المساطر القانونية و القضائيةفي الواجهةمقالات قانونية

المساطر المرجعية بين سؤال الشرعية الإجرائية وقرينة البراءة: قراءة في المستجدات القانونية” يوسف بنشهيبة

المساطر المرجعية بين سؤال الشرعية الإجرائية وقرينة البراءة: قراءة في المستجدات القانونية”

يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية

لقد كان الحرص منذ سنوات، على أن تكون كل الاجراءات والأعمال التي تقوم بها سواء الضابطة القضائية أو النيابة العامة أو المحكمة تستند إلى القانون، حيث تستمد مشروعيتها منه، انطلاقا من تطبيق مبدأ الشرعية الجنائية أو المسطرية ـ “لا مسطرة ولا إجراء بدون نص إلا ويعتبر باطلا” ـ

ولما كان قانون المسطرة الجنائية هو الضابط لإيقاع أجهزة العدالة الجنائية، فإنه على المستوى العملي طفى على السطح نوع من أنواع المساطر، احتدم فيه النقاش القانوني والقضائي والحقوقي.

إنها المساطر المرجعية أو الاستنادية أو الجزئية التي لطالما كانت ذات ارتباط وثيق بقضايا بالمخدرات، سواء كانت متعلقة بجنحة أو جناية، حيث يتسم هذا النوع من القضايا بأبحاث ومساطر خاصة، إن لم نقل مميزة، ويتضمن في الغالب عدداً من المشتبه فيهم والمتهمين.

ومن الفقه من عرف هذه المسطرة على أنها أقوال متهم على آخر، ومنهم من عرفها على أنها اعتراف متهم على متهم آخر، وتارة أخرى بشهادة متهم على متهم آخر، إلا أن هذه التعاريف يطالها نوع من الاختلال، وهو ما نحن بصدد الكشف عنه في هذا المقال.

في المقابل، من الفقهاء القانونين أيضا من عرفها بكونها تلك المساطر الاجرائية التي يتم العمل بها من لدن الضابطة القضائية في حالة وقوع الجريمة والتي من شأنها أن تمكن الضابطة من الوصول لكافة الاطراف المرتكبة للفعل الجرمي.[1]

في حين يعرفها المهنيون بكونها تلك التصريحات المدلى بها من طرف المتهم إبان مرحلة البحث التمهيدي والتي من شأنها أن ترشد الضابطة القضائية إلى أشخاص اخرين لهم دور في ارتكاب الفعل الجرمي اما باعتبارهم فاعل اصلي او مشارك أو مساهم.[2]

وجدير بالذكر أنه لطالما تزامن الحديث حول هذا الموضوع بالحديث عن مبدأ قرينة البراءة، الذي لا يمكن اعتباره حقاً دستورياً وقانونياً فقط، بل حقاً إنسانياً كونياً.

ومما لا شك فيه أن المشرع لم يسبق له أن نظم هذه المسطرة في الترسانة القانونية المغربية (قانون المسطرة الجنائية)، وبالتالي هناك غياب تنصيص صريح حول هذه المسطرة، كما أنها ليست وليدة اجتهاد قضائي ما، وإنما أفرزتها الممارسة العملية للضابطة القضائية في القضايا المتعلقة بالمخدرات. هذه المسطرة، والتي لها عدة تسميات سبق لنا أن ذكرناها، المسطرة المرجعية أو المسطرة الاستنادية أو المسطرة الجزئية، وهي مسطرة تقوم على اعتراف متهم على متهم، على مستوى مرحلة البحث التمهيدي، لأشخاص أفضت الأبحاث إلى إيقافهم على خلفية شبهة ارتكابهم لأفعال إجرامية ذات ارتباط بقضايا المخدرات، حيث ترد أسماء أو ألقاب أشخاص على لسان مصرحي هذه المساطر.

إن المساطر المرجعية تجد نموها وانتشارها في القضايا المتعلقة بالمخدرات، كما سبق الذكر، حيث تعتبر البيئة الخصبة لها، ودائماً ما يثار النقاش حول إشكالية المساطر المرجعية ارتباطاً بقضايا المخدرات فقط، وإنما يجد له مكاناً أيضاً، ولو بنسب قليلة، في القضايا المتعلقة بالسرقة، والنصب والاحتيال، وتكوين عصابة إجرامية…إلخ.

هذه المساطر المرجعية، والتي أفرزت نقاشاً قانونياً وقضائياً وحقوقيا ومجتمعياً كذلك في محطات كثيرة، من بينها محطة إصلاح منظومة العدالة، كونها تمس بمجموعة من الضمانات القانونية والحقوقية التي منحها المشرع للمتهم والمشتبه فيه، كما اعتبرها البعض حيفاً يمارس على كل من أتى ذكر اسمه في محاضر الضابطة القضائية، سواء ذُكر كفاعل أصلي أو مساهم أو مشارك في ارتكاب الفعل الجرمي.

على المستوى العملي، ينتج عن هذه المساطر العديد من الإجراءات التي يمكن اعتبارها إجراءات في غاية الخطورة، ماسة بمبدأ قرينة البراءة، حيث تقيد حرية الشخص وتمس سمعته…الخ، ومن هذه الإجراءات: إقامة الدعوى العمومية، الوضع رهن تدابير الحراسة النظرية، الاعتقال الاحتياطي، تفتيش المنزل، صدور برقية البحث في حق الشخص…الخ.

إن معالجة موضوع المساطر المرجعية لا يجب أن تتم بمعزل عن التطرق للمستجدات التي طالت قانون المسطرة الجنائية، حيث دخل يوم 8 دجنبر، حيز التنفيذ القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية[3].

ويمكن القول على أن مستجدات قانون المسطرة الجنائية، تشكل تحولاً نوعياً، كرس مجموعة من الضمانات الأساسية والمبادئ التي تُحسب لصالح الضحايا والمتهمين والمشتبه فيهم والمعتقلين كذلك، ولما كان موضوع المقال هو المساطر المرجعية، فإننا حاولنا، ما أمكن، أن نتطرق لهذه المستجدات بارتباط مع موضوع المقال، على أساس أن يكون هذا المقال ذا قيمة إضافية، وفي سبيل تجويد البحث العلمي.

وفي ظل انتشار ما يُعرف بـ”المساطر المرجعية” أو “الاستنادية” أو “الجزئية” في القضايا المتعلقة بالمخدرات، وما صاحبه من بروز عدة إشكالات قانونية وقضائية وحقوقية.

أهمها: من أين تستمد هذه المساطر مشروعيتها القانونية في ظل غياب نص تشريعي صريح؟ وهل يمكن اعتبارها في توافق مع مبدأ قرينة البراءة والضمانات القانونية للمشتبه فيهم والمتهمين أم العكس من ذلك؟ كما يطرح الانتشار النسبي لهذه المساطر في قضايا أخرى مثل السرقة والنصب، سؤالًا عن مدى حدود استخدام هذه المساطر في الواقع العملي، وعلاقتها بمبادئ الشرعية المسطرية والعدالة الجنائية.

باختصار:

الإشكالية المركزية تتمحور في مدى قانونية المساطر المرجعية واحترامها للضمانات الحقوقية للمشتبه فيهم والمتهمين والمعتقلين، خاصة في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية.

ولمعالجة هذا الموضوع اخترنا التصميم التالي:

المبحث الأول: مبدأ الشرعية المسطرية وضمانات الدعوى الجنائية

المطلب الأول: قاعدة “لا مسطرة ولا إجراء بدون نص”

الفقرة الأولى: الخلفية القانونية لمبدأ الشرعية المسطرية( قراءة انطلاقا من قانون المسطرة الجنائية، الدستور، المعاهدات الدولية)

الفقرة الثانية: حماية الحقوق وحق الدفاع، انطلاقا من دستور 2011

المطلب الثاني: الحياد وصون حقوق الأطراف

الفقرة الأولى: تكريس مبدأ الحياد في الدعوى العمومية ـ قراءة جزئية في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية ـ

الفقرة الثانية: المستجدات القانونية المتعلقة بتعزيز حقوق الدفاع وقرينة البراءة ـ  انطلاقا من قانون المسطرة الجنائية ـ

المبحث الثاني: المساطر المرجعية وأثرها على ضمانات المحاكمة العادلة

المطلب الأول: طبيعة المساطر المرجعية وقوتها الثبوتية

الفقرة الأولى: تعريف المحضر المنجز من طرف الضابطة القضائية ـ قراءة في المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية ـ

الفقرة الثانية: الفرق بين الشهادة، الاعتراف، والتصريحات المضمنة في المساطر المرجعية

الفقرة الثالثة: دور النيابة العامة والضابطة القضائية في المساطر المرجعية

المطلب الثاني: طبيعة المساطر المرجعية والقوة الثبوتية لها

الفقرة الأولى: السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تقدير القوة الثبوتية للمساطر المرجعية

الفقرة الثانية: التصريحات الكيدية وحدود الاعتداد بها قضائياً

الفقرة الثالثة: أهمية المساطر المرجعية في تتبع الجناة وحدودها

المبحث الثالث: المستجدات القانونية والعمل القضائي في المساطر المرجعية

المطلب الأول: قراءة في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية

الفقرة الأولى: الإطار القانوني للمادة 286 من قانون المسطرة الجنائية ـ قراءة في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية ـ

الفقرة الثانية: قراءة  في دورية رئاسة النيابة العامة الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 2018 ”

الفقرة الثالثة: المساطر المرجعية من منظور العمل القضائي

المبحث الأول: مبدأ الشرعية المسطرية وضمانات الدعوى الجنائية

المطلب الأول: قاعدة “لا مسطرة ولا إجراء بدون نص”

الفقرة الأولى: الخلفية القانونية لمبدأ الشرعية المسطرية قراءة انطلاقا من (قانون المسطرة الجنائية، الدستور، المعاهدات الدولية)

إن الخلفية التي تنظم عمل كل من الضابطة القضائية والنيابة العامة والمحكمة في المجال الزجري تجد قوتها وشرعيتها من النصوص القانونية، أو بالأحرى من القوانين الشكلية (قانون المسطرة الجنائية)، أي أن لا مسطرة ولا إجراء غير منصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية إلا ويعتبر باطلاً، كما أن المساطر المنصوص عليها قانوناً سُيجت بنوع من الحماية للتوفيق بين حق الدولة في توقيع العقاب (الحق العام)، وبين احترام ضمانات المحاكمة العادلة وتعزيز حقوق الدفاع، في إطار حرص الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتفادياً أيضا للفهم الخاطئ للنص القانوني الذي ينتج عنه لا محالة، التعسف في تطبيق القانون والارتجال في إعماله.

وهو ما تم التنصيص عليه في الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية الجديد، والتي جاء فيها: “تراعى عند ممارسة الدعوى العمومية مبادئ الحياد وصحة وشرعية الإجراءات المسطرية، والحرص على حقوق الأطراف وفق الضوابط المحددة في هذا القانون”[4]

وفي قراءتنا القانونية لهذه المادة، فإن المستجد الذي طال المادة الثالثة هو تكريس مبدأ الحياد في ممارسة الدعوى العمومية، بمعنى أن الجهة التي تمارس الدعوى العمومية، أي النيابة العامة، ملزمة بعدم الانحياز لأي طرف من أطراف الدعوى، سواء لفائدة المشتكي أو المشتكى به، وكون أن مبدأ الحياد يشكل ضمانة أساسية لتحقيق محاكمة عادلة، ويمنع من تحويل الدعوى العمومية إلى وسيلة للانتقام أو الضغط، خاصة في القضايا ذات الحساسية الاجتماعية أو التي تحظى باهتمام الرأي العام وأضواء الإعلام.

وأكد المشرع على صحة وشرعية الإجراءات المسطرية، وهو ما تطرقنا إليه، أي أن كل إجراء ومسطرة يجب أن يكونا مؤسسين على نص قانوني يحترم الشكليات والآجال المحددة قانوناً، وكما هو معلوم يترتب عن خرق هذه القاعدة إمكانية الدفع ببطلان الإجراءات، مما يعكس الدور الحمائي الهام الذي تلعبه المسطرة الجنائية.

وحرص المشرع كذلك، من خلال هذه المادة، على حماية حقوق الأطراف كمرتكز أساسي تقوم عليه المسطرة الجنائية، كما أن هذه الحماية لم تقتصر على الضحية أو المطالب بالحق المدني، بل شملت كذلك المشتبه فيه والمتهم والمعتقل كذلك، (حق الدفاع، احترام قرينة البراءة، والحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول…الخ).

وجدير بالذكر أن من شأن هذه المستجدات أن تغير التصور الذي كان سائداً حول الدعوى العمومية باعتبارها فقط آلية زجرية، إلى تصور مغاير مفاده أن هذه الدعوى هي أداة لتحقيق التوازن بين الردع من جهة وحماية الحقوق من جهة أخرى.

إن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية الجديد تشكل تجسيداً للتوجه الحقوقي للمشرع المغربي، ورغبة جادة في التنزيل الحقيقي لمقتضيات الفصول [5]23 و120[6] و[7]128 من الدستور، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية [8]، والمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان.[9]

وإذ تؤطر ممارسة الدعوى العمومية داخل إطار قانوني صارم يقوم على الحياد والمشروعية وصون حقوق الأطراف، بما يعزز الثقة في العدالة الجنائية ويكرس مبادئ دولة الحق والقانون.

الفقرة الثانية: حماية الحقوق وحق الدفاع، انطلاقا من دستور 2011

أولى المشرع اهتماما بالغا لمبدأ قرينة البراءة تماشيا مع التوجهات الدولية المنصبة في هذا الصدد، هذا الاهتمام والذي يلاحظ من خلال ديباجة الدستور والتي جاء فيها : وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها، من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا.[10] وقد نصت مجموعة من فصول الدستور على مبدأ قرينة البراءة ومن بينها: الفقرة الثالثة من الفصل 23 من الدستور والذي جاء فيه: ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون…[11]

“والفقرة الثالثة من نفس الفصل ” قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان”

وكذلك الفصل 119: “يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي، مكتسب لقوة الشيء المقضي به”[12]

والفصل 120: ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.” “حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم.”[13]

ومن خلال الفصول أعلاه يلاحظ أن الدستور المغربي لسنة 2011، تضمن ضمانات دستورية قوية، تؤسس فعليا لمبدأ قرينة البراءة و ضمانات المحاكمة العادلة، على اعتبار أن الأصل في المتهم والمشتبه فيه البراءة، ولعل التزام المغرب بتنصيصه على قرينة البراءة في الدستور وفي قانون المسطرة الجنائية هو تأكيد على التزامه الدائم بتطبيق مضامين المعاهدات والاتفاقيات التي يصادق عليها، والتي تنعكس بلا شك على المنظومة القانونية والقضائية والأمنية والحقوقية…الخ.

فعلى المستوى القضائي: والمتمثل في تحسين صورة القضاء كقضاء مستقل ونزيه ( الفصل بين السلط الفصل 107 من الدستور)[14]، وهذا من شأنه تعزيز ثقة المواطنين في مرفق العدالة، وكذلك تعزيز دور ضمانات المحاكمة العادلة، والتي تروم إلى مواكبة القضاء للمعايير الدولية المعمول بها، وأن تصبح أكثر عدلا وقبولا على المستوى الدولي.

على المستوى الدولي: تعزيز مكانة المغرب في مصاف الدول التي تحترم حقوق الإنسان، التي تنعكس ايجابا على سمعته الدولية، وكذا تحسين العلاقات مع المنظمات الدولية، الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الغير الحكومية…الخ

على المستوى الاقتصادي والسياسي: تحسين مناخ الأعمال والاستثمار حيث يساهم في تعزيز جاذبية الدولة وفتح باب الاستثمارات أمام المستثمرين الذين يعتبرون رعاة للمشاريع، على اعتبار أن الأمن القانوني والقضائي عنصر أساسي في التنمية، والذي من خلاله يمكن تحقيق الأمن العقاري، ولكون هذا الالتزام بتطبيق مضامين المعاهدات والاتفاقيات الدولية يؤسس لحماية قانونية وبيئة أعمال موسومة بالأمان والاستقرار، كما يمكن اعتبارها أيضا من المحددات الاجتماعية، التي تساهم في الاستقرار السياسي، لأن العدالة هي ركيزة من ركائز الديمقراطية.

المطلب الثاني: الحياد وصون حقوق الأطراف

الفقرة الأولى: تكريس مبدأ الحياد في الدعوى العمومية ـ قراءة جزئية في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية

المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية: كل الأشخاص متسـاوون أمـام القانـون ويحاكمـون فـي أجـل معقـول مـن قبـل محكمـة مشـكلة طبقـا للقانـون، توفـر للأطراف ضمانـات المحاكمـة العادلـة، وتحتـرم فـي كل مراحلهـا حقـوق الدفـاع. يخضـع الاشخاص الموجـودون فـي وضعيـات مماثلـة والمتابعـون مـن أجـل نفـس الأفعـال لنفـس القواعـد القانونيـة. يسـهر القضـاء علـى ضمـان حقـوق الضحايـا والمشـتبه فيهـم والمتهمين والمحكوم عليهـم علـى حـد سـواء، وحمايـة الشـهود والخبـراء والمبلغيـن. لا يمكـن اتخـاذ أي تدبيـر أو إجـراء مقيـد أو سـالب لحريـة الأشـخاص إلا بمقتضى القانـون وتحـت مراقبـة السـلطة القضائيـة المختصة.[15]

من خلال القراءة القانونية للمادة أعلاه، والملاحظ أن هذه المادة هي انعكاس للضمانات التي نص عليها دستور سنة 2011، حيث أسست هذه المادة لمجموعة من المبادئ الجوهرية المتعلقة بمنظومة العدالة الجنائية، ووضعت لها مجموعة من القواعد التي تحكم علاقة الفرد بالقضاء، كان ضحية أو مطالبا بالحق المدني أو مشتبهاً فيه أو متهماً. “مبدأ المساواة أمام القانون” وهو الحق الذي كرسه الفصل 6 من دستور 2011 والذي جاء فيه: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”.[16]

والفصل 19: “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية…[17]

والفصل 120: “لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم”[18]

وإن كانت حقوق الدفاع لا يمكن اختزالها وحصرها في الرسالة النبيلة التي يقوم بها المحامي، بل وتشمل حق الإنسان في الدفاع عن نفسه في جميع مراحل الدعوى، وإن كان الأصح أن الدفاع يرتبط بوجود محامي ملم بالإجراءات لأنه صاحب الاختصاص القانوني، ولعل فصول الدستور التي تطرقت لحقوق الدفاع، نجد من بينها الفصل 23، الذي ينص على أنه:

“لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقاً للإجراءات التي ينص عليها القانون. ويُعدّ الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم، وتُعرض مقترفيها لأقسى العقوبات.

يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت. ويحق له الاستفادة، في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقاً للقانون.

قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان[19]

كما نص الفصل 118 من الدستور على أن “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”[20]

وتماشيا مع ما تم ذكره، فإن هذه الضمانات تهدف إلى منع التمييز في التطبيق القضائي، وتؤسس لقاعدة مهمة مرتبطة بالأمن القانوني، مفادها أن أي شخصين ارتكبا نفس الفعل وفي نفس الظروف يجب أن يخضعا لنفس الأسس الإجرائية والقانونية دون تمييز، وهو ما من شأنه تعزيز مبدأ الشرعية ومبدأ المساواة في العقاب والمتابعة.

كما حرصت المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية الجديد على تحقيق التوازن بين حقوق الضحايا من جهة، وحماية حقوق المتهمين والمشتبه فيهم والمحكوم عليهم على حد سواء، وحماية الشهود والخبراء والمبلغين من جهة أخرى.[21]

وحيث إن دور العدالة الجنائية يتجلى في حماية المجتمع من الجريمة، فإن هذه العدالة تسهر في الوقت نفسه على ضمان احترام حقوق جميع الأطراف، ومن خلال ذلك يُلاحظ أن المشرع، في المادة الأولى، أقام ترتيباً يراد منه جعل كل هذه الفئات في صلب عنايته، وهي الضمانات التي يستفيد منها أي شخص تضرر من جريمة ما، من خلال اللجوء إلى القضاء، وطلب الحماية، والحق في التعويض…، وكذا حقه في معرفة مسار ومآل المتابعة القضائية (مستجد قانوني، المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية).[22]

وتماشيا مع ما تم ذكره، فإن هذه الضمانة تأكيد على أن الضحية طرف مهم في العدالة الجنائية. وفي هذا الصدد، ينبغي التفريق بين حقوق المشتبه فيه وحقوق المتهم، حيث إن حق المشتبه فيه، كمفهوم، يختلف عن حق المتهم، إذ يعد مفهوم المتهم أوسع من مفهوم المشتبه فيه، هذا المتهم والذي يحظى بمجموعة من الضمانات المرتبطة بحق الدفاع كحق جوهري، وبالمساعدة القضائية، وبتحقق ضمانات المحاكمة العادلة، ومناقشة الأدلة، وطلب إجراء خبرة، والطعن بالزور، واستدعاء الشهود والطعن في القرارات…إلخ.

إن المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية الجديد، ومن خلال القراءة القانونية لها، يُستفاد منها أن إرادة المشرع انصبت وحرصت بشكل كبير على حماية المشتبه فيه والمتهم في جميع مراحل الدعوى العمومية، من خلال إحاطة تدابير المراقبة القضائية والحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي بمجموعة من الضمانات، وهي عناية قانونية وقضائية وحقوقية، ومواكبة وترجمة لمجموعة من الحقوق والضمانات الدستورية التي نص عليها دستور سنة 2011.

الفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور تنص على أن:

“يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية، وبظروف اعتقال إنسانية، ويمكنه أن يستفيد من برامج للتكوين وإعادة الإدماج”.

“يحظر كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف”[23]

ومن خلال القراءة التحليلية لهذه العبارة، والتي ترتبط أساساً بقاعدة دستورية، إن لم نقل قاعدة إنسانية، وهي الحق في الحرية كأحد الحقوق الكونية السامية.

وينص الفصل 23 من الدستور على أنه:

“لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقاً للإجراءات التي ينص عليها القانون. ويُعدّ الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من أخطر الجرائم، وتُعرض مقترفيها لأقسى العقوبات”.[24]

كما تنص المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي:

“لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً”.[25]

وتشير عبارة “الإجراءات المقيِّدة أو السالبة للحرية” الواردة في المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية إلى جميع التدابير التي يمكن أن تمس بحرية الشخص وتقيدها، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ومنها ما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، والوضع رهن تدابير الحراسة النظرية، والإكراه البدني، والوضع تحت المراقبة القضائية…إلخ، ولذلك قيدها القانون بضوابط صارمة.

عبارة “كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يُعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناءً على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية”.

“يفسر الشك لصالح المتهم”.[26]

أولا: ويُستفاد من المقتضى أعلاه أن المشرع المغربي جعل من قرينة البراءة مبدأً أساسياً يحكم الدعوى الجنائية في جميع مراحلها، منذ مرحلة البحث التمهيدي، مروراً بالتحقيق والمحاكمة، وصولاً إلى صدور حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به.

ويلاحظ كذلك أن المشرع لم يحصر قرينة البراءة في المتهم فقط، بل وسّع نطاقها لتشمل المشتبه فيه كذلك، وهو ما شكل توجهاً حقوقياً يرمي إلى حماية الأفراد، ويترتب عن ذلك أن كل إجراء يمس حرية المشتبه فيه أو سمعته يجب أن يكون مؤسساً على سند قانوني واضح، وخاضعاً لمبدأ التناسب والضرورة.

ثانياً: ربط الإدانة بالمقرر القضائي النهائي، وهو ما اشترطه المشرع لقيام الإدانة أي أن تكون قانونية، وصادرة بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وهو ما يمنع اعتبار الشخص مداناً بناءً على مجرد محضر للضابطة القضائية أو متابعة من النيابة العامة أو حتى حكم ابتدائي غير نهائي، بل ومن الفقه من توجه بقوله على أن صدور الحكم الابتدائي أو الاستئنافي لا يفهم منه أن الشخص متهم، ولا يمكن اضفاء هذه الصفة إلا بعد صدور قرار عن محكمة النقض.

ويكرّس المقتضى المنصوص عليه في المادة أعلاه، مبدأ الأمن القانوني، ويمنع الإدانة المسبقة، سواء من طرف السلطات أو الرأي العام.

ثالثاً: المحاكمة العادلة كإطار حتمي ووحيد للإدانة، ربطت المادة الأولى بين الإدانة وضرورة إجرائها في إطار محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القانونية، من قبيل: حق الدفاع، وافتراض البراءة، المساواة بين الأطراف، علنية الجلسات، استقلال القضاء وحياده.

الفقرة الثانية المستجدات القانونية المتعلقة بتعزيز حقوق الدفاع وقرينة البراءة ـ انطلاقا من قانون المسطرة الجنائية ـ

لطالما حرص المشرع وهذا هو الملاحظ، على تعزيز مبدأ قرينة البراءة والذي قلنا سابقا أنه ليس حق دستوري وقانوني فقط بل حقا انسانيا كونيا، هذا التعزيز والذي يستفاد من الضمانات الدستورية المنصوص عليها، وحيث أن المشرع اعتبر أن البراءة هي الأصل إلى أن تثبت إدانة الشخص بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناءً على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. ويكرس هذا المبدأ ما تضمنه دستور سنة 2011 في ديباجته، والتي جاء فيها أن المملكة المغربية تتعهد بالتزام ما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دولياً…[27]

ومن هذا المنطلق، تُعدّ قرينة البراءة أساساً لضمان حرية الشخص من جهة، والحفاظ على سمعته من جهة أخرى، وهو حق يتشبث به المتهم خلال محاكمته الجنائية وطيلة مراحل سير الدعوى العمومية. كما أكد قانون المسطرة الجنائية على مبدأين أساسيين، وهما قرينة البراءة، وأن الشك يفسر لصالح المتهم، وقد أحاط المشرع مبدأ قرينة البراءة بمجموعة من التدابير لحمايتها وتقويتها، من بينها:

اعتبار الاعتقال الاحتياطي والمراقبة القضائية والحراسة النظرية تدابير استثنائية (مستجد قانوني، المادة 1-66)[28]

تحسين ظروف الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي، وإحاطتهما بإجراءات مراقبة صارمة من طرف السلطة القضائية (مستجد قانوني المواد 1-66 و2-66

و3-66 و4ـ66 و5-66 والمادة 67 من ق.م.ج).[29]

ترسيخ حق المتهم في إشعاره بالتهمة الموجهة إليه

حقه في الاتصال بمحامٍ في الساعة الأولى من الوضع رهن تدابير الحراسة النظرية (مستجد قانوني، المادة 2-66 من ق.م،ج)[30]

حقه في إشعار عائلته بوضعه تحت الحراسة النظرية (مستجد قانوني، المادة 67 من ق.م.ج ).[31]

إمكانية النشر الكلي أو الجزئي لقرار عدم المتابعة الذي يصدره قاضي التحقيق بصحيفة، بناءً على طلب من يعنيه الأمر أو النيابة العامة (مستجد قانوني، المادة 216 من ق.م.ج).[32]

والجدير بالإشارة أن مبدأ قرينة البراءة يصطدم بقاعدة حرية الإثبات في المادة الجنائية، والمنصوص عليها في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، والتي تنص على ما يلي: ” يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك” (مستجد قانوني، المادة 286 من ق.م.ج).[33]

ومن ثم، فإن حرية الإثبات تترك مجالاً للقاضي، في إطار سلطته التقديرية، لتكوين قناعته الوجدانية والاعتماد على أي وسيلة إثبات يراها صالحة لإثبات الجريمة، ومن بينها المساطر المرجعية.

المبحث الثاني: المساطر المرجعية وأثرها على ضمانات المحاكمة العادلة

المطلب الأول: طبيعة المساطر المرجعية وقوتها الثبوتية

الفقرة الأولى: تعريف المحضر المنجز من طرف الضابطة القضائية ـ قراءة في المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية ـ

لقد عرف المشرع المغربي المحضر انطلاقا من مقتضيات المادة 24 من ق.م.ج والتي جاء فيها ” المحضر فـي مفهـوم المادة 23 أعلاه هـو كل وثيقـة تحـرر علـى دعامـة ورقيـة أو إلكترونيـة مـن لـدن ضابـط الشـرطة القضائيـة أو تحـت إشـرافه أثنـاء ممارسـة مهامه ويضمنهـا مـا عاينـه أو مـا تلقـاه مـن تصريحـات أو مـا قـام بـه مـن عمليـات ترجـع لاختصاصه”.[34]

والملاحظ من خلال القراءة الأولية، وانطلاقا من قراءة قانونية للمادة أعلاه، يلاحظ أن المشرع انتقل من تصور تقليدي ضيق للمحضر إلى تصور موسع ينفتح على التطورات التكنولوجية والرقمية، وهو مواكبة للتحول الرقمي الذي تعرفه المملكة بشكل عام ومرفق العدالة بشكل خاص، (دعامة إلكترونية)، وهو توجه أو مستجد يجمع بين الطابع الشكلي للمحضر والطابع الموضوعي، ويؤطره في نفس الوقت بضوابط قانونية دقيقة تهدف إلى تعزيز المشروعية الإجرائية وضمان حقوق الأطراف.

كما هو معلوم أن المشرع اشترط أن يُحرر المحضر من طرف ضابط الشرطة القضائية أو تحت إشرافه، وهو ما يؤكد أن الصفة القانونية للمحرر تُعد شرطاً جوهرياً لصحة المحضر، وأن أي وثيقة تُحرر خارج هذا الإطار لا تكتسي وصف المحضر ولا يمكن ترتيب آثار قانونية.[35]

الفقرة الثانية: الفرق بين الشهادة، الاعتراف، والتصريحات المضمنة في المساطر المرجعية

لقد تمخض الإشكال منذ سنوات حول الأساس القانوني للمساطر المرجعية وطبيعتها القانونية، وهل هي اعتراف أم شهادة أم تصريحات، وهل تعتبر محضرا منجزا في إطار المادة 24 من ق.م.ج[36] أم تعتبر جزء منه، وهل يمكن اعتماد هذه المادة كأساس قانوني لوجود المساطر المرجعية، لأن ما يتضمنه محضر الضابطة القضائية إما اعتراف صادر عن مشتبه فيه، أو تصريح صادر عن ضحية أو معاين لجريمة ما أو مبلغ…الخ.

إن المحضر المنجز من طرف الضابطة القضائية هو وثيقة رسمية تحررها أثناء قيامها بمهامها، وتتضمن ما عاينوه أو ما تلقّوه من تصريحات أو ما قاموا به من إجراءات أثناء البحث حول جريمة معينة.( مستجد قانوني، المادة 24 من ق.م.ج).[37]

أولا: المساطر المرجعية لا توصف بأنها شهادة على المتهم أمام الضابطة القضائية، لكون الشهادة هي التي تؤدى أمام قاضي التحقيق أو أمام المحكمة بعد أداء اليمين القانونية أمامها، مستجد قانوني المادة 117من ق.م.ج).[38]

وهذا ما يلاحظ على مستوى تعريف المشرع للمحضر من خلال مقتضيات المادة 2 4من ق.م.ج حيث يعد المحضر هو ما يضمن فيه من التصريحات ولا يمكن الحديث هنا عن الشهادة.

ثانيا: لا يمكن اعتبارها اعتراف لكون الاعتراف هو الذي يقر فيه المتهم بارتكابه للجريمة، ومن خلال هذا يمكن إنزال منزلة المساطر المرجعية إلى تصريحات وأقوال ليس إلا.

ثالثا: الشاهد هو شخص محايد على وقائع النزاع، بخلاف المتهم فهو طرف غير محايد لأنه في الأصل طرف في القضية، كما أن شهادة الشاهد يمكن طلب تجريحها من طرف الدفاع متى تبين سببا لذلك، ومن هنا يمكن القول على أن صفة المتهم مستقلة عن صفة الشاهد ووضعية كل منهما مختلفة تماما عن الآخر، لكن البعض يعتبر أن المتهم يمكن أن تجتمع فيه صفة الشاهد أيضا، وهذا طرح غير مقبول قانونا، وهناك حالة يمكن أن يكون فيها المتهم شاهد وهو عندما يكون قد سبق وتمت محاكمته واتى على ذكر أشخاص ٱخرين يمثلون أمام القضاء فيتم استدعاءه للمحكمة باعتباره شاهدا على هذا الأساس

الفقرة الثالثة: دور النيابة العامة والضابطة القضائية في المساطر المرجعية

بمجرد ما أن يتضمن محضر الضابطة القضائية تصريحا عن اسم مشارك أو مساهم في جريمة ما، فإن الضابطة القضائية تصبح ملزمة باستشارة النيابة العامة، وفي الغالب تصب التعليمات في شأن فتح البحث وتعميقه واستدعاء المعني بالأمر للاستماع إليه، وتجذر الإشارة إلى أن الدستور متع هذا الشخص بحقه في الالتزام في الصمت، وبالإضافة الى تخصيص المادة 2-66 من ق.م.ج[39] على ضرورة إخبار ضابط الشرطة القضائية الموقوف بحقه في الالتزام بالصمت، ومستجد جديد يضاف إلى هذه المادة والذي يعتبر ذا ارتباط وثيق بموضوع المساطر المرجعية في قضايا المخدرات حيث جاء كمستجد: “لا يعتبر الصمـت اعترافـا ضمنيـا بمـا هـو منسـوب للشـخص الموضوع تحـت الحراسة النظرية”

اي أن الصمت لا يمكن أن يفهم من خلاله أن الشخص يقر بشكل ضمني بما وجه له من تهم وأفعال.

في المقابل على ضوء نتائج البحث تقرر النيابة العامة إما إخلاء سبيله، أو وضعه رهن تدابير الحراسة النظرية مع تقديمه للنيابة العامة في حالة اعتقال طبعا، والتي تقرر إما أن تحفظ المسطرة في حق الشخص لانعدام الأدلة أو عدم كفايتها…الخ، ومن مستجدات ق.م.ج أنه يمكن للشخص التظلم من قرار الحفظ المتخذ من طرف وكيل الملك أو أحد نوابه أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف التي يتبع لها ترابيا، (مستجد قانوني المادة 40 من ق.م.ج)[40]

ومن المستجدات التي جاء بها ق.م.ج والتي تنصب في إطار تعزيز حقوق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة وهو منح الشخص الموضوع رهن تدابير الحراسة النظرية الاستفادة من مساعدة قانونية، بما في ذلك طلب تعيين محام في إطار المساعدة القضائية، خلافا لقانون المسطرة الجنائية القديم حيث كان يتم الاتصال بالمحامي يتم قبل انتهاء نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية، المستجد الذي تضمنه ق.م.ج والذي مكن الموقوف من إمكانية الاتصال بالمحامي إبتداء من الساعة الأولى من وضع المعني بالأمر تحت الحراسة النظرية (مستجد قانوني المادة 2-66 من ق.م.ج)[41]

بالإضافة إلى المستجد الرامي إلى اخضاع الشخص الموضوع رهن تدابير الحراسة النظرية إلى فحص طبي بعد إشعار النيابة العامة اذا لاحظ عليه مرضا أو علامات

أو آثـارا تسـتدعي ذلـك يجريـه طبيـب مؤهـل لممارسة مهـام الطـب الشـرعي أو طبيب آخر في حالة تعذر ذلك. ويشار إلى هذا الإجراء بالمحضر وبسجل الحراسة النظرية، ويضاف التقريـر الطبـي المنجز إلـى المحضر المحال إلـى النيابـة العامـة. (مستجد قانوني المادة 67من ق.م.ج)[42]، كما أن المحضر المنجز من طرف الضابطة القضائية يصبح باطلا في حالة رفض إجراء الفحـص الطبـي إذا كان قـد طلبـه المتهم أو دفاعـه…الخ (مستجد قانوني المادة 1ـ74من ق.م.ج)[43] بالإضافة إلى مستجد تنظيمي آخر يتعلق بإنجاز سجل الكتروني وطني وجهوي للحراسة النظرية ويتم الاطلاع عليه من طرف رئيس النيابة العامة والسلطات القضائية المختصة… لضمان احترام الضابطة القضائية للمدد المحددة. (مستجد قانوني المادة 5ـ66من ق.م.ج)[44]

ومن بين مستجدات قانون المسطرة الجنائية كذلك، حيث أصبح لزاما على النيابة العامة اشعار المحامي وعند الاقتضاء المشتكي أو الضحية بمآل الشكاية والإجراءات المتخدة بشأنها داخل أجل أقصاه 15 يوم من تاريخ اتخاد القرار (مستجد قانوني المادة 40 من ق.م.ج)[45] أولا: لها أن تتابعه في حالة سراح أو في حالة اعتقال، وتجذر الإشارة إلى أن هذه القرارات والتدابير والوضعيات المختلفة هي مرتبطة بالأساس بمدي وجود أدلة مادية تابثة تدين هذا المشتبه وثانيا: في ما مدى صحة وحقيقة التصريحات المدلى بها من طرف مصرح أو مصرحي المسطرة المرجعية في حالة تعددهم، ثالثا: علاقة مصرح المسطرة المرجعية بالمصرح به ومن خلال هذه الاعتبارات فإنه يمكن القول على أن هذه المسطرة يمكن أن تشكل عنصرا حاسما في اصدار الحكم القضائي.

