منهجية تعليق على حكم او قرار قضائي بشقيه النظري والتطبيقي مستندا على قرار لمحكمة النقض في ملف عقاري – الباحث حمزة بشيري

الطالب حمزة بشيري
طالب باحث بسلك الماستر قانون المنازعات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والإجتماعية بطنجة
منهجية تعليق على حكم او قرار قضائي بشقيه النظري والتطبيقي مستندا على قرار لمحكمة النقض في ملف عقاري
يعد التعليق على الحكم أو القرار القضائي من بين أهم الدراسات التطبيقية والنظرية التي عرفها القانون حيث أن إتقان التعليق على الحكم او القرار القضائي يتطلب من الطالب الإلمام الجيد بكل المعارف النظرية المصحبة بموضوع التعليق والاستيعاب كذلك بمعطيات المنهجية القانونية المتعلقة بتحليل الاحكام والقرارات القضائية، والمقصود هنا بالتعليق على حكم أو قرار قضائي، هو المناقشة أو التحليل التطبيقي للمسألة القانونية انطلاقا من القرار الصادر عن جهة قضائية معينة[1]، فالحكم القضائي هو ما تصدره المحاكم الابتدائية في موضوع النزاع ، أو شق منه أو مسألة متفرع عنها، على أن تكون المحكمة مشكلة تشكيلا صحيحا في قضية رفعت إليها طبقا لقواعد المسطرة ،أما مصطلح القرار فيطلق على ما تنطق به محاكم الاستئناف، وكذا قضاء محكمة النقض[2] هذه الأخيرة تصدر قراراتها حسب الغرفة إما بغرفة مستقلة أو بغرف مجتمعة، وبالاطلاع على قانون المسطرة المدنية في حلته الجديدة ، والذي سيدخل حيز التنفيذ بعد ثمانية أشهرمن تاريخ نشره بالجريدة الرسمية فإن المادة 14 منه نصت على أنه “يقصد بمصطلح مقرر في مفهوم هذا القانون ، كل أمر أو حكم أو قرار يصدر عن هيئة قضائية”[3].
حيث يفهم من المادة أعلاه من قانون المسطرة المدنية الجديد على أن المشرع المغربي جاء بها كمستجد من أجل توحيد التعريف والتطبيق القانوني وتفادي التمييز بين الأوامر والأحكام والقرارات من حيث خضوعها للقانون.
وبالتالي فان منهجية التعليق على قرار أو حكم قضائي هي دراسة نظرية تطبيقية في اتجاه واحد لمسالة قانونية معينة، إذ أن القرار أو الحكم القضائي هو عبارة عن بناء منطقي، فجوهر عمل القاضي يتمثل في إجراء قياس منطقي بين مضمون القاعدة القانونية التي تحكم النزاع وبين العناصر الواقعية لهذا النزاع، وهو ما يفضي إلى نتيجة معينة هي الحكم الذي يتم صياغته في منطوق الحكم. وأيضا بالفقه قديمة وحديثه الذي تعرض للمسالة، إضافة إلى تتبع الاجتهاد حول هذه المسالة وتطوره وصولا إلى أحدث الاجتهادات، لكي يأتي التعليق شاملا لكل النواحي ويأتي كحكم تقييمي للقرار في كافة النقاط القانونية التي عالجها الحكم.
ويندرج التعليق عادة على القرارات الصادرة عن المحاكم العليا باعتبارها تلعب وظيفة مرجعية قضائية لباقي المحاكم، وذلك فيما يخص تنازع الاختصاص بين المحاكم .
ولكي يكون التعليق على الحكم حكما سليما، يجب أن يكون الباحث المعلق ملما أساسا بالنصوص القانونية التي تحكم النزاع،
فالمطلوب إذن من الطالب أثناء التعليق على القرار القضائي، ليس العمل البحث على حل للمشكل القانوني أو إيجاد حل باعتبار أن القضاء قد بث فيه سابقا، كما أن التعليق على قرار لا يعني دراسته فيما هو نظري محض للموضوع، الذي تناوله القرار بشكل يتجاهل كليا موضوع الدعوى المعروضة، وهو ليس اجراء بحث قانوني في موضوع معين بالرغم من أنه يتناول مسألة قانونية معينة بذاتها، مما يعني المطلوب هو التأمل والفهم العميق لما ذهب إليه القرار في مسألة قانونية معينة، وذلك بهدف تطبيق المعلومات بما هو نظري تطبيقي للطالب.
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين القرارات القضائية والمسألة القانونية بحيث يعرف القرار القضائي بأنه الحكم الذي تصدره المحكمة بخصوص منازعة ما وفقا للشكل الذي يحدده القانون للأحكام، سواء في سير الدعوى أو انتهائها، وسواء أكان الحكم صادرا في نزاع بين الأفراد أنفسهم أو بين الأفراد والإدارة.
وبهذا سمي الحكم القضائي حكما قضائيا صادرا من المحاكم الدرجة الأولى، وبينما سمي القرار قرارا قضائيا صادرا عن المحاكم الدرجة الثانية.
أما الفرق بين المسألة القانونية والقرار فيتمثل بأن المسألة هي مجموع وقائع عملية يطلب من الطالب أثناء تحليله إيجاد حل قانوني مناسب لها، بينما القرار هو مجموع وقائع عملية أعطت لها إحدى المحاكم الباث فيها الحل ويطلب من الطالب تحليل هذا الحل أو الحكم وكل نقاطه القانونية المتعلقة به، وكذا النظر فيما إذا كان تختل أو خارجة عن النصوص القانونية ومدى ترابطه مع اجتهادات المحاكم وتماشيه مع رأي الفقه السائد فبعد التطرق لمفهوم القرار أو الحكم القضائي.
أهمية الموضوع:
تحظى منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية بأهمية بارزة سواء على مستوى الدراسات الأكاديمية والعملية.
بحيث على المستوى الأكاديمي، تمكن للطالب المعلق من ممارسة وترسيخ المكتسبات المعرفية للمفاهيم القانونية التي حصلها من خلال تحصيله المعرفي في المحضرات وكذا اطلاعه على المراجع والكتب وتوظيفها في تحليله.
أما على مستوى الميدان العملي، فتشكل منبعا ومرجعا للمتمرسين من أساتذة جامعيين في القانون وكذا محامين لإبداء رأيهم في العمل القضائي وطرح الإشكالات والوقوف على مكامن الخلل فيه واقتراح حلول قانونية ناجعة من أجل تحسين وتجويد العمل القضائي للأحسن.
إشكالية الموضوع:
وارتباطا للأهمية الكبرى التي تحظى بها منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية قررت لهذا الاخير سواء على مستوى تكوين الطلبة أو على مستوى الممارسة القضائية، أن أعالجه من الناحية النظرية والتطبيقية حتى تتضح لنا الصورة بكل ابعادها المرتبطة به.
وهذا ما سوف يتضح لنا من خلال الإجابة عن الإشكالية التالية:
- ما هي المعايير المنهجية المعتمدة في التعليق على الأحكام والقرارات القضائية؟
- وكيف يمكن تطبيق هذه المنهجية بشكل عملي متكامل على الأحكام والقرارات القضائية المعينة؟
المنهج المعتمد:
اعتمدت على دراستي لهذا الموضوع على المنهج الوصفي والتحليلي من خلال تحليل الأفكار المرتبطة بموضوع منهجية التعليق على الأحكام أو القرارات القضائية، وكذا إعطاء نموذج تطبيقي لها.
خطة البحث:
للغوص وللإجابة على الإشكالية والتساؤلات اعتمدت التصميم التالي
المبحث الأول: الإطار النظري في منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية
المبحث الثاني: الإطار التطبيقي في منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية (نموذج قرار قضائي)
المبحث الأول: الإطار النظري في منهجية التعليق على الأحكام
للحديث عن الإطار النظري وفي مقابل الأهمية العلمية والمنهجية التي يوفرها التعليق على القرار القضائي للطالب المعلق على القرار أو الباحث أو القاضي نفسه، والذي غالبا ما يطرح صعوبات متعددة تجعل الطلبة يتخوفون من التعليق على حكم أو قرار نظرا لتعقيده وهذا راجع إلى عدم التمكن والإلمام الجيد بالمادة النظرية المتعلقة بالأحكام والقرارات، بالإضافة الى النقص في فهم الإشكال القانوني أو الحل.
ومهما كانت طبيعة تعقيدها أو حدتها، فإن التعود على هذا التعليق بالتدريب والاستمرارية هو الذي يجعل صاحبه يكتسب المعرفة والمهارة القانونية، سواء تعلق الأمر بالباحثين أو المدرسيين من (أساتذة وطلبة ومحامين…).
واختصارا من هذا الحديث يجب على الباحث المعلق على تحليل الحكم والقرار القضائي أن يحترم مرحلتين أساسيتين وهما: المرحلة التحضيرية (المطلب الأول)، على أن يتم مناقشة المرحلة التحريرية في (المطلب الثاني).
المطلب الأول: المرحلة التحضيرية
وتبعا لذلك يتعين على الطالب عند مباشرته لتعليق على حكم أو قرار قضائي، أن يستخرج من القرار كل العناصر الواقعية والحل الذي خلص إليه القاضي والتعليل المعتمد في ذلك، ليخلص إلى معالجة هذا الحل والتعليل الذي ارتكز عليه على ضوء النصوص القانونية والاجتهادات القضائية والآراء الفقهية المرتبطة بموضوع النزاع، وذلك بمجموعة من الوقائع والمسار المسطري (الفقرة الأولى)، ثم الدفوع والطلبات والمشكل القانوني (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الوقائع والمسار المسطري
إن الوقائع تمثل مجموعة من الأحداث المادية والقانونية التي أدت إلى وقوع النزاع بين الطرفين، مما دعت أحدهما إلى اللجوء للقضاء، بحيث أن أي حكم أو قرار قضائي كيفما كانت الجهة القضائية التي أصدرته، يحتوي على معطيات واقعية.
وتتجلى أهمية الوقائع بشكل هام في الأحكام التي تصدرها محاكم الموضوع، وذلك راجع إلى كون الأطراف يقدمون أمام هذه المحاكم الأحداث بتفصيل دقيق بينما في قرارات محكمة النقض ” مجلس أعلى سابقا «، تكون فقرة الوقائع مركزة ومنتقاة[4] إلا انه يشترط في الوقائع بعض الشروط والقيود التي يجب على المعلق أن يتقيد بها منها نجد ما يلي:
- يجب على المعلق ألا يدكر إلا الوقائع التي لها ارتباط قوي بحل النزاع كما يجب عليه أن يكون حذرا من إغفاله لبعض الوقائع أو أحد الوقائع التي من شانها أن تؤثر سلبا على موقفه من هذا القرار لاسيما أن كان موقفه يتعارض مع توجه هذا القرار، وكذا الحل الذي يبنيه القاضي إيجابا أو سلبا.[5]
- يجب على المعلق النطق بكل الوقائع والأحداث بشكل تسلسلي زمني منذ وقوعها، حيث ينبغي عليه استخراج الحدث الرئيسي لمصدر النزاع القائم بين لطرفين كأن يكون الحدث هو “بين مالك العقار وبين من يدعي امتلاك حق عيني” مما يثم ذلك استخراج الحدث الذي يعد سببا مباشرا لقيام النزاع، مما أدى إلى مدعي صاحب الحق اللجوء إلى القضاء إثبات حق ارتفاقه في الملك، لكن بعد التأكد من الواقعة الأولى ثبت للمحكمة أن صاحب الادعاء فعلا يستفيد من حق السطحية وذلك من خلال الوسائل المثارة أمام المحكمة التي ثبتت فعلا حق السطحية والمتمثلة في جني الثمار في الملك” غير أنه في قرارات محكمة النقض يتم التركيز على سبب الطعن، ثم في الأخير يتم استخراج أطرف النزاع مع تحديد الطالب والمطلوب وادعاءاتهما ومستنداتها القانونية كما عبروا عنها أمام المحكمة[6].
ختاما فالوقائع هي التي يبين فيها القاضي وقائع النزاع وتطورات الدعوى، ويلخص فيها دفاع الخصوم وحجج كل من الطرفين أسانيده، ورأي النيابة العامة[7].
أما المسار المسطري أو بما يسمى الإجراءات فهو مختلف المراحل القضائية التي مر بها النزاع عبر درجات التقاضي إلى غاية صدور القرار محل التعليق أو الحكم، فإذا كان التعليق يتناول قرارا صادر عن محكمة النقض يجب الإشارة إلى الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية، والذي كان موضوعا للطعن أمام محكمة الاستئناف.
لكن وبفرض أن محل التعليق هو حكم محكمة، فقد تكون لبعض المراحل الإجرائية في الدعوى أهميتها في تجديد معنى الحكم، مثلا: يجدر المعلق الإشارة إلى الخبرة، إذ تمت إحالة الدعوى إلى الخبرة[8]،
الفقرة الثانية: الدفوع والطلبات والمشكل القانوني
الدفوع والطلبات هي بمثابة مزاعم وطلبات تقدم بها أطراف النزاع من أجل المطالبة بحقوقهم وصونها من طرف القضاء، ويشترط لتقديمها أن تكون هذه الطلبات والدفوع مرتبة مع شرح الاسانيد القانونية، عن طريق ذكر النص القانوني الذي اعتمدوا عليه، ولا يجوز الاكتفاء بذكر” سوء تطبيق القانون” أو “مخالفة القانون”.
فالبناء كله يعتمد على الادعاءات، وذلك بهدف تكييفها وتحديد الأحكام القانونية التي تطبق عليها، أي أن الأحكام والقرارات لابد أن تستند إلى ادعاءات الخصوم والادعاءات يمكن التعرف عليها من خلال عبارات “عن الوجه الأول”، او استنباطها من عبارات “حيث يؤخذ على القرار”، حيث يعاب على القرار «،»”حيث ينعى على القرار.”[9]، كل هذه الأسباب تأتي في شكل حيثيات باستعمال المحكمة للعبارات التالية “حيث إن” أو ” بناء على” أو بعبارة “بما أن” بصيغة مركزة ومقتضبة، وبهذه الكيفية تقوم المحكمة بجرد الأسباب التي أدت بها إلى تأصيل حكمها أو قرارها[10].
ولتوضيح أكثر باستعمال المحكمة للعبارات بالواردة بخصوص الادعاءات أعلاه في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بتازة مثال على ذلك:
- …وبناء على جواب المدعى عليهما الثاني والثالثة بواسطة نائبهما لجلسة 17 /5/2018…
- …وبناء على جواب المدعى عليه ع ب بواسطة نائبه لجلسة 7/6/2018…
- …وبناء على تعقيب المدعي بواسطة نائبه لجلسة 21/6/2018…
- …وبناء على المستنتجات على ضوء البحث المقدمة من طرف المدعي بواسطة نائبه لجل سة25 /04/2019…
- … حيث إن الملف خال مما يفيد أنه ثم تبليغ الحكم المستأنف للمستأنفين…
- وحيث تبين بعد الاطلاع على وثائق ومستندات الملف…[11]
أما المشكل القانوني هو ذلك السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القاضي عند حل النزاع لإن تضارب الطلبات والدفوع المقدمة من طرف أطراف النزاع يثير ويطرح مشكلا قانونيا يقوم القاضي بحله في أواخر حيثيات القرار، قبل وضع منطوق الحكم والذي هو ما قضت به المحكمة شفويا في الجلسة بخصوص النزاع المعروض عليها استنادا إلى الفصول أو المواد القانونية وهو عادت ما يأتي بصياغة مختصرة بعد عبارة ” من أجله… أو لهذه الأسباب…[12]، إذن المشكل القانوني لا يظهر من خلال القرار وإنما يستخرج من الادعاءات ومن الحل القانوني الذي توصل إليه القاضي.
ومن شروط طرح المشكل القانوني:
- لابد أن يطرح في شكل سؤال أو عدة أسئلة، أي سؤال رئيسي وأسئلة فرعية.
- أن يطرح بأسلوب قانوني، فعوض هل يحق ل “أ” أن يبيع عقاره عرفيا؟ يطرح السؤال: هل الرسمية ركن في انعقاد البيع العقاري؟
- إعادة طرح الإشكال طرحا تطبيقيا: فمثلا الطرح النظري هو هل التدليس عيب في العقد، والطرح التطبيقي هل تعتبر المعلومات الخاطئة التي أدلى بها” أ” ل “ب «بخصوص جودة المبيع حيلة تدليسية تؤدي إلى قابلية العقد للإبطال؟
- ألا يستشكل مالا مشكلة فيه فعلى المعلق أن يبحث عن المشكل القانوني الذي يوصله إلى حل النزاع أما المسائل التي لم يتنازع عليها الأطراف، فلا تطرح كمشكل قانوني. فمثلا إذا تبين من وقائع القرار أنه تم عقد بيع عقار عرفيا، ثم وقع نزاع حول صحة العقد، فلا داعي للتساؤل: هل البيع الذي تم بين” أ” و “ب «هو عقد عرفي لأن هذا ثابت من الوقائع ولا إشكال فيه.
بقدر ما يطرح الإشكال بطريقة صحيحة بقدر ما يُوفّق المعلق في تحليل المسألة القانونية المعروضة من خلال الحكم أو القرار القضائي[13].
خلاصة القول المرحلة التحضيرية بمثابة عمل وتحليل شخصي من قبل المعلق ولهذا ينبغي اتخاذ الدقة واليقظة من كل العناصر الواقعية التي خلص إليها القاضي على اعتبار أن تحليلاته اللاحقة سوف تبني على ما استخلصه في هذه المرحلة.
المطلب الثاني: المرحلة التحريرية
تشير هذه المرحلة إلى كيفية تنفيذ التي يُصاغ بها التعليق على الحكم والقرار القضائي، وذلك من خلال سلك منهجية منظمة تستند إلى خطة منهجية متوازنة ومنسجمة منطقياً. ويُراعى في بناء هذه المرحلة أن تعكس تسلسل وقائع القضية بشكل متدرج، بدءاً من عرض وقائع النزاع في المقدمة، مروراً بتحليل محاوره في العرض، وصولاً إلى الخاتمة، وينبغي أن تكون هذه المنهجية ذات طابع تطبيقي مرتبط بمضمون القضية وأطرافها، وموجهة بذلك إلى معالجة الإشكال القانوني المطروح. وعليه، فإن إعداد التعليق على قرار أو حكم قضائي يستلزم تحريراً دقيقاً ومبنياً على أسس قانونية راسخة، مع الالتزام بالضوابط العلمية المعتمدة.
وفي هذا السياق ارتأيت تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين، خُصصت (الفقرة الأولى) منها للمقدمة والعرض، بينما (الفقرة الثانية) الخاتمة.
هنا يبدأ المعلق بعرض موضوع المسألة القانونية محل التعليق في جملة وجيزة، بعدها جمع المعلومات التي وضعها في المسودتين، حتى يتمكن من ضع التصميم الملائم للحكم أو القرار محل التعليق[14]، وتشمل المقدمة العناصر التالية
- تحديد طبيعة الحكم أو القرار هل هو مدني أم عقاري أو تجاري….
- تحديد كذلك الجهة القضائية المصدرة للحكم أو القرار، مع الإشارة إلى أعلى جهة قضائية عرض عليها النزاع مثال على ذلك عرض القرار على محكمة النقض، بعد أن عرض على مكمة الدرجة الأولى ثم الدرجة الثانية، يتعين القول: يتعرض القرار أو الحكم العقاري أو الجنائي… الصادر عن محكمة النقض ل … بشأن واقعة عرضت على محاكم الموضوع…
أما إذا كانت هناك جهة قضائية وحيدة كالمحكمة الابتدائية، فينبغي القول: يناقش الحكم العقاري أو الجنائي… الصدر عن المحكمة الابتدائية بمدينة…
- إثارة المسائلة أو المسائل التي تعرض لها الحكم أو القرار: كأن يقول الطالب يتعرض القرار أو الحكم الصادر… لمدى اعتبار بيع ملك الغير أو الاختصاص القضائي…
- عرض أهم الوقائع والمراحل التي عرفتها الدعوى في حالة وجود هذه المراحل، والدفوعات المقدمة والحجج المعتمدة… على أن يتم ذلك بأسلوب الطالب الشخصي بصدق وأمانة، ومراعيا التسلسل الزمني للأحداث[15].
- طرح المشكل باختصار من الوجهة الواقعية، ثم من الوجهة القانونية، أي ماذا أثار الأطراف كدفوعات أو مطالب؟ وكيف أجابت محاكم الموضوع؟ ثم ما هو موقف قضاء القانوني؟ أما إذا كان النزاع قد أثير فقط أمام محاكم الموضوع، فيتعين القول: لقد أجابت المحكمة الابتدائية بكذا … في حين أجابت محكمة الاستئناف بكذا، أو سایرت هذه الأخيرة الحكم الابتدائي في قرارها القاضي بكذا وكذا … أيضا إثارة أهم المشكل من الناحية النظرية والعملية.
- طرح السؤال الهام وهو اي من الجهات القضائية تكون قد صادفت الصواب في تطبيقها السليم لمقتضيات القانون، بحيث يعد من الخطأ الحسم في الجهة القضائية الصائبة، وإلا لن يعد الأمر تعليقا، فالنتيجة لا تعرف إلا عند نهاية التحليل، والتعليق على كل نقطة قانونية على غرار طرق التحليلات الخاصة بمسألة في الرياضيات.
- عرض خطة التعليق على الحكم أو القرار القضائي، في الحقيقة يصعب إعطاء خطة واحدة وشاملة للتعليق على حكم أو قرار قضائي، لكون التعليق لا يبرز على أساس أفكار، بل على أساس تحليل مشكل أو مشاكل قانونية لحالة واقعية تختلف في الزمان والمكان.
- وعليه، إذ كان الحكم أو القرار يتناول نقطة أو إشكالية قانونية وحيدة، فيمكن تقسيم القرار أو الحكم إلى شقين، يتعرض في أولا: لتحليله من الناحية الواقعية والقانونية. ليكون الوضع مجرد توظيف للمعلومات التي توصل إليها الطالب، وفي ثانيا: يتعرض لبيان البعد القانوني للحل الذي اعتمده الحكم، أو القرار ومدى مسايرته للقرارات أو الأحكام السابقة عليه، أو أنه حديث العهد[16].
ختام القول على جميع المعلقين من أساتذة وطلبة باحثين على حد سواء إعطاء مدى من الفطنة والدهاء والتشخيص الجيد على كل القرارات والأحكام القضائية كما تطرق إليه سابقا.
أما العرض يهدف إلى تحايل ومناقشة كل النقط القانونية المثارة أمام المحكمة والتي طرحها الخصوم في شكل ادعاءات، حيث يقوم المعلق في كل نقطة من نقاط الخطة بمناقشة جزء من المسألة القانونية المطلوب دراستها ومناقشتها مناقشة نظرية تطبيقية مع إعطاء رايه في الحل القانوني للنزاع[17]، كذا على الطالب أو الباحث أن يضع في تعليقه تعابير قانونية واضحة الأساس، تجسد الحل القانوني المطروح على بساط البحث، حيث تعتبر مرحلة التحليل من بين أصعب مراحل التي يوجهها المعلق في تعليقه على القرارات والأحكام القضائية، على أساس أن العرض يقتضي تقسيمه إلى قسمين أو أكثر على حساب المشكل أو المشاكل الي يطرحها القرار الأمر الذي جعل المعلق إعطاء خطة شاملة ومتوازنة للتعليق وذلك بمراعاة شروط محددة ومن بينها:
- أن تكون خطة تطبيقية أي تتعلق بالقضية وأطراف النزاع من خلال العناوين.
- أن تكون خطة دقيقة، خالية من العناوين العامة.
- أن تكون خطة تسلسلية تسلسلا منطقيا، بحيث تكون العناوين وفقا لكل وقائع القضية.
- أن تجيب الخطة على المشكل القانوني المطروح.
- عرض كل النقط عند تعددها بشكل منظم.
- طرح النقط القانونية بشكل سؤال استفهامي.
وبعد عرض النقط التي اثارها القرار، ومناقشتها وتحليلها يتعين على المعلق عرض الحل الذي أعطته المحكمة لمناقشته وتحليله، لكن مع مراعاة عدة قواعد عند عرضه للحل وأهمها:
-صياغة الحل القانوني بشكل واضح ومختصر.
– صياغة الحل الذي أعطته المحكمة وليس الحل الذي أعطته محاكم الموضوع إذا كان القرار صادرا عن محكمة النقض أو محكمة الاستئناف فيجب صياغة الحل الذي اعطته هذه الاخيرة وليس الحل الذي اعطته المحكمة الابتدائية.
-مراعاة الأمانة والموضوعية في بيان الحل القانوني [18]
المعلق بمناقشة الحل الذي أعطته المحكمة من الناحية القانونية، أي بيان ما إذا كانت المحكمة المصدرة للقرار قد طبقت على النزاع المعروض عليها القاعدة القانونية الواجبة التطبيق أم لا؟ وكذلك ما اذا كانت المحكمة قد أصابت في تفسير القاعدة القانونية الواجبة التطبيق، ثم إبراز موقف الفقه والاجتهاد القضائي من هذا الحل المعتمد من طرف المحكمة، أي بيان ما اذا كان هذا الحل يتوافق مع اجتهادات سابقة، أم أنه يضيف شيئا جديدا للاجتهادات القضائية، وتجدر الاشارة أنه لا يكفي الكشف عن مواطن الخلل الذي وقعت به المحكمة سواء كان قانونيا أو واقعيا بل لابد من التعليل لإضفاء صفة الجدية على التعليق من جهة وإضفاء الصفة العلمية من جهة أخرى فالتعليل القانوني يتم بالاستناد على الحجج التي يكون مصدرها التشريع أي الاستشهاد بالنصوص القانونية التي تم إغفالها، أو يكون مصدرها القضاء أي الاستشهاد باجتهادات قضائية سابقة في نفس موضوع النازلة. أما التعليل الواقعي يتطلب من المعلق الاستناد فيه على الآراء الفقهية أو النظريات العلمية أو توضيح فكرة قانونية لها علاقة بموضوع التعليق أو تساعد على فهمه[19].
خلاصة للقول، ينبغي على الطالب انتقاء المعلومات الهامة والمساعدة له في التعليق، ببيان نوعية التفسير الذي اعتمده القاضي للنص لتشريعي خاصة في حالة غموضه، ومدى مراعاته لمبادئ العدل والإنصاف، وذلك باستناده لمواقف الفقه التي عرضت على المسألة وكذا الاجتهادات القضائية التي حسمت النزاع… وصولا بالرأي الصواب في تقييم الحكم أو القرار موضوع التعليق
تبقى الخاتمة بالنسبة للمعلق في تعليقه على القرارات القضائية أمرا اختياريا، حيث ليس هناك ما يلزمه على ختم التعليق، غير أنه في بعض الحالات التي يستقر فيها رأيه على وضع الخاتمة، يتطلب عليه بعض الشروط من بينها:
-أن تكون الخاتمة بمثابة استنتاج للنتائج التي يرجى تحقيقها من وراء هذا التعليق.
-أن تتضمن الخاتمة اقتراحات من المعلق.
-أن تتضمن انفتاحا مستقبليا على حلول يراها المعلق جدير بالاهتمام.
-أن تتضمن طرح تساؤلات تفتح افاقا جديدة للبحث.
-أن تتضمن نظرة شمولية للنازلة أو الحل المقترح.
صفوة للقول على المعلق أن يخرج بنتيجة أساسها أن المشكل القانوني الذي يطرحه الحكم أو القرار القضائي محل التعليق يتعلق بمسألة قانونية معينة لها حل قانوني معين يقدمه المعلق معالجا بذلك الحل الذي توصل إليه القضاة إما بالإيجاب أي بموافقته مع عرض البديل، وبهذا يختم المعلق تعليقه على القرار.
المبحث الثاني: الإطار التطبيقي في منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية
تعليق على قرار محكمة النقض رقم 95/4 الصادر بتاريخ 14 مارس 2023
في الملف العقاري رقم 99/7/4/2022.
باسم جلالة الملك وطبقا للقانون
حيث يستفاد من أوراق الملف والقرار المطعون فيه أن المطلوبين تقدما بمقال افتتاحي أمام المحكمة الابتدائية بتاوريرت يعرضان فيه أنهما يملكان ويتصرفان في القطعة الأرضية المسماة الخربة مساحتها 28 مترا طولا و 25 مترا عرضا مع ستة بيوت وتحتها أربعة دكاكين وغرفتان تحت الحبوس والمحدودة بالمقال، وأن المدعى عليه عمد إلى احتلال بيت واحد من هذه البيوت وقام بإغلاق بابه بالأحجار، ملتمسين الحكم بإفراغه وبإرجاع الباب إلى أصله، وبعد الأمر بإجراء خبرة وإنجازها وانتهاء الإجراءات قضت المحكمة بإفراغ المدعى عليه وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، استأنفه المحكوم عليه مثيرا أنه اشترى الدكان موضوع النزاع سنة 1959 أي قبل شراء المستأنف عليهما للقطعة المزعوم أنها تشمل أسفل الدكان وأنه لا يمكن أن يكون مالكا للدكان ولا يملك ما تحته وأن ما أشار إليه الخبير من كون القبو في ملك المستأنف عليهما ليس صحيحا، فالدكان في ملكه وأنه منذ شرائه سنة 1975 وهو يستغله بكامله وأنه يوجد به قبل شرائهما وأن الملكية لا تتضمن الإشارة إلى أية بيوت أو دكاكين ملتمسا إلغاء الحكم المستأنف والحكم من جديد برفض الطلب، وبعد الجواب الرامي إلى التأييد والأمر بإجراء بحث وإنجازه وانتهاء الردود قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف والحكم من جديد يرفض الطلب، بقرارها الصادر بتاريخ 2018/01/04 في الملف عدد 2017/1401/196، طعن فيه المطلوبين الحاليين بالنقض فقضت محكمة النقض في قرارها عدد : 3/303 الصادر بتاريخ 2020/06/30 في الملف المدني عدد : 2018/3/1/1800 بنقض القرار المطعون فيه بعلة أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لم تبرز في قضائها في توصيف وتكييف وثائق الطرفين تكييفا صحيحا بين الوثيقة المعتبرة ملكية من غير المعتبرة كذلك لترتيب الآثار القانونية الصحيحة بما في ذلك إعمال وثيقة البيع والشراء على محلها فقط (المبيع) فشملت ببيع الدكان بما فيه البناء الخاص به بالمحل المتنازع عليه رغم أنه لا يتضمنه هذا البيع وعلى العكس من ذلك أخرجته من وثائق الطالبين رغم إشارة عقد الملكية المستند إليه من طرفها إلى وجود أرض ضمن المبيع التي ترجع إليها قاعدة من ملك أرضا ملك ما فوقها وما تحتها، فجاء تعليلها لقرارها مخالفا لتفسير وتأويل الأسانيد والوثائق فيما تدل عليه، وبعد إحالة القضية على نفس المحكمة مشكلة من هيئة أخرى وإدلاء الطرفين بمستنتجاتهما بعد النقض وانتهاء الردود قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي، وهو القرار المطلوب نقضه.
في شأن وسيلتي النقض مجتمعتين لتداخلهما:
حيث يعيب الطاعن القرار بالتناقض في التعليل الموازي لانعدامه وخرق القانون بعدم الجواب على دفع قانوني، ذلك أن المحكمة اعتبرت عقد الشراء المدلى به من طرف المدعيين المؤرخ في 1988/04/01 وموجب ملكية البائع لهما عدد 532 المؤرخ في 1975/05/27 هو سابق على عقده المؤرخ سنة 1959 فما مدى تطبيق المعيار المستند عليه الذي يقول” رفع ملك الشيء بثبوت ملك قبله”، وأنه هو المالك الأسبق والحائز الأسبق للعقار وحجته أقوى من حجة المشترين وسابقة لها مما يوضح التناقض الجازم في حيثيات الحكم، كما أن المحكمة لم تحب على دفوعه بخصوص ترجيح حججه وكذلك حيازته التي تفوق 50 عاما والتي وحدها يمكنها أن تخلق له وضعا قانونيا باعتباره أصبح مالكا حيازيا دونما حاجة لسند التملك، وكذا دفعه تقادم الطلب طبقا للفصل 387 من ق . ل. ع بمقتضى مذكرته المدلى بها بعد النقض الجلسة 2021/07/01، مما يجعل القرار عرضة للنقض.
لكن ردا على ما أثير فإن التقادم موضوع الفصل 387 من ق ل ع المحتج به يهم الدعاوى الناتجة عن تنفيذ الالتزامات لا الدعاوى المتعلقة بحماية الحقوق العينية كما هو حال الدعوى موضوع النزاع المتعلقة بالإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، كما أن الاستناد إلى الحيازة المكسبة للملك إنما يثبت بسندها المستجمع لشروطها المقررة قانونا في المادة 240 من مدونة الحقوق العينية من يد ونسبة وطول مدة وتصرف وعدم المنازع وعدم التفويت في حق الميت لا بمحض الادعاء، والمحكمة المطعون في قرارها باستنادها تقيدا بالنقطة القانونية المحكمة النقض على اشتمال حجة المطلوبين على المدعى فيه وافتقار سند الطالب له ضمن مشتملات شرائه – مما لا موجب معه لإعمال قواعد الترجيح في تأسيس ما جرى به قضاؤها، تكون قد عللت قرارها تعليلا سائغا وغير خارق لأي مقتضى قانوني، وتبقى الوسيلة على غير أساس.
لهذه الأسباب
قضت محكمة النقض برفض الطلب وتحميل الطالب المصاريف.
الرئيس: السيد محمد بن يعيش – المقرر: السيد عبد العلي حفيظ – المحامي العام: السيد عاتق المزبور.
التعليق
من خلال استقراء حيثيات القرار أعلاه الصادر عن محكمة النقض تتلخص وقائع هذا القرار في أن مطلوبين (أ) المدعين تقدما بمقال افتتاحي أمام المحكمة الابتدائية بتاوريرت يطالبان فيه بإفراغ المدعى عليه (ب) من بيت داخل قطعة أرضية يزعمان ملكيتهما لها، وتعرف باسم “الخربة”، حيث تبلغ مساحتها 28 مترا طولا و25 مترا عرضا، وتشمل كذلك ستة بيوت وأربعة دكاكين تحت الأرض وغرفتين تحت الحبوس، مما ادعى أن المدعي عليه احتل أحد هذه البيوت وأغلق بابه بالحجارة، ملتمسين في مقالهم هذا الحكم بإفراغه وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه.
وبعد إجراء الخبرة القضائية، قضت المحكمة الابتدائية لفائدتهما بالإفراغ وإرجاع الحالة، لكن استأنف المدعي عليه الحكم، مدعيا أنه اشترى الدكان موضوع النزاع سنة 1959، أي قبل تملك المدعيين للقطعة الأرضية، وأنه يملك الدكان بالكامل ويستغله منذ سنة 1975، وأن وثائق الملكية المقدمة من الطرف الآخر تشير إلى الدكان محل النزاع، فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد برفض الطلب.
مما طعنا فيه المدعيين، بمحكمة النقض حيث قضت في قرار سابق (عدد 303/3 بتاريخ 30 يونيو 2020) بنقض قرار محكمة الاستئناف لعدم تكييف الوثائق المقدمة من الطرفين تكييفا قانونيا سليما، وعدم التمييز بين الوثيقة المعتبرة، وخرق قاعدة من ‘”ملك أرضا ملك ما فوقها وما تحتها”. وبعد إحالة الملف ثانيا أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي.
طعن المدعي عليه مجددا في هذا القرار بالنقض، متمسكا بتناقض تعليل القرار وخرق القانون لعدم الجواب على دفوعه المقدمة بشأن أسبقية تملكه وحيازته الطويلة، واستبعاده كذلك للتقادم المنصوص عليه في الفصل 387 من ق. ل. م، وكذلك حجية الحيازة الطويلة المقررة ضمن المادة 240 من مدونة الحقوق العينية.
غير أن محكمة نقض ردت على كل الوسائل والدفوعات المقدمة من طرف المدعي عليه معتبرة أن الدعوى تتعلق بحماية الحق العيني وليس بتنفيذ الالتزام العقدي، وبالتالي لا مكانة لتطبيق التقادم المنصوص عليه في الفصل 387، وأن الحيازة المكسبة للملكية يجب أن تستوفي لكافة الشروط القانونية المحددة وهو ما لم يثبته الطاعن، وبالتالي محكمة النقض قضت برفض الطلب وتحميل الطالب المصاريف.
ومن هنا يتضح بأن المشكل القانوني الذي يتجلى في قرار محكمة النقض إلى أي حد يمكن التمسك بالتقادم المنصوص عليه في الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود في دعوى ترمي إلى حماية حق عيني عقاري كدعوى الإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه؟، وما مدى كفاية الحيازة غير المشفوعة بسند قانوني مستوفٍ لإثبات الملكية في مواجهة من يتوفر على حجة رسمية؟
مما تثير هذه الإشكالية عدة أسئلة ثانوية تتمحور في:
- على ماذا ينص الفصل 387 من ق. ل. م والفصل 240 من مدونة الحقوق العينية؟
- هل توفقت محكمة النقض في تكييف الواقعة تكييفا سليما؟
- إلى أي حد تتماشى مقتضيات الفصل 387 من ق. ل. ع مع الأقوال العارض؟
وحتى نعمق النقاش في هذه المسالة القانونية المطروحة على ضوء قرار محكمة النقض موضوع التعليق يتطلب علينا كما ناقشنا سابقا الدقة وبعض التأني والسكينة والتحليل السليم، لذا ارتأيت تقسيم كل هذه الإشكاليات للإجابة عنها إلى مطلبين رئيسيين كالاتي:
المطلب الأول: الأسس القانونية التي استند إليها القرار.
المطلب الثاني: الإجراءات القضائية واختصاصات المحاكم.
المطلب الأول: الأسس القانونية التي استند إليها القرار
أن القرار القضائي الصادر عن محكمة النقض رقم 95/4 الصادر بتاريخ 14 مارس 2023 في الملف العقاري 99/7/4/2022 في دعوى الإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، استند على عدة أسس قانونية من أجل تكييف الواقعة تكييفا سليما، والتي من بينها عدم قابلية الدعوى العينية للتقادم المنصوص طبقا لمقتضيات الفصل 378 من ق. ل. م (الفقرة الأولى) كما استند على الحيازة المكسبة للملك وعدم قيام الترجيح بين الحجج (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: عدم قابلية الدعوى العينية طبقا لمقتضيات المادة 378 من ق. ل. ع
تنص المادة 387 من ق. ل. م أن “كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة.
وبالتالي فإن التمسك بالتقادم المقدم من طرف المدعي عليه هنا ليس صحيحا لأن الدعوى تتعلق باسترجاع حق عيني وليس تنفيذ التزام شخصي، كما أن الطاعن لم يفي بشروط اكتسابه للحيازة على أساس التقادم.
الفقرة الثانية: الحيازة المكسبة للملك وعدم قيام الترجيح بين الحجج
يراد بالحيازة الاستحقاقية الدليل على امللك للحائز، وهي ليست الحيازة العرضية أو الحيازة التصرفية المنظمة في قانون المسطرة المدنية بمقتضى الفصول من 166 إلى .170، كما يدخلها بعض الفقهاء القانون الوضعي الحيازة ضمن أسباب الملكية وتدرس في إطار الملكية العقارية، أي أنها ضمن الأسباب المؤدية الى ملكية الحق العيني العقاري، بينما اتجه الفقه الإسلامي على أنها دليل ظني على الملكية، أي بمفهوم الحوز أو اليد وذلك بشروط متعلقة للإثبات الملك للمالك.
أما من ناحية الحقوق العينية فقد عرفها المشرع في المادة 239[20] من مدونة الحقوق العينية بأن الحيازة الاستحقاقية تقوم على السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه، ولا تقوم هذه الحيازة لغيرا المغاربة مهما طال أمدها.
مما يدل على المشرع المغربي أنه تأثر بمفهوم الحيازة المادية التي تقتصر على حق الملكية، دون غيره من الحقوق العينية المتفرعة عنه من حق انتفاع وسطحية وزينة…
يضاف إلى ذلك إلى أنه لا يمكن الحديث عن صحة الحيازة بدون شروط كما نصت عليها المادة 240 من مدونة الحقوق العينية حيث يشترط لصحة حيازة الحائز:
- أن يكون واضعا يده على الملك
- أن يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه
- أن ينسب الملك لنفسه، والناس ينسبونه إليه كذلك
- ألا ينازعه في ذلك منازعه
- أن تستمر الحيازة طول المدة المقررة في القانون
- وفي حالة وفاة الحائز يشترط بالإضافة إلى ذلك عدم العلم بالتفويت.
ويتضح لنا من القرار أعلاه بعد تعريف الحيازة قانونيا وفقها وكذلك التطرق لشروط الحيازة حسب المادة 240 من مدونة الحقوق العينية أنه في القرار أعلاه بمحكمة النقض بدعوى ارجاع الحيازة إلى ما كانت عليه، أ ن الطاعن (المدعى عليه) احتج بأنه حاز العقار (الدكان) لأزيد من 50 سنة، منذ شرائه سنة 1959، مما استوجب اكتسابه للملكية بالحيازة، بغض النظر عن سند التملك، متمسكا بأحقيته في العقار وفق قاعدة: “من حاز شيئاً بنية التملك، دون منازعة ولفترة معينة، يصبح مالكاً له.
مما يدل على أن الطاعن لم يدل بجميع الإثباتات القانونية المنصوص عليها في المادة أعلاه مكتملة الحيازة المكتسبة حيث أه لم يدلي بالحيازة الفعلية من حيث اليد كما أن هذه الحيازة غير مستمرة أو هادئة أي يشوبها النزاع من طرف المدعي وبتالي منازع فيها.
ليتضح في الأخير أن ما قدمه الطاعن المدعي عليه من أسبقية في ادعائه الحيازة مند سنة 1959 لا يكفي أمام حجج المدعي، وهنا محكمة النقض برئيس الهيئة محمد بن يعيش وكافة المقررين للجلسة أصابت الحكم ولم تخرق القانون، معتمدة على أحكام الحيازة المكسبة للملك المقررة بكل من المواد 239 وكذا المادة 240 من مدونة الحقوق العينية مما رفضت الدفع لغياب الإثبات المادي الحاسم لواقعة الحيازة المكسبة، وفق منطوق المادة 240.
أما من ناحية عدم قيام ترجيح بين الحجج، تبين للطاعن المدعي عليه أن المحكمة جاءت لصالح المدعي رغم أن وثيقته لعقد شراء سنة 1959 أسبق من عقد المدعيين ل سنة1988، مطالبا بترجيح وتسوية حجته بمبدأ الأسبق في التملك أولى ورفع ملك الشيء بثبوت ملك قبله، كما أن عقد الملكية الذي اعتمد عليه المطلوبان يتضمن بوضوح الأرض، والعقار المبني فوقها، وهو ما أكدت عليه محكمة النقض بقولها: “أن عقد ملكية المطلوبين يشير إلى الأرض، ومن ملك الأرض ملك ما فوقها وما تحتها …”، بالإضافة إلى أن المحكمة الابتدائية ومحكمة النقض أعلنا من حجية سند المطلوبين لأنه يشمل الأرض محل النزاع، بخلاف سند الطاعن الذي اقتصر على البناء فقط دون الأرض.
وهنا نجد أن المحكمة لم تتخلى على الترجيح بين الحجج بل أعملته بناءً على معيار حجية الوثائق ومشتملاتها، وليس فقط على معيار الأسبقية الزمنية، وبالتالي يمكن القول أن هناك تناقضات غير صحيحة تقدما بها الطاعن المدعي عليه إلى المحكمة مما عملت هذه الأخيرة على مارست الترجيح فعليا، لكن لم تعتمد على معيار الأقدمية بل على مدى شمول الوثيقة للعقار موضوع النزاع مما سلمت المحكمة في موقفها القانوني.
المطلب الثاني: الإجراءات القضائية واختصاصات المحاكم
إن الحديث عن تعليق على قرار قضائي أو حكم قضائي يتطلب من المعلق سواء كان طالبا أو أستاذا جامعيا … أن يراعي لكافة المراحل التي تتطلب منه للتعليق، والتي من بينها استخراج الإجراءات والاختصاصات التي مر منها القرار القضائي لمعرفة هل كان هذا القرار الصادر من محكمة النقض تكيف بشكل سليم أم العكس رغم عدم ضرب في نزاهة قضاة المحاكم الموضوع والقانون، وما يتميزون به من علم وفير ونزاهة كبيرة إلى غير ذلك وللغوص أكثر في تعليقنا على القرار الصادر عن محكمة النقض رقم 95/4 الصادر بتاريخ 14 مارس 2023 في الملف العقاري رقم 99/7/4/، 2022 ، عملت على تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين رئيسيين حيث الإجراءات القضائية المتخذة في مراحل التقاضي (الفقرة الأولى)، واختصاصات المحاكم في القرار(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الإجراءات القضائية المتخذة في مراحل التقاضي
تعتبر الإجراءات القضائية مجموعة من القواعد والمراحل القانونية التي يمر بها القرار القضائي أو الحكم، من درجات التقاضي في محاكم الموضوع الابتدائية والاستئنافية مرورا بالنقض من أجل تكييف الواقعة تكييفا قانونيا سليما وهو ما مر به قرار محكمة النقض الماثل أمامنا في التعليق.
- المرحلة الابتدائية : حيث تقدم المدعيين بمقال افتتاحي إلى المحكمة الابتدائية بتاوريرت يزعمان فيه امتلاكهم وتصرفهم فق قطعة أرضية تسمى (الخربة) مساحتها 28 متر طولا و25 مترا عرضا مع ستة بيوت وتحتها أربعة دكاكين وغرفتين تحت الحبوس، يطلبان فيه إفراغ المدعى عليه بسبب احتلاله لبيت واحد من هذه البيوت، وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أي إعادة الباب إلى أصله، مما اعتمدت المحكمة الابتدائية إلى إجراء خبرة قضائية من أجل معاينة المكان وتحديد الطبيعة المادية والنزاعية وبالتالي قضاء المحكمة الابتدائية حكم بإفراغ المدعي علية وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لصالح المدعيين.
خلاصة القول تبين لنا أن المحكمة الابتدائية بتاوريرت استندت على حكمها بإفراغ وإرجاع الحالة باستماعها لكافة طلبات المدعيين ودفوعات المدعي عليه، وقيامها بكل إجراءات تحقيق الدعوى من خبرة ومعاينة… مستخلصة لحكمها بإفراغ الحالة وإرجاعها إلى ما كانت عليه.
- المرحلة الاستئنافية: استأنف المدعي عليه الحكم أمام محكمة الاستئناف، مدليا بعقد شراء يعود إلى سنة 1959 ومتمسكا بتقادم الطلب والحيازة الطويلة.
تم الطعن في الحكم الابتدائي أمام محكمة الاستئناف بصفتها صاحبة الولاية العامة للنظر في الطعون الاستئنافية ضد الأحكام الابتدائية، وتبت في النزاع على درجتين من حيث الواقع والقانون، وهو ما يعرف بالاستئناف الكامل” أو الاستئناف الإصلاحي. وقد ناقشت المحكمة الدفع المتعلق بأسبقية عقد شراء المستأنف (1959) مقارنة مع سند تملك المستأنف عليهما (1988)، ما يُظهر ممارسة المحكمة لاختصاصها في إعادة التقدير الواقعي للحجج، لكنها أسّست قضاءها على تكييف غير سليم لمفهوم الملكية والمبيع في عقود التفويت.
مرحلة الطعن: بصدور قرار استئنافي قضى برفض الدعوى، تم الطعن فيه بالنقض أمام محكمة النقض، وهي محكمة قانون لا واقع، لا تعيد مناقشة الوقائع، بل تراقب سلامة تطبيق القواعد القانونية وتأويل الوثائق. وقد مارست المحكمة اختصاصها في توجيه محاكم الموضوع إلى التكييف السليم للعقود والوثائق، معتبرة أن المحكمة الاستئنافية لم تميز بين حجية سند الملكية وبين وثائق الشراء المحدودة في المبيع، ولم تأخذ بعين الاعتبار القاعدة الفقهية التي تقضي بأن: “من ملك أرضًا ملك ما فوقها وما تحتها”.
وبناء على ذلك، قضت محكمة النقض بـنقض القرار الاستئنافي وإحالة القضية على نفس المحكمة، عند إعادة الطعن بالنقض في القرار الجديد الصادر عن محكمة الإحالة، قدم الطاعن دفوعًا تتعلق بالتقادم” و”السبق في الحيازة”، إلا أن محكمة النقض مارست اختصاصها في التمييز بين أنواع الدعاوى من حيث قابلية التقادم، وقررت أن الفصل 387 من ق.ل.ع لا ينطبق على دعاوى الحق العيني بل على الالتزامات التعاقدية، كما أن الحيازة لا تُعتبر سببًا منشئًا للملكية إلا إذا توفرت شروط المادة 240 من مدونة الحقوق العينية، وهي مسائل موضوعية تقدّرها محكمة الموضوع، ولا رقابة عليها لمحكمة النقض متى كان التعليل سائغا.
الفقرة الثانية: اختصاصات المحاكم في القرار
انطلاقا من القرار أعلاه عمدت على تحديد درجات التقاضي ووظيفتها في حدود اختصاصها القانوني كما يلي:
- اختصاص المحكمة الابتدائية بصفتها محكمة درجة أولى على أنها تعتبر إحدى المحاكم الرئيسية بالمغرب وهي صاحبة الولاية العامة
تختص المحكمة الابتدائية بتاوريرت، باعتبارها محكمة الموضوع، بالنظر في النزاعات ذات الطابع العيني العقاري، ومنها دعاوى الإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، ما لم يرد نص صريح يُسند الاختصاص لجهة أخرى. وفي هذا القرار، مارست المحكمة اختصاصها الابتدائي في التحقق من واقعة الاحتلال غير المشروع لمحل من الأملاك المدعى تملكها، وذلك بناءً على مقال افتتاحي تقدم به المدعيان.
كما باشرت المحكمة سلطتها التقديرية في الأمر بإجراء خبرة قضائية لتحديد طبيعة المحل المتنازع عليه وموقعه داخل العقار موضوع النزاع، ثم بتّت في موضوع الدعوى وأصدرت حكمًا يقضي بالإفراغ وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، في إطار ولايتها العامة للفصل في النزاعات العقارية غير المحصورة.
تم الطعن في الحكم الابتدائي أمام محكمة الاستئناف، التي تختص وفقًا لقانون المسطرة المدنية بالنظر في الطعون الاستئنافية ضد الأحكام الابتدائية، وتبت في النزاع من حيث الوقائع والقانون معًا. وقد مارست المحكمة هذا الاختصاص في مرحلتين:
في المرحلة الأولى (قبل النقض): مارست المحكمة سلطتها في إعادة تقييم الأدلة والوثائق، وانتهت إلى أن المدعى عليه سبق أن اشترى الدكان موضوع النزاع سنة 1959، وقررت إلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد برفض الطلب.
في المرحلة الثانية (بعد النقض): وبعد صدور قرار النقض، أُحيل الملف من جديد على نفس محكمة الاستئناف لكن بتشكيلة مغايرة، عملاً بمقتضيات الفصل 430 من قانون المسطرة المدنية. وفي هذه الحالة، أصبحت المحكمة مقيدة بالنقطة القانونية التي حددتها محكمة النقض، فقضت بتأييد الحكم الابتدائي، معتبرة أن سند المدعيين يشمل الأرض، في حين أن عقد شراء المستأنف لا يتضمن ما يُثبت ملكية المحل المتنازع عليه.
تُعد محكمة النقض أعلى هيئة قضائية في الهرم القضائي المغربي، وتختص بمراقبة صحة تطبيق القانون وتأويله من طرف محاكم الموضوع وهذا ما جاءت به المادة الخامسة من قانون التنظيم القضائي حيث نصت على أنه ” يقوم التنظيم القضائي على مبدأ وحدة القضاء، وتعتبر محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمملكة”[21]، دون أن تعيد النظر في وقائع القضية. وفي القرار أعلاه، مارست محكمة النقض اختصاصها في مناسبتين:
في المرة الأولى، قضت بـــ”نقض القرار الاستئنافي” لكون محكمة الاستئناف لم تُكيف سندات الأطراف تكييفًا قانونيًا صحيحًا، وأخطأت في تفسير الوثائق، خاصة بعدم تمييزها بين ما يشمله عقد البيع وما لا يشمله، مع الإشارة إلى مبدأ “من ملك أرضًا ملك ما فوقها وما تحتها”.
في المرة الثانية، عند إعادة الطعن بالنقض ضد قرار الإحالة، مارست المحكمة رقابتها على التعليل القانوني للقرار الجديد، ورفضت الوسائل المتعلقة بالتقادم والحيازة لعدم استيفائها الشروط القانونية، واعتبرت أن القرار المطعون فيه مُعلل تعليلًا سائغًا ومتوافقًا مع النقطة القانونية الملزمة بعد النقض.
تلخيصا لما ناقشناه في التحليل المعمق حول صراع الحيازة والتقادم في الحقوق العينية كشف لنا هذا القرار عن عمق الدور الرقابي لمحكمة النقض في تصحيح الانحرافات التفسيرية لمحاكم الموضوع والذي تجلى لنا في ركائز رئيسية
أولاً: إشكالية التقادم المسقط (الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود) أثار الطاعن دفعاً بالتقادم الخامس عشر لسقوط حق المدعيين، إلا أن محكمة النقض ردت هذا الدفع بصرامة قانونية، موضحة أن الفصل 387 من ق.ل.ع يتعلق بالحقوق الشخصية والالتزامات، في حين أن دعوى الإفراغ واسترداد الحيازة تندرج ضمن حماية الحقوق العينية. وهذه الأخيرة هي حقوق دائمة لا تسقط بالتقادم المسقط، مما يبرز دقة المحكمة في التمييز بين طبيعة الحقوق محل النزاع.
ثانياً: تهافت الحيازة غير المستجمعة للشروط المادة 240 من مدونة الحقوق العينية تمسك الطاعن بحيازة تزيد عن 50 سنة، لكن المحكمة طبقت معايير المادة 240 بصرامة، فالحيازة لكي تنهض سبباً للملكية يجب أن تكون “مستجمعة لشروطها” (وضع اليد، التصرف، النسبة، عدم المنازعة، المدة، عدم العلم بالتفويت، وفي النازلة، كانت الحيازة منازعاً فيها وليست هادئة، كما أنها افتقرت للسند القانوني الشامل، مما جعلها حيازة مادية مجردة لا تقوى على مواجهة الشرعية السندية.
ثالثاً: قاعدة التبعية “من ملك أرضاً ملك ما فوقها وما تحتها” يمثل هذا المبدأ العمود الفقري للقرار؛ حيث اعتبرت محكمة النقض أن سند المدعيين الشامل للوعاء العقاري (الأرض) يمتد بقوة القانون ليشمل ما فوقه من بناءات. وهذا التكييف يصحح الخطأ الذي وقعت فيه محكمة الاستئناف سابقاً حين فصلت بين البناء والأرض، معتبرة أن الملكية العقارية وحدة لا تتجزأ إلا بنص أو اتفاق صريح.
رابعاً: معيار الترجيح بين الحجج (قوة السند لا أقدميته) قدمت محكمة النقض درساً منهجياً في تكييف الوثائق، حيث لم تنخدع بـ الأقدمية الزمنية لعقد الطاعن 1959، بل ركزت على مضمون وشمولية السند. فالعقد الذي ينصب على البناء فقط سند الطاعن هو سند ناقص ومجرد من وعائه العقاري، ولا يمكنه الصمود أمام سند 1988 الذي يثبت ملكية الأرض بجميع مشتملاتها. فالترجيح هنا قام على قوة المبيع ونوعيته لا على مجرد تراتب التواريخ
خلاص القول يتعين على كل معلق قانوني، وهو يتناول قرارًا قضائيًا بالتعليق والتحليل، أن يلتزم بمنهجية دقيقة تنطلق من تحديد المحكمة المصدرة للقرار، وبيان درجتها وصنفها، وتاريخ صدوره، مرورا بإبراز عناصر الدعوى من حيث الوقائع، والطلبات، والدفوع، وانتهاء بتحديد الإشكال القانوني المحوري الذي عُرض على القضاء، والمراحل التي اجتازتها القضية إلى حين صدور القرار محل التعليق.
وفي مرحلة ثانية، يجب على المعلق أن ينفتح على تحليل منطوق القرار وتفكيك علله القانونية، وربطه بالإطار التشريعي والفقهي والقضائي، لغاية تقييم مدى سلامة الاجتهاد المعتمد فيه، وما إذا كان يشكل امتدادًا للاجتهاد القضائي المستقر، أو أنه يقدم قراءة جديدة للنص القانوني تساهم في تطوير الفقه القضائي المغربي.
لذلك، فإن القيمة العلمية لأي تعليق قانوني لا تقاس بكمية الكتابة أو بلاغة الأسلوب، بل بمدى الصرامة المنهجية، ودقة التحليل القانوني، ووضوح التركيب، بما يُمكّن القارئ، سواء كان ممارسًا أو باحثًا، من الإلمام بجوهر النزاع، واستيعاب أهمية القرار موضوع التعليق ضمن سياقه القانوني والاجتهادي العام، مع تجنب الخطاب الإنشائي أو التكرار غير المنتج الذي يضعف البناء التحليلي للتعليق، وهو ما استندنا عليه في تحليلنا للقرار أعلاه رقم 95/4 الذي كرس مبدأ سيادة ” الشرعية السندية الشاملة ” على الحيازة المادية المنازع فيها” ويؤكد على أن محكمة النقض، وإن كانت محكمة قانون فإنها تمارس رقابة لسيقة على تكييف الوقائع لضمان عدم إفراغ النصوص القانونية من محتواها.
عكاشة محمد عبد العالي وسامي بديع منصور، المنهجية القانونية، مرجع سابق ص 102.
عبد الحميد أخريف واحمد الكويسي، مرجع سابق، ص 16.
عمر اليعقوبي، مدخل لدراسة منهجية البحث العلمي، مسلك القانون السداسي الأول، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، سنة 2017/2018، ص17.
عبد الحميد أخريف واحمد الكويسي، مرجع سابق، ص17.
عبد السلام العنصري، منهجية البحث العلمي المراحل والتطبيقات، جامعة عبد المالك السعدي طنجة، الطبعة 2022، ص203.
عمر اليعقوبي ، مرجع سابق، ص:72.
عمر اليعقوبي، مدخل لدراسة منهجية البحث العلمي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ظهر المهراز-فاس، السنة الجامعية 2021-2020، ص 71-72.
عبد السلام العنصري، منهجية البحث العلمي المراحل والتطبيقات، كلية الحقوق-طنجة، الطبعة 2022، ص204.
قرار رقم 152 الصادر بتاريخ 09 نونبر 2020 في الملف رقم 157/1402/2020، منشور بمنصة البوابة القضائية للمملكة المغربية.
عبد السلام العنصري، مرجع سابق،204.
عمر اليعقوبي، مرجع سابق، ص 72-73.
.
حلمي محمد الحجار، المنهجية القانونية، مرجع سابق ص 401و188. وعبود عبد الله العسكري، منهجية البحث العلمي، مرجع سابق ص 151و 152.
عبد السلام العنصري مرجع سابق ص208.
محمد العروصي، المختصر في المنهجية القانونية، الطبعة 2011، ص 49.
حلمي محمد الحجار، المنهجية في القانون، الطبعة ال ثانية2003، بدون در المطبعة، ص407.
محمد التغدويني، النظرية العامة للتعليق على الأحكام القضائية، الطبعة الثانية2006، ص 100.
- أنظر المادة 239 من مدونة الحقوق العينية.
المراجع بالفرنسية:
- Voir Isabelle Déférions- Souleau. Je veux réussie mon droit. Méthodes de travail et clés du succès ouvrage précité P 109
- الفهرس
المبحث الأول: الإطار النظري في منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية 4
المطلب الأول: المرحلة التحضيرية 4
الفقرة الأولى: الوقائع والمسار المسطري 4
الفقرة الثانية: الدفوع والطلبات والمشكل القانوني 6
المطلب الثاني: المرحلة التحريرية 8
الفقرة الأولى: المقدمة والعرض 8
المبحث الثاني: الإطار التطبيقي في منهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية 13
المطلب الأول: الأسس القانونية التي استند إليها القرار 17
الفقرة الأولى: عدم قابلية الدعوى العينية طبقا لمقتضيات المادة 378 من ق. ل. ع 17
الفقرة الثانية: الحيازة المكسبة للملك وعدم قيام الترجيح بين الحجج 17
المطلب الثاني: الإجراءات القضائية واختصاصات المحاكم 19
الفقرة الأولى: الإجراءات القضائية المتخذة في مراحل التقاضي 19
الفقرة الثانية: اختصاصات المحاكم في القرار 21
- عكاشة محمد عبد العالي وسامي بديع منصور، المنهجية القانونية، مرجع سابق ص 102. ↑
- ↑
- أنظر المادة 14 من قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.07 صادر في 22 من شعبان 1447(11فبراير 2026). ↑
- عبد الحميد أخريف واحمد الكويسي، مرجع سابق، ص 16. ↑
- عمر اليعقوبي، مدخل لدراسة منهجية البحث العلمي، مسلك القانون السداسي الأول، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، سنة 2017/2018، ص17. ↑
- عبد الحميد أخريف واحمد الكويسي، مرجع سابق، ص17. ↑
- عبد السلام العنصري، منهجية البحث العلمي المراحل والتطبيقات، جامعة عبد المالك السعدي طنجة، الطبعة 2022، ص203. ↑
- عمر اليعقوبي ، مرجع سابق، ص:72. ↑
- عمر اليعقوبي، مدخل لدراسة منهجية البحث العلمي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ظهر المهراز-فاس، السنة الجامعية 2021-2020، ص 71-72. ↑
- عبد السلام العنصري، منهجية البحث العلمي المراحل والتطبيقات، كلية الحقوق-طنجة، الطبعة 2022، ص204. ↑
- قرار رقم 152 الصادر بتاريخ 09 نونبر 2020 في الملف رقم 157/1402/2020، منشور بمنصة البوابة القضائية للمملكة المغربية. ↑
- عبد السلام العنصري، مرجع سابق،204. ↑
- عمر اليعقوبي، مرجع سابق، ص 72-73. ↑
- Voir Isabelle Déférions- Souleau. Je veux réussie mon droit. Méthodes de travail et clés du succès ouvrage précité P 109. ↑
- حلمي محمد الحجار، المنهجية القانونية، مرجع سابق ص 401و188. وعبود عبد الله العسكري، منهجية البحث العلمي، مرجع سابق ص 151و 152. ↑
- عبد السلام العنصري مرجع سابق ص208. ↑
- محمد العروصي، المختصر في المنهجية القانونية، الطبعة 2011، ص 49. ↑
- حلمي محمد الحجار، المنهجية في القانون، الطبعة ال ثانية2003، بدون در المطبعة، ص407. ↑
- محمد التغدويني، النظرية العامة للتعليق على الأحكام القضائية، الطبعة الثانية2006، ص 100. ↑
- أنظر المادة 239 من مدونة الحقوق العينية. ↑
- انظر المادة الخامسة من قانون التنظيم القضائي رقم 38.15. ↑





