في الواجهةمقالات قانونية

المقاولة المنتجة والاستثمار الناجع: الركائز وسبل النجاح

 

المقاولة المنتجة والاستثمار الناجع: الركائز وسبل النجاح

*يونس مليح

إن المقاولة المنتجة تعتبر أحد الحلول الكفيلة بالرقي بالاستثمار الوطني، وأحد الآليات والميكانزمات التي يمكن من خلالها التقليل من الأزمة المرتبطة بالتشغيل والبطالة التي تمس بالدرجة الأولى الشباب المغربي. وقد اقترح عاهل البلاد الملك محمد السادس في الخطاب الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لتربعه على العرش، مجموعة من الأوراش الرامية إلى تحسين الوضعية الاجتماعية بالمغرب، والتي من بينها الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها الكفيل بتتبع وإنجاح المقاولات الشبابية المغربية، الأمر الذي أكده عاهل البلاد بقوله: “المقاولة المنتجة تحتاج اليوم، إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية، إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار”.

فهناك ما يقارب 5195 مقاولة خلال سنة 2016 تعرضت للإفلاس، و5690 مقاولة خلال سنة 2017، وذلك راجع أساسا لضعف المواكبة، وعدم قيام المجالس الجهوية للاستثمار بدورها، فمقابل سبع مقاولات يتم إحداثها، هناك مقاولة تتعرض للإفلاس، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير في ضعف الاستثمار المغربي، وعدم نجاعته وفاعليته في استقطاب اليد العاملة، الأمر الذي يؤدي إلى الزيادة في عدد العاطلين خصوصا ضمن فئة الشباب. فما هي إذن الإجراءات الكفيلة بإعادة الاستثمار المغربي إلى سكته المعهودة؟ وما هي السبل الكفيلة لإنجاح المقاولة المغربية من أجل تحقيق الهدف الأساسي الكامن في استيعاب بطالة الشباب المغربي؟

المحور الأول: إجراءات لاستعادة الاستثمار المغربي مستواه المعهود

يعتبر هدف إنجاح المقاولات والرقي بها وبمكانتها لكي تصبح مقاولة منتجة أحد الأركان الأساسية لتنمية البلاد، ولكي نصل إلى هذا المستوى لابد من وجود روابط ثقة متبادلة ما بين كل من الدولة أولا والمجتمع في هذه المقاولة من أجل رجوع الاستثمار الوطني إلى حالته المعهودة والى مستواه المنشود.

ومن بين الإجراءات التي يمكن لها إعادة الثقة في المقاولة المغربية وإعادة الاستثمار إلى سكته الصحيحة، لابد من إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار أولا، كونها المسؤول الرئيسي عن تدهور حالة المقاولات المغربية والاستثمار المغربي ككل، الأمر الذي يرجع بالأساس إلى أن هذه الأخيرة لم تسطتع لعب دورها الأساسي والرئيسي في بلورة نموذج جديد للاستثمار ببلادنا من جهة، ولم تسعى إلى تحقيق تلك الطفرة النوعية في مجالات المقاولات خصوصا الشبابية عبر التتبع والتكوين والدعم، الأمر الذي عجل بإعداد الحكومة لتصور جديد لعمل المراكز الجهوية للاستثمار انطلاقا من التوجهات الملكية الداعية إلى إحداث ثورة في عمل هذه المراكز لكي ترقى لما هو مطلوب منها.

هذه الأمور التي سبق ذكرها تم التنصيص عليها بموجب مشروع قانون رقم 47.18 يتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، ويرتكز هذا الإصلاح على ثلاثة محاور أساسية تتمثل في إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار، وإحداث اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار، وتبسيط المساطر والإجراءات المرتبطة بملفات الاستثمار على المستويين الجهوي والمركزي. ويهدف مشروع القانون إلى بلورة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار عبر مجموعة من المقتضيات والآليات المتناسقة التي يتوخى من خلالها تسهيل الاستثمار وتحويل المراكز الجهوية إلى دعامة أساسية لجلب الاستثمارات وتنمية النسيج المقاولاتي ومواكبته في خلق الثروة ومناصب الشغل. وتضمن مشروع القانون مجموعة من المستجدات تهم إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار عبر تحويلها إلى مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي، وتتوفر على مجالس إدارية تشاركية ومنفتحة على مختلف الفاعلين الجهويين في القطاعين العام والخاص.