وفي الحالة التي يتعذر على الضابطة القضائية ايجاد المعني بالأمر يتم تحرير برقية بحث في حقه، ومن مستجدات ق.م.ج الجديد أصبح بإمكان وكيل الملك إلغاء برقية البحث إما تلقائيا أو بناء على طلب أو من له مصلحة في ذلك بسبب تقادم الجريمة…الخ ( مستجد قانوني المادة 40 من ق.م.ج).[46]

وفي هذا الباب قامت النيابات العامة بمختلف ربوع المملكة قبل دخول قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ بدراسة 117 ألفا و 359 محضرا وإلغاء ما مجموعه 70 ألف و948 برقية بحث سواء تللك المتعلقة بتدبير الأبحاث الجنائية أو بتنفيذ العقوبات السالبة للحرية أو الإكراه البدني التي طالها التقادم.[47]

نشر برقية البحث هو تقيد بالمنطق السليم، أي أنه لا يمكن للنيابة العامة أن تمر على هذه التصريحات بدون أن تأمر بإجراء معين للكشف عن الحقيقة.

وتفسيرا لذلك فإن القرار القاضي بفتح البحث وتعميقه وتحرير مذكرة أو برقية البحث لا يمكن أن يفهم منه أن الشخص مذنب، أو رهن الاعتقال…الخ وإلا سنكون أمام خرق لمبدأ قرينة البراءة، وبالتالي يمكن القول على أن هذه الإجراءات تصب مصب تحقيق العدالة، وإن كانت هذه الإجراءات قد تسمع بسمعة الشخص في الكثير من الأحيان، ومن تم فإن النيابة العامة لها سلطة الملاءمة والمتابعة في تطبيق القانون وهذا ما يربطنا بضرورة توحيد العمل القضائي بين النيابات العامة أو بالأحرى بين محاكم المملكة والذي تلعب فيه المؤسسات دورا طلائعيا، ومن بين هذه المؤسسات، رئاسة النيابة العامة، محكمة النقض، المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وهذا ما سنفصل فيه في الأسطر المقبلة من خلال قراءة في المذكرة الصادرة عن رئاسة النيابة العامة والتي تتعلق بموضوع المساطر المرجعية، مع الاطلاع على مجموعة من الأحكام القضائية الصادرة عن بعض محاكم المملكة.

لا مناص من القول أن سلطة الملائمة والمتابعة الممنوحة للنيابات العامة أفرزت لنا العديد من التوجهات والقرارات المتباينة بين النيابات العامة في تطبيق والتعامل مع المساطر المرجعية حيث يصبح الهاجس هو إيجاد التوازن بين تطبيق العقاب على الجناة وبين صون حقوق الضحايا، ولعل ترشيد المتابعات نجد له دورا مؤثرا في هذا الموضوع، من خلاله مساهمته في تحقيق حكامة قضائية، حيث يمكن للنيابة العامة متى تبث لها أن الفعل بشكل جنحة، أو أنها رأت ضمان حضور الشخص للمحاكمة…، أن تتابعه في حالة سراح، ولم يكن هناك ما يبرر إصدار أمر بالإيداع في السجن، وهذا ما حرصت عليه الدورية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة والمتعلقة بترشيد الاعتقال الاحتياطي، على اعتبار أن النيابة العامة تمثل المجتمع أمام القضاء الزجري وهي خصم شريف لا تعادي إلا من يعادي القانون.

من المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية، وتحديداً المادة 15منه، والتي جاء فيها: “غير أنه يجوز للنيابة العامة، عند الاقتضاء، إطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها ومستجداتها ومآلها، دون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص المشتبه فيهم والمتهمين.

ودون الإخلال بمهام الاتصال والتواصل التي تباشرها الإدارات والمصالح والسلطات العمومية المعنية، يمكن للنيابة العامة أن تأذن للشرطة القضائية بنشر بلاغات حول القضايا المسجلة، دون الكشف عن هويات المشتبه فيهم أو المساس بحياتهم الخاصة[48]

وارتباطاً بالمساطر المرجعية وما قد يكتنفها، في بعض الأحيان من غموض وتأويل لمجريات الأبحاث وخلفيات الإيقاف…إلخ، فإن هذا المستجد يكرس الشفافية والمصداقية في عمل الضابطة القضائية. ذلك أن العديد من المساطر المرجعية ذات الارتباط بقضايا المخدرات قد تُنسج حولها تأويلات متعددة وتساؤلات بشأن دواعي الاعتقال، ووجود الأدلة من عدمه، وما قد يترتب عن هذا الاعتقال من انتشار للأخبار الزائفة.

وفي هذا الصدد، كان المشرع حريصاً، من خلال منح النيابة العامة صلاحية إطلاع الرأي العام على القضية ومستجداتها ومآلها، في إطار التصدي لنشر وتناقل الأخبار الزائفة والمعطيات غير الصحيحة، والتي من شأنها التأثير على الرأي العام. كما يمكن للنيابة العامة أن تأذن للضابطة القضائية بنشر بلاغات حول القضايا، مع

مراعاة مبدأ قرينة البراءة، مضروبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي

المطلب الثاني: طبيعة المساطر المرجعية والقوة الثبوتية لها ـ قراءة في المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية ـ

الفقرة الأولى: السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تقدير القوة الثبوتية للمساطر المرجعية

إن التصريح الذي يتضمنه المحضر أو ما يسمى ( باعتراف شخص على اخر ) هي تصريحات قولية مجردة من أية إثباتات تعزز تصريحات الشخص في بعض الأحيان، ولكنها كفيلة بأن ينتج عنها ترتيب الآثار القانونية من طرف الضابطة القضائية والنيابة العامة والمحكمة، ليجد القاضي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن يصدر حكم بالإدانة بناء على تلك التصريحات، وإما بتبرئة ساحة المتهم.

وعلاوة على ذلك كانت المساطر المرجعية تجد قوتها الثبوتية من خلال المادة 290 من ق م ج القديم والتي جاء فيها أن المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات، يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإتباث[49]

المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية الجديد: يعتد بالمحاضر التـي يحررهـا ضبـاط الشـرطة القضائيـة فـي شـأن التثبـت من الجنح والمخالفات ،إلـى أن يثبـت العكـس بـأي وسـيلة مـن وسـائل الإتباث[50]

وفي إطار القراءة التحليلية والمقارنة بين هذين الفصلين الفصل من حيث دلالة العبارات القانونية، العبارة والتي كانت دائما محل نقاش قانوني وقضائي وحقوقي واسع جدا عبارة ” يوثق بمضمنها” التي كان منصوص عليها في القانون القديم وهي عبارة قانونية حجتها قوية، بمعنى أن المحكمة تفترض صحة ما ورد بالمحضر تلقائيا ما لم بثبت العكس، كما أن كلمة يوثق تعطي للمحضر قيمة أقرب إلى أن تكون شبه قطعية وتقترب من الحجية الخاصة بمحاضر التلبس.

الفصل 290 من ق.م.ج الجديد، وعبارة “يعتد بالمحاضر” وهي عبارة أخف في قوة من عبارة “يوثق بمضمنها”، حيث أن هذا المستجد اعتبر المحضر من عناصر الإثبات دون إعطائه طابع الرسمية القوية، بالإضافة إلى تراجع الامتياز الممنوح الضابطة القضائية، مع تعزيز الرقابة القضائية على أعمال هذه الضابطة، وانسجاما مع دستور سنة 2011، ومبدأ قرينة البراءة…الخ.

ومن الضمانات القوية التي تسجل على مستوى ق.م،ج الجديد ما نصت عليه المادة 139 من ق.م.ج[51] حيث أصبح يتم استدعاء المحامي عشرة أيام على الأقل قبل كل استنطاق، خلافا ق.م.ج القديم الذي كان يستدعي المحامي قبل كل استنطاق بيومين كاملين على الأقل، وكان هذا الأجل بالنسبة للمحامي يخلق له نوعا من الضغط …الخ ولعل الاختلاف في الآجل من شأنه تعزيز حق الدفاع بشكل كلي ومنح المحامي الوقت الكافي للإطلاع على الملف بدقة، ويمكن اعتبار هذا المستجد على أنه من ضمانة قوية من ضمانات المحاكمة العادلة.

ومن المستجدات كذلك “وضـع ملـف القضيـة ورقيـا أو علـى دعامـة إلكترونيـة، رهـن إشـارة محامي المتهم ومحامـي الطـرف المدني، قبـل كل اسـتنطاق أو اسـتماع”.[52]

كما نصت نفس المادة على “حق محامي المتهم ومحامـي الطـرف المدني الحصـول علـى نفقتهمـا على نسـخة مـن محضـر الشـرطة القضائيـة وباقـي وثائـق الملف”.

وعلاقة بحصول محامي المتهم على نسخة من محاضر الضابطة القضائية بموضوع المساطر المرجعية والتي من شأنها أن تعزز من الإطلاع الفعلي للمحامي على مضامين هذه المحاضر ودراستها قانونيا سواء تعلق الأمر بظروف الإيقاف والتفتيش، وجود محجوزات من عدمها…، ومن شأن هذا المستجد من تمكين المحامي من بناء دفاع مؤسس على معطيات واقعية منها المتعلق بإعداد الدفوع الشكلية والموضوعية…الخ.

بالإضافة إلى مستجد آخر يكرس لضمانات المحاكمة العادلة والمتمثل في أن تخلف المتهم عن حضور أو غيابه في الجلسة لا يحول دون حقه في الدفاع أو الاستماع إلى مرافعة محاميه من طرف المحكمة، (مستجد قانوني المادة 31 من ق.م.ج).[53]

الفقرة الثانية: التصريحات الكيدية وحدود الاعتداد بها قضائياً

إنه من الأساسي التأكيد على أن من بين الأسئلة التي يمكن أن تطرح، وهو ما الدافع الذي يجعل العديد من المشتبه فيهم والمتهمين يذكرون اشخاص أبرياء في مساطر مرجعية أو أمام المحكمة؟ وهل يمكن أن تكون هذه التصريحات مبنية على خلفية ما ؟

يلاحظ في بعض الأحيان أن بعض التصريحات لا تعدو كونها تصريحات كيدية، وانتقام يحاك ضد أبرياء ( تصفية حسابات شخصية )، حيث يعمد أصحابها ممن لهم سوابق قضائية أو مطية للنيل من بعضهم البعض، حيث كان يشكل تجار المخدرات الآخرين لهم منافسة، أو ابتزاز غيرهم وتهديدهم بمنحهم مبالغ مالية مقابل عدم ذكر اسمهم أو تبرئة ساحتهم من أي فعل جرمي، كما أن هذه المساطر المرجعية قد يستغلها البعض في إطار الاضرار بسمعة أحد المستثمرين أو رجال الأعمال أو سياسيين من أجل التشهير بهم…الخ.

وبالتالي لا يجب أن ترقى هذه التصريحات إلى منزلة الدليل فهي “مجرد بداية حجة أو شبهة” ليس إلا، ومن هذا المنطلق فإن القاضي الجنائي يلعب دورا مهما وأساسيا في بناء قناعته الوجدانية من خلال ما يعرض وما يروج أمامه، باعتبار أن الأحكام تبنى على القطع واليقين لا على الشك والتخمين”.

الفقرة الثالثة: أهمية المساطر المرجعية في تتبع الجناة وحدودها

تكمن الأهمية البالغة للمساطر المرجعية والتي يمكن اعتبارها سيف ذو حدين، وخصوصا تلك التي ترتبط بقضايا المخدرات، حيث تتسم هذه القضايا بالخطورة والخصوصية وتتجلى الاوجه الأولى لهذه الخصوصية في تخصيص المشرع “ظهير خاص وهو ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات”، وتتجلى الخطورة في صعوبة تتبع و ضبط مرتكبي هذا النوع من الجرائم اللذين يتميزون عن غيرهم بمعرفتهم وخبرتهم في الأساليب المعتمدة من طرف الأجهزة الامنية والقضائية للإفلات من قبضة العدالة، بالإضافة إلى كونهم يمتهنون الاجرام، حيث يعمدون للاستعانة بالجيران كجواسيس يخبرونهم بقدوم عناصر الشرطة، ووسطاء موزعون، كما يستعمل المروجون منازل محصنة، وارقام هواتف مجهولة باستمرار، وأسلحة بيضاء، وكلاب… ويشكل هذا صعوبة في بعض الأحيان للأجهزة الأمنية للقبض على مرتكبيها في حالة التلبس.

وبناءا على ما سبق يمكن القول على أن المساطر المرجعية أصبحت تشكل ركيزة أساسية من ركائز البحث والتتبع من وقوع الجريمة وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبيها إلى صدور حكم بالإدانة، كما أن الكثير من الجرائم الخطيرة انكشفت خيوطها عن طريق المساطر المرجعية، مما يجعل هذه المساطر تشكل الخيط الرفيع الأول لضبط الجناة، لكن هذا بطبيعة الحال لا يعني خرق وسائل الإتباث الجنائي بمجرد ورود إسم أو تورطه في قضية للمخدرات.

المبحث الثالث: المستجدات القانونية والعمل القضائي في مجال المساطر المرجعية

المطلب الأول: قراءة في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية

الفقرة الأولى: الإطار القانوني لمضمون المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية ـ قراءة في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية ـ

تنص المادة 286 في فقرتها الثانية على أنه: “لا يجوز للمحكمة أن تبني قناعتها بالإدانة على تصريحات متهم على آخر إلا إذا كانت معززة بقرائن قوية ومتماسكة.

تتلقى المحكمة هذه التصريحات دون أداء اليمين القانونية[54]

من خلال القراءة الأولية للمادة أعلاه والتي جاء فيها المشرع صراحة بالنهي وهو

منع بصيغة الإلزام، ويفهم من هذا النهي أنه لا يجوز للمحكمة أن تبني قناعتها بالإدانة على تصريحات متهم على آخر إلا إذا كانت معززة بقرائن قوية ومتماسكة. هذه المادة والتي تكرس لمبدأ قرينة البراءة المنصوص عليها في الفصل 23 من الدستور، ويلاحظ أن البعض تنفس الصعداء واعتقد أن هذه المادة قطعت مع المساطر المرجعية إلا أن هذا الاعتقاد هو ناتج عن سوء فهم أو غلو في التعامل مع النصوص القانونية، بمعنى آخر أن المشرع في هذه المادة تحدث فقط على تصريحات متهم ضد متهم آخر في نفس الملف، وأغفل اذا كان المصرح في المسطرة المرجعية قد ذكر شخص خارج الملف غير متهم بهدف الانتقام…، وهنا قد نكون أمام فراغ تشريعي.

ومن الجدير بالملاحظة كذلك أن هناك قراءة ثانية يمكن استنتاجها من المادة أعلاه، حيث أن المشرع شدّد على عدم الاكتفاء بتصريحات متهم على متهم، إلا اذا كانت معززة بقرائن قوية ومتماسكة، فالأحرى أن تُبنى المتابعة أو الإدانة أصلاً على تصريح مشتبه فيه أمام الضابطة القضائية على شخص عادي غير متهم، إلا أن هذه القراءة قد تتعارض مع القاعدة الجنائية التي تلزم القضاة بعدم التوسع في تفسير النص الجنائي (أو عدم القياس)، هذه القاعدة والتي قد تخدم إشكالية المساطر المرجعية مع التقيد بالاستثناءات الواردة على مبدأ عدم التوسع في تفسير النص الجنائي.

الفقرة الثانية: قراءة في دورية رئاسة النيابة العامة الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 2018 “

من خلال القراءة الأولى للدورية[55]، والملاحظ هو أن التسمية التي اعطيت لهذه المساطر هي ” المساطر المرجعية ” كوصف دقيق لها، وهو بمثابة توحيد المفاهيم، في ظل التسميات المتعددة التي أطلقت حول هذا النوع من المساطر، ومن جملة التوصيات التي جاءت بها هذه المذكرة وهي :

الدورية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة أكدت على ضرورة إيلاء المساطر المرجعية العناية والدقة اللازمتين خلال جميع مراحل البحث التمهيدي، سواء أثناء تقديم المشتبه فيهم أو خلال تتبع ودراسة هذه المساطر، مع الحرص على التطبيق السليم لأحكام القانون، وإجراء الأبحاث والتحريات التكميلية كلما اقتضى الأمر ذلك للتحقق من صحة الأفعال المنسوبة إلى المعنيين بالأمر.

والملاحظ من خلال التوصية الأولى هو استعمال كلمة ” الدقة” وكلمة “العناية “، وهذا الاختيار لهذه الكلمات لم يأتي عشوائيا أو اعتباطيا.

كلمة “الدقة” دلالة على أن هذه المساطر تضم بعض الجزئيات والتفاصيل الدقيقة التي يجب الانتباه إليها بصرامة وعناية كبيرة.

و كلمة ” العناية ” والتي تعني الاهتمام والحرص بهذا النوع من المساطر المرجعية، على أساس أن تكون هذه المساطر مقبولة قانونا.

ليؤكد رئيس النيابة العامة أن المساطر المرجعية لا يمكن اعتبارها في حد ذاتها دلائل أو قرائن تابثة قوية، بل وكما سبق لنا الذكر أن التصريحات التي تتضمنها المساطر المرجعية هي “بداية حجة” وهذه البداية تتطلب تعميق البحث سواء من طرف الضابطة القضائية أو النيابة العامة أو حتى من طرف المحكمة وتعزيز البحث بالأبحاث والتحريات والتحقيقات التكميلية.

وأكد رئيس النيابة العامة على ضرورة اللجوء إلى جميع الإجراءات القانونية لتعميق الأبحاث الجنائية، بما في ذلك إجراء المواجهات بين الأطراف، وترتيب الآثار القانونية على نتائجها، مع إمكانية إخضاع المشتبه فيهم في قضايا المخدرات لأبحاث اجتماعية إضافية عند الحاجة.

والملاحظ من هذه الدورية، أنها اتسمت بنوع من الحرص البالغ على احترام قرينة البراءة، حيث أكدت على ضرورة اللجوء إلى جميع الاجراءات القانونية التي ينص عليها قانون المسطرة الجنائية بغية تعميق الابحاث و التتبث من التصريحات المضمنة بالمساطر المرجعية، ومن بين هذه الإجراءات :

” المواجهة بين الأطراف “، أي بين المصرح بالمسطرة المرجعية وبين المشتبه فيه، للتتبث من صدق التصريحات وموقف كل منهما وأيضا ملاحظة هل هناك أي تناقض في تصريحاتهما، ولعل المواجهة بدورها تؤسس للنيابة العامة والمحكمة القناعة التي ينبني عليها قرارها الأخير.

” إجراء أبحاث اجتماعية ” والتي يراد بها الأبحاث التي يقوم بها المساعدين الاجتماعيين أي هي ” دراسة ميدانية ” والتي تهدف إلى جمع مجموعة من المعلومات التي تخص الحالة العائلية للمشتبه فيه، وظروفه الاجتماعية، هل هذا الشخص معروف بمتاجرته للمخدرات، هل له عداوة معروفة في الوسط الذي يقطن به مع الشخص المصرح بالمسطرة المرجعية، تشكل الأبحاث الاجتماعية دورا لا يستهان به في الكشف عن مدى صدق التصريحات المضمنة بالمساطر المرجعية، وترتيب الاثار القانونية ( المسؤولية الجنائية)، كما أن هذه الأبحاث الاجتماعية فهي ” تخدم الجانب التقديري وليس الجانب الإتباثي للجريمة “.

كما تناولت الدورية ضرورة استنفاذ كافة الإجراءات القانونية المتاحة خلال مرحلة البحث، خاصة إجراء المواجهة بين مصرّحي المساطر المرجعية والمشتبه فيهم، بل وإمكانية تقديمهما معا أمام النيابة العامة للوقوف على مدى صحة الادعاءات وتقدير مصداقيتها.

وشددت رئاسة النيابة العامة على أهمية اتخاذ القرارات المناسبة بخصوص المحاضر المبنية على المساطر المرجعية بحسب ظروف كل حالة على حدة، مع إعمال قواعد الإثبات القانونية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، وعدم التردد في حفظ المساطر المرجعية متى تبين تراجع المصرحين أو غياب القرائن والأدلة الكافية على تورط المشتبه فيهم.

عبارة ” بحسب كل ظروف على حدة ” والتي يفهم منها أن النيابة العامة ملزمة بدراسة كل ملف على حدة، أي أن التصريح الذي تتضمنه المسطرة المرجعية بخصوص وجود مشتبه فيهم أو متهمين محتملين لا يكفي لتحريك المتابعة وإنما يلزم النيابة العامة للجوء إلى جميع الاجراءات القانونية، وأن تراجع المصرح عن تصريحاته أو غياب الأدلة كافي من أجل حفظ المسطرة.

وفي السياق ذاته، دعت الدورية إلى تفادي اللجوء إلى الإجراءات الماسة بالحرية إلا في أضيق الحدود وبعد التأكد من توفر وسائل الإثبات الكافية، مع إمكانية اللجوء إلى قضاء التحقيق بصفة استثنائية وتفعيل تدابير المراقبة القضائية عند الاقتضاء.

وفي هذه الفقرة الملاحظ هو الحرص الشديد من طرف رئاسة النيابة العامة على كون أن اللجوء إلى الإجراءات الماسة بالحرية ليس هو الأصل، الفصل 23 من الدستور  ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها ”

المادة 159 من ق م ج ” الوضع تحت المراقبة القضائية والاعتقال الاحتياطي تدبيران استثنائيان، يعمل بهما في الجنايات أو في الجنح المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية.

كما أن المادة 160 من ق م ج سمح لقاضي التحقيق في أي مرحلة من مراحل التحقيق بأن يوضع الشخص تحت المراقبة القضائية.

واختتم رئيس النيابة العامة في الدورية بالتنبيه إلى ضرورة مراعاة ما قد يتعرض له الأشخاص من ضغوط أو ابتزاز من طرف مصرّحي المساطر المرجعية، مع فتح أبحاث في هذا الشأن واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بكل حزم وصرامة لضمان حماية الأطراف وضمان نزاهة المسطرة.”

وفي قراءتنا لهذه الفقرة الأخيرة من الدورية والملاحظ وكما سبق الذكر أن العديد من المصرحين يعمدون للانتقام من أشخاص اخرين على خلفية عداوة بينهم أو بسبب ابتزاز مالي أو تهديد أو انتقام…، كما ألزمت الدورية بفتح أبحاث متى تبين أن هذه التصريحات مبنية على أحد الأسباب السالف ذكرها، وهذا يترجم دور رئاسة النيابة العامة في الحرص على ضمان نزاهة البحث الجنائي وحماية الأشخاص من هذا النوع من الاستغلال الذي يمس بشكل خطير مبدأ بقرينة البراءة، وهو ايضا بمثابة تحقيق الردع العام والخاص، وتعزيز المصداقية والموضوعية في التعاطي مع المساطر المرجعية، وتخليق الحياة القضائية وتعزيز ثقة المواطنين في القضاء و مؤسساته وتكريس المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

ولا ننسى أن هذه الدورية لما تشكله من قيمة مضافة ذات أهمية كبيرة، تساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن القانوني و القضائي والحقوقي، من خلال التفاعل المستمر مع النقاشات القانونية المجتمعية التي تعرفها البلاد من بينها المساطر المرجعية في قضايا المخدرات.

كما تهدف هذه الدورية إلى توحيد عمل النيابات العامة بربوع المملكة انتصارا لمبدأ وحدة النيابة العامة، والقطع مع الممارسات والتصريحات الرامية إلى الإنتقام أو الاسترزاق اللامشروع والتأثير على مقررات النيابة العامة من خلال توريط بعض الأشخاص بذكر اسمائهم.

الفقرة الثالثة: المساطر المرجعية من منظور العمل القضائي
العمل القضائي، يضم العديد من الأحكام الابتدائية، والقرارات الاستئنافية، وكذا البعض من قرارات محكمة النقض، والتي تتعلق بموضوع المساطر المرجعية، ومن بينها الحكم الابتدائي عدد 174 بتاريخ 2014/06/09 في ملف جنحي تلبسي 2014/169 صادر عن بالمحكمة الابتدائية بكلميم، غير منشور[56]
صدر حكم بإدانة شخص لما نسب إليه بشأن قضية ترويج المخدرات، حيث قضت المحكمة بإدانة المتهم بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 5000 درهم، ويستفاد من مضمون هذا الحكم ما يلي:
إدانة المتهم بتهمة ترويج مخدر الشيرا، وحيث إن المحكمة قد بنت قناعتها بإدانة المتهم، وذلك استنادا على ما ضمنته الشرطة القضائية بمحاضرها من معاينة اتصال هاتفي وارد للمتهم بشأن طلبية مخدر الشيرا، واعتمادا على تصريحات مصرحي المسطرة المرجعية، وبكون محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمنها في ميدان الجنح ما لم يثبت ما يخالفها.

حكم ابتدائي عدد 54 بتاريخ 2019/01/28 في ملف جنحي تلبسي عدد 2018/2105/2566 بالمحكمة الابتدائية بإنزكان، غير منشور[57]
صدر حكم بشأن جنح المسك غير المشروع وترويج مخدر الشيرا، حيث قضت فيه المحكمة بعدم مؤاخذة المتهم وتبرئته من المنسوب إليه، ويستفاد من مضمون هذا الحكم أن. المحكمة بنت قناعتها بعدم إدانة المتهم، وذلك لعدة اسباب، إذ أنها حسب ما جاء في تعليلها على أن إنكار المتهم وتشبته بالبراءة ودحضه للتصريحات الواردة بالمسطرة المرجعية خلال جميع مراحل الدعوى، خصوصا كونها تعتبر تصريحات مصرح المسطرة المرجعية غير ذي أساس وانه لا حجية لها، إذ أنها لا ترقى إلى مستوى الشهادة المعمول بها في وسائل الإثبات بعد أداء اليمين أمام المحكمة وذلك حسب مقتضيات المادة 331 من ق.م.ج، وكذا لكونها لا يمكن أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت عليها ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامها أثناء الجلسة حسب مقتضى المادة 287 من ق.م.ج.
كما أن المحكمة لم تجد أية وسيلة إثبات أخرى بمحضر الشرطة القضائية تعزز التصريحات الواردة به، لإدانة المتهم، إذ أنها هنا تعتبر حجية محضر الشرطة القضائية ما هي إلا بشأن ما سمعوه وتلقوه من أقوال و تصريحات صادرة عن أحد المصرحين، وأن هذه التصريحات لا ترقى إلى مرتبة الشهادة على الغير، لأن القوة الثبوتية للمحضر بشأن هذه التصريحات لا تكون لمضمونها وإنما لصدورها عن أصحابها، حيث أصدر المجلس الأعلى، محكمة النقض حاليا، عدة قرارات في هذا الشأن جاء في إحداها: ” محضر رجال الدرك حجة ما تضمنه من تصريحات يوثق بحقيقة صدورها عن أصحابها لا بفحواها ، و أيضا بناء على إعمال مقتضيات المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية التي نصت على أن الشك يفسر لصالح المتهم، وأن الأصل في الإنسان هو البراءة، مما تكونت معه قناعة المحكمة ببراءة المتهم مستندة إلى المواد 1 و 286 و 287 و 290 و 331 من ق.م.ج.

قرار استئنافي عدد 2486 بتاريخ 2019/04/01 في ملف جنحي تلبسي استئنافي عند 616 /19، قرار غير منشور[58]
صدر قرار يقضى بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به من براءة المتهم بشأن جنحة المسك غير المشروع للمخدرات، وتأييده بشأن براءته من الإتجار فيها.
ويستفاد من مضمون هذا القرار وهو عدم الأخذ بالتصريحات الواردة في محاضر الشرطة القضائية المنجزة في إطار  مسطرة مرجعية أمام إنكار المتهم لها ونفيها عنه، وعدم وجود دليل آخر يعزز تصريحاته ويفند إنكار المتهم، وكذلك أمام تعذر الاستماع للمصرح بصفة قانونية كشاهد أما المحكمة إذ أنه حسب مقتضيات المادة 287 من ق.م.ج، لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفاهيا وحضوريا أمامها، وكذلك حسب مقتضيات المادة 286 من نفس القانون التي نصت على أنه إن ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته.
و في هذه الفقرة نعرض لتوجه محكمة النقض لاعتبار شهادة متهم على متهم والتصريحات الواردة بمحاضر الشرطة القضائية بناء على مسطرة مرجعية أدلة إثبات قانونية، وذلك من خلال القرار الآتي:
قرار محكمة النقض عدد 1327 الصادر بتاريخ 17 شتنبر 2014 في الملف الجنحي عدد 9195/6/7/2014 منشور بمجلة تضاء محكمة النقض، العدد 78 سنة 2014، مطبعة الأمنية الرباط، ص 363[59]
صدر قرار لمحكمة النقض، قاعدته هي أن “حيازة ونقل وترويج مخدر الشيرا (مسطرة مرجعية) إنكار المتهم وإفادته بوجود عداوة مع مصرح المسطرة المرجعية – عدم اطمئنان المحكمة للشاهد لكونه يقضي عقوبة جنائية – يدخل في قناعة المحكمة وسلطتها في تقييم الأدلة”.
ويستفاد من مضمون هذا القرار أن القضاة الذين يرفضون الأخذ بما جاء بالمساطر المرجعية، يقومون بإعمال سلطتهم في تقدير أدلة الإثبات وعدم الانصياع لمحاضر وتوجهات الشرطة القضائية، وكذا إعمال مقتضيات المادة الأولى من ق.م.ج.
فالحكم الذي يعتمد التصريحات الواردة بمحضر الشرطة القضائية بمفردها كدليل إدانة، بدون أية قرينة أخرى، و مع تمسك المتهم بالإنكار في جميع الأطوار حتى أمام الشرطة القضائية يكون حكما باطلا لمخالفته للفصل 331 من ق.م,ج الذي يقضي بأن الشاهد يؤدي قبل الإدلاء بشهادته اليمين المنصوص عليها في الفصل 123، ويترتب عن الإخلال بذلك بطلان الحكم او القرار.
أما أمام المحكمة فإن اعتراف المتهم بأفعال معينة ونفس الوقت يوجه اتهامات إلى شخص أو أشخاص آخرين بأنهم ساهموا أو شاركوا في هذا الفعل، فهذه التصريحات لا ترقى إلى مرتبة الشهادة على الغير، لأن القوة الثبوتية لتصريحات المشتبه فيه بمحاضر الضابطة القضائية لا تكون لمضمونها وإنما لصدورها عن أصحابها، وقد أصدر المجلس الأعلى عدة قرارات حول هذا الأمر كما سبق وأشرنا سلفا.
توجهات محكمة النقض بهذا الشأن “تراجع مصرح المسطرة المرجعية عن تصريحاته التمهيدية واقراره بعدم تزويد الظنين بأي مخدرات، وإنكار الظنين لتهمة الإتجار في المخدرات يجعل القرار القاضي بعدم المتابعة سليما ومؤسسا”.

قرار محكمة النقض عدد 562/1 الملف الجنحي عدد 3242/2014 بتاريخ 11/06/2014)[60]

خاتمة: متى كانت المساطر المرجعية تنتمي لشجرة الشرعية الإجرائية، ومن أين تستمد قوتها، وهل تستمدها في كونها تحقق الهدف المتمثل في السهر على تطبيق العدالة وضبط مرتكبي جرائم المخدرات ومعاقبتهم طبقا للقانون، ولماذا لم يتطرق المشرع لهذا النوع من المساطر بشكل صريح في مستجدات قانون المسطرة الجنائية، وهل تطرق لها بشكل ضمني ضمن المادة 286 من ق.م.ج الجديد، وهل المسطرة المرجعية هي جزء لا يتجزأ من محاضر الضابطة القضائية، وهل هذه المحاضر معززة بقرائن تبعث القناعة لدى النيابة العامة وتلامس وجدان القاضي لكي لا يخلق لديه مجالا للشك الذي يُفسر لصالح المتهم. وهل يمكن لحدود الساعة ترك مبدأ قرينة البراءة يتحشرج بين أنياب من يحترفون البيع والشراء، بل وأصبحت تجارة مربحة بالنسبة إليهم، في مساس خطير بحقوق الأفراد، وهل يمكن إنكار أن المساطر المرجعية أفرزت عددًا لا يستهان به من ضحايا تصفية الحسابات الشخصية، وهل يمكن القول أننا سنكون تارة بين قضاء الإدانة وتارة بين قضاء التطبيق السليم للقانون.
إن المساطر المرجعية أفرزتها الممارسة العملية للضابطة القضائية، فهي تارة تخدم توجهات السياسة الجنائية العقابية، وهي في حاجة ماسة لها، وتارة يترتب عنها مجموعة من الإجراءات الماسة بحرية الشخص.

يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية

  1. شريف بوزردة، المساطر المرجعية بين الأهمية والخطورة، موقع مجلة القانون والأعمال الدولية، منشور بتاريخ 12 نوفمبر 2018.

    رابط المقال https://url-shortener.me/3UXD

    تاريخ الإطلاع 17 ديسمبر 2025.

  2. نفس الإحالة.
  3. يوم 8 دجنبر دخل حيز التنفيذ القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في: 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  4. المادة 3 من القانون رقم 03.23 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).

  5. الفصل 23 من الدستور الصادر بتاريخ: (30 يوليوز 2011).
  6. الفصل 120 من نفس القانون.
  7. الفصل 128 من نفس القانون.
  8. المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر بتاريخ: (16 ديسمبر 1966)، ودخل حيز التنفيذ رسميًا في (23 مارس 1976).
  9. المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم اعتماده بتاريخ (10 ديسمبر 1948).
  10. ديباجة الدستور الصادر بتاريخ: 30 يوليوز 2011.
  11. الفصل 23 من نفس القانون.
  12. الفصل 119 من نفس القانون.
  13. الفصل 120 من نفس القانون
  14. الفصل 107 من نفس القانون.
  15. المادة 1 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في: 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  16. الفصل 6 من الدستور.
  17. الفصل 19 من نفس القانون.
  18. الفصل 120 من نفس القانون.
  19. الفصل 23 من نفس القانون.
  20. الفصل 118 من نفس القانون.
  21. المادة 1 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في: 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  22. مستجد قانوني المادة 1 من نفس القانون.
  23. الفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور.
  24. الفصل 23 من نفس القانون.
  25. المادة 9 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم اعتماده بتاريخ: (10 ديسمبر 1948).
  26. المادة 1 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في: 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  27. مقتطف من ديباجة دستور 2011.
  28. مستجد قانوني المادة 1-66 من القانون رقم 03.23 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 صادر في 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  29. مستجد قانوني يتعلق بالمواد 1-66 و2-66 و 3ـ66 و 4ـ66 و5ـ66 و المادة 67من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية بمقتضى (الظهير الشريف رقم 1.25.55 الصادر في: 19 من صفر 1447 (13 اغسطس 2025).
  30. مستجد قانوني، المادة 2-66 من نفس القانون.
  31. مستجد قانوني، المادة 67 من نفس القانون.
  32. مستجد قانوني، المادة 216 من نفس القانون.
  33. مستجد قانوني، المادة 286 من نفس القانون.
  34. المادة 24 من القانون من نفس القانون.
  35. لنا في قادم الأيام بحول الله وقوته قراءة في المادة 24 من نفس القانون.
  36. المادة 24 من نفس القانون.
  37. مستجد قانوني المادة 24 من نفس القانون.
  38. مستجد قانوني المادة 117 من نفس القانون.
  39. مستجد قانوني المادة 2ـ66 من نفس القانون.
  40. مستجد قانوني المادة 40 من نفس القانون.
  41. مستجد قانون المادة 2ـ66 من نفس القانون.
  42. مستجد قانوني المادة 67 من نفس القانون.
  43. مستجد قانوني المادة 1ـ74 من نفس القانون.
  44. مستجد قانوني المادة 5-66 من نفس القانون.
  45. مستجد قانوني المادة 40 من نفس القانون.
  46. مستجد قانوني المادة 40 من نفس القانون.
  47. معطيات رسمية صادرة عن الموقع الرسمي للنيابة العامة الرابط https://h7.cl/1lj4J.
  48. المادة 15 من نفس القانون.
  49. المادة 290 من نفس القانون.
  50. المادة 290 من نفس القانون.
  51. المادة 139 من نفس القانون .
  52. نفس الإحالة.
  53. مستجد قانوني المادة 31 من نفس القانون.
  54. الفقرة الثانية من المادة 286 من نفي القانون.
  55. دورية صادرة عن رئاسة النيابة في موضوع: تدبير المساطر المرجعية رقم 41س/ ر ن ع الصادرة بتاريخ: 16 أكتوبر 2018.
  56. الحكم الابتدائي عدد 174 بتاريخ 2014/06/09 في ملف جنحي تلبسي 2014/169 صادر عن بالمحكمة الابتدائية بكلميم، غير منشور.
  57. حكم ابتدائي عدد 54 بتاريخ 2019/01/28 في ملف جنحي تلبسي عدد 2018/2105/2566 بالمحكمة الابتدائية بإنزكان، غير منشور.
  58. قرار استئنافي عدد 2486 بتاريخ 2019/04/01 في ملف جنحي تلبسي استئنافي عند 616 /19، قرار غير منشور.
  59. قرار محكمة النقض عدد 1327 الصادر بتاريخ 17 شتنبر 2014 في الملف الجنحي عدد 9195/6/7/2014 منشور بمجلة تضاء محكمة النقض، العدد 78 سنة 2014، مطبعة الأمنية الرباط، ص 363.
  60. قرار محكمة النقض عدد 562/1 الملف الجنحي عدد 3242/2014 بتاريخ 11/06/2014).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى