أو السياقات. وفي هذا الإطار أكد المقرر الدولي على أنه “لا يعتبر الحق في التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات حقين مطلقين وفقا للمادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويرد بوضوح في القرار 21/15 (الفقرة 4 من منطوق القرار) أن هذين الحقين يمكن أن يخضعا “لقيود معينة ينص عليها القانون وتكون ضرورية في المجتمعات الديمقراطية لصون الأمن الوطني أو السلامة العامة أو حفظ النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”.[15]

1) معيار الشرعية

اعتمدت الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان معيار الشرعية لتقيد بعض الحقوق والحريات الأساسية، مما يعنى بأن الاتفاقيات الدولية سمحت في ظروف وحالات خاصة بتقييد بعض الحقوق الواردة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، واشترطت بأن يكون التقييد منصوصا عليه في القانون الوطني. وفي هذا الإطار فإن القانون الدولي يعتبر الحرية من متلازمات الكرامة الإنسانية إلا أنه نص على أن “لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه“.[16] كما أن العهد الدولي الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اعتبر الحق في الإضراب والتجمعات السلمية ضمن الحقوق والحريات الأساسية إلا أنه أكد بأن “يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون“.[17] ونفس التوجه اعتمده العهد الدولي الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عندما نص على “حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون”[18]. وأكدت الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بدورها هذا التوجه حينما نصت على أن ” لكل شخص الحق في حرية الاجتماع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، بما فيه الحق في إنشاء نقابات مع الغير والانتساب إلى نقابات لحماية مصالحه ولا يجوز وضع قيود على ممارسة هذه الحقوق غير تلك المنصوص عليها في القانون والتي تشكل تدابير ضرورية في المجتمع الديمقراطي، للأمن العام أو حماية النظام أو الصحة أو الأخلاق العامة، أو لحماية حقوق الغير وحرياته. لا تحول هذه المادة دون فرض قيود على ممارسة هذه الحقوق من أفراد القوات المسلحة أو الشرطة أو موظفي الإدارة العامة.[19]

إن إمكانية تقييد الحقوق والحريات الأساسية وارد بنص القانون الدولي، والأخير سمح للتشريعات الوطنية بتقييد عدة حقوق أساسية سواء منها المرتبطة بحق الأفراد في التجمعات والاجتماعات السلمية أو باقي الحقوق والحريات الأساسية الأخرى، إلا أنه ينبغي أن يتأسس هذا التقييد على أسباب موضوعية ومقبولة وضرورية، وفق ما يقتضيه التشريع الوطني عندما يعبر بكل وضوح وموضوعية على أنه لا ملاذ لتحقيق مصلحة عليا إلا بتقييد بعض الحقوق، ولا بديل عن تنفيذ سياسة تخدم المصلحة القومية وتحمي الآداب العامة والقيم الاجتماعية إلا بتقييد هذه الحقوق وفق مجتمع تحكمه قواعد الديمقراطية. وينبغي الإشارة إلى أن هذا التقييد لا علاقة له بتجزئة الحقوق أو التصرف فيها، كاعتبار مثلا الحق في التجمهر السلمي خارج باقي أشكال التجمعات والاجتماعات السلمية، فالحقوق مترابطة ومتشابكة وعلى درجة واحدة من الأهمية وتحقيق الأهداف، وليس هناك في القانون الدولي ما يبرر تصنيف شكل من أشكال التجمعات السلمية على أنه محظور وعدواني بناء على خلفيات تحكم تصور المشرع الوطني.

2) معيار الضرورة

وفقا للوصف الموجز لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، “لا تعني كلمة “ضروري” أن الأمر “ضروري على الإطلاق” أو “أساسي”، ولا تتحلى بمرونة عبارات مثل “مفيد” أو “ملائم” بل تعني بالأحرى أن هناك “حاجة اجتماعية ملحة” للتدخل[20]. بما يفيد أن التدخل لا يكون ضروريا إلا إذا عبر عن وجود مصلحة عليا للمجتمع تقتضي توقيف شكل من أشكال التجمعات أو الاجتماعات لأنها سوف تهدد مصلحة اجتماعية بشكل فعلي وواقعي ومتوقع، بحيث تقوم المؤسسات المعنية بمنع التجمعات بتقديم أدلة وقرائن فعلية تثبت العلاقة المباشرة بين منع التجمع ومصلحة المجتمع، وهذه الأدلة والقرائن ينبغي أن تسمح لأي فرد مهما كان مستواه العلمي والثقافي قادرا على تقدير وفهم حجم الأضرار التي يمكن أن يحدثها التجمع أو الاجتماع في حالة ما إذا عقد. ولا تكون هذه القيود ضرورية في حالة كانت غير واضحة أو فضفاضة أو توقعات وهمية واحتمالات غير مؤسسة. وفي هذا الإطار يشير المقرر الخاص للجنة المعنية بحقوق الإنسان بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد الذي ينص على ما يلي: “على الدول، عند فرضها أية قيود من هذا القبيل، أن تقيم الدليل على ضرورتها وألا تتخذ من التدابير إلا ما يكون متناسباً مع السعي إلى تحقيق الأهداف المشروعة بغية ضمان حماية الحقوق المنصوص عليها في العهد حماية مستمرة وفعالة[21]. ويمكن أن نفهم بأن “الضرورة” مرتبطة بالأساس بحماية الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية وليس شيء أكثر غيرها، وإن ادعاء حماية الأمن والنظام العامين ينبغي أن يحقق الغرض الأسمى منه وهو حماية الحقوق والحريات الواردة في هذه الاتفاقيات، وحماية واحترام حقوق الإنسان بشكل عام.

3) معيار المجتمع الديمقراطي

أكد إعلان وبرنامج عمل فيينا، بأن الديمقراطية تقوم على إرادة الشعب المعبر عنها بحرية لتقرير نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومشاركته التامة في جميع جوانب حياته. وإن مشاركة الشعب في اتخاذ القرار تقتضي احترام المال العام والمحافظة عليه، واحترام حقوق الإنسان، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون[22]. والهدف من الشروط السابقة الملازمة للمجتمع الديمقراطي هو الحفاظ على كرامة الفرد وحقوقه الأساسية وتعزيزها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، وتعزيز تماسك المجتمع، وتوطيد الأمان الوطني، وإرساء مناخ مؤات للسلام الدولي. وإن التصور السابق للمجتمع الديمقراطي بالعناصر والأهداف والشروط السابقة هي التي تعطي للدولة الديمقراطية إمكانية تقييد بعض الحقوق وفق ما تقتضيه المصلحة القومية، والنظام العام، وحقوق الأخرين، والآداب والصحة العامة، لذلك لا يرى القانون الدولي لحقوق الإنسان مانعا في تقييد بعض الحقوق والحريات الأساسية، في ظل مجتمع ديمقراطي بالمواصفات المذكورة. وهذا ما أسس عليه العهد الأول للحقوق المدنية والسياسية مبرراته لأجل منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي[23] في مجتمع ديمقراطي.[24] وفي نفس الاتجاه ذهب العهد الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عندما سمح بتقييد حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية، عندما يتعلق الأمر باعتماد الدولة تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي.[25] وهذا ما ذهبت إليه كذلك اتفاقية حقوق الطفل عندما سمحت بتقييد حرية الطفل في تكوين الجمعيات وفى حرية الاجتماع السلمي وفقا لما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي[26]. لذلك فإن معيار المجتمع الديمقراطي يعتبر شرطا أساسيا لتقييد بعض الحقوق والحريات الأساسية. ولقد فرض هذا المعيار بهذه المواصفات لقطع الطريق عن التقييد العشوائي وغير المبرر الذي تعتمده بعض الدول غير الديمقراطية، ويكون الهدف منه هو التملص من الالتزامات الدولية وتبرير الانتهاكات وفرض ما تمليه مصالح أصحاب القرار والقائمين على إنفاذ القانون بهدف حماية الفساد والاستبداد والتسلط. وإن الغاية الأساسية من تقييد هذه الحقوق في إطار المجتمع الديمقراطي هي التوفيق بين الحقوق المتقاطعة، وحماية حقوق الأخرين، والأخذ بعين الاعتبار ما تقتضيه حماية الأمن القومي والنظام العام والصحة والآداب العامة والقيم وغيرها من الاعتبارات الأخرى.

المحور الثاني: حق التجمهر في التشريع المغربي

تتباين القوانين المغربية المنظمة للحق في التجمعات والاجتماعات السلمية، في تصنيف الحق في التجمهر وفي مدى شرعيته، حيث تدرجه نصوص دستور 2011 ضمن الممارسات المقبولة وتعتبره حق من الحقوق الأساسية، بالمقابل يصنفه ظهير 1.85.377 والقانون رقم 00-76 المعدل للظهير السابق، ضمن الممارسات العدوانية والإجرامية المستوجبة للعقاب والجزر. وعلى الرغم من أن القانون الأخير يميز بين التجمهر المسلح والتجمهر غير المسلح، إلا أنه يعتبره ممارسة محظورة وممنوعة ومستوجبة للعقاب والجزاء. وعلى مستوى الممارسة أثبت الواقع انتصار القائمين على إنفاذ القانون للقانون المنظم للتجمعات والاجتماعات السلمية على حساب النص الدستوري. وهذا التباين يطرح عدة إشكالات قانونية وحقوقية ومؤسساتية

أولا: الحق في التجمهر في دستور 2011

ينص الدستور المغربي على أن “حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات”[27] إن هذا النص لا يميز بين التجمهر وباقي أشكال التجمعات والاجتماعات السلمية، فقد أدرج التجمهر ضمن الممارسة المقبولة والمشروعة، وجاء التنصيص عليه في الباب الثاني الخاص بالحقوق والحريات الأساسية، ولقد أحاطه بالضمانات الدستورية، وهذا الوضع التشريعي الذي يعتبر أسمى قانون داخلي يفرض بالضرورة على القوانين العادية أن تمتثل لمضمونه وروحه ومنطوقه، وهذا ما لم يتحقق مع القانون 00-76[28] والظهير 1.85.377[29] اللذان يطبقان على أرض الواقع حتى بعد دخول دستور 2011 حيز النفاذ، حيث مازالت مضامين هاذين النصين هما المعتمدان في الممارسة وفي القضاء الوطني، ولم تبادر الحكومات المتعاقبة أو القضاء الوطني إلى جعل القانونين السابقين منسجمين مع النص الدستوري، وتدارك إسقاط صفة العدوانية والإجرامية على التجمهر الذي هو في الحقيقة حق وممارسة مشروعة ومقبولة وفق النص الدستوري والحالة الاتفاقية للدولة الطرف. وإن الغرض من المصادقة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان هو تسهيل وضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية، من خلال جعل التشريع الوطني متطابق مع الالتزامات الدولية. فمن الأهمية بمكان أن تتجنب القوانين إقامة الرقابة المفرطة أو النظام البيروقراطي[30]. وينبغي أن تساعد القوانين التنظيمية “اللوائح” المفسرة للنص الدستوري بانفتاح المشرعين والقائمين على إنفاذ القانون على ثقافة وفلسفة حقوق الإنسان بالشكل الذي يسمح لهم بإبداع طرق وأساليب ذات مردودية ومفعولية لحماية حقوق الأفراد، وليس التفكير في وضع برامج وسياسات تحد من الحقوق والحريات أو اعتماد مناهج وتصورات وفلسفات غير منسجمة مع ما هو متعارف عليه ومتعامل به دوليا. وفي هذا الإطار يلاحظ أنه بعد دخول الدستور 2011 حيز النفاذ أصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية مذكرة[31] وزعت على وكلاء الملك العاميين لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية يحثهم على تنفيذ مضامين وأحكام قانون 00-76 والظهير 1.85.377، واللذان يرسخان الطابع العدواني والإجرامي للتجمهر، وإن هذه مذكرة تقطع الطريق على تفعيل مضمون الدستور، كما تقطع الطريق على تفعيل الالتزامات الدولية. وهذا المنهج الثابت والتصور التقليدي يؤكد إصرار الحكومة وباقي المؤسسات المعنية على إبقاء التجمهر وإدراجها ضمن الممارسات العدوانية والإجرامية التي تستوجب العقاب. رغم أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان وجه مذكرة لرئيس الحكومة سنة 2015 اقترح من خلالها عدة حلول كوجوب استحضار مبدأ القرينة القانونية للاجتماعات العمومية، وتبسيط المساطر، واستبدال العقوبات السالبة للحرية والاكتفاء بالغرامات، إضافة إلى ضرورة اعتماد مضامين الدستور بخصوص الحق في التجمهر، وعدم التشبث بما تنص عليه القوانين العادية في هذا الموضوع، وإن ملاحظات وتوصيات المجلس تندرج ضمن مسؤولياته ودوره في حماية الحقوق والحريات الأساسية كمؤسسة مستقلة ومتخصصة وتكميلية، فقد سبق للمجلس أن اعتبر القوانين المتعلقة بالتجمعات العمومية بشكل عام والتجمهر على وجه الخصوص غير منسجمة مع التزامات الدولة المعنية والطرف، ولا تتطابق مع فلسفة وثقافة الحقوق والحريات الأساسية. إلا أنه إلى حدود كتابة هذه السطور ما زالت الممارسة تعتمد مضمون القوانين المنظمة لحق التجمهر على حساب النصوص الدستورية رغم مرور أزيد من أربع عشر سنة على صدور دستور 2011.

ثانيا: حق التجمهر في القانون المغربي المنظم للتجمعات والاجتماعات العمومية

نص القانون المغربي المنظم للتجمعات والاجتماعات العمومية والسلمية في أول مادة متعلقة بالتجمهر على أنه ” يمنع كل تجمهر مسلح في الطريق العمومية ويمنع كذلك في هذه الطريق كل تجمهر غير مسلح قد يخل بالأمن العمومي”[32] يعبر هذا النص بشكل صريح وقناعة راسخة بأن التجمهر ممارسة عدوانية وإجرامية، لذلك، فإن المشرع ربط بشكل تعسفي بين التجمهر والتسلح باعتبار العلاقة بينها متلازمة طبيعية، وهذا التوجه يؤكد بشكل تعسفي العلاقة المباشرة والطبيعية بين التجمهر والعنف، وإن هذا الموقف المتشدد لدى المشرع لم يترك للحق في التجمهر أي مجال للإمكانية اعتباره ممارسة عادية، وبالأحرى اعتباره حق أساسي، بل ترسخت لدى المشرع قناعة بأن التجمهر بكل أشكاله يعتبر ممارسة شاذة وشريرة، لذلك فإنه لم يجد أي تعبير ليبدأ به الفصل المتعلق بحق ممارسة التجمهر سوى “يمنع” أي أنه لا مجال لاعتماد أي تفسير للتجمهر للقبول به كممارسة عادية وكشكل من أشكال الاحتجاج والتعبير، والثابت هو أنه ممارسة محظورة ومرفوضة وغير مقبولة في جميع الحالات، وإن الفقرة الأخيرة من النص تكرس ما سبق استنتاجه، حيث أن المشرع استعمل حرف “قد” ليؤكد التشكيك والحذر من هذه الممارسة التي يرى على أنها تؤدي إلى الإخلال بالأمن والنظام العام. لذلك فإن باقي الفصول[33] التي جاءت بعد الفصل السابع عشر لتنظم التجمهر ( وهي أول مادة خاصة بالتجمهر في إطار قانون 00-76) لم تعالج سوى العقوبات الخاصة بالأشخاص المتجمهرين. ويعبر هذا التوجه على عدم انسجامه مع مضامين الباب الثاني من دستور 2011، ومع المناهج والتدابير المتعارف عليها والمتعامل بها لدى المنظومة الحمائية الدولية، وهذه الأخيرة في شخص مقررها ترى بأن ممارسة الحريات الأساسية لا ينبغي أن تكون مرهونة بتصريح مسبق من السلطات، بل بإشعار مسبق كأقصى إجراء يكون أساسه المنطقي تمكين السلطات الحكومية من تيسير ممارسة الحق في حرية التجمع السلمي واتخاذ التدابير الرامية إلى صون السلامة العامة وحفظ النظام العام وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم[34]. ويلاحظ مما سبق أن الفرق بين تصور المشرع المغربي وتصور المقرر الدولي يكمن في طبيعة إدراكات المشرع المغربي المسيجة بهاجس حماية الأمن والنظام العام باعتباره هدف وغاية أسمى وأعلى ومقدسة، لذلك ساد على إدراكاته وثقافته وتصوره اعتقاد راسخ بأن التجمهر ممارسة سلبية ونابعة من نية سيئة وذات طابع انتقامي وعدواني يمكن أن تؤدي إلى الإخلال بالمقدس “الأمن والنظام العام”، لذلك فإنه لم يجد أي ملاذ للخلاص من شر التجمهر سوى صياغة قانون يمنع هذا التجمهر بغض النظر عن كونه ممارسة مشروعة وشكل من أشكال الاجتماعات السلمية. بالمقابل فإن المقرر الدولي الخاص أسس رؤيته على أساس أن التجمهر ممارسة مشروعة وحق أساسي، وأنه لا يمكن اعتبار نوايا المتجمهرين سيئة مادام أن هناك داعي موضوعي للتجمهر، وما دام أن التجمهر سلمي، وحيث أن الشخص بريء حتى تثبت إدانته، كما أن الواقع أثبت بأن عدد كبير من الاجتماعات والتجمعات والمظاهرات التي رخص لها ابتدأت سلمية وانتهت عنيفة وسقط خلالها ضحايا، بالمقابل أثبت الواقع أن حالات كثيرة للتجمهر وقعت في عدة مناسبات وعلى مدى عدة أسابيع أو أشهر لكن لم يتخللها أية ممارسات عنيفة. لذلك ليس العبرة بشكل الاحتجاج وإجراءاته القانونية، بل العبرة بحسن نية الأطراف (المتجمهرين والقوات الأمنية). وإن الاعتقاد الراسخ بأن التجمهر ممارسة سيئة يعتبر سببا وجيها ومباشرا لإخراجه من طابعه السلمي إلى ممارسة عنيفة.

المحور الثالث: موقف القضاء المغربي من الحق في التجمهر

يتبين من مخرجات الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء المغربي بجميع أنواعها (الابتدائية والاستئنافية والعادية أو الإدارية)، بأنها مرتبطة بالاجتهاد الشخصي للقضاة أكثر مما هو مرتبط بالقانون والإجراءات القانونية، وبحكم وجود تناقض في النصوص القانونية الوطنية بخصوص الحق في التجمهر بعد صدور دستور 2011، فإن الجانب الشخصي للقضاة ينكشف بوضوح أكثر، حيث هناك قضاة ثبتوا على المناهج التقليدية والثابتة، من خلال تطبيقهم منطوق ومضامين ظهير 1.58.377 وقانون 76-00 المعدل له بشكل صارم ومتشدد. وصنف أخر من القضاة حاولوا الانفتاح على مضامين الفصل 29 من الدستور، وعلى الالتزامات الدولية للدولة الطرف والمعنية، وهذا الانفتاح سمح لهم بتطبيق مقتضيات دستور 2011، ومضامين المواثيق الدولية، واعتماد المبادئ والقيم المتعارف عليها دوليا، وتوظيف المناهج الفورية والتدرجية.

أولا: الاتجاه القضائي المغربي المعتمد للمنهج التقليدي والثابت

يتبنى هذا الاتجاه المحاكم التي تتشبث بضرورة تطبيق القانون بشكل حرفي، وتفعيل المناهج التقليدية والثابتة والتراجعية، واعتماد السياسات الجنائية الأمنية والردعية. ويزداد هذا الإتجاه تشددا، كلما تعلق بالقضايا ذات الحساسيات المفرطة، والتجمهر من هذا النوع، لأن الأخير يرتبط أشد الارتباط بحماية الأمن والنظام العام. لذلك فإن القضاة في مثل هذه المواضيع يدركون بأن وظيفتهم الأساسية تكمن في حماية قداسة القانون وحماية الدولة والمؤسسات، ودرء لأي إحراج أو خطأ أو مسائلة يمكن أن يقع فيها القضاة فإن القرارات التي يصدرونها تعلل بناء على تطبيق القانون بحذافيره، ويسهرون على عدم الخروج على منطوقه، مع الحرس الشديد على تفعيل الإجراءات المنسجمة مع منطق العقوبة والردع والمنع والجزر بحجة حماية المقدس، ولا يخرج هذا التوجه عن التفسير الواسع لمفهوم سيادة الدولة، علما أن الأخير يقطع الطريق على أي تأويل يمكن أن يغلب حماية الحقوق والحريات الأساسية على حساب هذه السيادة. وفي هذا الاطار وعلى سبيل المثال اعتبرت المحكمة الإدارية بفاس[35]، بأن الوقفة الاحتجاجية التي قامت بها (جمعية مبادرات لحماية حقوق النساء) مظاهرة بالطريق العمومي حتى وإن لم تكن متحركة لأنها تشغل مكانا عموميا دون أن تمر بالضرورة بالطريق العام، لذلك فإن المحكمة أسقطت بشكل تعسفي الفصل 12 من قانون 00-76 على الوقفة الاحتجاجية الثابتة لأجل إيجاد مبرر لتأكيد خرق مقتضيات الفصل السابق الذي يقضي وجوب تقديم تصريح سابق للسلطة الإدارية المحلية، وضرورة احترام الآجال المحددة في ثلاثة أيام إلى خمسة عشرة يوما (مباشرة أو برسالة مضمونة)، ذلك أن الوقت يسمح للسلطة بدراسة التصريح وتقدير مخاطر المظاهرة، والإعداد لتأطيرها من الناحية الأمنية، لأن السلطات العمومية موكول لها حماية المظاهرة والمتظاهرين، وحماية الغير وحماية الممتلكات. وعليه، فإن عدم التزام الجهة المنظمة بهذه المقتضيات يوجب المنع، مما يعني أن قرار السلطة الإدارية المحلية يعد قرارا شرعيا غير معيب بتجاوز السلطة، وبسوء تأويل مقتضيات الفصل 12. ولقد اعتبر الإعفاء من وجوب التصريح محدد صراحة بنص القانون ويتعلق الأمر بالخروج إلى الشوارع العمومية طبقا للعوائد المحلية (الأعراس، الجنائز والمواسم). إلا أن المحكمة تجاهلت مقتضى الفصل 12 الذي وظف بشكل تعسفي، مما أدى إلى خرق أخر يتعلق بما ينص عليه الفصل السابق نفسه في فقرته الثانية التي تؤكد على ضرورة تحديد “الطرق المنوي المرور منها”. علما بأن للمحكمة تأكد لها بأن الوقفة الاحتجاجية لم تجوب الشوارع العمومية، إلا أن إصرار المحكمة على معاقبة هذه الوقفة، وبسبب تفعيل المناهج التقليدية فإن الوقفة الاحتجاجية قد تحرك رغم أنها كانت ثابتة في مكانها.

نفس الاتجاه ذهب إليه محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش عندما خلصت إلى أنه ليس هناك في التشريعات المقارنة ولا في الاجتهادات القضائية ما يحرم الإدارة من التدخل لاتخاذ التدابير الملائمة للمحافظة على الأمن العام ففي فرنسا تم إقرار مشروعية قرار منع مسيرة دينية لما تبين لمجلس الدولة الفرنسي الاضطرابات الجسيمة بالنظام العام التي أحدثتها المسيرات الدينية المماثلة في البلديات المجاورة.[36]

ويستنتج مما سبق بأن تفعيل المناهج التقليدية والثابتة، من نتائجها الطبيعة هي أولوية القانون على الحقوق والحريات الأساسية، وقداسة حماية الأمن العام والنظام العام على حساب حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وأن هدف القضاء هو حماية الدولة على حساب حماية الأفراد والجماعات، وأن احترام الإجراءات يعلو على احترام إرادة الأفراد.

ثانيا: الاتجاه القضائي المغربي المعتمد للمناهج الفورية والتدرجية

حاول هذا الاتجاه تطبيق القانون بما لا يتعارض مع روح القانون واحترام التراتبية القانونية والالتزامات الدولية، وتفعيل المبادئ والقيم المتعارف عليها والمتعامل بها دوليا، وسيادة القانون. والفلسفة السابقة قائمة على عدة مرتكزات منها: لا قداسة للقانون لأنه أداة وليس هدف، وأن الدولة أنشأت لأجل حماية الإنسان، وينبغي تفعيل المناهج الفورية والتدرجية والتفضيلية كلما تعلق الأمر بالحقوق والحريات الأساسية. وإن الكرامة الإنسانية هدف القانون ومسؤولية المؤسسات.

لقد ترجمت بعض المحاكم المغربية جزء من المرتكزات السابقة، حيث ذهبت المحكمة الاستئنافية بالجديدة، الغرفة الجنحية إلى أنه ” لم يثبت من خلال تصريح الأضناء تمهيديا وأمام المحكمة أنهم انتقلوا مرورا بشكل جماعي بالطرق العمومية فهم حسب القانون كانوا يقفون جماعة أمام مبنى البلدية ولم يجوبوا الشارع المحاذي لها كما أنه لم يثبت للمحكمة أن تجمهرهم يخل بالأمن العام”.[37] إن المحكمة لم تعتبر الوقفة احتلال للملك العام ولم تدرج هذه الوقفة ضمن المظاهرات المتحركة في الشوارع العمومية، مما يعني أنها لا تستوجب تطبيق الفصل 12 من قانون التجمعات العمومية. ومن جهة أخرى فإن المحكمة ذهب إلى اعتبار سلمية هذا التجمهر غير مستوجب للعقاب، لأنه كان ممارسة سلمية، وإن هذه السلمية منسجمة مع الفصل 29 من دستور 2011، ومع التزامات الدولة الطرف، ومتطابقة مع المبادئ والقيم المتعارف عليها والتعامل بها دوليا.

نفس التوجه السابق ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالرباط الغرفة الجنحية للرد على الحكم الابتدائي الذي اعتمد التعريف الفقهي للمظاهرة القائل بأن هذه الأخيرة “لا تقتضي بالضرورة التحرك و الجهر بالأفكار و الشعارات التي اجتمع من أجلها هؤلاء الأشخاص”، و حيث أنه لا داعي للرجوع إلى الفقه لتعريف المظاهرة ما دام القانون المنظم للتجمعات العمومية قد حسم في الأمر في الفقرة الثانية من الفصل 12 والقاضي بالتصريح إذ حدد بما لا يدع مجالا للشك بأن التصريح المقدم يتضمن من جملة ما يتضمن “الطرق المنوي المرور منها”، وعليه فلا بد لتحقيق الركن المادي للمظاهرة من تحرك المتجمهرين”[38]. ومن جهته خلص المجلس الأعلى في أحد قراراته إلى أنه “يستفاد من الفصل 12 أن الفعل المادي للمساهمة ضمن مظاهرة إنما يتحقق بالمرور الجماعي للمساهمين فيها بالطرق والشوارع وأن مجرد احتشاد الناس في مكان محدد إنما يعتبر تجمعا فقط”[39]. كما أن محكمة الإبتدائية بسدي سليمان اعتبرت أن خلو الملف مما يفيد تطبيق هذه المسطرة يجعل جنحة التجمهر غير المشروع منتفية، وصرحت ببراءة المتهمين منها، واكتفت بإدانة المتهمين بخرق قانون الطوارئ ومعاقبتهما بغرامة مالية قدرها 300 درهم (تعادل 30 دولار تقريبا).[40] ولقد حاولت محكمة الاستئناف بتطوان إنصاف الأطراف المعنية في أحد قراراتها من خلال إيمانها بأن “الحريات العامة وحقوق الإنسان في المملكة المغربية يضمنها القانون وليس من العدل المس بالمكتسبات في النهج الديمقراطي بمجرد إكراهات فرضتها بعض الأحداث”[41].

من خلال الفقرتين السابقتين يلاحظ على أن القضاء المغربي ينقسم إلى قسمين: الأول يفعل المناهج التقليدية والثابتة ويتناغم مع فكرة تقديس القانون وتطبيقه بشكل حرفي بما يتناسب مع الدولة الحارسة ويتناغم مع تفعيل سيادة الدولة بالمفهوم المطلق وحتى وإن تعلق الأمر بحماية واحترام حقوق الإنسان. والثاني منفتح على مضامين الحقوق والحريات الأساسية، ويجتهد في تفعيل المناهج الفورية والتدرجية، ويعتمد المبادئ والقيم المتعارف عليها ومتعامل بها دوليا، ويأخذ بعين الاعتبار التزامات الدولة الطرف، ويعطي الأولوية للحق على حساب القانون، ويحاول فرض منطق الدولة الحاضنة.

المحور الرابع: أساليب تعامل المؤسسات الأمنية مع التجمهر والمتجمهرين

سيادة الضبابية والتناقض في النصوص التشريعية المغربية المتعلقة بالحق في التجمهر، انعكس بشكل مباشر على ممارسات القائمين على إنفاذ القانون، وعلى رأسهم السلطات الأمنية، حيث وسعت هذه الضبابية من حيز السلطة التقديرية لهذه السلطات التي أصبحت تتعامل مع التجمهر والمتجمهرين بعدة أساليب لا تستند إلى نصوص تشريعية قطعية، ولا تخضع لأي إجراءات قانونية محددة وواضحة، وسبق لها أن تعاملت بعدة أساليب تباينت بين التدخل العنيف الذي أفضى إلى سقوط ضحايا، والاكتفاء بمنعه بأساليب مرنة، والسماح به في حالات أخرى مع الاكتفاء بالمراقبة دون الاحتكاك بالمتجمهرين[42]، وهذا التباين يرتبط في الغالب بطبيعة التجمهر، ومدته، وسياقه، ومطالب المتجمهرين، وسقف الشعارات التي ترفع أثناء التجمهر، والانتماءات السياسية والمهنية للمتجمهرين، وهو الأمر الذي يجعل المنظمات الحقوقية تصف تعامل الدولة مع المتجمهرين، بـ “التعامل المزاجي وغير المفهوم، مما جعلها تطالب السلطات بحكامة أمنية تحترم المقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بفض التجمهر”.[43] وإن إخراج القانون العادي للتجمهر من الممارسات المشروعة وإدراجه ضمن الممارسات العدوانية هيئ الأجواء المناسبة التي تسمح للسلطات الأمنية باعتماد الأساليب والممارسات القائمة على السياسات الردعية والأمنية التي تبيح استعمال أسلحة وأدوات مفضية إلى وقوع انتهاكات جسيمة، مما طرح التساؤل حول مدى تأطير القانون المغربي لأدوات القمع التي يستعملها الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون، ومدى احترام مبدأ التناسب، مما يجعل استعمال الأسلحة من طرف القوات الأمنية ليس فيه أي تدقيق، وهذا الوضع غير المنسجم مع المبادئ والقيم المعتمدة من طرف المنظومة الحمائية يفرض ضرورة تعديل المنظومة القانونية بما فيها الإجراءات المعتمدة وجعلها متطابقة مع الوثيقة الدستورية، ومع التزامات الدولة الطرف، ومع ثقافة وفلسفة حقوق الإنسان.

وإذا كان من اللازم تقييم طبيعة التدخلات الأمنية في حق التجمعات السلمية بشكل عام والوقفات الاحتجاجية والتجمهر بشكل خاص، فإن تقارير الهيئات الدولية تحظى بمصداقية كبيرة وتتمتع بمهنية وحرفية، كما أنها تشدد على تدقيق وتمحيص المعلومات والادعاءات إلى أقصى حد ممكن، وفي هذا الإطار فإن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ، أكدت أثناء زيارتها للمغرب في ماي 2014 بأن التقارير تتحدث عن الاستخدام المفرط للقوة من جانب ضباط إنفاذ القانون وأن هذه التدخلات مثيرة للقلق، حيث هناك حالات ورد فيها أن ضباط إنفاذ القانون استخدموا القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين. وثبت ذلك عن تصوير عمليات الضرب التي مارستها الشرطة بالفيديو. وهذا الأمر يحتاج إلى التحقيق فيه بشكل شامل[44]. ولقد شهد المغرب في سنة 2017 حراكا اجتماعيا في منطقة الريف وجرادة تدخلت السلطات الأمنية لقمعه رغم أنه ابتدأت بسلمية وعلى مدى عدة شهور،[45] وأفضت في الأخير إلى تدخلات عنيفة كان من نتائجها سقوط أحد المتجمهرين بالرصاص الحي، إضافة إلى قمع جل وقفات الأساتذة المتعاقدين السلمية لسنة 2023 والتي بدورها عرفت تدخلات عنيفة أفضت إلى وقوع إصابات خطيرة، وقمع كذلك الوقفات الاحتجاجية التي قام بها طلبة الطب والصيدلة لسنة 2024 والتي كانت بدورها سلمية. كل هذه التدخلات أثبتت بشكل واضح وعبر التوثيق المرئي حجم العنف المستخدم للحد من الوقفات الاحتجاجية والتجمهرات.

خاتمة:

إذا كانت التجمعات والاجتماعات وما يشابهها من أشكال الاحتجاجات تعتبر حقوقا وحريات أساسية، لا يمكن للدول تقييدها أو التصرف فيها أو تجزئتها، أو بالأحرى حرمان الأفراد منها، لأن ذلك يعود للدور الأساسي والطبيعي لهذه التجمعات في التنمية البشرية وتحسين وتجويد أنماط الحياة، إضافة إلى أن التعبير عن الرأي بشكل عام هو أداة مهمة لممارسة الرقابة على عمل القائمين على إنفاذ القانون بهدف الحد من الفساد والشطط في استعمال السلط واستغلال النفوذ المؤدي إلى الالتفاف حول حقوق الأفراد والجماعات، وهو في نفس الوقت أداة لتمكين الأفراد من جميع حقوقهم في إطار الكرامة الإنسانية.

ترسيخا لما سبق نوصي الأفراد (المحتجين والمتظاهرين والمتجمهرين) بإدراك حجم مسؤولياتهم حيال احترام مبدأ سلمية كل أشكال التجمعات العمومية لأجل حماية حقوق الأخيرين، والحفاظ على المرافق والمنشآت العامة والخاصة، وحماية السير العادي لمستعملي كل أنواع السبل للولوج إلى الطريق العمومية والمرافق والمحالات التجارية ومقر العمل والسكن، والحرص على عدم عرقلة السير بكل أنواعه، إضافة لحماية البيئة وجمالية المدينة، وضرورة سيادة الاعتقاد لديهم بأن التجمهر أو أي شكل من أشكال الاحتجاج والتظاهر ليس هو التخريب من خلال اعتماد العنف كذريعة للمساس بالمال العام أو الخاص أو إرباك السير أو العمل وإثارة الفوضى، كما لا يمكن أن يكون هدفا لأن الأمر يتعلق بالمطالبة بالحق وليس الانتقام من الغير. بالمقابل نوصي (المشرعين والقائمين على الشأن العام والمعنيين بإنفاذ القانون) بالاقتناع والإيمان بأن حماية الحقوق والحريات الأساسية بشكل عام، وحماية كل أشكال التجمعات السلمية والحق في الرأي والتعبير هي مسؤولية الدولة والمؤسسات، وأن الأخيرة أنشأت لغرض هذه الحماية كهدف أسمى ، لذلك لا ينبغي أن تنظر الدولة إلى هذه التجمعات السلمية بعين الريبة وتعتبرها معرقلة لعمل المؤسسات، لأن أي تدخل لمنع أو قمع هذه التجمعات العمومية السلمية يعتبر مخالفا للقانون ومتعارضا مع الحقوق والحريات الأساسية ومتنافيا مع دور الدولة الذي يتجسد في حماية حقوق الأفراد وكرامتهم الإنسانية قبل حماية القانون أو المؤسسات.

ويمكن أن نستنتج من خلال روح القانون وفلسفة الحقوق والتجارب المقارنة والسوابق القضائية للآليات الدولية التعاقدية وغير التعاقدية، بأن التزام الأفراد بما سبق الإشارة إليه مع استشعار فلسفة الحق والواجب، يعتبر الصخرة التي تتكسر عليها الممارسات الشاذة والمنحرفة التي يمكن أن تصدر عنهم، وتتكسر عليها كذلك التصورات الخاطئة والسياسات والمنهجيات غير المجدية الصادرة عن القائمين على الشأن العام وإنفاذ القانون.

وإن وضوح الرؤية وتقسيم الأدوار وتحديد الأهداف وتحمل المسؤوليات من طرف كل مكونات المجتمع والدولة هو ضمانة أساسية لتجنب وقوع الانتهاكات الجسيمة من طرف الدولة ضد الأفراد والجماعات، وأداة كابحة وفعالة لعدم حدوث فوضى من طرف الأفراد التي يمكن أن تعرقل السير العادي للمؤسسات أو تؤدي إلى تخريب المنشآت والمرافق.

نخلص في الأخير إلى أن تسلح الأفراد والقائمين على إنفاذ القانون وأصحاب القرار بما فيهم المشرعين بثقافة حقوق الإنسان وفلسفته هي الأداة الفضلى والوسيلة المرنة لإسقاط صفة التسلح على التجمهر وفق تصور المشرع المغربي، وإسقاط حالة الفوضى التي يمكن أن يثيرها المتجمهرين والسلطات الأمنية، واعتماد هذا الأسلوب المرن يسقط التهم الموجهة ضد الدولة الطرف والمعنية والمتعلقة بارتكاب الخروقات والانتهاكات الجسيمة والممنهجة في حق الأفراد والجماعات، ويسقط حالة التوجس والنفور بين الأفراد والقائمين على إنفاذ القانون. وجميع الخطوات السابقة تعتبر أساليب وأدوات معبدة للطريق للانتقال من الدولة الحارسة إلى الدولة الحاضنة، ومن دولة القانون إلى دولة سيادة القانون، ومن دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

قائمة المراجع:

القوانين الوطنية:

  1. الدستور المغربي لسنة 2011.
  2. القانون رقم 76.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.58.377 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفمبر 1958)؛ بشأن التجمعات العمومية. كما وقع تغييره وتتميمه. صيغة موطدة بتاريخ 29 نوفمبر 2023.
  3. الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.284 بتاريخ 6 ربيع الأول 1393 (10 أبريل 1973)؛ الجريدة الرسمية عدد 3154 بتاريخ 7 ربيع الأول 1393 (11 أبريل 1973)، ص 1066.

قرارات المحاكم الوطنية:

  1. حكم المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان، ملف رقم 17479/2102/2022، بتاريخ 09/19/2023.
  2. قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، رقم 1362، الغرفة الأولى، بتاريخ 15/11/ 2009.
  3. قرار المحكمة الإدارية بفاس- في حكم عدد 325 / 2006 في الملف الإداري عدد 115/غ/ 2006 بتاريخ 10 مايو 2006.
  4. قرار محكمة الاستئناف بالجديدة، الغرفة الجنحية، رقم 1236 /01 بتاريخ 21/03/ 2003
  5. قرار محكمة الاستئناف بتطوان، ملف رقم 3183/2003، صادر بتاريخ 08/10/2003.
  6. قرار محكمة الاستئناف بالرباط الغرفة الجنحية، رقم 6997 صادر بتاريخ 21 / 11/ 2001.
  7. قرار المجلس الأعلى عدد 1781/ 4 بتاريخ 07/07/1999.

الإعلانات والاتفاقيات الدولية والإقليمية:

  1. الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل 1990 بدأ العمل به في 29 نوفمبر 1999.
  2. الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل لسنة 1989.
  3. الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ميثاق بانجول(، تم إجازته بتاريخ 27\06\1981، ودخل حيز النفاذ يوم 21\10\1986.
  4. الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان سان خوسيه في 22/ 11/1969
  5. العهد الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لسنة 1966.
  6. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966.
  7. الاتفاقية الدولية المعنية بمناهضة جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965.
  8. الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية روما، في 4 نوفمبر 1950، معدلة بعدة بروتوكولات.
  9. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.

التعليقات العامة للهيئات الدولية لحقوق الإنسان ومنشورات الأمم المتحدة:

  1. التعليق العام رقم 37 (2020) بشأن الحق في التجمع السلمي، الوثيقة: CCPR/C/GC/37
  2. الملاحظات الافتتاحية التي أدلت بها مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، نافي بيلاي، في مؤتمر صحفي في الرباط بالمغرب، بتاريخ 29 مايو 2014.
  3. منشورات مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) والتابع لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي OSCE))، مبادئ توجيهية بشأن حرية التجمع السلمي، الطبعة الثانية، وارسو/ ستراسبورغ 2010
  4. التعليق العام رقم 31 (2004) للجنة المعنية بحقوق الإنسان.

التقارير والقرارات الآليات الدولية:

  1. التقرير المشترك للمقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمقرر المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفا بشأن الإدارة السلمية للتجمعات. الوثيقة: A/HRC/31/66
  2. تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، الوثيقة A/HRC/20/27

المواقع الإلكترونية:

1) الموقع الرسمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على الرابط التالي: https://www.ohchr.org/ar/topic/freedom-assembly-and-association#:

2) https://www.ohchr.org/ar/about-democracy-and-human-rights

  1. منشورات مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) والتابع لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي OSCE))، مبادئ توجيهية بشأن حرية التجمع السلمي، الطبعة الثانية، وارسو/ ستراسبورغ 2010، ص 15.
  2. الفقرة (1) من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.
  3. انظر الموقع الرسمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على الرابط التالي: https://www.ohchr.org/ar/topic/freedom-assembly-and-association#:
  4. انظر الفقرة 6 من التعليق العام رقم 37 (2020) بشأن الحق في التجمع السلمي، الوثيقة: CCPR/C/GC/37
  5. المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لسنة 1966.
  6. الفقرة 20 من التقرير المشترك للمقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمقرر المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفا بشأن الإدارة السلمية للتجمعات. الوثيقة: A/HRC/31/66
  7. الفقرة 1 من المادة 2 من العهد السابق.
  8. الفقرة 9 من المادة 5 من الاتفاقية الدولية المعنية بمناهضة جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965.
  9. الفقرة 1 من المادة 15 من الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل لسنة 1989.
  10. الفقرة 1 من المادة 11 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية روما، في 4 نوفمبر 1950، معدلة بعدة بروتوكولات.
  11. المادة 11 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ميثاق بانجول(، تم إجازته بتاريخ 27\06\1981، ودخل حيز النفاذ يوم 21\10\1986.
  12. المادة 15 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان سان خوسيه في 22/ 11/1969
  13. المادة 24 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس، في 24 ماي 2004.
  14. المادة 8 من الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل 1990 بدأ العمل به في 29 نوفمبر 1999.
  15. تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، ص 7، الوثيقة A/HRC/20/27
  16. الفقرة 1 من المادة 9 من العهد الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لسنة 1966.
  17. المادة 21 من العهد الأول للحقوق المدنية والسياسية مرجع سابق.
  18. الفقرة (أ) من المادة 8 من العهد الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لسنة 1966.
  19. الفقرتان 1 و2 من المادة 11 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لسنة 1950.
  20. منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، انظر المرجع التالي: Key Guiding Principles of Freedom of Association with an Emphasis on Non-Governmental .Organizations, para. 5
  21. الفقرة 6 من التعليق العام رقم 31 (2004) للجنة المعنية بحقوق الإنسان.
  22. انظر الموقع الرسمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة على الرابط التالي: https://www.ohchr.org/ar/about-democracy-and-human-rights
  23. لا يجوز الاحتجاج بالأمن القومي لتبرير التدابير المقيدة لبعض الحقوق إلا إذا كانت تلك القيود متخذة فقط لحماية وجود الأمة أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي من استعمال القوة أو التهديد باستعمالها.
  24. الفقرة 1 من المادة 14 من العهد الأول للحقوق المدنية والسياسية، مرجع سابق.
  25. الفقرة 3 من المادة 8 من العهد الدولي الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مرجع سابق.
  26. الفقرة (أ) و(ب) من المادة 15 من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989.
  27. الفقرة الأولى من الفصل 29 من الدستور المغربي لسنة 2011.
  28. القانون رقم 76.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.58.377 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 (15 نوفمبر 1958)؛ بشأن التجمعات العمومية. كما وقع تغييره وتتميمه. صيغة موطدة بتاريخ 29 نوفمبر 2023.
  29. الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.284 بتاريخ 6 ربيع الأول 1393 (10 أبريل 1973)؛ الجريدة الرسمية عدد 3154 بتاريخ 7 ربيع الأول 1393 (11 أبريل 1973)، ص 1066.
  30. منشورات مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) والتابع لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي OSCE))، مبادئ توجيهية بشأن حرية التجمع السلمي، الطبعة الثانية، وارسو/ ستراسبورغ 2010، ص 27.
  31. منشور المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عدد 92 س2 بتاريخ 12 أكتوبر 2015.
  32. الفصل 17 من القانون رقم 76.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.58.377 مرجع سابق.
  33. انظر على سبيل المثال الفصول 19 و20 و21 و22 من قانون 00-76 المرجع السابق.
  34. تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع الـسلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، ص 10، الوثيقة A/HRC/20/27
  35. قرار المحكمة الإدارية بفاس، حكم عدد 325 / 2006 الملف الإداري عدد 115/غ/ 2006، بتاريخ 10 مايو 2006.
  36. قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، رقم 1362، الغرفة الأولى، بتاريخ 15/11/ 2009.
  37. قرار محكمة الاستئناف بالجديدة، الغرفة الجنحية، رقم 1236 /01 بتاريخ 21/03/ 2003
  38. قرار محكمة الاستئناف بالرباط الغرفة الجنحية، رقم 6997 صادر بتاريخ 21 / 11/ 2001.
  39. قرار المجلس الأعلى عدد 1781/ 4 بتاريخ 07/07/1999.
  40. حكم المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان، ملف رقم 17479/2102/2022، بتاريخ 09/19/2023.
  41. قرار محكمة الاستئناف بتطوان، ملف رقم 3183/2003، صادر بتاريخ 08/10/2003.
  42. مثلا التدخلات الأمنية العنيفة في حق حراك الريف وجرادة لسنة 2017، والتدخلات الأمنية في حق الأساتذة المتعاقدين لسنة 2020، وكذلك التدخلات الأمنية في حق طلبة الطب والصيدلة لسنة 2024.
  43. أمين السعيد: تفريق الوقفات الاحتجاجية بالمغرب، جدل بين معايير التدخل الأمني ومضامين القانون، نقلا عن الموقع الرسمي لشبكةCNN العربية.
  44. الملاحظات الافتتاحية التي أدلت بها مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، نافي بيلاي، في مؤتمر صحفي في الرباط بالمغرب، بتاريخ 29 مايو 2014. 
  45. أكدت هذه السلمية عدة منظمات دولية ووطنية. وعمليا استمر الحراك منذ نهاية أكتوبر 2016 حتى نهاية يونيو 2017، حين بدأت موجة الاعتقالات الواسعة التي طالت عشرات الشباب في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى