التنبؤ الإجـــــرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي: حدود المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة في المسطرة الجنائية – ذ. عدنان السباعي
التنبؤ الإجـــــرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي:
حدود المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة في المسطرة الجنائية
ذ. عدنان السباعي
باحث في الشؤون القانونية والعلوم الجنائية
خريج ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية
إطار عالي في وزارة الصحة والحماية الاجتماعية

مقدمة
شهد العالم في العقود الأخيرة تحولا جذريا في مختلف مناحي الحياة نتيجة التطور الهائل الذي عرفته التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم الركائز التي يعول عليها في تحقيق التحول الرقمي الشامل. وقد تجاوز هذا التطور المجالات التقنية والهندسية ليطال ميادين أكثر حساسية، من قبيل ميدان العدالة، الذي ظل لوقت طويل بمنأى عن التكنولوجيا الحديثة، بدعوى قدسية عمل القاضي وحرمة المسطرة الجنائية واستقلالية السلطة القضائية.
لكن، وبفعل التحولات الرقمية العميقة، بدأت بعض الأنظمة القضائية حول العالم في تبني مقاربات جديدة تروم إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل التقاضي، من التحري والتحقيق وصولا إلى إصدار الأحكام القضائية. ومن بين أبرز هذه التطبيقات الحديثة، يبرز ما يسمى بالتنبؤ الإجرامي، وهي مقاربة تقوم على توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الجنائية والتنبؤ باحتمال وقوع الجرائم مستقبلا، أو بتكرارها من طرف أفراد معينين، أو تحديد مناطق جغرافية مرشحة لارتفاع معدلات الجريمة.
ويقوم التنبؤ الإجرامي على خوارزميات معقدة تتغذى من معطيات رقمية ضخمة، تشمل بيانات شخصية، جنائية، اجتماعية واقتصادية، يتم تجميعها من مصادر متعددة، من قبيل قواعد بيانات الشرطة، وسجلات المحاكم، والكاميرات الذكية، وشبكات التواصل الاجتماعي. هذه الخوارزميات تسعى إلى رسم أنماط سلوكية تمكن من اتخاذ قرارات استباقية في مواجهة الجريمة، وهو ما يشكل تحولا نوعيا في فلسفة العدالة الجنائية، حيث لم تعد ترتكز فقط على أفعال إجرامية وقعت فعلا، بل صارت تركز أيضا على ما قد يقع مستقبلا.
غير أن هذا التوجه الجديد، وإن كان يحمل وعودا كبيرة بتحقيق نجاعة أمنية وفعالية في تدبير الجريمة، فإنه يثير في الآن نفسه العديد من الإشكالات القانونية والحقوقية، لعل أبرزها مدى مشروعية هذا النوع من التنبؤات في ضوء المبادئ الأساسية للمسطرة الجنائية، وعلى رأسها
قرينة البراءة، وشرعية التجريم والعقاب، وحق الدفاع، واستقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة.
فإذا كانت المسطرة الجنائية في فلسفتها التقليدية قائمة على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية المبنية على الفعل الإرادي المجرم والمعاقب عليه قانونا، فإن التنبؤ الإجرامي يدفع بنا نحو تصور مغاير، يقر باحتمال وجود مسؤولية جنائية “مستقبلية” بناء على مؤشرات تقنية قد لا تعكس بالضرورة حقيقة نوايا الشخص أو قدرته الفعلية على ارتكاب الجريمة، وهو ما يضعنا أمام خطر الانزلاق نحو ما يسمى بالعدالة التنبؤية التي قد تقوض أسس العدالة التقليدية.
وفي هذا السياق، يطرح التساؤل الجوهري حول مدى توافق استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الإجرامي مع المبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، والتي جميعها تكرس مبدأ المحاكمة العادلة وحقوق المتهم في مواجهة سلطة الدولة.
ومن جهة أخرى، يثير هذا الموضوع نقاشا موازيا يتعلق بالإطار القانوني المؤطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي، ومدى قدرة التشريعات الوطنية، بما فيها التشريع الجنائي المغربي، على مواكبة هذه التحولات الرقمية السريعة، ووضع ضوابط قانونية كفيلة بضمان الاستخدام الرشيد والمسؤول لهذه التقنيات في إطار يحترم الحقوق والحريات الأساسية.
فالتشريع المغربي، رغم ما عرفه من تطورات في السنوات الأخيرة، ما زال يفتقر إلى نصوص صريحة تنظم استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في المسطرة الجنائية، سواء في مرحلة البحث التمهيدي أو التحقيق أو المحاكمة، كما أن الاجتهاد القضائي المغربي لم يتبلور بعد في هذا المجال، مما يفتح الباب أمام فراغ تشريعي قد يهدد أمن الأفراد القانوني، ويفتح المجال أمام تعسف محتمل في استعمال هذه التقنيات دون رقابة فعالة أو ضمانات حقيقية.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالسلوك الإجرامي يطرح أيضا إشكالية التحيز الخوارزمي، حيث أظهرت دراسات دولية أن بعض الأنظمة الذكية قد تنتج قرارات منحازة ضد فئات اجتماعية معينة، بسبب اعتمادها على بيانات غير متوازنة أو مفعمة بأحكام مسبقة، وهو ما قد يؤدي إلى تكريس التمييز بدل محاربته، ويعرض مبدأ المساواة أمام القانون للخطر.
ومن ثمة، فإن دراسة موضوع التنبؤ الإجرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي تفرض علينا القيام بقراءة مزدوجة، تقنية وقانونية، تروم فهم آليات اشتغال هذه الأنظمة الذكية من جهة، وتفكيك آثارها القانونية على ضمانات المحاكمة العادلة من جهة ثانية، خاصة في ظل غياب إطار قانوني صريح ينظم هذه الممارسات في التشريع المغربي.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة في الوقت الراهن، بالنظر إلى السرعة التي تتطور بها تقنيات الذكاء الاصطناعي، والضغوط التي تواجهها الأنظمة الجنائية التقليدية لمواكبة هذه الطفرة التكنولوجية، وكذا بالنظر إلى الرهانات الكبرى المرتبطة بتعزيز الأمن، دون المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين. كما أنه يشكل إسهاما علميا يروم إثراء النقاش الوطني حول الرقمنة والعدالة، وتسليط الضوء على التحديات القانونية والأخلاقية التي تطرحها التكنولوجيا في مجال حساس كالعدالة الجنائية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن موضوع البحث يندرج ضمن النقاشات الحديثة على الساحة الدولية، حيث شرعت عدد من الدول المتقدمة في وضع استراتيجيات وطنية متكاملة لإدماج الذكاء الاصطناعي في العدالة، بموازاة مع إصدار مبادئ توجيهية ومعايير أخلاقية لضمان احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، ومن بينها ما أصدره مجلس أوروبا ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي. وهو ما يفرض على المشرع المغربي التفكير الجدي في بلورة إطار تشريعي متكامل ينظم هذا المجال، في أفق اعتماد سياسة جنائية رقمية تتماشى مع تطورات العصر.
انطلاقا مما سبق، تأتي هذه الدراسة لمحاولة الإحاطة بمختلف أبعاد موضوع التنبؤ الإجرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال مساءلة مدى مشروعية هذه المقاربة التقنية، ومدى انسجامها مع ضمانات المحاكمة العادلة في المسطرة الجنائية المغربية، والبحث في السبل الممكنة لتقنينها ضمن إطار قانوني يحقق التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان، مع الاستئناس بالتجارب المقارنة التي قطعت أشواطا في هذا المجال.
بالنظر إلى ما سبق، يمكن صياغة الإشكالية الرئيسية على الشكل التالي:
إلى أي حد يمكن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الإجرامي دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة ومبادئ المشروعية في المسطرة الجنائية، خصوصا في ظل غياب إطار قانوني صريح ينظم هذه الممارسة في التشريع المغربي؟
ومن هذه الإشكالية تتفرع مجموعة من التساؤلات الفرعية التي تسهم في تفكيك أبعاد الموضوع، من بينها:
ما هي الآليات التقنية التي يعتمد عليها التنبؤ الإجرامي بالذكاء الاصطناعي، وما مدى فعاليتها ودقتها في تحليل السلوك الإجرامي؟
هل يشكل اعتماد التنبؤ الإجرامي خرقا لقرينة البراءة وشرعية التجريم والعقاب؟
إلى أي حد يمكن القول إن استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي يهدد مبدأ المساواة أمام القانون في ظل احتمالية التحيز الخوارزمي؟
ما موقع التشريع المغربي من هذه التحولات الرقمية، وهل يتوفر على ضمانات كافية لحماية حقوق الأفراد في مواجهة القرارات التنبؤية؟
وما هي التجارب المقارنة المعتمدة في هذا المجال، وما الدروس التي يمكن استخلاصها لصياغة إطار قانوني مغربي متوازن؟
وفي سبيل معالجة هذه الإشكالية، سنعتمد على التقسيم الثنائي، حيث سنتطرق في المبحث الأول على الإطار النظري والتقني للتنبؤ الإجرامي بالذكاء الاصطناعي، اما في المبحث الثاني سنتحدث عن حدود مشروعية التنبؤ الإجرامي وضمانات المحاكمة العادلة في المسطرة الجنائية.
المبحث الاول: الإطار النظري والتقني للتنبؤ الإجرامي بالذكاء الاصطناعي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تستعمل في المجالات الصناعية أو التجارية فحسب، بل تحول إلى قوة مؤثرة في السياسات العمومية، وتحديدا في مجال العدالة الجنائية، حيث بدأت العديد من الأنظمة القضائية في اختبار إمكانيات هذه التكنولوجيا في تحليل الأنماط الإجرامية، والتنبؤ بسلوك الأفراد والمجموعات، وتوجيه تدخلات الأجهزة الأمنية والقضائية بشكل أكثر دقة ونجاعة. ويعتبر التنبؤ الإجرامي واحدا من أبرز التطبيقات المعاصرة للذكاء الاصطناعي في هذا السياق، إذ يقوم على معالجة كميات ضخمة من المعطيات الجنائية والشخصية والاجتماعية بهدف استباق وقوع الجرائم أو تحديد المشتبه فيهم أو حتى تقييم درجة خطورتهم الإجرامية.
إن هذا التحول المفاهيمي والتقني الذي عرفه تدبير الظاهرة الإجرامية يطرح ضرورة الإحاطة بالإطار النظري الذي يقوم عليه، سواء من خلال تتبع تطور مفهوم التنبؤ الإجرامي في الفقه الجنائي، أو من خلال استعراض الخلفية التقنية المعتمدة في تصميم وتدريب النماذج الذكية المستخدمة في هذا المجال. فالتنبؤ الإجرامي ليس مجرد إجراء آلي، بل هو نتيجة تركيب معقد بين منطق علم البيانات، وخوارزميات تعلم الآلة، والسلوك البشري المتغير باستمرار، مما يستدعي فهما دقيقا لطبيعة هذه التفاعلات.
وتبرز أهمية هذا الإطار المزدوج، النظري والتقني، في كونه يشكل الأساس الذي تقوم عليه الممارسات التنبؤية، وهو ما يسمح بتقييمها بشكل موضوعي، وفهم حدودها وإمكاناتها، قبل
الخوض في إشكالاتها القانونية والحقوقية. كما أن دراسة هذه الجوانب التقنية تكتسي أهمية خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بعمل بعض الخوارزميات المعتمدة في هذا المجال، والتي توصف أحيانا بالصندوق الأسود، نظرا لعدم شفافية طريقة اتخاذها للقرارات التنبؤية.
المطلب الأول: مفهوم التنبؤ الإجرامي ومرتكزاته التقنية
يعتبر التنبؤ الإجرامي أحد التطبيقات المتقدمة للذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي، حيث يستند إلى نماذج رياضية وخوارزميات تحليل البيانات من أجل توقع احتمال وقوع الجريمة أو إعادة ارتكابها. وقد برز هذا المفهوم كاستجابة تكنولوجية لتنامي الحاجة إلى أدوات أكثر دقة في الوقاية من الجريمة وتحسين التدخلات الأمنية والقضائية، خاصة في ظل التوسع الهائل في حجم البيانات الرقمية المتاحة.
ويرتكز التنبؤ الإجرامي على فكرة أن السلوك الإجرامي ليس عشوائيا بالكامل، بل يمكن تحديد أنماط معينة له من خلال تحليل المعطيات السابقة المرتبطة بالمجرمين والضحايا ومواقع الجريمة والظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة. وهو ما يتيح إمكانيات استباقية للسلطات، سواء تعلق الأمر بتحديد المناطق الأكثر عرضة للجريمة، أو تصنيف الأفراد وفق درجة الخطورة، أو حتى اتخاذ قرارات متعلقة بالإفراج المشروط أو العقوبات البديلة.
غير أن هذه الممارسة، ورغم ما تتيحه من إمكانات علمية، تثير تساؤلات جوهرية بشأن مدى مشروعية الاعتماد على تقنيات تنبؤية في محيط المسطرة الجنائية، خاصة إذا استندت إلى خوارزميات لا تخضع للرقابة أو تفتقر إلى الشفافية والعدالة. ومن هنا، فإن فهم هذا المفهوم والمرتكزات التقنية التي يقوم عليها يشكل مدخلا ضروريا لتقييم آثاره القانونية والحقوقية.
الفقرة الأولى: التطور المفاهيمي للتنبؤ الإجرامي وأبعاده التطبيقية
لقد ارتبطت محاولات التنبؤ بالسلوك الإجرامي منذ نشأة علم الإجرام بمساعٍ دؤوبة لفهم دوافع ارتكاب الجريمة وتفسيرها، حيث اجتهد الباحثون في تطوير نظريات علمية تفسر الأفعال الإجرامية، انطلاقا من مقاربات نفسية واجتماعية وسلوكية وبيولوجية. فقد حاولت المدرسة الوضعية مثلا، من خلال أعمال سيزار لومبروزو، ربط السلوك الإجرامي بخصائص بيولوجية فطرية لدى الإنسان، بينما رأت المدرسة الاجتماعية في الجريمة نتاجا لعوامل بيئية ومجتمعية مثل الفقر، والتهميش، والتمييز. ورغم التباين بين هذه المدارس، فإن القاسم المشترك بينها ظل هو محاولة التنبؤ باحتمالية السلوك الإجرامي بناء على مجموعة من المؤشرات القبلية التي تعتبر، من وجهة نظر تلك المدارس، مؤشرا على وجود قابلية لارتكاب الجريمة.
غير أن هذه المقاربات التقليدية كانت في معظمها استنتاجية أو تجريبية محدودة، وغالبا ما افتقرت إلى الدقة والموضوعية، لأنها كانت تعتمد على عينات صغيرة ومعايير غالبا ما تكون ذات طابع عام أو انطباعي. ولم يكن بالإمكان الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات قانونية أو أمنية، نظرا لغياب الأدوات التقنية التي تسمح بقياس علمي واحتمالي مضبوط للسلوك الإجرامي. ولهذا السبب، بقي التنبؤ بالسلوك الإجرامي لعقود طويلة مجرد أداة نظرية في يد الباحثين، أكثر من كونه أداة عملية في يد صناع القرار.
ومع بروز الطفرة الرقمية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، وتطور قدرات الذكاء الاصطناعي، تغير المشهد جذريا. فقد أصبح بالإمكان جمع كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالأفراد والمجتمعات والظواهر الإجرامية، سواء من خلال السجلات الجنائية أو البيانات الجغرافية أو النشاط الرقمي أو حتى بيانات وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبحت هذه البيانات قابلة للتحليل بواسطة خوارزميات دقيقة قادرة على استنتاج أنماط سلوكية وتوقع احتمالات سلوك إجرامي مستقبلي بدقة نسبية مرتفعة.
في هذا السياق، ظهر مصطلح التنبؤ الإجرامي بصيغته الحديثة، كنتاج لتلاقي بين علم الجريمة الكلاسيكي وعلم البيانات الحديث. وبدأت بعض الأنظمة الأمنية، خصوصا في الولايات المتحدة، توظيف هذه الإمكانيات التقنية بشكل عملي، من خلال برامج ذكية مثل PredPol وCompStat وHunchLab، التي تقوم على تحليل بيانات الجريمة السابقة لتوقع أماكن أو فئات أو حتى أوقات ارتفاع نسبة الجرائم في المستقبل القريب، وهو ما يسمح بتوجيه الموارد الأمنية بشكل استباقي نحو تلك المناطق أو الفئات المستهدفة.
ولا يقتصر التنبؤ الإجرامي على المستوى الأمني الوقائي فقط، بل امتد إلى مراحل المسطرة الجنائية، حيث يتم اليوم توظيف الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تقييم خطورة المشتبه فيهم، ومدى احتمال عودتهم للإجرام، وذلك من أجل اتخاذ قرارات قضائية تتعلق بالإفراج المؤقت، أو بتحديد طبيعة العقوبة، أو بتدبير إعادة الإدماج. وتوجد أمثلة عديدة على ذلك، منها نظام COMPAS المعتمد في بعض المحاكم الأمريكية، والذي يقدم للقضاة تقارير تنبؤية حول احتمال تكرار السلوك الإجرامي من طرف المتهم.
هذه الاستخدامات فتحت نقاشا واسعا حول أبعاد التنبؤ الإجرامي، ليس فقط باعتباره أداة تقنية حديثة، بل كتحول بنيوي في فلسفة العدالة الجنائية. فبدل أن تبقى العقوبة والجزاء رهينة لفعل وقع فعلا وتم إثباته وفق مساطر محددة، أضحى بالإمكان اتخاذ قرارات قضائية استنادا إلى احتمالات لم تقع بعد، ما يقود إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين الوقاية والعقاب.
وتطرح هذه التحولات أسئلة عميقة حول مدى موضوعية هذه التنبؤات، ومدى تأثيرها على مبادئ أساسية مثل قرينة البراءة، وشرعية التجريم، وحرية الإنسان في التصرف. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يجعلنا أمام إشكالية مركزية تتعلق بالثقة في الخوارزميات: هل يمكننا الاعتماد على أدوات رياضية في تقييم سلوك بشري معقد؟ وهل يمكن للآلة أن تحل محل القاضي
في التقدير الأخلاقي والقانوني؟ وماذا عن التحيزات التي قد تشوب البيانات، أو النماذج الرياضية نفسها؟
إلى جانب هذه الأبعاد الفلسفية، فإن للتنبؤ الإجرامي أبعادا سياسية ومجتمعية أيضا، إذ أنه يؤثر بشكل مباشر في السياسات الأمنية وفي استهداف فئات معينة من السكان، خصوصا في ظل غياب رقابة فعالة على طريقة تجميع البيانات، وكيفية استخدامها، وشفافية القرارات الناتجة عنها. وقد كشفت العديد من التقارير الدولية عن وجود خوارزميات ذات طبيعة تمييزية، تستهدف بالأخص الأقليات أو الطبقات الفقيرة، نظرا لاعتمادها على بيانات تاريخية قد تكون مفعمة بأحكام مسبقة وتحيزات مؤسساتية.
إن التنبؤ الإجرامي، في شكله الحديث، يمثل إذن قطيعة مع النموذج الكلاسيكي للعدالة الجنائية، ويجسد انتقالا من المنطق الزجري القائم على الأفعال الماضية، إلى منطق احتمالي يقوم على الاستشراف والتوقع. وهو تحول يحتاج إلى نقاش قانوني وأخلاقي عميق، وإلى وعي علمي دقيق بطبيعة هذا المفهوم، وكيفية اشتغاله، وحدوده التقنية والإنسانية، وذلك قبل الخوض في جدلية مشروعيته ومدى احترامه لضمانات المحاكمة العادلة.
الفقرة الثانية: الأسس التقنية والخوارزمية التي يقوم عليها التنبؤ الإجرامي
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم يلعب دورا محوريا في تشكيل أنماط جديدة من التفكير الجنائي، وذلك من خلال الخوارزميات التي تسمح بتحليل معطيات ضخمة لا يستطيع العقل البشري الإحاطة بها أو الربط بينها بنفس السرعة والدقة. وفي سياق التنبؤ الإجرامي، تقوم هذه الخوارزميات بدور جوهري يتمثل في استخلاص الأنماط والعلاقات الخفية داخل البيانات الجنائية، وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للاستعمال من طرف الجهات الأمنية أو القضائية بهدف اتخاذ قرارات استباقية.
ويستند التنبؤ الإجرامي إلى مجموعة من الأسس التقنية المتشابكة، أولها يتعلق بالبيانات الضخمة أو ما يعرف بـ Big Data، وهي مجموعات هائلة من المعطيات المتنوعة التي تشمل معلومات حول الجرائم السابقة، هوية الجناة، أماكن ارتكاب الجريمة، توقيتها، نوعها، الفئة الاجتماعية أو الإثنية المرتبطة بها، إضافة إلى البيانات الشخصية المتعلقة بالمشتبه فيهم، مثل مستواهم التعليمي، وضعهم المهني، حالتهم الأسرية، وسلوكهم الرقمي. هذه البيانات يتم تجميعها من مصادر متعددة، منها قواعد بيانات الشرطة، سجلات المحاكم، الكاميرات الذكية، وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى المعطيات التي تجمعها شركات خاصة تعمل في مجال الأمن الرقمي.
أما الأساس الثاني فيتمثل في الخوارزميات، وهي مجموعات من التعليمات البرمجية التي يتم تدريبها على تحليل هذه البيانات واستخراج أنماط متكررة. ومن بين أشهر الخوارزميات المعتمدة في التنبؤ الإجرامي نجد خوارزميات التصنيف Classification التي تسعى إلى تصنيف الأفراد إلى فئات حسب درجة الخطورة المحتملة، وخوارزميات الانحدار Regression التي تحاول تحديد احتمالية حدوث جريمة معينة في منطقة جغرافية معينة أو في زمن معين، فضلا عن تقنيات التعلم الآلي Machine Learning التي تطور أداءها الذاتي بشكل تدريجي كلما زادت كمية البيانات التي تتغذى منها.
ويتم أحيانا الاستعانة بالخوارزميات القائمة على التعلم العميق Deep Learning، خاصة عند التعامل مع البيانات غير المنظمة مثل الصور أو النصوص أو الفيديوهات، حيث يتم تدريب الشبكات العصبية الاصطناعية على التعرف على سلوكيات أو مؤشرات غير مباشرة قد تكون مرتبطة بنية الفرد على ارتكاب فعل إجرامي. وتتمثل قوة هذه الخوارزميات في قدرتها على اكتشاف روابط معقدة بين المتغيرات يصعب على الإنسان استنتاجها بطريقة تقليدية، مما يمنحها قدرة تنبؤية عالية نسبيا.
لكن مقابل هذه القدرة التقنية، تطرح العديد من الإشكالات العملية والقانونية المرتبطة بطريقة اشتغال هذه الخوارزميات. فالكثير منها يشتغل داخل ما يسمى بالصندوق الأسود Black Box، حيث لا يمكن حتى للمبرمجين أنفسهم فهم كيف وصلت الخوارزمية إلى نتيجة معينة، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على مبدأ الشفافية في اتخاذ القرار، خاصة في ميدان حساس كالمسطرة الجنائية، التي تقوم على مبدأ علنية الإجراءات وتمكين الأطراف من الاطلاع على أسس الاتهام أو الحكم. وهذا الغموض التقني قد يؤدي إلى المساس بحق الدفاع إذا ما تم تقديم نتائج تنبؤية أمام المحكمة دون القدرة على تفسيرها أو مناقشتها علميا وقانونيا.
إضافة إلى ذلك، فإن أداء الخوارزميات مرتبط بشكل وثيق بجودة البيانات التي يتم إدخالها. فإذا كانت هذه البيانات تحمل تحيزا منهجيا أو تاريخيا، فإن الخوارزمية ستعيد إنتاج هذا التحيز بشكل آلي، وقد تؤدي إلى قرارات ظالمة تمس فئات بعينها، مثل الأقليات العرقية أو الأشخاص المنتمين لطبقات اجتماعية هشة. ولعل من أبرز الانتقادات التي وجهت إلى أنظمة التنبؤ الإجرامي، خاصة في الولايات المتحدة، أنها كرست بعض التحيزات العنصرية نتيجة اعتمادها على بيانات شرطية غير متوازنة أو تعكس ممارسات تمييزية سابقة. وهو ما يفتح النقاش حول مدى إمكانية الحديث عن عدالة خوارزمية عندما تكون المدخلات نفسها غير عادلة.
كما أن هذه الخوارزميات تتطلب بيئة قانونية وتنظيمية قادرة على ضبط استعمالها، سواء من حيث شروط إدخال البيانات، أو مراقبة طريقة الاشتغال، أو تقنين النتائج التي تصدر عنها. وفي غياب ذلك، فإن الخطر يصبح مضاعفا، إذ لا يمكن تحميل الذكاء الاصطناعي المسؤولية القانونية عن قرارات قد تكون غير موضوعية أو تنطوي على خطأ جسيم في التقدير، بينما لا توجد جهة قضائية أو إدارية واضحة تتحمل المسؤولية الكاملة عنها.
وتطرح أيضا مسألة السيادة التقنية، حيث إن الكثير من البرامج المستخدمة في التنبؤ الإجرامي تُنتج من طرف شركات خاصة، وغالبا في دول أجنبية، وهو ما يجعل الدول التي تعتمدها في ممارساتها الأمنية أو القضائية رهينة لأنظمة مغلقة قد لا تكون متحكمة فيها بالكامل، وقد تكون معرضة للقرصنة أو الاستغلال التجاري، مما يهدد المعطيات الشخصية والأمن القانوني للأفراد.
وإجمالا، فإن الأسس التقنية والخوارزمية التي يقوم عليها التنبؤ الإجرامي، رغم ما توفره من إمكانيات متقدمة في تحليل المعطيات وتوقع السلوك، تظل مشروطة بعدة عناصر أساسية، من بينها جودة البيانات، وشفافية النماذج، ورقابة الدولة، والمسؤولية القانونية، مما يجعل من الضروري إعادة التفكير في كيفية توظيف هذه الأدوات ضمن المنظومة الجنائية، بما يضمن حماية الحقوق والحريات، ويحافظ على توازن المسطرة بين الفعالية الأمنية والعدالة القانونية.
المطلب الثاني: الأسس الفلسفية والقانونية لفكرة التنبؤ بالسلوك الإجرامي
إذا كانت الخوارزميات والتقنيات الحديثة تشكل العمود الفقري للتنبؤ الإجرامي، فإن هذه الآليات لا تشتغل في فراغ، بل تستند إلى تصورات فلسفية وقانونية عميقة تتعلق بطبيعة الإنسان، وحدود الحرية والمسؤولية، ومفهوم الدولة الحديثة في علاقتها بالوقاية من الجريمة. فالسؤال الجوهري الذي يطرحه التنبؤ الإجرامي لا يتعلق فقط بكيفية توقع الجريمة، بل بمدى مشروعية محاسبة الأفراد على أفعال لم تقع بعد، انطلاقا من مؤشرات ومعطيات إحصائية. وهو ما يستدعي دراسة الخلفية النظرية التي تأسس لها هذا النموذج التنبؤي، واستحضار المبادئ القانونية الكبرى التي قد تتقاطع أو تتعارض معه، وعلى رأسها مبدأ الشرعية الجنائية، وقرينة البراءة، واستقلالية القضاء، وحدود تدخل الدولة في حياة الأفراد.
الفقرة الأولى: الأسس الفلسفية لفكرة التنبؤ بالسلوك الاجرامي
يعتبر التنبؤ الاجرامي اليوم من نتاج الثورة التكنولوجية الحديثة، غير انه يمتد الى اصول فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة الانسان وعلاقته بالحرية والمسؤولية، وهي مسائل شكلت عبر التاريخ محور نقاشات واسعة في الفلسفة والاخلاق وعلم الاجتماع. فهم الاسس الفلسفية لفكرة التنبؤ بالسلوك الاجرامي يتطلب العودة الى النقاشات الكبرى حول حرية الارادة من جهة والحتمية من جهة اخرى، التي تشكل الإطار الفكري الذي يتداخل معه هذا المفهوم في إطار العدالة الجنائية.
في الفلسفة التقليدية، وخاصة في التراث القانوني الغربي، تربط المسؤولية الجنائية بالاختيار الحر للفرد وبالوعي والارادة في ارتكاب الفعل. فالإجرام في هذا السياق هو فعل ارادي متعمد صادر عن شخص حر، وهو ما يستوجب تحميله المسؤولية القانونية والعقابية. ويرتكز هذا على مبدأ اساسي، وهو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يؤكد انه لا جريمة ولا عقوبة الا بنص قانوني مسبق، وبان العقاب لا يصح الا على فعل وقع وتم اثباته، وليس على توقع او احتمال. ومن هنا فان العدالة الجنائية الكلاسيكية تقوم على فكرة رد الفعل القانوني لما حدث بالفعل وليس لما قد يحدث.
لكن مع تطور العلوم الاجتماعية والنفسية بدأت تظهر تيارات فكرية تدعو الى اعادة النظر في مفهوم الحرية المطلقة، معتبرة ان السلوك الانساني بما فيه السلوك الاجرامي قد يكون محددا بعوامل بيولوجية او بيئية او اجتماعية تجعل الفرد أكثر عرضة للوقوع في الجريمة. فأخذت نظريات الحتمية او الحتمية الشرطية مكانها في الساحة الفكرية مدعية ان الفعل الاجرامي ليس اختيارا حرا تماما بل نتيجة حتمية لعوامل مسبقة يمكن دراستها والتنبؤ بها.
ومن هنا برزت فكرة امكانية التنبؤ بالسلوك الاجرامي استنادا الى هذه العوامل، وهي فكرة تحمل ابعادا فلسفية عميقة. اذ يطرح السؤال هل من العدل تحميل الشخص المسؤولية القانونية إذا كان سلوكه محكوما بعوامل خارجة عن ارادته؟ وهل يجوز للدولة ان تتدخل استنادا الى توقعات مبنية على معطيات احصائية ونماذج تنبؤية لمحاولة منع جريمة قد لا تقع اصلا؟ هذه الاسئلة تفتح الباب امام نقاشات اخلاقية وقانونية معقدة حيث تتصادم مبادئ الحرية الشخصية والكرامة الانسانية مع الحاجة الى حماية المجتمع من الجريمة.
في إطار العدالة التنبؤية يتغير دور الدولة من الرد على الجريمة بعد وقوعها الى محاولة السيطرة عليها عبر التنبؤ والاستباق وهذا يشكل تحولا فلسفيا وقانونيا عميقا في علاقة السلطة بالمواطن اذ تنتقل من مراقبة السلوك الفعلي الى مراقبة نوايا وسلوكيات محتملة وهو ما يثير مخاوف بشأن التسلط المسبق والرقابة الاجتماعية المفرطة التي قد تهدد الحريات الاساسية.
اضافة الى ذلك فان التنبؤ الاجرامي يرتبط بمفهوم الانسان المبرمج او الفرد المتوقع وهو تصور يرى ان الافراد يمكن تصنيفهم وتحديد خطورتهم بناء على بيانات سلوكية واجتماعية مما يطرح تساؤلات حول العدالة الاجتماعية واحتمالية التمييز والوصم المسبق. فهل يمكن فصل هذا التنبؤ عن تأثيرات التحيزات الاجتماعية والاقتصادية وهل هناك خطر في ان تتحول هذه التكنولوجيا الى ادوات قمعية تستهدف فئات معينة دون غيرها؟
كما ان من بين الابعاد الفلسفية المهمة للنظر في التنبؤ الاجرامي هو مفهوم الخطأ والتسامح حيث ان التنبؤات مهما بلغت دقتها لا تخلو من احتمال الخطأ وهو امر لا يمكن تجاهله في مجال العقوبات والحقوق فالاعتراف بالخطأ يستدعي وجود آليات للإنصاف واعادة النظر في القرارات التنبؤية وهو ما يطرح بدوره تحديات على النظام القانوني الذي يعتمد على مبدأ عدم رجعية القوانين والتأكيد على حقوق المتهمين.
في الختام فان دراسة الاسس الفلسفية لفكرة التنبؤ بالسلوك الاجرامي تبرز اهمية التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق الافراد وتدعو الى تأمل نقدي للتحديات التي يفرضها هذا التحول التكنولوجي على المفاهيم التقليدية للحرية والمسؤولية والعدالة وهو ما يمهد الطريق لتحليل الجوانب القانونية التي تستلزمها هذه الفكرة في إطار المسطرة الجنائية ولا سيما فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وحدود تدخل الدولة.
الفقرة الثانية: الأسس القانونية لفكرة التنبؤ بالسلوك الاجرامي
تتطلب فكرة التنبؤ الاجرامي، التي تستند على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، قراءة قانونية دقيقة تأخذ في الاعتبار المبادئ الاساسية التي تقوم عليها المسطرة الجنائية وحماية حقوق الانسان. فالقانون الجنائي التقليدي مبني على مجموعة من المبادئ الراسخة التي تهدف الى ضمان العدالة، حماية حرية الافراد، واحترام كرامتهم، ومن بين هذه المبادئ مبدأ الشرعية، وقرينة البراءة، واستقلال القضاء، والعلنية، ومبدأ عدم جواز العقاب الا على فعل مثبت. وهذه المبادئ، وهي اساس كل نظام قانوني جنائي ديمقراطي، تضع قيودا صارمة على كيفية التعاطي مع الاجرام والعقاب.
مبدأ الشرعية، وهو من اهم المبادئ القانونية، ينص على انه لا جريمة ولا عقوبة الا بنص قانوني مسبق واضح ومحدد، يضمن ان يكون العقاب مقرونا بفعل معين وقع بالفعل وتم اثباته. وهو مبدأ يشكل حجر الزاوية في حماية الافراد من الاجتهادات التعسفية وقرارات الظلم، بحيث لا يجوز معاقبة اي شخص على افعال لم تكن تعتبر جريمة في وقت ارتكابها، ولا يجوز توقيع عقوبة الا بموجب حكم قضائي عادل. وعليه، فإن التنبؤ الاجرامي، الذي يقوم اساسا على توقع احتمالات مستقبلية وليس على فعل وقع فعليا، يضع هذا المبدأ في تحد مباشر، ويطرح سؤالا قانونيا جوهريا حول مدى شرعيته في إطار النظام الجنائي.
اذ كيف يمكن التوفيق بين عقاب مبني على احتمالات واحصائيات وبين مبدأ عدم العقاب الا على فعل ثبت؟ وهل يجوز استخدام هذه التوقعات كأساس لاتخاذ قرارات قضائية مثل توقيف مؤقت، او تحديد عقوبات مسبقة، او حتى حرمان من حرية التنقل، استنادا الى نتائج تحليلية قد تكون غير دقيقة او متحيزة؟ هذه الاسئلة تفتح بابا واسعا للنقاش القانوني، خاصة في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم ويحدد شروط استخدام هذه التقنيات في المسطرة الجنائية.
اما مبدأ قرينة البراءة، فهو ضمانة اساسية تحمي المتهم من التعرض للعقاب قبل ثبوت ادانته وفق اجراءات قانونية عادلة. ويعني هذا المبدأ ان كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت ادانته بحكم قضائي نهائي. لكن التنبؤ الاجرامي يعيد تشكيل هذا المفهوم، اذ انه قد يؤدي الى تحويل حالة المتهم من بريء الى مشتبه فيه ذي خطورة جنائية استباقية بناء على معطيات تنبؤية. وهذا قد يؤدي الى اتخاذ اجراءات احترازية ضده قبل وقوع الجريمة او اثباتها، مما قد يهدد حقه في محاكمة عادلة وضمانات الدفاع، ويمس بحقوقه الاساسية في الحرية والكرامة.
علاوة على ذلك، فان استقلال القضاء وعلنية الجلسات هما ركيزتان اساسيتان في المسطرة الجنائية، لضمان شفافية ونزاهة الاجراءات القضائية. الا ان اعتماد خوارزميات الذكاء الاصطناعي المعقدة والتي تشتغل غالبا فيما يسمى بالصندوق الاسود، اي بدون شفافية في طريقة عملها او الاسس التي اعتمدت عليها في التوقع، يجعل من الصعب على الاطراف الاطلاع على اسباب ومرتكزات القرارات المتخذة بناء عليها. وهذا يضع الدفاع في موقف ضعف، ويجعل الطعون القانونية محدودة، وهو ما يهدد مبدأ المساواة امام القانون وحق المتهم في محاكمة عادلة.
وعلى صعيد اخر، تتطلب التقنيات المستخدمة في التنبؤ الاجرامي بيئة تنظيمية وقانونية صارمة لتنظيم جمع البيانات واستخدامها وحمايتها. فهذه البيانات غالبا ما تكون حساسة وشخصية، ويمكن ان تشمل معلومات عن السلوكيات، العلاقات، المواقع، والتاريخ الجنائي، مما يثير مخاوف جدية حول الخصوصية وسلامة المعطيات. ومن هنا، يجب ان تضع القوانين ضوابط واضحة لحماية البيانات، ومنع التمييز او الاستخدام التعسفي للمعطيات، خاصة إذا ما استخدمت الادوات التنبؤية في مجال يخص الحرية والحقوق الاساسية.
وتبرز ايضا الحاجة الى وجود آليات رقابية مستقلة لمراقبة عمل هذه الخوارزميات وتقييم نتائجها لضمان عدم التحيز او الخطأ، واحترام قواعد العدالة. فلا يكفي ان تكون النماذج الرياضية دقيقة
فحسب، بل يجب ان تكون قابلة للفهم والمراجعة من قبل جهات قانونية مختصة، لضمان شفافية الاجراءات وحماية الافراد.
كما تطرح مسألة المسؤولية القانونية عن القرارات المتخذة استنادا الى التنبؤات، اذ انه في حال وقوع خطأ او ظلم بسبب اعتماد خاطئ على نتائج التنبؤ، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل هي الجهات الامنية، القضائية، ام شركات البرمجة المنتجة لهذه الخوارزميات؟ هذه الاسئلة تتطلب تأطيرا قانونيا واضحا يحدد المسؤوليات ويضمن الحقوق.
لا يمكن ايضا تجاهل البعد الدولي في هذا السياق، حيث تعمل العديد من الاتفاقيات الدولية على حماية حقوق الانسان، والخصوصية، وضمانات المحاكمة العادلة، مما يلزم الدول التي تعتمد التنبؤ الاجرامي في نظامها القضائي الامتثال لهذه المعايير، وادماجها في قوانينها الوطنية.
في المجمل، فان الاسس القانونية لفكرة التنبؤ بالسلوك الاجرامي تفرض تحديات كبيرة على النظم القانونية التقليدية، وتدعو الى تطوير اطر قانونية وتنظيمية متجددة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي، بهدف تحقيق توازن بين فعالية الاجراءات الوقائية وحماية الحقوق الاساسية والضمانات القانونية، مما يجعل من الضروري اشراك مختلف الاطراف القانونية، القضائية، والتقنية في صياغة هذه الاطر لضمان عدالة ومستقبل هذه التقنية في النظام القضائي.
المبحث الثاني: حدود المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة في التنبؤ الإجرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي
في ظل التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي ودخولها في مجالات متعددة، أصبح التنبؤ الإجرامي باستخدام هذه التقنيات موضوعا حيويا يثير اهتمام الباحثين والمهنيين في المجال الجنائي والقانوني. هذا التطور يفتح آفاقا جديدة للوقاية من الجريمة وتحسين فعالية الأجهزة الأمنية والقضائية، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات قانونية وأخلاقية جوهرية تتعلق بمسائل المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة.
المطلب الأول: الحدود القانونية للمشروعية في التنبؤ الإجرامي بالذكاء الاصطناعي
يمثل مبدأ المشروعية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام الجنائي، وهو من المبادئ القانونية التي تؤسس لضمانات أساسية تحمي الأفراد من التعسف والظلم في تطبيق القانون الجنائي. إذ يقتضي هذا المبدأ، الذي يعتبر من دعائم حقوق الإنسان، أن تكون كل جريمة وعقوبة منصوصًا عليهما بشكل واضح ومسبق في القانون، وألا يعاقب شخص إلا على فعل ارتكبه فعليًا وثبت بالطرق القانونية. يعكس مبدأ المشروعية توازنًا دقيقًا بين سلطة الدولة في فرض النظام والحفاظ على الأمن، وبين حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.
غير أن التقدم التكنولوجي، وبروز الذكاء الاصطناعي كأداة في المجال الجنائي، يفرض تحديات جديدة على تطبيق هذا المبدأ التقليدي. فالتنبؤ الإجرامي يعتمد في جوهره على تحليل بيانات ضخمة ونماذج رياضية لإصدار توقعات حول سلوك مستقبلي محتمل، وليس على أفعال وقعت بالفعل.
وهذا يحيلنا إلى إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة تتعلق بإمكانية استخدام تقديرات احتمالية لاتخاذ قرارات قد تؤثر على حقوق الأفراد، مثل فرض تدابير احترازية أو حرمان من الحرية استنادًا إلى مجرد توقعات.
بالتالي، يبرز تساؤل جوهري حول مدى توافق استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الإجرامي مع مبدأ المشروعية، وهل يمكن تبرير معاقبة أو اتخاذ إجراءات قانونية استباقية على أساس توقعات قد لا تتحقق. كما يطرح هذا الاستخدام تحديات في كيفية صياغة نصوص قانونية واضحة تحكم هذا النوع من التقنيات، وتحدد حدود صلاحيات الأجهزة الأمنية والقضائية في الاعتماد عليها.
فضلا عن ذلك، فإن غموض طريقة عمل الخوارزميات وافتقارها إلى الشفافية يعقد إمكانية التحقق من مدى صحة النتائج التنبؤية، مما قد يؤدي إلى انتهاك حق الأفراد في محاكمة عادلة، ويضعف الثقة في العدالة الجنائية.
من هنا، تتضح الحاجة إلى تطوير إطار قانوني محكم ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ الإجرامي، يراعي مبادئ المشروعية، ويضمن حماية الحقوق الأساسية، ويحدد المسؤوليات، وذلك لضمان التوازن بين فعالية العمل الأمني وحماية الحقوق الفردية، وهو ما يشكل موضوع هذا المطلب.
الفقرة الأولى: مبدأ المشروعية في القانون الجنائي وأثره على التنبؤ الإجرامي بالذكاء الاصطناعي
يعتبر مبدأ المشروعية أحد أهم المبادئ القانونية المؤسسة في نظم القانون الجنائي، فهو يرسخ ضمانات جوهرية تحمي الأفراد من الانتهاكات والقرارات التعسفية التي قد تصدر عن أجهزة الدولة في مجال التجريم والعقاب. ويعبر هذا المبدأ المعروف بلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، عن القاعدة التي تلزم السلطات القضائية والتنفيذية بعدم اعتبار أي فعل جريمة أو توقيع عقوبة عليه إلا إذا كان ذلك منصوصا عليه بشكل واضح ومسبق في القانون. ويشمل هذا المبدأ أيضاً ضرورة وضوح النص القانوني ودقته، بحيث يمنع التفسيرات الفضفاضة أو الاجتهادات التي قد تؤدي إلى ممارسات تعسفية أو غير عادلة.
يعود أصل مبدأ المشروعية إلى فلسفة القانون الطبيعي التي تؤكد على ضرورة احترام الحقوق الأساسية والحريات الفردية، وهو محوري في ضمان احترام سيادة القانون، إذ يحد من سلطة الدولة ويؤطر عمل السلطات القضائية والتنفيذية في تجريم الأفعال وتوقيع العقوبات. ويعد هذا المبدأ من المتطلبات الأساسية لقيام دولة القانون والحكم الرشيد، كما تجسده العديد من المواثيق الدولية التي تحمي حقوق الإنسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذان يشددان على عدم جواز معاقبة أحد إلا بموجب قانون واضح ومحدد.
من ناحية الإجراءات، يفرض مبدأ المشروعية أيضاً ضرورة إثبات وقوع الفعل الجرمي بالطرق القانونية، وذلك قبل توقيع أي عقوبة أو اتخاذ أي إجراء يقيد حرية الفرد. فالقانون الجنائي التقليدي يرفض العقاب على مجرد الاشتباه أو النوايا أو التوقعات المستقبلية، مؤكدا أن العقوبة لا يمكن أن تفرض إلا على فعل حقيقي ثبت وقوعه، وهذا ما يضمن حماية الأفراد من محاكمات ظالمة أو عقوبات تعسفية.
ومع ظهور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ودخولها في مجال التنبؤ الإجرامي، بدأت تتكشف تحديات جديدة تُنذر بتحولات جذرية في مفهوم العدالة الجنائية التقليدية، وأساسيات مبدأ المشروعية على وجه الخصوص. فالتنبؤ الإجرامي يعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات واستخدام خوارزميات معقدة للتوصل إلى توقعات حول احتمالية ارتكاب أفعال إجرامية في المستقبل، وليس على أفعال تم ارتكابها بالفعل. وهذا ينقلنا من مرحلة المحاسبة على أفعال فعلية إلى مرحلة التعامل مع احتمالات قد لا تتحقق، مما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة.
فكيف يمكن أن يتوافق مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا على فعل ثابت، مع اتخاذ تدابير قد تؤدي إلى تقييد حرية أشخاص بناءً على توقعات مستقبلية؟ وهل من المقبول قانوناً فرض إجراءات احترازية، مثل الحبس المؤقت أو المراقبة المشددة، بناء على تنبؤات غير مؤكدة؟ هذه الأسئلة ليست مجرد فرضيات نظرية، بل واقع عملي بدأ يشهده العالم، حيث تستخدم نظم التنبؤ في بعض الدول لتوجيه جهود الشرطة أو حتى في اتخاذ قرارات قضائية أولية.
بالإضافة إلى ذلك، تعقدت المسألة بسبب طبيعة عمل تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها. فالخوارزميات التي تستخدم في التنبؤ الإجرامي غالبا ما تعمل في صناديق سوداء تفتقر إلى الشفافية، بحيث لا يمكن للإنسان أن يفهم بدقة المعايير التي استندت إليها هذه الخوارزميات في إصدار نتائجها. وهذا الأمر يهدد مبدأ الشفافية والعلنية الذي يجب أن يرافق كل قرار قضائي أو إداري يمس الحقوق والحريات، ويقوض إمكانية الطعن أو الاستئناف على هذه القرارات، مما يضعف ضمانات الدفاع وحق المحاكمة العادلة.
ومن ناحية أخرى، فإن اعتماد التنبؤات في اتخاذ إجراءات قانونية قد يؤدي إلى وصم فئات معينة من المجتمع بناءً على خصائص أو مؤشرات قد تكون متحيزة أو لا تعكس الواقع بدقة، مثل الانتماء العرقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، مما يشكل خرقاً لمبدأ المساواة أمام القانون ويحمل خطر التمييز والوصم المسبق.
وبالتالي، يجب أن تكون هناك أطر تنظيمية وقانونية صارمة تحكم استخدام هذه التقنيات، بحيث تحدد بوضوح كيفية جمع البيانات، نوعيتها، شروط استخدامها، والجهات المخولة بالاعتماد عليها، مع ضمان حماية الخصوصية والحقوق الأساسية. ويستلزم ذلك كذلك وجود هيئات رقابية مستقلة تتولى مراجعة عمل هذه الخوارزميات ونتائجها، لضمان عدم وجود أخطاء أو تحيزات، وحماية المواطنين من قرارات تعسفية.
وعلاوة على ذلك، يطرح هذا الواقع تحديات جديدة لمسألة المسؤولية القانونية. فإذا صدر قرار تقييدي أو عقابي بناءً على نتائج تنبؤية خاطئة أو متحيزة، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل هي الجهات القضائية أو الأمنية التي اعتمدت على هذه النماذج؟ أم مطورو البرمجيات؟ وهل هناك مجال لتعويض المتضررين أو تصحيح الأوضاع؟ هذه الأسئلة تستدعي تطوير أطر قانونية دقيقة تحدد المسؤوليات وتضع آليات واضحة للإنصاف والتعويض.
إن مبدأ المشروعية في ظل هذه التطورات ليس مجرد قاعدة قانونية جامدة، بل هو أداة حيوية لضمان التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة، والحفاظ على الحقوق والحريات الفردية. ولذلك، فإن تطويع القانون الجنائي لمواكبة استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الإجرامي يتطلب جهدا تشريعيا وقضائيا متجددا، يستلزم إشراك خبراء في القانون، التكنولوجيا، الأخلاق، وحقوق الإنسان، لضمان صياغة أطر قانونية تحقق هذا التوازن بدقة وفعالية.
الفقرة الثانية: إشكالية الإثبات القانوني في التنبؤ الإجرامي وحدود توظيف البيانات والخوارزميات
إذا كان مبدأ المشروعية يشترط وجود فعل إجرامي ثابت لتوقيع العقوبة، فإن المسطرة الجنائية تفرض بدورها أن يتم الإثبات وفق قواعد دقيقة وصارمة، تستمد من قانون المسطرة الجنائية وتُؤطرها مبادئ أساسية على رأسها حرية الإثبات، حجية وسائل الإثبات، واحترام الضمانات المتعلقة بحق الدفاع. وهنا تطرح تقنية التنبؤ الإجرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي إشكالية قانونية معقدة، إذ كيف يمكن اعتماد معطى تنبؤي مستقبلي كأداة لإثبات نية إجرامية أو سلوك لم يتحقق بعد؟ وهل يمكن للبيانات والمعطيات الرقمية أن تأخذ مكان الوقائع المادية والمعاينات القضائية؟
إن الإثبات في النظام الجنائي لا ينفصل عن مفهومي الواقعة والمسؤولية الفردية، فلا يمكن ترتيب آثار قانونية، خاصة تلك التي تمس الحرية أو الكرامة، إلا بعد التحقق من الفعل الجرمي بشكل مادي ملموس. غير أن التنبؤ الإجرامي، كما هو معمول به في بعض النماذج الحديثة، لا يعتمد على الفعل في ذاته، بل على تحليل نماذج سلوكية وسياقية تستنتج من أنماط بيانات شخصية أو اجتماعية أو جغرافية. وهذه المعطيات قد تستخرج من مصادر مختلفة، من بينها السجلات العدلية، نشاط الفرد على الأنترنت، التفاعل الاجتماعي، الموقع الجغرافي، وحتى الانتماء الاجتماعي والاقتصادي.
وبالرغم من أن هذه البيانات قد تبدو ذات طابع موضوعي في ظاهرها، فإن الواقع القانوني يظهر أن الاعتماد المفرط عليها يهدد قواعد العدالة الجنائية، خصوصا إذا لم يتم التحقق من مدى مشروعيتها، صحتها، وحدود استخدامها. فقاعدة كل مشتبه فيه بريء إلى أن تثبت إدانته، تصبح مهددة إذا اعتبر الشخص مهيأ لارتكاب الجريمة فقط لأنه يحمل خصائص معينة تصنفه الخوارزمية على أنه ذو خطورة محتملة، دون أن يرتكب فعليا أي فعل مجرم.
ثم إن عملية جمع البيانات نفسها قد تكون مصحوبة بإشكالات قانونية، إذ يجب أن تراعى القوانين المرتبطة بحماية الحياة الخاصة، خصوصًا أن جزءا كبيرا من البيانات المستخدمة في التنبؤ الإجرامي يستخلص من مصادر رقمية غير خاضعة للرقابة القضائية، كوسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الهواتف الذكية. وهذا يطرح تحديا حقيقيا أمام مبدأ الشرعية الإجرائية، والذي يحتم أن يكون جمع الأدلة مشروعا وخاضعا للرقابة القضائية.
أما على مستوى الخوارزميات نفسها، فالمعضلة تكمن في أن الكثير منها يعتمد على تقنيات التعلم الآلي، وهي أنظمة تتعلم وتتطور ذاتيا دون تدخل بشري مباشر، مما يجعل من الصعب ضبط معايير اشتغالها أو حتى التحقق من حيادها. وبالتالي، فإن أي قرار يستند إلى نتائج هذه الأنظمة قد يتأثر بعيوب بنيوية لا تظهر للسطح، كتحيّز البيانات الأصلية، أخطاء البرمجة، أو غياب التمثيلية في العينة المُحلّلة، وكلها عوامل من شأنها أن تقود إلى نتائج غير دقيقة، وأحيانا مجحفة.
وهنا تظهر الحاجة إلى ضوابط قانونية متقدمة تتعلق بشفافية الخوارزميات وقابلية تفسير نتائجها، بما يسمح للقضاء والأطراف المعنية بفهم الأسس التي بنيت عليها القرارات التنبؤية. فغياب التفسير يقوّض مبدأ المواجهة وحق الدفاع، ويمنع المتهم أو محاميه من تقديم دفوعات مضادة أو الطعن في قرارات مصيرية تؤثر على حريته أو مستقبله.
ولا يمكن في هذا الإطار تجاهل أهمية إرساء مسؤولية قانونية دقيقة عن استخدام هذه الأدوات، سواء من جهة الجهات التي تشغلها أو الشركات التي تطورها أو الجهات الأمنية والقضائية التي تعتمد عليها، وهو ما يتطلب من المشرع سن قوانين واضحة تحدد صلاحيات كل طرف، مع ضمان آليات رقابة قضائية فعالة.
إذا فإن التنبؤ الإجرامي لا يمكنه أن يصبح بديلا عن الإثبات القانوني التقليدي، ولا أن يستعمل كحجة لتجاوز مبادئ أساسية كالمشروعية وقرينة البراءة وشرعية الدليل. بل ينبغي أن ينظر إليه فقط كأداة تقنية مساعدة، تُدمج في النظام الجنائي ضمن ضوابط قانونية صارمة تحترم الأصول، وتمنع انزلاق النظام القضائي نحو نموذج وقائي متطرف يعاقب على النوايا بدل الأفعال. فنجاعة الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت، لا تبرر مطلقا المساس بجوهر العدالة الجنائية.
المطلب الثاني: ضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الاجرامي بين حدود الشرعية الاجرائية وضمانات المحاكمة العادلة
في ظل التوسع المتزايد في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي، اصبحت الحاجة ملحة لإعادة التفكير في الضوابط القانونية التي يجب ان تحكم هذا الاستخدام، خاصة حين يتعلق الامر بالتنبؤ بالسلوك الاجرامي. فاذا كانت هذه التقنيات تعد وسيلة فعالة لتحسين نجاعة العمل الامني، فإنها تطرح في المقابل تحديات جدية تمس جوهر الشرعية الاجرائية ومبادئ المحاكمة العادلة. اذ ان الاعتماد على معطيات تنبؤية قد يؤدي الى اتخاذ اجراءات تمس بحرية الافراد وحقوقهم، دون احترام كاف للضمانات التي يكفلها القانون، مثل الحق في الدفاع، وقرينة البراءة، والمساواة امام القضاء، وعلنية المحاكمة.
ان الاشكال لا يكمن في التقنية في حد ذاتها، بل في كيفية دمجها في النظام الجنائي، وفي غياب إطار قانوني صارم يحدد متى وكيف وباي شروط يمكن اعتماد نتائج الخوارزميات في اتخاذ قرارات قضائية او ادارية. ومن هنا تبرز اهمية دراسة الضوابط القانونية التي ينبغي الالتزام بها عند استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الاجرامي، مع التركيز على الحدود التي لا ينبغي تجاوزها لضمان حماية الحقوق الفردية وصيانة مبادئ العدالة الجنائية.
الفقرة الأولى: حدود الشرعية الاجرائية في التعامل مع التنبؤ الاجرامي بالذكاء الاصطناعي
يشكل مبدأ الشرعية الاجرائية أحد الاركان الجوهرية التي تقوم عليها العدالة الجنائية، اذ لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة ولا عن حماية حقيقية للحقوق والحريات الفردية الا في ظل احترام صارم للإجراءات القانونية التي تحكم سير الدعوى الجنائية من بدايتها الى نهايتها. فالإجراءات ليست مجرد قواعد شكلية، بل هي ضمانات اساسية تحول دون التعسف وتكفل انضباط الدولة في استعمال سلطتها العقابية.
غير ان دخول الذكاء الاصطناعي مجال العدالة الجنائية، خاصة في سياق التنبؤ الاجرامي، خلق واقعا اجرائيا جديدا يفرض اعادة تقييم مدى قدرة القواعد الاجرائية الحالية على الاستجابة لهذا التحول. فالنظام الاجرائي التقليدي مبني على الوقائع المادية والادلة المباشرة التي تخضع لسلطة القاضي وقناعة المحكمة، بينما يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحليلات كمية لمجموعات كبيرة من البيانات وسلوكيات سابقة لأفراد او جماعات، مما يطرح تحديات على مستوى مشروعية جمع البيانات، شروط استخدامها، والجهات المخولة بالاعتماد عليها.
احدى الاشكاليات الجوهرية تتعلق بمصدر البيانات التي تعتمد عليها الخوارزميات. فغالبا ما يتم استخراج هذه البيانات من مصادر متعددة مثل السجلات العدلية، قواعد البيانات الامنية، وسائل التواصل الاجتماعي، التطبيقات الذكية، والكاميرات الذكية المنتشرة في الفضاء العام. لكن جمع هذه المعطيات، وتحليلها، وربطها بهوية اشخاص معينين يتم في الغالب دون علمهم، وأحيانا دون اذن قضائي، مما يشكل خرقا واضحا لقواعد الشرعية الاجرائية، خاصة فيما يتعلق بمشروعية وسائل الاثبات وضمان سرية الحياة الخاصة.
اضافة الى ذلك، يثير استعمال تقنيات التنبؤ الاجرامي اشكالا حول مدى خضوع هذه الخوارزميات للرقابة القضائية. ففي العديد من الانظمة، لا يمكن للمحكمة او الدفاع الولوج الى طريقة اشتغال الخوارزميات ولا فهم الاسس التي بنيت عليها النتائج التنبؤية، مما يقوض مبادئ المواجهة وعلانية الاجراءات ويؤثر سلبا على توازن أطراف الدعوى. فالقاضي، كما الدفاع، مطالبان بفهم الدليل ومناقشته، وهو امر مستحيل في حالة الخوارزميات التي تشتغل على نماذج رياضية معقدة لا تقبل التفسير بسهولة.
وفي غياب نصوص قانونية واضحة تؤطر هذا النوع من الادلة، تبقى امكانية توظيف نتائج الذكاء الاصطناعي في المسطرة الجنائية محفوفة بمخاطر كبيرة، خصوصا إذا ما اعتمدت كعنصر مرجح في اتخاذ قرارات اجرائية مثل الايداع في الحبس الاحتياطي، فرض المراقبة القضائية، او حتى توجيه الاتهام. وهو ما يتطلب اعادة النظر في مجموعة من المبادئ الاجرائية، وفي مقدمتها مبدأ الشرعية الاجرائية، لضمان عدم استعمال هذه التكنولوجيا بطريقة تمس بجوهر العدالة.
ولا بد في هذا السياق من الاشارة الى ان العديد من الانظمة المقارنة بدأت تضع اطرا قانونية جديدة لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي، عبر النص على وجوب اخضاع كل نظام تنبؤي لتقييم قانوني واخلاقي مسبق، مع امكانية مراقبة اداء الخوارزميات بصفة دورية، وضمان الحق في مراجعة قراراتها من قبل الانسان، تفعيلا لمبدأ المساءلة القانونية، والحق في الاعتراض والتعليل.
ان احترام الشرعية الاجرائية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يعني فقط مشروعية جمع البيانات واستعمالها، بل يشمل كذلك وجوب اتاحة المعلومات المتعلقة بالخوارزميات للمتقاضين، وضمان حيادها وخضوعها للمراقبة، وعدم اعتماد نتائجها الا في إطار قواعد واضحة ومتكافئة بين جميع الاطراف. فبدون ذلك، يصبح الذكاء الاصطناعي اداة غير شفافة تهدد جوهر العدالة، وتفتح الباب امام قرارات استباقية غير قائمة على اسس قانونية راسخة.
الفقرة الثانية: ضمانات المحاكمة العادلة في مواجهة التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي التنبؤي
تشكل ضمانات المحاكمة العادلة أحد اهم ركائز العدالة الجنائية، وتعد من المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الانسان وفي الدساتير الوطنية المقارنة. فالمحاكمة العادلة ليست مجرد اجراءات شكلية، بل هي منظومة حقوقية متكاملة تهدف الى حماية الفرد من تعسف السلطة وضمان توازن حقيقي بين أطراف الدعوى الجنائية، بدءا من مرحلة الاشتباه مرورا بالتحقيق وانتهاء بالحكم.
ومن أبرز هذه الضمانات الحق في الدفاع، وقرينة البراءة، وعلنية الجلسات، والمساواة امام القضاء، والحق في الطعن والاستئناف، وعدم استخدام وسائل غير مشروعة في الاثبات. هذه المبادئ تتأسس على افتراض مركزي مفاده ان الانسان مسؤول عن افعاله فقط، ولا يجوز تحميله وزر احتمالات او نوايا غير مثبتة.
غير ان دخول الذكاء الاصطناعي، وخاصة في مجاله التنبؤي، قلب هذه المعادلة رأسا على عقب، اذ أصبح من الممكن تصنيف الافراد ضمن “خطرين محتملين” فقط استنادا الى معطيات رقمية وتحليلات خوارزمية قد تكون مبنية على احصائيات، وليس على وقائع مادية مثبتة. هذا التحول يشكل تهديدا مباشرا لضمانات المحاكمة العادلة، ويحول العملية القضائية الى مجرد تفاعل مع مخرجات تكنولوجية قد لا تكون مفهومة حتى من طرف القاضي نفسه.
فالحق في الدفاع، على سبيل المثال، يقتضي ان يتمكن المتهم ومحاميه من الاطلاع الكامل على الدليل الموجه ضده، ومناقشته علنيا وشفويا امام هيئة محايدة. لكن في حالة الاعتماد على خوارزمية مغلقة لا تفصح عن كيفية تصنيف المتهم ضمن دائرة الخطر، يفقد الدفاع فعاليته ولا تكون للمرافعة اي قيمة اجرائية حقيقية، وهو ما يتنافى تماما مع مبدأ تكافؤ الفرص بين النيابة والدفاع.
اما قرينة البراءة، فهي مهددة هي الاخرى، اذ يتم التعامل مع بعض الاشخاص كذوي سلوك اجرامي محتمل، فقط بناء على انماط سابقة او انتماء اجتماعي معين، مما يقوض هذا المبدأ ويؤسس لمقاربة استباقية تقوم على الوصم المسبق بدل المحاكمة على فعل محدد.
وبخصوص الحق في الطعن، فان غياب تعليل واضح للقرارات المبنية على نتائج الذكاء الاصطناعي يضعف امكانية الاعتراض عليها، اذ كيف يمكن استئناف قرار مبني على تحليل خوارزمي غير قابل للفهم او التفسير؟ وهو ما يمس مبدأ العلانية والشفافية، ويجعل من الرقابة القضائية اداة شكلية لا أكثر.
كما ان استعمال الذكاء الاصطناعي قد يؤدي الى انتاج قرارات قائمة على تحيزات مضمرة في البيانات المدخلة، مثل التحيز العرقي، الجغرافي، او الطبقي، مما يهدد مبدأ المساواة امام القضاء، ويكرس تمييزا غير مشروع داخل المنظومة القضائية، ويؤدي الى خلل كبير في الانصاف والعدالة.
ومن هنا، تظهر الحاجة الى اجراءات تشريعية واضحة تفرض التزاما قانونيا بضمان قابلية تفسير الخوارزميات، وتمنح الافراد حق الاعتراض على استخدامها، وتلزم الدولة بعدم اتخاذ اي قرار يمس الحرية الفردية بناء على تحليل آلي غير خاضع للرقابة الانسانية. ويجب ان يشمل ذلك ادراج الحق في الرفض الآلي، اي رفض ان يتم تقييم الفرد بشكل حصري عبر نظام آلي، وهو مبدأ بدأ يظهر في التشريعات الاوروبية كجزء من حماية الحقوق الرقمية.
وفي المحصلة، فان ضمانات المحاكمة العادلة تواجه اليوم اختبارا صعبا امام التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي. وإذا لم تتم اعادة صياغة العلاقة بين التكنولوجيا والعدالة في إطار احترام مبادئ القانون، فإننا سنكون امام عدالة خاضعة للآلة، تفقد طابعها الانساني، وتتحول من اداة انصاف الى وسيلة تحكم ومراقبة، وهو ما يتنافى مع جوهر دولة الحق والقانون.
خاتمة
لقد أصبح من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية محايدة تشتغل في مجالات اقتصادية أو علمية منعزلة، بل صار فاعلا جديدا في قلب النظام القانوني، يفرض إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم والمبادئ التي شكلت عبر عقود طويلة الأسس الصلبة للعدالة الجنائية. ويعد مجال التنبؤ الإجرامي أبرز مثال على هذا التحول، حيث تنتقل الآلة من دور المساعدة التقنية إلى التأثير المباشر في القرار الجنائي، سواء في مستوى الوقاية من الجريمة، أو على مستوى توجيه الاتهام، أو حتى المساهمة في تقييم الخطورة الإجرامية للأفراد.
إن معالجة موضوع التنبؤ الإجرامي باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تتم بمنطق الإعجاب الأعمى بالإمكانيات التكنولوجية، كما لا يجوز أيضا رفضه المطلق بدعوى الدفاع عن المبادئ التقليدية، بل المطلوب هو التوفيق بين مقتضيات الفعالية الأمنية ومستلزمات احترام الشرعية الإجرائية وضمانات المحاكمة العادلة.
وقد أبرزت الدراسة أن مبدأ المشروعية، سواء في جانبه الموضوعي أو الإجرائي، يواجه تحديات حقيقية أمام تمدد الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ الإجرامي، خاصة مع غياب نصوص قانونية دقيقة تؤطر كيفية استخدام هذه التكنولوجيا، وشروط الاعتماد على مخرجاتها. كما أن النظام التقليدي للإثبات القائم على الوقائع المادية والمعاينات المباشرة أصبح مهددا بالتحول إلى نظام قائم على الاحتمالات والتصنيفات الرقمية، مما قد يخل بمبدأ أساسي في العدالة الجنائية، وهو عدم العقاب إلا بناء على فعل ثابت مثبت وفق الشروط التي يحددها القانون.
وإذا كان الهدف من توظيف الذكاء الاصطناعي هو تعزيز الوقاية الأمنية وترشيد الموارد العدلية، فإن الواقع يبين أن عدم ضبط استعمال هذه الوسائل قد يقود إلى عكس ذلك تماما، عبر تكريس ممارسات تمييزية، وانتهاك الحياة الخاصة، وخرق قرينة البراءة، واستعمال أدلة غير قابلة للتفسير أو المناقشة، مما يضعف ثقة الأفراد في المؤسسة القضائية، ويعرض الدولة للمساءلة على المستوى الوطني والدولي.
وفي ضوء كل ما سبق، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى إرساء توازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وهي كالتالي:
- ضرورة إصدار تشريع وطني خاص بالذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي، يحدد شروط استخدامه، ويضع قيودا قانونية واضحة، ويضمن حماية الحياة الخاصة والبيانات الشخصية.
- تقييد الاعتماد على نتائج التنبؤ الإجرامي، بحيث لا يمكن اتخاذ أي قرار قضائي أو إداري يقيد حرية الفرد إلا بعد توفر أدلة مادية تقليدية تدعم ما استنتجته الخوارزميات.
- فرض قابلية تفسير الخوارزميات، وعدم السماح باستخدام أي نظام ذكي في المجال الجنائي ما لم يكن بالإمكان شرح آلية اشتغاله ومنطقه الداخلي أمام المحكمة والدفاع.
- إنشاء هيئة وطنية مستقلة للرقابة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، تتولى الموافقة المسبقة على النماذج المستخدمة في المجال الجنائي، وتراقب مدى احترامها للمعايير القانونية والأخلاقية.
- تدريب القضاة والمحامين وضباط الشرطة القضائية على المبادئ الأساسية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، حتى يتمكنوا من فهم المخاطر المرتبطة به، وضمان حماية حقوق الدفاع والمتقاضين.
- تمكين الأفراد من الحق في الاعتراض على المعالجة الآلية لبياناتهم، وحقهم في رفض أن يتخذ في حقهم قرار مؤثر بناء فقط على تحليل آلي دون تدخل بشري.
- تشجيع النقاش الأكاديمي والفقهي حول الذكاء الاصطناعي الجنائي، بهدف تطوير نظريات قانونية جديدة تستوعب هذا التحول العميق، دون التفريط في المبادئ الكلاسيكية للعدالة الجنائية.
وعليه، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في العدالة الجنائية يجب ألا يكون على حساب الكرامة الإنسانية، ولا على حساب المبادئ التي ضحت من أجلها أجيال من الحقوقيين والمشرعين. فالعدالة لا تكتمل فقط بالدقة والسرعة، بل أيضا بالعدالة الحقيقية التي تحمي الضعيف، تضمن المساواة، وتحاسب المخطئ بناء على قواعد معروفة ومعلنة. وهنا يبرز دور القانون، لا فقط كأداة تنظيم، بل كحصن للحرية، وكحارس للمشروعية، وكضامن لإنسانية المحاكمة في عصر أصبحت فيه الآلة جزءا من القرار القضائي.