زيادة على ما تم ذكره، لابد من تسهيل المأمورية في وجه المستثمرين، وذلك عبر تسهيل الإجراءات والمساطر الإدارية في وجههم، الأمر الذي جعل عاهل البلاد يحدد في خطاب العرش أجل شهر لعدد من الإدارات من أجل الرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، وان عدم جوابها داخل هذا الأجل يعد بمثابة موافقة من قبلها. زيادة على أن لا تطلب اي إدارة عمومية من المستمر وثائق أو معلومات توجد أو تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى، الأمر الذي يدخل في إطار مبادئ الحكامة الجيدة التي من ضمنها الجودة في التدبير والشفافية، وذلك من أجل تشجيع الاستثمار وخلق فرص جديدة للشغل.

المحور الثاني: مقومات تطوير المقاولة المغربية الشبابية المنتجة والمبتكرة

ينبغي التأكيد على أن المقاولة تمثل القاعدة الأساس لاقتصاد أي دولة، وعلى سبيل المثال فالنسيج الاقتصادي المغربي يعتمد بشكل كبير على عنصر المقاولة وخاصة الصغرى منها والمتوسطة التي تشكل 95% من دخله، بالرغم من وجود صعوبات وإكراهات تحد من فعاليتها ومن قيامها بدورها التنموي، هذه المشاكل يعتبر الشباب الركيزة الأساسية فيها، نظرا للمشاكل الكثيرة التي يعانيها هؤلاء سواء على مستوى التمويل المالي، أو على مستوى ضعف المواكبة، أو على مستوى عدم نجاح المشروع المقاولاتي.

فلا يمكن تصور مستقبل المغرب دون مشاركة فاعلة وحقيقية من لدن قواه الحية المتمثلة في الشباب بسواعده القوية القادرة على البناء وبعقوله النيرة المؤهلة للابتكار، هذه الفئة التي تمثل ثروة المغرب الحقيقية والدائمة والمتجددة، والشرط المسبق لتحقيق التنمية والسلام والازدهار في البلاد، لذلك يجب العمل على تشجيع الشباب على إنشاء المقاولات، ليس فقط التشجيع بل المواكبة الحقيقية والملموسة لهم، وضرورة تشجيع الدولة لكل الأجهزة المرافقة المتواجدة بها التي تهدف إلى ترقية إنشاء المؤسسات المقاولاتية وتطوير أجهزة أخرى مماثلة أو مكملة لها؛ وخلق عدد من الحاضنات تستجيب للطلب النوعي والكمي من أجل خلق مقاولة، والتكثيف من تنظيم الصالونات والمعارض الجهوية والوطنية وحتى الدولية ومحاولة إشراك أكبر عدد ممكن من المنشئين فيها.

يجب على الشباب أن يبادر إلى خلق فرص جديدة وآفاق جديدة، وفتح أبواب جديدة من خلال مشاريع تنموية وأفكار ابتكارية، تفتح له المجال أمامه لولوج عالم الأعمال وتطوير الذات عن طريق إنشاء مقاولته الخاصة، وعلى الحكومة تبني استراتيجية وطنية تستثمر التجارب السابقة والمقارنة في هذا الإطار من أجل خلق بيئة حاضنة لهؤلاء الشباب ومؤطرة لهم حتى تنجح مقاولاتهم. من جانب آخر، يجب تفعيل الإجراءات التي سبق وذكرناها في متن هذا الموضوع، هذه الإجراءات الحاسمة تشكل حافزا قويا وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطن، والحد من التماطل، الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة، كما يعرف ذلك جميع المغاربة. كما ستشكل دافعا لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدإ المحاسبة، والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح. ويتعين العمل على جعل هذه الإجراءات أمرا واقعا، في ما يخص مجال الاستثمار.

*كاتب وباحث بسلك الدكتوراه

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق