المنصات الرقمية للتشغيل وإشكالية التأطير القانوني في قانون الشغل المغربي
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية — الإصدار رقم 64 الخاص بشهر يونيو 2026
رابط تسجيل الإصدار في DOI: https://doi.org/10.63585/RPDM9639
للنشر والاستعلام: mforki22@gmail.com | واتساب: 00212687407665

الشغل — المنصات الرقمية للتشغيل وإشكالية التأطير القانوني في قانون الشغل المغربي Digital Employment Platforms and the Challenge of Legal Regulation under Morocc…
المنصات الرقمية للتشغيل وإشكالية التأطير القانوني في قانون الشغل المغربي
Digital Employment Platforms and the Challenge of Legal Regulation under Moroccan Labour Law
الباحثة مريم مالكي
طالبة باحثة بسلك الدكتوراه – كلية العلوم القانونية و السياسية سطات – مختبر البحث قانون الأعمال
الملخص:
تتناول هذه الدراسة إشكالية التأطير القانوني للمنصات الرقمية للتشغيل في ضوء قانون الشغل المغربي . وتنطلق من تشخيص القصور الذي يطبع الإطار التشريعي التقليدي للوساطة في التشغيل، والذي بُني على تصور مؤسساتي مادي وتدخل بشري مباشر، دون استحضار التحولات العميقة التي أفرزتها الرقمنة واعتماد الخوارزميات في تنظيم الولوج إلى الشغل.
وتُبرز الدراسة أن المنصات الرقمية تؤدي فعليًا وظيفة الوساطة، غير أنها لا تندرج بسهولة ضمن التصنيفات القانونية القائمة، ما يخلق فراغًا تشريعيًا يؤثر على حماية طالبي الشغل وعلى فعالية مبادئ المساواة والشفافية وعدم التمييز. كما تُحلّل أثر الوساطة الرقمية على إعادة تشكيل مسار الولوج إلى الشغل، وانتقال مراكز القرار من المشغّل إلى أنظمة تقنية مؤتمتة.
وتخلص الدراسة إلى ضرورة تبنّي مقاربة قانونية مرنة، إما عبر تأطير تشريعي خاص أو تفسير موسّع لمقتضيات الوساطة، يدمج الوساطة الرقمية دون المساس بثوابت قانون الشغل ووظيفته الحمائية، مع فتح آفاق تنظيمية توازن بين الابتكار التقني والعدالة الاجتماعية.
Abstract (English) :
This study examines the legal regulation challenges raised by digital employment platforms under Moroccan Labour Law. It begins by identifying the limitations of the traditional legal framework governing employment intermediation, which was designed around a material, institutional model based on direct human intervention, and therefore fails to account for the digital transformation of labour markets. The study demonstrates that digital platforms effectively perform an intermediation function, yet do not fit neatly within existing legal categories, creating a regulatory gap that weakens the protection
of job seekers and challenges core labour law principles such as equality, transparency, and non-discrimination. It further analyses how algorithmic mediation reshapes access to employment by shifting decision-making power from employers to automated systems. The study concludes by calling for a flexible legal approach, either through specific regulatory frameworks or an expanded interpretation of existing rules, capable of integrating digital intermediation while preserving the protective foundations and social function of Moroccan labour law, and ensuring a balanced relationship between technological innovation and social justice.
مقدمة :
في ظل التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة، لم يعد سوق الشغل بمنأى عن آثار الثورة الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل أنماط الإنتاج، وطرق تنظيم العمل، وصور العلاقة بين الفاعلين الاقتصاديين ، فقد أدى التقدم التكنولوجي، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الخوارزمية، والاتصال الرقمي، إلى بروز نموذج اقتصادي جديد يُعرف بـ الاقتصاد الرقمي137، يقوم على استثمار التكنولوجيا في خلق القيمة وتنظيم المبادلات والخدمات خارج الأطر التقليدية للمؤسسة الصناعية أو التجارية. وفي قلب هذا التحول، برزت المنصات الرقمية للتشغيل كفاعل مركزي في إعادة هندسة سوق الشغل، ليس فقط باعتبارها أدوات تقنية للربط بين العرض والطلب، وإنما كوسيط نشيط يمارس تأثيراً فعلياً في شروط أداء العمل، وتحديد المقابل، وتقييم الأداء، وأحياناً إقصاء العامل من السوق الرقمية ذاتها.
لقد أفرز هذا الواقع الجديد ما يُعرف بـ العمل عبر المنصات الرقمية، وهو نمط من الشغل يتسم بالمرونة الزمنية والمجالية، وبغياب العلاقة التعاقدية الكلاسيكية التي تقوم على الاستمرارية والتبعية القانونية الصريحة. غير أن هذه المرونة، التي غالباً ما تُقدَّم كميزة تنافسية للاقتصاد الرقمي، تخفي في طياتها إشكالات قانونية عميقة، تمس جوهر الحماية التي سعى قانون الشغل إلى تكريسها تاريخياً لفائدة الأجير باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية. فالأجير عبر المنصات يجد نفسه، في كثير من الحالات، خارج نطاق تطبيق تشريعات الشغل التقليدية، دون أن يعني ذلك تمتعه باستقلالية حقيقية تبرر إخضاعه لقواعد القانون التجاري أو المدني بوصفه مهنيّاً مستقلاً كامل الأهلية الاقتصادية.
وقد شكلت هذه الإشكالية محور نقاش فقهي وقضائي واسع في الأنظمة القانونية المقارنة، خاصة في الدول التي عرفت انتشاراً مبكراً لمنصات التشغيل الرقمية. ففي فرنسا، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، أُثيرت تساؤلات جوهرية حول الطبيعة القانونية للعلاقة التي تربط المنصة بالعامل : هل هي علاقة شغل مقنَّعة تتوافر فيها عناصر التبعية تحت غطاء الاستقلال الشكلي؟ أم هي مجرد علاقة وساطة تقنية محايدة؟ أم أننا بصدد نمط ثالث هجين يفرض تجاوز التقسيم الثنائي التقليدي بين الأجير والعامل المستقل؟ وقد دفعت هذه التساؤلات بعض التشريعات والقضاء المقارن إلى إعادة النظر في معايير التبعية القانونية، وإلى تطوير مفاهيم جديدة من قبيل التبعية الاقتصادية138 والإدارة الخوارزمية للعمل139، في محاولة لملاءمة القانون مع واقع رقمي متغير.
وإذا كان هذا النقاش قد بلغ درجة متقدمة في بعض الأنظمة القانونية، فإن السياق المغربي لا يزال في مرحلة البحث عن التكييف القانوني الملائم لهذه الظاهرة المستجدة. فالمغرب ، يشهد توسعاً ملحوظاً في استخدام المنصات الرقمية للتشغيل والخدمات، سواء في مجالات النقل، أو التوصيل، أو العمل الحر عن بُعد. وقد ساهمت عوامل متعددة في هذا التوسع، من بينها ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، وانتشار المهارات الرقمية، وتزايد الطلب على خدمات مرنة وسريعة الاستجابة. غير أن هذا الواقع العملي يصطدم بإطار قانوني صيغ في سياق تاريخي مختلف، هو سياق العمل الصناعي والمؤسسة التقليدية، مما يطرح إشكالية مدى قدرة قانون الشغل المغربي، وخاصة مدونة الشغل، على استيعاب هذه التحولات وتأطيرها بصورة تضمن التوازن بين متطلبات المرونة الاقتصادية وضرورات الحماية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تبرز العديد من المنصات التي تجسد التحولات التي يعرفها سوق الشغل الرقمي في المغرب. حيث تقوم هاته الاخيرة بالربط بين أصحاب المشاريع و المهنيين المستقلين في مجالات متعددة، اعتماداً على نظام تعاقدي مرن وآليات رقمية لتدبير العلاقة بين الأطراف. غير أن تحليل كيفية اشتغال هذه المنصات ، من حيث شروط الولوج، وتحديد المقابل المالي، ونظام التقييم، وآليات فض النزاعات، يكشف عن دور يتجاوز في كثير من الأحيان مجرد الوساطة التقنية المحايدة، ليقترب من ممارسة بعض مظاهر السلطة التنظيمية التي تميز المشغل في علاقة الشغل التقليدية. وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول الطبيعة القانونية الحقيقية للعلاقة التي تنشأ في فضاء هذه المنصات.
وانطلاقاً من ذلك، يقتضي تناول موضوع المنصات الرقمية للتشغيل وإشكالية التأطير القانوني في قانون الشغل المغربي الوقوف عند جملة من المفاهيم المركزية التي يتأسس عليها البحث. فأولاً، يُقصد بـ المنصات الرقمية للتشغيل، من منظور قانوني، تلك الكيانات التي توفر بنية تحتية رقمية تُنظم من خلالها عملية التقاء العرض والطلب على العمل، مع تدخل متفاوت في تحديد شروط أداء هذا العمل، سواء بشكل مباشر أو عبر خوارزميات. وهي بذلك تختلف عن الوساطة التقليدية التي يقتصر دورها على التقريب بين الأطراف دون التدخل في مضمون العلاقة التعاقدية.
ثانياً، يشير مفهوم العمل عبر المنصات إلى النشاط المهني المنجز في إطار هذه المنصات، والذي يتسم غالباً بالانقطاع، وعدم الاستقرار، وغياب التبعية القانونية في صورتها الكلاسيكية، مع حضور أشكال جديدة من التبعية غير المباشرة.
أما مفهوم الوساطة، كما نظمه المشرع المغربي في مدونة الشغل، وخاصة في المواد المتعلقة بمكاتب الوساطة في التشغيل، فيحيل على نشاط يهدف إلى تسهيل التقاء العرض والطلب في سوق الشغل دون أن يترتب عنه قيام علاقة شغل بين الوسيط والعامل. غير أن إسقاط هذا المفهوم على واقع المنصات الرقمية يثير إشكالات تأويلية، بالنظر إلى أن هذه المنصات قد تمارس سلطات تنظيمية ورقابية تتجاوز الدور التقليدي للوسيط. كما أن مفهوم علاقة الشغل ذاته، الذي يقوم في جوهره على معيار التبعية القانونية، يواجه اليوم تحدياً حقيقياً في ظل أنماط العمل الرقمية التي تعيد إنتاج التبعية في صيغ خوارزمية غير مرئية.
و هو ما تتضح في ظله أهمية هذا الموضوع على مستويات متعددة. فمن الناحية القانونية، يساهم البحث في تعميق النقاش الفقهي حول أزمة المفاهيم التقليدية لقانون الشغل، وعلى رأسها مفهومي الأجير والتبعية، في سياق الاقتصاد الرقمي. ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، يلامس الموضوع واقع فئة واسعة من الشباب المغربي الذين يعتمدون على العمل عبر المنصات كمصدر أساسي أو تكميلي للدخل، دون أن يتمتعوا في كثير من الأحيان بحماية اجتماعية كافية. كما تكتسي الدراسة أهمية خاصة في ظل الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة، وعلى رأسها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يفرض تحديد المراكز القانونية للفئات المهنية المختلفة بدقة، ضماناً لعدم إقصاء العمال الرقميين من منظومة الحماية.
وبناءً على ما تقدم، تتمحور الإشكالية المركزية لهذا المقال حول السؤال التالي:
إلى أي حد تستطيع القواعد الحالية لقانون الشغل المغربي استيعاب وتأطير العلاقات المهنية الناشئة عبر المنصات الرقمية ؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية جملة من الأسئلة البحثية الفرعية، من بينها:
– هل يمكن تكييف دور المنصة الرقمية في إطار مفهوم الوساطة كما هو منظم تشريعياً، أم أن تدخلها الخوارزمي يخرجها عن هذا الإطار؟
– وما مدى كفاية آليات الحماية التي يوفرها التشريع المغربي الحالي للعمال عبر المنصات، في ظل غياب نظام قانوني خاص ينظم هذا النمط من الشغل؟
– و ما الطبيعة القانونية للعلاقة التي تربط العامل بمنصة التشغيل في ضوء معايير التبعية والوساطة المعتمدة في قانون الشغل المغربي؟
تشكل هذه الأسئلة مدخلاً لتحليل علمي يروم المساهمة في بلورة تصور قانوني متوازن، يراعي متطلبات الابتكار الاقتصادي من جهة، وضرورات الحماية الاجتماعية والعدالة الشغلية من جهة أخرى، في أفق تطوير قانون شغل مغربي قادر على مواكبة تحديات العصر الرقمي.
المحور الأول: الإطار القانوني للوساطة في التشغيل في ضوء التحول الرقمي واستعمال الأدوات الذكية
يُعد تنظيم الوساطة في مجال التشغيل من الركائز الأساسية التي يقوم عليها قانون الشغل المغربي، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به هذه الآلية في تأطير ولوج الأجراء إلى سوق العمل، وضمان شفافية العلاقة بين طالبي الشغل والمشغلين، وتحقيق التوازن بين اعتبارات المرونة الاقتصادية ومتطلبات الحماية الاجتماعية. وقد أولى المشرع المغربي لهذا الموضوع أهمية خاصة ضمن مدونة الشغل، حيث خصّص له مقتضيات صريحة تنظم نشاط وكالات التشغيل الخاصة والوساطة في التشغيل، محددًا شروط ممارستها، وآليات الترخيص والمراقبة، والالتزامات القانونية الملقاة على عاتقها140.
ويكشف فحص هذه المقتضيات عن تبني المشرع لتصور تشريعي تقليدي للوساطة في التشغيل، يقوم على افتراض وجود وسيط بشري أو وكالة مرخص لها تضطلع بدور الربط بين العرض والطلب في سوق العمل، في إطار علاقة قانونية واضحة، تخضع للرقابة الإدارية، وتستهدف بالأساس حماية الأجير من كل أشكال السمسرة غير المشروعة141 أو الاستغلال ، وهو ما ينسجم مع الطابع الحمائي الذي يميز قانون الشغل المغربي، كما أكد على ذلك جانب من الفقه المغربي، الذي اعتبر أن تنظيم الوساطة يندرج ضمن الأدوات القانونية لضبط سوق الشغل والحفاظ على توازنه الاجتماعي142.
غير أن هذا التنظيم التشريعي، الذي تبلور في سياق اقتصادي واجتماعي سابق، أصبح يواجه تحديات بنيوية بفعل التحول الرقمي المتسارع، ولا سيما مع بروز المنصات الرقمية للتشغيل التي تعتمد على الوساطة الإلكترونية والخوارزميات الذكية في تدبير عمليات التشغيل. فقد أفرزت هذه المنصات نماذج جديدة للوساطة تقوم على المعالجة الآلية للمعطيات، واتخاذ القرار الخوارزمي، وإعادة تشكيل أدوار الفاعلين داخل سوق الشغل، بما يجعلها تتجاوز الإطار التقليدي الذي تصوره المشرع في مدونة الشغل.
وفي هذا السياق، يطرح اعتماد الوساطة الرقمية إشكالًا قانونيًا دقيقًا يتمثل في مدى قابلية المفهوم التشريعي للوساطة في التشغيل، كما ورد في المواد المنظمة لوكالات التشغيل الخاصة، لاستيعاب هذه الأشكال الجديدة. فالمشرع افترض وجود وسيط محدد الهوية والمسؤولية، يمكن إخضاعه للتفتيش والمراقبة، في حين تقوم الوساطة الرقمية على أنظمة ذكية قد يصعب تحديد مركزها القانوني أو إسناد المسؤولية عنها، الأمر الذي يطرح تحديات على مستوى حماية الأجراء وضمان شفافية الولوج إلى فرص الشغل143.
وقد نبه الفقه المغربي إلى هذا القصور، معتبرًا أن مدونة الشغل، رغم أهميتها، لا تزال تعكس تصورًا تقليديًا لعلاقات الشغل والوساطة، ولا توفر إطارًا قانونيًا صريحًا ينظم نشاط المنصات الرقمية للتشغيل أو يضبط استعمال الخوارزميات في مجال التشغيل. ويرى هذا الاتجاه أن غياب تنظيم قانوني خاص بالوساطة الرقمية يؤدي إلى فراغ تشريعي قد يمس بمبدأ الأمن القانوني، ويؤثر سلبًا على حقوق الأجراء، خاصة في ظل تنامي الاقتصاد الرقمي144.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا مع توسع استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل، سواء في تصنيف طالبي الشغل، أو تقييم الكفاءات، أو توجيه فرص العمل، وهو ما يثير رهانات جديدة مرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، من حيث الشفافية، وعدم التمييز، وحماية المعطيات الشخصية. وهي رهانات لم يتطرق إليها المشرع المغربي بشكل مباشر ضمن مدونة الشغل، مما يحدّ من فعالية الإطار القانوني التقليدي في مواجهة التحولات الرقمية العميقة145.
وانطلاقًا من ذلك، يطرح هذا المحور مجموعة من الأسئلة الفرعية التي تمهّد لتحليل مكوناته الداخلية، من قبيل :
إلى أي حد يظل مفهوم الوساطة في التشغيل، كما نظمه المشرع المغربي، ملائمًا لمتطلبات الرقمنة؟
وهل تسمح الصياغة القانونية الحالية بإدماج الوساطة القائمة على المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن الإطار القانوني القائم؟
ثم ما أوجه قصور هذا الإطار أمام متطلبات حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل سوق الشغل المغربي؟
وهي أسئلة تفرض اعتماد مقاربة تحليلية متدرجة، تقتضي، أولًا، الوقوف على مفهوم الوساطة في التشغيل بين الصياغة التشريعية التقليدية ومتطلبات الرقمنة، قبل الانتقال، ثانيًا، إلى تشخيص قصور الإطار القانوني التقليدي أمام تحديات حوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل.
المطلب الأول : التأصيل القانوني لمفهوم الوساطة في التشغيل في التشريع المغربي وحدوده الرقمية
الفقرة الأولى : مفهوم الوساطة في التشغيل بين الصياغة التشريعية التقليدية ومتطلبات الرقمنة
يُشكّل مفهوم الوساطة في التشغيل أحد المفاهيم المركزية في قانون الشغل المغربي، باعتباره أداة قانونية وتنظيمية ترمي إلى تحقيق التوازن داخل سوق العمل، وضمان حسن تدبير العلاقة بين العرض والطلب على الشغل، في أفق تحقيق الإدماج المهني والحد من البطالة باعتبارها ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية معقّدة.
وقد كرس المشرّع المغربي هذا المفهوم صراحة من خلال مدونة الشغل، حيث خصّص باباً مستقلاً للوساطة في التشغيل، واضعاً لها تعريفاً تشريعياً في المادة 475، التي تنص على أن الوساطة تهدف إلى “تقريب عروض الشغل من طلباته، والمساهمة في إدماج طالبي الشغل في سوق العمل”، وهو تعريف يُعبّر عن مقاربة وظيفية عامة، تُركّز على الغاية دون الوسيلة، وعلى النتيجة الاجتماعية والاقتصادية دون الخوض في الطبيعة القانونية أو التقنية للوسيط. ويُستفاد من هذا التعريف أن الوساطة في التشغيل ليست مجرد نشاط تقني محايد، بل هي وظيفة ذات بعد حمائي وتنظيمي، تتداخل فيها اعتبارات النظام العام الاجتماعي مع منطق السوق، وهو ما يميزها عن باقي صور الوساطة المعروفة في فروع قانونية أخرى.
وفقهيّاً، تُعرّف الوساطة في التشغيل بأنها “نشاط قانوني منظَّم يهدف إلى الربط بين طالبي الشغل والمشغّلين، عبر تدخل طرف ثالث محايد، يعمل على تيسير إبرام علاقة الشغل دون أن يكون طرفاً فيها” 146، وهو تعريف يُبرز العناصر الجوهرية للوساطة، والمتمثلة في وجود طرف ثالث، وحياده النسبي، واستقلال نشاطه عن علاقة الشغل ذاتها، مع خضوعه لإطار قانوني آمِر.
ومن حيث الأنواع، يمكن التمييز داخل المنظومة القانونية المغربية بين الوساطة العمومية والوساطة الخاصة ؛ فالوساطة العمومية تضطلع بها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، وعلى رأسها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، التي تُمارس هذا النشاط في إطار خدمة عمومية، وتخضع لمبادئ المرفق العام من استمرارية ومجانية ومساواة، وتهدف أساساً إلى تحقيق الإدماج الاجتماعي ومواكبة السياسات العمومية للتشغيل147. أما الوساطة الخاصة، فهي التي يباشرها أشخاص ذاتيون أو اعتباريون من الخواص، بعد الحصول على ترخيص إداري مسبق، ووفق شروط صارمة حدّدتها مدونة الشغل ونصوصها التطبيقية، بما يعكس حرص المشرّع على إخضاع هذا النشاط لرقابة دقيقة، حمايةً لطالبي الشغل من الاستغلال أو المساس بحقوقهم الأساسية148.
ويُميّز الفقه بين هذين النوعين ليس فقط من حيث الطبيعة القانونية، بل أيضاً من حيث الغاية، إذ تقوم الوساطة العمومية على منطق الخدمة الاجتماعية، في حين تخضع الوساطة الخاصة لمنطق اقتصادي ربحي، وإن ظل هذا الأخير مقيَّداً باعتبارات النظام العام الاجتماعي149.
ومن حيث عناصر الوساطة في التشغيل، فهي تقوم على ثلاثة عناصر أساسية :
العنصر البشري : والمتمثل في طالب الشغل والمشغّل والوسيط؛
والعنصر الوظيفي : المتمثل في عملية التوفيق والمطابقة بين العرض والطلب؛
والعنصر التنظيمي : الذي يتمثل في خضوع هذا النشاط لإطار قانوني وإداري يحدد شروط ممارسته، وحقوق والتزامات القائمين به .
أما من حيث الشروط، فيشترط لممارسة الوساطة في التشغيل، سواء كانت عمومية أو خاصة، احترام مبدأ الحياد وعدم التمييز، وضمان شفافية المعلومات المقدمة لطالبي الشغل، وعدم تقاضي أي مقابل منهم بصفة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى الخضوع لرقابة الإدارة، وتحمل المسؤولية القانونية في حالة الإخلال بالالتزامات المفروضة قانوناً150.
غير أن هذه الشروط، كما صاغها المشرّع المغربي، تعكس بوضوح تصوّراً تقليدياً للوساطة في التشغيل، يفترض وجود وسيط بشري أو مؤسساتي ملموس، ويقوم على تدخل مباشر في عمليات التوفيق، سواء عبر استقبال الملفات، أو إجراء المقابلات، أو اتخاذ قرارات الإحالة، وهو ما أكده عدد من الفقهاء المغاربة الذين اعتبروا أن الوساطة في مدونة الشغل “تفترض تدخلاً إنسانياً مباشراً، وتقوم على نموذج تنظيمي كلاسيكي لا يستحضر الأتمتة أو اتخاذ القرار الخوارزمي” 151.
ويُظهر هذا التصور أن مفهوم الوساطة في التشغيل، كما استقر عليه الفقه والتشريع المغربيين، قد تأسس في سياق سابق على التحول الرقمي العميق الذي يعرفه سوق العمل اليوم، حيث لم تكن الوسائط الرقمية والخوارزميات تلعب دوراً مركزياً في تدبير التشغيل، الأمر الذي يجعل هذا المفهوم، رغم عموميته الظاهرية، محكوماً ضمنياً بإطار تقليدي، ستُطرح بشأنه إشكالات قانونية عميقة عند الانتقال إلى مناقشة قصور هذا الإطار أمام متطلبات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهو ما سيتم تناوله في الفقرة الموالية.
الفقرة الثانية : قصور الإطار القانوني التقليدي أمام حوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل
أفرز التحول الرقمي المتسارع، ولا سيما انتشار المنصات الرقمية للتشغيل، واقعًا جديدًا لم يكن في حسبان المشرّع عند وضع مدونة الشغل. فقد ظهرت منصات رقمية تقوم فعليًا بوظيفة الوساطة في التشغيل، من خلال جمع عروض الشغل، وتحليل ملفات المرشحين، وربطهم بالمشغّلين، دون أن تتخذ شكل وكالة تشغيل تقليدية، ودون أن تتوفر بالضرورة على مقر مادي أو هيكلة إدارية بالمعنى المعهود. ويزداد هذا التحول تعقيدًا عندما تعتمد هذه المنصات على تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في فرز المرشحين وترتيبهم، واتخاذ قرارات أولية تؤثر بشكل مباشر في فرص الولوج إلى الشغل. ويكشف تحليل
style=”font-size:14px”>
و تُبرز المقارنة بين الوساطة التقليدية والوساطة الرقمية اختلافًا جوهريًا في طبيعة الفاعلين، وآليات الاشتغال، ومستوى المخاطر القانونية.
فالوساطة التقليدية تقوم على تدخل بشري مباشر، يسمح – نظريًا – بإعمال التقدير الإنساني، وتصحيح الأخطاء، وتحمل المسؤولية القانونية بشكل واضح. أما الوساطة الرقمية، فتعتمد على أنظمة مؤتمتة، قد تُقصي التدخل البشري في مراحل حاسمة من عملية الانتقاء، وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بالشفافية، وقابلية القرارات للطعن، وتحديد المسؤوليات القانونية.
ويُعدّ ضمان تكافؤ الفرص وعدم التمييز من أبرز التحديات المرتبطة بالوساطة الرقمية، إذ أظهرت الدراسات أن الخوارزميات قد تُعيد إنتاج تحيزات قائمة في البيانات التي تُدرَّب عليها، مما يؤدي إلى أشكال جديدة من التمييز غير المباشر ضد فئات معينة من طالبي الشغل153. ويزداد هذا الخطر في غياب التزامات قانونية صريحة تفرض على المنصات الرقمية الكشف عن معايير الانتقاء، أو تمكّن المرشحين من فهم منطق القرار الخوارزمي والطعن فيه.
كما تثير الوساطة الرقمية إشكالات مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، في ظل اعتماد هذه المنصات على معالجة كميات ضخمة من البيانات الحساسة، المتعلقة بالمسار المهني، والمؤهلات، وأحيانًا السمات الشخصية، وهو ما يفرض تفعيل مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وربطه بمنظومة قانون الشغل 154.
و عليه نجد أن حدة قصور الإطار القانوني التقليدي تزداد عندما يتعلق الأمر بحوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل، إذ لم يعد دور الوسيط مقتصرًا على الربط بين العرض والطلب، بل أصبح يشمل تحليل البيانات، والتنبؤ بالملاءمة، وتصنيف المرشحين بناءً على معايير خوارزمية معقدة. ويطرح هذا التطور سؤال مدى كفاية القواعد التقليدية لقانون الشغل في حماية طالبي الشغل أمام قرارات مؤتمتة قد تمس بحقوقهم الأساسية.
ويكتسي هذا الإشكال بعدًا دستوريًا واضحًا، في ضوء المقتضيات الدستورية التي تكرّس مبدأ المساواة وعدم التمييز، والحق في الشغل، والحق في حماية الحياة الخاصة 155. فغياب نصوص تلزم بالشفافية الخوارزمية، أو تضمن حق المرشح في الحصول على تفسير للقرار المؤتمت، قد يُفضي إلى مساس غير مباشر بهذه المبادئ، ويُضعف فعالية الحماية القانونية المقررة دستورياً.
وقد أظهرت النقاشات الوطنية المرتبطة بمشاريع القوانين الإطارية للرقمنة، وعلى رأسها مشاريع الاستراتيجيات الوطنية للتحول الرقمي ومبادرات حوكمة الذكاء الاصطناعي، توجّهًا نحو إرساء إطار عام يهدف إلى تعزيز الثقة الرقمية وضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية 156. غير أن هذه المبادرات، في صيغتها الحالية، تظل ذات طابع أفقي وعام، ولا تتضمن مقتضيات قطاعية دقيقة تعالج خصوصيات الوساطة الرقمية في سوق الشغل.
و يُبرز التحليل السابق أن قصور الإطار القانوني التقليدي للوساطة في التشغيل لا يكمن في غياب النصوص، بل في عدم ملاءمتها للتحولات التقنية والتنظيمية الراهنة. ومن ثم، فإن الرهان لا يتمثل في إلغاء الإطار القائم، بل في تطويره عبر مقاربة تشريعية استباقية، تُعيد تعريف مفهوم الوساطة في التشغيل ليشمل الوساطة الرقمية، مع إخضاعها لضمانات قانونية واضحة، من قبيل إلزامية الشفافية الخوارزمية، وتحديد المسؤوليات القانونية للمنصات، وتعزيز آليات الرقابة والطعن.
ويستوجب هذا التوجه الاستفادة من التجارب المقارنة، ولا سيما النقاشات الأوروبية حول تنظيم المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في سوق العمل، مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية للمغرب. ويظل الهدف النهائي هو تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار الرقمي، وضمان العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق الأساسية لطالبي الشغل، بما يُعيد بناء الثقة في الوساطة الرقمية كآلية قانونية مشروعة ومنظمة داخل سوق الشغل
المطلب الثاني: حدود الإطار القانوني التقليدي أمام متطلبات حوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل
إذا كان المطلب الأول قد انصرف إلى بيان الإشكالات المرتبطة بالتكييف القانوني للمنصات الرقمية للتشغيل، فإن استكمال تحليل هذه الظاهرة يقتضي الانتقال إلى مستوى أعمق يتمثل في فحص مدى قدرة الإطار القانوني التقليدي لقانون الشغل على استيعاب التحولات التي أفرزها إدماج الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل. فقد أفرز اعتماد الخوارزميات و الأنظمة المؤتمتة في مسارات الانتقاء والتصنيف وتوجيه فرص التشغيل واقعًا جديدًا لم تعد فيه مراكز القرار محصورة في الفاعلين البشريين، بل أصبحت موزعة بين المشغّل والمنصة الرقمية والنظام التقني ذاته. ويكشف هذا التحول عن محدودية القواعد القانونية القائمة، التي وُضعت في سياق تاريخي سابق على الرقمنة، والتي ما زالت تقوم على افتراض تدخل بشري مباشر وتحديد تقليدي للمسؤوليات. وانطلاقًا من ذلك، يروم هذا المطلب تشخيص أوجه القصور التي تعتري التنظيم القانوني التقليدي في مواجهة متطلبات حوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل، من خلال إبراز حدود أدوات الضبط والرقابة المعتمدة حاليًا، والكشف عن الحاجة إلى مقاربة قانونية أكثر ملاءمة تضمن التوازن بين متطلبات الابتكار التقني واستمرارية الوظيفة الحمائية لقانون الشغل.
الفقرة الأولى: حدود المقاربة القانونية التقليدية في تنظيم القرارات المؤتمتة بسوق الشغل
تنبني المقاربة القانونية التقليدية لقانون الشغل المغربي، كما تجلّت في صياغة مدونة الشغل ولا سيما المواد 475 إلى 486 منها، على جملة من الافتراضات الضمنية التي تشكّل في حقيقتها الأساس المعياري للتنظيم، وتحكم قراءة النصوص وتطبيقها. ويتمثل الافتراض الأول في مركزية الفاعل البشري سواء بوصفه مشغّلًا يمارس سلطة التوجيه والرقابة، أو وسيطًا يُعرَف بهويته ومسؤوليته، أو طالب شغل يتفاعل مع قرارات قابلة للفهم والطعن. ويتمثل الافتراض الثاني في الطابع المادي للبنية التنظيمية، القائم على مقر ترابي محدّد، وعلى وثائق ورقية، وعلى تفتيش ميداني يمارسه مفتشو الشغل بموجب المواد 530 وما يليها من المدونة. أما الافتراض الثالث، فيتمثل في الوحدة المكانية للقرار، التي تجعل من الممكن إسناد المسؤولية إلى فاعل محدد ضمن اختصاص ترابي وطني. وهذه الافتراضات الثلاثة، التي ظلّت مُستتبعًا طبيعيًا لتصوّر العمل الصناعي التقليدي، باتت اليوم مهدَّدة في أساسها ذاته بفعل صعود أنظمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل157.
ويكشف التحليل الدقيق لهذه الأنظمة أنها لا تُعيد توزيع الأدوار فحسب، بل تُعيد تعريف طبيعة القرار القانوني ذاته في مسار التشغيل. فالقرار المؤتمت (décision automatisée) لم يعد فعلًا إراديًا صادرًا عن شخص محدّد يتحمّل تبعاته القانونية، بل أصبح ناتجًا عن تفاعل معقّد بين نماذج إحصائية، وبيانات تدريبية، ومعلمات رياضية، ومنطق شبكات عصبية اصطناعية قد تكون غير قابلة للتفسير حتى من قِبل مصمِّميها أنفسهم، وهي الظاهرة المعروفة فقهيًا بـ«الصندوق الأسود الخوارزمي» 158. ومن ثمّ، فإن إسقاط القواعد التقليدية لقانون الشغل، المبنية على منطق النيّة والتقدير الإنساني، على هذا النمط الجديد من اتخاذ القرار، يُنتج ما يصفه الفقه المعاصر بـ«الفجوة المعيارية» ، التي لا تكمن في غياب النصوص، بل في عدم ملاءمتها للأنطولوجيا التقنية الجديدة 159.
ويتجلى هذا القصور في أربعة مستويات معيارية تتصل مباشرة بمتطلبات حوكمة الذكاء الاصطناعي كما استقرت عليها النصوص الدولية الحديثة، ولا سيما قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الصادر في 13 يونيو 2024.
المستوى الأول: قصور معيار التبعية القانونية أمام الإدارة الخوارزمية : يُشكّل معيار التبعية القانونية ، كما استقر عليه الاجتهاد القضائي المغربي في انسجام مع التقليد الفرنسي منذ قرار Bardou الشهير160، جوهرَ التمييز بين الأجير والعامل المستقل، ومفتاح تطبيق قانون الشغل. غير أن هذا المعيار، القائم على سلطات ثلاث متلازمة (التوجيه، الرقابة، التأديب)، يجد نفسه أمام تحدٍّ بنيوي حين تُمارَس هذه السلطات ذاتها عبر واجهة خوارزمية لا يمكن ربطها بشخص محدَّد. فالنظام الخوارزمي يوزّع المهام، ويُقيِّم الأداء، ويفرض العقوبات (التعليق، الإقصاء، تخفيض الترتيب)، دون أن يكون هناك «مشغِّل» بالمعنى التقليدي يتلقى طالب الشغل منه تعليماته 161. ومن هنا يبرز مفهوم «التبعية الخوارزمية» (subordination algorithmique) بوصفه اجتهادًا فقهيًا حديثًا يسعى إلى تكييف المعيار الكلاسيكي مع الواقع الرقمي162، غير أن المشرّع المغربي لم يلتقط هذا التحوّل بعد، مما يُفضي إلى فراغ معياري في تحديد المركز القانوني للعامل الذي يشتغل تحت إشراف نظام مؤتمت.
المستوى الثاني: قصور آليات الترخيص والرقابة الإدارية : تنبني المواد 477 و 484 و 485 من مدونة الشغل على منطق الرقابة القبلية والبعدية عبر التفتيش المادي، الذي يفترض وجود مقرّ قابل للمعاينة، وسجلات ورقية قابلة للفحص، ومسؤولين طبيعيين قابلين للاستجواب. وهذه الآليات، المستوحاة من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 81 المتعلقة بتفتيش الشغل 163، تُصبح عديمة الجدوى في مواجهة أنظمة ذكاء اصطناعي تشتغل على خوادم سحابية موزَّعة جغرافيًا، وتُعالج كميات ضخمة من البيانات بسرعة آلية، وتتخذ ملايين القرارات اليومية دون توثيق ورقي. فالرقابة الفعّالة على هذه الأنظمة تستوجب تدقيقًا خوارزميًا (audit algorithmique) يمارسه خبراء تقنيون مستقلون، وتُرفَد بالتزامات وثائقية محدَّدة على الفاعلين (تقارير الأثر الخوارزمي، سجلات التدريب، مؤشرات الإنصاف)، وهي آليات لم تُدرَج بعد في النظام الرقابي المغربي، بخلاف ما تبنّاه القانون الأوروبي صراحةً في المواد 9 و10 و17 من قانون الذكاء الاصطناعي164.
المستوى الثالث: قصور منظومة المسؤولية القانونية : يقوم النظام التقليدي للمسؤولية في قانون الشغل على منطق الإسناد الشخصي للفعل الضار، سواء عبر قواعد المسؤولية التقصيرية (الفصول 77 إلى 106 من قانون الالتزامات والعقود)، أو عبر قواعد المسؤولية التعاقدية، أو عبر المسؤولية المخصوصة لوكالات التشغيل المنصوص عليها في المادة 482 من مدونة الشغل. غير أن القرار المؤتمت يُولِّد ما يُعرف في الفقه المعاصر بـ«فجوة المسؤولية» (responsibility gap)، إذ لا يمكن إسناد الضرر بوضوح إلى مصمِّم الخوارزمية، أو إلى مدير المنصة، أو إلى مستعمل النظام، أو إلى النظام ذاته الذي يفتقر إلى الشخصية القانونية165 . وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في الحالات التي تعتمد فيها الخوارزمية على التعلّم الآلي، إذ تتطور معاييرها ذاتيًا بحيث قد تُنتج سلوكيات لم يتوقّعها مصمِّمها الأصلي. ومن ثمّ، فإن الصياغة التقليدية للمسؤولية في قانون الشغل المغربي تُصبح عاجزة عن توفير جبرٍ فعلي للضرر اللاحق بطالب الشغل جراء قرار تمييزي مؤتمت، ما لم يتم تكييفها عبر إدخال مسؤولية وظيفية مستقلة للمنصات الرقمية عن قراراتها الخوارزمية ذات الأثر الجوهري.
المستوى الرابع: قصور ضمانات الشفافية و تعليل القرارات : يُكرّس قانون الشغل المغربي جملة من الالتزامات الشفافية، في مقدمتها تعليل قرارات الفصل (المادة 63)، وإخبار الأجير بمبررات العقوبات التأديبية (المادة 63 مكرر)، وإعلام طالب الشغل بأسباب عدم قبول طلبه من وكالات التشغيل. بيد أن هذه الالتزامات صيغت في سياق يُفترض فيه أن القرار قابل للتفسير بلغة بشرية. أما حين يكون القرار مُتَّخذًا بواسطة نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على شبكات عصبية عميقة (deep learning)، فإن «التعليل» بالمفهوم التقليدي يُصبح غير ممكن تقنيًا في بعض الحالات، أو قد يتحوّل إلى تعليل شكلي لا يُتيح لطالب الشغل فهم المنطق الفعلي الذي أدى إلى إقصائه166. وقد استجابت المادتان 13 و 86 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي لهذه الإشكالية بإقرار حق في التفسير (right to explanation) يخوّل الشخص المعني الحصول على شرح مفهوم للمنطق العام للقرار المؤتمت الذي أثّر في وضعه القانوني، وهو حق له سند دستوري في المغرب ضمن مبدأ المساواة (الفصل 19) والحق في الشغل (الفصل 31)، غير أنه لم يُكرَّس بعد تشريعيًا في مدونة الشغل167.
ويُستخلَص من تحليل هذه المستويات الأربعة أن الإطار القانوني التقليدي لقانون الشغل المغربي يُعاني من قصور مزدوج: قصور مفاهيمي يتصل بعجز المفاهيم الكلاسيكية (التبعية، الوسيط، المسؤولية، التعليل) عن استيعاب الظاهرة الخوارزمية في بُعدها الكامل، وقصور إجرائي يتصل بمحدودية أدوات الضبط والرقابة أمام طبيعة الأنظمة المؤتمتة غير المادية والعابرة للحدود. وهذا القصور المزدوج لا يستدعي إلغاء الإطار القائم، بقدر ما يستدعي إعادة بنائه بمنطق حوكمي متكامل يستلهم المقاربات المعيارية الدولية الحديثة، ويُحافظ في الآن ذاته على الوظيفة الحمائية لقانون الشغل بوصفها ثابتًا في النظام العام الاجتماعي المغربي. وهو ما يطرح بدوره السؤال عن غياب آليات ضبط خاصة بالذكاء الاصطناعي في التشريع المغربي الراهن، وهو ما سيتم تناوله في الفقرة الموالية.
الفقرة الثانية: إشكالات حوكمة الذكاء الاصطناعي وغياب آليات الضبط والرقابة في مجال التشغيل
إذا كانت الفقرة السابقة قد كشفت عن القصور المفاهيمي الإجرائي الذي يعتري الإطار التقليدي لقانون الشغل المغربي أمام القرارات المؤتمتة، فإن استكمال هذا التشخيص يقتضي الانتقال من تحليل الحدود إلى استشراف المتطلبات المعيارية التي تفرضها حوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل. ذلك أن الإقرار بوجود فراغ تنظيمي لا يكتسب معناه الكامل إلا حين يُقرَن بتحديد دقيق لما ينبغي أن يحلّ محلّ هذا الفراغ، وهو ما يستوجب استحضار الأطر المعيارية الدولية والمقارنة التي بلورت، خلال العقد الأخير، منظومة متكاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، قبل مواجهتها بالواقع التشريعي المغربي الراهن لرصد الهوّة بينهما، وبيان مستلزمات ردمها.
أولًا: مرتكزات حوكمة الذكاء الاصطناعي في المنظومة المعيارية الدولية
لقد بلغت حوكمة الذكاء الاصطناعي (gouvernance de l’intelligence artificielle) درجة متقدّمة من التبلور المعياري، انتقالًا من التوصيات الإرشادية إلى النصوص الملزِمة. فمن مبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الصادرة سنة 2019، مرورًا بتوصية اليونسكو المعتمدة سنة 2021 التي صادق عليها المغرب بوصفه دولة عضوً1681، وصولًا إلى اعتماد الاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية ودولة القانون بتاريخ 17 ماي 2024، ثم إصدار قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في 13 يونيو 2024 بوصفه أول تشريع ملزم شامل في العالم 169، استقرّت هذه المنظومة على أربعة مرتكزات معيارية متكاملة تُشكّل اليوم المرجعية الأساسية لأي تنظيم قانوني للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطبيقاته في سوق الشغل.
المرتكز الأول: الشفافية الخوارزمية (transparence algorithmique)، التي تستلزم إعلام الشخص المعني بأنه موضوع قرار مؤتمت، وإطلاعه على المنطق العام الذي يحكم هذا القرار، وتمكينه من فهم المعايير الأساسية المعتمدة في الفرز أو الترتيب. ولا يتعلق الأمر هنا بالكشف عن الأسرار التقنية أو النماذج الرياضية التفصيلية، بل بإقرار حدّ أدنى من القابلية للتفسير (explicability) يضمن الثقة المشروعة في النظام 170.
المرتكز الثاني: المساءلة (redevabilité / accountability)، التي تفرض تحديد المسؤول القانوني عن القرارات المؤتمتة وعن آثارها، بما يُتيح جبر الضرر وتفعيل حق الطعن. ويُكرَّس هذا المرتكز في المادة 26 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي التي تُلزم الناشر (déployeur) بالإشراف الفعلي على النظام عالي الخطورة، و بالاحتفاظ بسجلات تشغيل تسمح بتتبّع القرارات والاحتجاج عليها.
المرتكز الثالث: عدم التمييز والإنصاف (non-discrimination et équité)، الذي يستوجب مراقبة التحيّزات الخوارزمية (biais algorithmiques) التي قد تنتج عن البيانات التدريبية أو عن تصميم المعلَمات الرياضية، والعمل على استبعاد النتائج التمييزية غير المباشرة. وقد أبرزت دراسات متعدّدة أن الأنظمة المؤتمتة في مجال التوظيف تُعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية والنوعية والعرقية القائمة في البيانات التاريخية، ما لم تُخضع لتدقيق خوارزمي منتظم171.
المرتكز الرابع: الإشراف البشري (supervision humaine)، الذي يُعدّ الضمانة الأخيرة ضد أتمتة كاملة للقرارات ذات الأثر الجوهري على حقوق الأفراد. وقد كرّسته المادة 14 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي عبر اشتراط توفير الأنظمة عالية الخطورة على آليات تمكّن الإنسان من مراقبة اشتغالها، وتقدير نتائجها، وتعطيلها عند الاقتضاء172، بما يعكس مبدأ «الإنسان في حلقة القرار» (human in the loop) الذي أصبح قاعدة ذهبية في الفقه المعاصر لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: تشخيص الغياب البنيوي لهذه المرتكزات في المنظومة القانونية المغربية
بمواجهة هذه المرتكزات الأربعة بالواقع التشريعي المغربي، يتبيّن أن قانون الشغل المغربي، سواء في مدونة الشغل أو في النصوص المكمّلة، لا يتضمن أي إشارة صريحة إلى الذكاء الاصطناعي أو إلى القرارات المؤتمتة في سوق الشغل. ويترتّب على هذا الغياب المعياري المباشر جملة من الإشكالات البنيوية يمكن رصدها في أربعة محاور.
1 – غياب هيئة ضبط متخصصة : بخلاف النماذج المقارنة التي أحدثت هيئات إدارية مستقلة مختصة في حوكمة الذكاء الاصطناعي، كالمكتب الأوروبي للذكاء الاصطناعي (AI Office) المستحدث بموجب القانون الأوروبي173، لا تتوفر المنظومة المغربية على هيئة نظيرة. صحيح أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) تضطلع بدور مهمّ في رصد الإشكالات المرتبطة بالخوارزميات، من خلال تقريرها الصادر سنة 2022 حول «الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق الأساسية»174، غير أن اختصاصها الأصلي ينصرف إلى حماية المعطيات الشخصية، لا إلى حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي في ذاتها، وهو ما يُنتج ازدواجية رقابية ناقصة: مفتشية الشغل تفتقر إلى الخبرة التقنية لتقييم الأنظمة الخوارزمية، واللجنة الوطنية تفتقر إلى الاختصاص الموضوعي في تنظيم سوق الشغل.
2- غياب التصنيف القائم على المخاطر : اعتمد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي مقاربة مبتكرة تقوم على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أربع فئات بحسب درجة خطورتها: مخاطر غير مقبولة (محظورة)، ومخاطر عالية (خاضعة لالتزامات مشدَّدة)، ومخاطر محدودة (خاضعة لالتزامات شفافية)، ومخاطر دنيا (خاضعة لالتزامات طوعية)، مع إدراج أنظمة التوظيف والانتقاء وتقييم الأداء ضمن الفئة عالية الخطورة وفق المرفق الثالث من القانون175. هذه المقاربة المتدرّجة، التي تُشكّل أحد أهمّ الابتكارات التشريعية للعقد الحالي، غائبة كليًا عن المنظومة المغربية، مما يُفقِد المشرع أداة تنظيمية أساسية لمعايرة الالتزامات القانونية بحسب درجة الأثر الفعلي للنظام على حقوق طالبي الشغل.
3- غياب آليات التدقيق الخوارزمي وتقييم الأثر: تفرض المادة 27 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي إجراء تقييم أثر على الحقوق الأساسية (fundamental rights impact assessment / FRIA) قبل نشر أي نظام ذكاء اصطناعي عالي الخطورة، وتشترط المواد 9 و10 و17 وضع نظام لإدارة المخاطر، وحوكمة البيانات، ونظام لإدارة الجودة، مع إمكانية اللجوء إلى تدقيقات خوارزمية من طرف جهات مستقلة. هذه الآليات، التي تنسجم منطقيًا مع روح التفتيش الإداري المغربي لكنها تتجاوزه تقنيًا، لا تجد لها أي أساس قانوني في التشريع الوطني، في حين تتزايد حاجة سوق الشغل المغربي إليها مع تسارع اعتماد منصات التوظيف الرقمية لأدوات الذكاء الاصطناعي في الفرز والترتيب.
4- غياب حق الاحتجاج الفعلي على القرارات المؤتمتة : يكرّس النظام الأوروبي العام لحماية البيانات (RGPD) في مادته 22 حقًا جوهريًا للفرد في «ألّا يكون موضوعًا لقرار مؤتمت بالكامل يُنتج أثرًا قانونيًا عليه أو يُؤثّر فيه تأثيرًا مماثلًا ذا أهمية»، مع حقّه في طلب تدخّل بشري، وإبداء وجهة نظره، والاحتجاج على القرار176. وبالمقابل، فإن القانون المغربي رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، رغم أهميته في منظومة حماية المعطيات، لا يتضمن مقتضى نظيرًا صريحًا يضمن هذا الحق في مواجهة القرارات المؤتمتة، ومن ثمّ يحرم طالب الشغل من أداة قانونية مباشرة للطعن في الإقصاء الخوارزمي177.
ثالثًا: البُعد الدستوري للقصور المعياري
لا يقتصر هذا الغياب على كونه ثغرة تشريعية قطاعية، بل يكتسب بُعدًا دستوريًا واضحًا حين يُنظر إليه في ضوء المقتضيات العليا للمملكة. فالفصل 19 من الدستور يُكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات في التمتع بالحقوق والحريات، والفصل 24 يُقرّ حماية الحياة الخاصة، والفصل 31 يضمن الحق في الشغل وفي ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق، والفصل 35 يحمي الحرية الاقتصادية مع ضمان تكافؤ الفرص. ومن ثمّ، فإن غياب إطار قانوني يضبط اشتغال الأنظمة المؤتمتة في سوق الشغل يُفضي إلى هشاشة دستورية تتجلى في خلوّ المنظومة من الضمانات الفعلية لتفعيل هذه الحقوق في البيئة الرقمية، خاصة حين تتخذ القرارات المؤثرة في حياة طالبي الشغل بواسطة خوارزميات لا تخضع لأي التزام بالشفافية أو بعدم التمييز أو بالمساءلة178.
ويتضاعف هذا البُعد الدستوري حين يُستحضَر أن المغرب انخرط دستوريًا وتشريعيًا في ورش تعميم الحماية الاجتماعية بموجب القانون الإطار رقم 09.21179، وهو ورش لن يبلغ غايته ما لم تُحدَّد بدقّة المراكز القانونية لمختلف الفئات المهنية، بما فيها العمال عبر المنصات الرقمية. ويُصبح بذلك ضبط حوكمة الذكاء الاصطناعي في التشغيل ليس مجرد التزام معياري حداثي، بل شرطًا بنيويًا لتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة من الإصلاح الحالي.
رابعًا: نحو إطار مغربي مقترَح لحوكمة الذكاء الاصطناعي في التشغيل
انطلاقًا مما سبق، يبرز أن الحاجة إلى إطار مغربي لحوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل لم تعد ترفًا فقهيًا، بل ضرورة قانونية ملحّة يمكن استشراف ملامحها في أربعة توجّهات تكامُلية: أولها، تعديل مدونة الشغل لإدماج الوساطة الرقمية صراحة في مفهوم المادة 475 مع إخضاعها لالتزامات شفافية ومساءلة متناسبة مع طبيعتها التقنية. وثانيها، تحيين القانون رقم 09.08 بإدراج فصل خاص بالقرارات المؤتمتة يُكرّس حق التفسير وحق الاعتراض وحق التدخل البشري. وثالثها، إحداث هيئة مشتركة للضبط بين السلطة الحكومية المكلفة بالشغل واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات، تتولى الرقابة المتكاملة على منصات التوظيف الرقمية. ورابعها، استلهام التصنيف القائم على المخاطر المعتمد في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، مع ملاءمته مع الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية للسياق المغربي.
ويُستنتج من كل ما تقدّم، أن الإشكالية لا تكمن في استحالة التأطير القانوني لحوكمة الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل المغربي، بقدر ما تكمن في غياب الإرادة التشريعية الواعية بضرورة هذا التأطير. فالأدوات المفاهيمية جاهزة في الفقه الدولي المقارن، والقوالب المعيارية متوفرة في التجارب التشريعية الرائدة، والمداخل الدستورية مفتوحة في المرجعية الوطنية. ولا يبقى سوى أن ينخرط المشرّع المغربي في هذا الورش، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لسياسة التحول الرقمي التي تتبناها المملكة، وضمانًا لعدم تحوّل هذا التحول إلى مصدر جديد لهشاشة اجتماعية تُفرّغ قانون الشغل من وظيفته الحمائية التاريخية. وهي خلاصة تُمهّد الطريق، في المحور الثاني من هذه الدراسة، لتحليل أعمق للطبيعة القانونية للمنصات الرقمية للتشغيل وللآليات العملية التي يمكن من خلالها تفعيل هذه المقاربة الحكومية في السياق المغربي.
المحور الثاني: المنصات الرقمية للتشغيل وإشكالات التأطير القانوني
المطلب الأول: التكييف القانوني للمنصات الرقمية للتشغيل
أفرز التحول الرقمي المتسارع في سوق الشغل أنماطًا جديدة من الوساطة في التشغيل، تقوم على تدخل منصات رقمية تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وعلى أنظمة خوارزمية متقدمة، في ربط طالبي الشغل بالمشغّلين، وتنظيم عملية الولوج إلى فرص العمل. وقد أدى هذا التحول إلى بروز فاعل جديد داخل منظومة التشغيل، لا يندرج بسهولة ضمن التصنيفات القانونية التقليدية التي استقر عليها قانون الشغل المغربي، سواء من حيث طبيعة الوسيط أو من حيث موقعه داخل العلاقة الشغلية. فبينما قام التنظيم القانوني للوساطة في التشغيل، كما ورد في مدونة الشغل، على تصور مؤسساتي ومادي للوسيط، يفترض وجود وكالة تشغيل ذات مقر فعلي، وهيكلة بشرية، ونشاط يخضع للترخيص والمراقبة الإدارية، فإن المنصات الرقمية للتشغيل تشتغل وفق منطق مختلف، قوامه اللامادية، والاعتماد على الخوارزميات، والعمل عبر الفضاء الرقمي، وأحيانًا خارج الحدود الترابية للدولة 180.
ويترتب عن هذا التحول طرح إشكال مركزي يتمثل في صعوبة التكييف القانوني للمنصات الرقمية للتشغيل، وتحديد طبيعتها القانونية، وما إذا كانت تُعد وسطاء تشغيل بالمعنى المقصود في التشريع القائم، أم مجرد مقدّمي خدمات رقمية، أم فاعلين اقتصاديين مستقلين يمارسون دورًا تنظيميًا فعليًا داخل سوق الشغل دون اعتراف قانوني صريح. كما يثير هذا الواقع إشكالات موازية تتعلق بالإطار التنظيمي للعلاقات القانونية التي تنشأ بفعل تدخل هذه المنصات، سواء تلك التي تربطها بطالبي الشغل، أو بالمشغّلين، أو بالعلاقة الشغلية التي تنشأ في نهاية المطاف بين الطرفين، مع ما يطرحه ذلك من تساؤلات حول مدى كفاية القواعد التقليدية لقانون الشغل في ضبط هذه العلاقات وحماية أطرافها181.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في اشتغال منصات التشغيل الرقمية، حيث لم يعد دور المنصة يقتصر على الربط التقني بين العرض والطلب، بل أصبح يشمل تحليل البيانات، وتصنيف المرشحين، وترتيبهم، والتأثير المباشر في فرص الولوج إلى الشغل، وهو ما يمنحها سلطة فعلية ذات طابع تنظيمي، رغم بقائها خارج العلاقة الشغلية المباشرة من الناحية الشكلية182. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول موقع هذه المنصات داخل المنظومة القانونية الوطنية، وحدود مسؤوليتها، والضمانات القانونية الواجب إقرارها لضمان تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وحماية الحقوق الأساسية لطالبي الشغل، في انسجام مع المبادئ الدستورية المؤطرة لسوق العم183.
وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا المطلب إلى معالجة إشكالية التكييف القانوني للمنصات الرقمية للتشغيل، من خلال تحليل طبيعتها القانونية من جهة، وتحديد الإطار التنظيمي للعلاقات القانونية المرتبطة بالتشغيل الرقمي من جهة ثانية، في أفق إبراز مواطن القصور في التنظيم القائم، وتهيئة الأرضية النظرية لمناقشة رهانات المسؤولية والحماية القانونية في سياق حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل سوق الشغل.
الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لمنصات التشغيل الرقمية
يقتضي الحسم في الطبيعة القانونية لمنصات التشغيل الرقمية الانطلاق من العناصر الجوهرية التي يقوم عليها مفهوم الوساطة في التشغيل في التشريع والفقه المغربيين، لا سيما وأن المشرّع لم يُعرّف الوساطة تعريفًا شكليًا جامدًا، بل صاغها في المادة 475 من مدونة الشغل184 صياغة وظيفية تُبرز الغاية دون الوسيلة. ويُستفاد من هذا الإطار أن القول بقيام الوساطة في التشغيل يفترض، في جوهره، توافر مجموعة من العناصر المتداخلة، في مقدمتها وجود طرف ثالث مستقل عن طرفي علاقة الشغل، يضطلع بوظيفة تقريب عروض الشغل من طلباته دون أن يكون طرفًا في عقد الشغل ذاته، مع التزامه بالحياد، وعدم التمييز، واحترام مبدأ عدم تقاضي أي مقابل من طالبي الشغل، فضلًا عن خضوع نشاطه لضمانات تنظيمية تكرّس الشفافية والمراقبة في إطار النظام العام الاجتماعي185. وهذه العناصر، وإن استُحضرت تاريخيًا في سياق الوساطة المؤسسية التقليدية، فإنها تظل، من حيث المبدأ، صالحة كأساس معياري لتقييم الأشكال المستحدثة للوساطة في سوق الشغل186.
وانطلاقًا من هذا الأساس، يتيح إسقاط هذه العناصر على المنصات الرقمية للتشغيل القول بأن هذه الأخيرة تستجيب، في جانب معتبر، للمقومات الجوهرية للوساطة في التشغيل؛ فهي تمارس دور الطرف الثالث الذي لا يباشر سلطة الإشراف أو التوجيه، ولا يبرم عقد الشغل، وإنما يتدخل في مرحلة سابقة على نشوء العلاقة الشغلية، من خلال ربط طالبي الشغل بالمشغّلين عبر آليات رقمية187. كما أن عددًا من هذه المنصات، لا يفرض أي مقابل على طالبي الشغل، ويؤكد حياده إزاء الاختيار النهائي الذي يبقى من اختصاص المشغّل، الأمر الذي يسمح، وفق قراءة أولى، باعتبارها وسطاء تشغيل بالمعنى الوظيفي، وإخضاعها—من حيث المبدأ—لأحكام الوساطة كما نظمها قانون الشغل المغربي، خاصة تلك المتعلقة بحماية طالبي الشغل، وضمان تكافؤ الفرص، ومنع الممارسات الاستغلالية188.
غير أن هذا التكييف، على وجاهته النظرية، يصطدم بخصوصيات تقنية وتنظيمية تجعل إسقاط أحكام الوساطة التقليدية إسقاطًا حرفيًا أمرًا إشكاليًا. فالمنصات الرقمية لا تشتغل في إطار مكاني محدد، ولا تعتمد بنية إدارية بشرية بالمعنى الكلاسيكي، كما أن تدخلها لا يتم عبر تقدير إنساني مباشر، بل عبر خوارزميات قد تُنتج آثارًا إقصائية أو تفضيلية دون أن يكون ذلك ظاهرًا أو قابلاً للإدراك من قبل طالب الشغل189. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الحياد كما تصوره المشرّع في الوساطة التقليدية، والحياد في السياق الرقمي، الذي لا يتحقق بمجرد غياب القصد التمييزي، بل يقتضي شفافية في تصميم الخوارزميات، وعدالة في البيانات التي تُدرَّب عليها، وإمكانية تفسير القرار المؤتمت والطعن فيه190. ومن ثمّ، يذهب طرح فقهي ثانٍ إلى أن خصوصية الوساطة الرقمية تجعل من غير الملائم إخضاعها، دون تعديل، لنفس القواعد التي وُضعت لتنظيم وكالات التشغيل التقليدية، حتى وإن كانت تؤدي وظيفة الوساطة ذاتها191.
ويفتح هذا الطرح المجال أمام مقاربة تقنينية أكثر مرونة، لا تقوم على نفي صفة الوساطة عن المنصات الرقمية، ولا على دمجها القسري في الإطار القائم، بل على إعادة بناء هذا الإطار بما يستوعب التحول الرقمي. ويقتضي ذلك، على وجه الخصوص، تطوير مفهوم الوساطة في التشغيل ليشمل صراحة الوساطة الرقمية، مع الانتقال من منطق الترخيص المرتبط بالمقر المادي إلى ترخيص وظيفي قائم على طبيعة النشاط وأثره في سوق الشغل، وإقرار التزامات قانونية خاصة تتعلق بالشفافية الخوارزمية، ومنع التمييز غير المباشر، وتحديد نطاق مسؤولية المنصة عن القرارات المؤتمتة التي تؤثر بشكل جوهري في فرص الولوج إلى الشغل، دون الخلط بينها وبين المشغّل192. ومن شأن هذا التوجه أن يوفّق بين متطلبات الابتكار التقني وحماية الحقوق الأساسية لطالبي الشغل، ويمنح المنصات الرقمية، وضعًا قانونيًا واضحًا كوسطاء رقميين منظمين، بما يعزز الثقة في الوساطة الرقمية ويكرّس وظيفتها الاجتماعية داخل سوق الشغل193.
و عليه فخصوصية المنصات الرقمية من حيث اللامادية، والعمل العابر للحدود، والاعتماد على خوارزميات انتقائية تجعل بعض مقتضيات التنظيم التقليدي ، كالترخيص المرتبط بالمقر المادي، وآليات المراقبة الإدارية الكلاسيكية غير ملائمة. خاصة و أن الحياد في السياق الرقمي لا يُقاس فقط بالتصريح أو القصد، بل بسلامة تصميم الخوارزميات وحياد البيانات المُدرِّبة، وهو ما لا تعالجه مدونة الشغل بصيغتها الحالية. لذلك يذهب طرح ثانٍ إلى أنه رغم توافر عناصر الوساطة وظيفيًا فإن إسقاط أحكام الوساطة التقليدية دون تعديل قد يُفرغ الحماية من مضمونها، أو يعيق الابتكار، ويستدعي تكييفًا تشريعيًا نوعيًا يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة التقنية للوساطة الرقمية.
واستجابةً لهذا الفراغ التشريعي، نقترح عدد من المقتضيات لمحاولة مقاربة التطور التشريعي من بينها:
1. إعادة تعريف تشريعي موسّع للوساطة في التشغيل ودمج الوساطة الرقمية
يُعدّ التعريف التشريعي الحالي للوساطة في التشغيل، الوارد في المادة 475 من مدونة الشغل، تعريفًا وظيفيًا عامًا ركّز على الغاية الاجتماعية للوساطة دون تحديد وسائط ممارستها. ورغم أن هذه الصياغة تتيح، من حيث المبدأ، تأويلاً موسعًا يشمل الوساطة الرقمية، فإن غياب التنصيص الصريح على هذا الشكل المستحدث من الوساطة يُفضي عمليًا إلى تردد في التطبيق، وإلى فراغ تنظيمي يُضعف الحماية القانونية. ومن ثمّ، يبرز خيار إعادة التعريف التشريعي كحلّ بنيوي، لا يرمي إلى إلغاء التصور القائم، بل إلى تحيينه عبر إدماج الوساطة الرقمية صراحة، والتمييز بين نمطين من الترخيص: ترخيص مكاني مرتبط بالمقر الفعلي للوسيط التقليدي، وترخيص وظيفي يرتبط بطبيعة النشاط الرقمي وأثره في سوق الشغل، بصرف النظر عن التموقع الجغرافي. ويُعد هذا التمييز ضروريًا لتجاوز قصور التنظيم الترابي في مواجهة منصات عابرة للحدود، دون المساس بمبدأ سيادة الدولة أو بمتطلبات النظام العام الاجتماعي.
2. إقرار التزامات شفافية خوارزمية متناسبة
إذا كانت الوساطة التقليدية تفترض شفافية قائمة على تدخل بشري قابل للفهم والمساءلة، فإن الوساطة الرقمية تستدعي انتقالًا نوعيًا في مفهوم الشفافية، ليشمل شفافية خوارزمية تتناسب مع تعقيد الأنظمة الذكية. ولا يتعلق الأمر بإلزام المنصات بكشف الأسرار التقنية أو النماذج الرياضية التفصيلية، بل بفرض التزامات حدّية ومعقولة، تضمن لطالب الشغل معرفة المعايير العامة التي يُستند إليها في الفرز أو الترتيب، والتأكد من وجود آليات تقنية وتنظيمية للحد من التحيّز غير المباشر، فضلًا عن تمكين المرشح من حق الحصول على تفسير موجز ومفهوم للقرار المؤتمت الذي أثّر بشكل جوهري في فرصه المهنية. ويُشكل هذا التوجه امتدادًا لمبدأ تعليل القرارات الإدارية، في سياق رقمي جديد، ويعزز الثقة في الوساطة الرقمية دون إعاقة الابتكار.
3. تحديد نطاق مسؤولية المنصة عن القرارات المؤتمتة
يُعدّ الخلط بين مسؤولية المنصة الرقمية ومسؤولية المشغّل من أبرز المخاطر القانونية في مجال التشغيل الرقمي. فإضفاء مسؤولية شغلية كاملة على المنصة من شأنه إفراغ التكييف القانوني من محتواه، بينما يؤدي إعفاؤها المطلق من المسؤولية إلى إضعاف حماية طالبي الشغل. ومن ثمّ، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة وسطية تقوم على مسؤولية وظيفية محددة، تُسند إلى المنصة عن القرارات المؤتمتة التي تُحدث أثرًا جوهريًا في الولوج إلى الشغل ( كالإقصاء الممنهج أو الترتيب الحاسم )، دون تحميلها التزامات المشغّل المرتبطة بعلاقة الشغل ذاتها. وتُبرَّر هذه المسؤولية بكون المنصة فاعلًا مؤثرًا في تنظيم السوق، حتى وإن بقيت خارج العلاقة الشغلية المباشرة.
4. إرساء رقابة تقنية–قانونية مشتركة
يُظهر واقع الوساطة الرقمية محدودية آليات الرقابة الإدارية التقليدية، القائمة على التفتيش المادي والتحقق الوثائقي، في مواجهة أنظمة خوارزمية معقدة. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى رقابة مزدوجة تجمع بين سلطة الشغل، المختصة بحماية النظام العام الاجتماعي، وهيئات حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، المختصة بالجوانب التقنية والحقوق الرقمية. ويُتيح هذا النموذج الرقابي المشترك فحص مدى احترام المنصات لالتزامات الشفافية وعدم التمييز وحماية المعطيات، مع تفادي ازدواجية الاختصاص أو تضارب القرارات.
5. مواءمة الأحكام المقترحة مع الدستور وقانون حماية المعطيات
لا يمكن لأي تقنين للوساطة الرقمية أن يستقيم خارج الإطار الدستوري، ولا سيما مبادئ المساواة وعدم التمييز والحق في الشغل وحماية الحياة الخاصة. كما يقتضي هذا التقنين الانسجام مع القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، خاصة وأن منصات التشغيل الرقمية تعتمد، في جوهرها، على معالجة معطيات حساسة ذات طابع مهني واجتماعي. ومن ثمّ، فإن إدماج هذه المبادئ في الصياغة التشريعية يُعد ضمانة أساسية لشرعية التنظيم وفعاليته. ويُنتظر من هذه المقاربة تحقيق توازن بين النجاعة الرقمية والوظيفة الاجتماعية للشغل، بما يمنح المنصات الرقمية وضعًا قانونيًا واضحًا كوسطاء رقميين منظمين، دون إخلال بحماية طالبي الشغل أو بعقلانية السوق.
الفقرة الثانية : الإطار التنظيمي للعلاقات القانونية المرتبطة بمنصات التشغيل الرقمية
يُثير تدخل منصات التشغيل الرقمية في سوق الشغل إشكالًا بنيويًا يتعلّق بطبيعة الإطار التنظيمي للعلاقات القانونية التي تنشأ بفعل نشاطها، إذ لا يمكن اختزال هذه العلاقات في نموذج واحد أو إخضاعها تلقائيًا لقواعد علاقة الشغل كما استقر عليها قانون الشغل المغربي. فالمنصة الرقمية تُنتج، في الواقع، بنية تعاقدية مركبة تقوم على تعدد الروابط القانونية وتداخلها، حيث تنشأ علاقة أولى بينها وبين طالب الشغل، وأخرى بينها وبين المشغّل، في حين تظل العلاقة الشغلية—إن قامت—محصورة بين المشغّل والعامل. ومن حيث الأصل، تقوم العلاقة بين المنصة وطالب الشغل على عقد إلكتروني ذي طبيعة خاصة، غالبًا في شكل شروط استعمال عامة، تُخوِّل للمنصة معالجة المعطيات المهنية، وتنظيم الولوج إلى عروض الشغل، وترتيب أو توجيه الترشيحات، دون أن تُنشئ التزامًا قانونيًا بالتشغيل أو ضمانًا لنتيجة معينة، وهو ما يُبعدها عن نطاق علاقة الشغل بالمعنى الدقيق194. أما العلاقة التي تربط المنصة بالمشغّل، فتأخذ في الغالب طابع عقد تقديم خدمات رقمية، يهدف إلى تسهيل عملية البحث والانتقاء، مقابل مقابل مالي أو مزايا تقنية، دون أن يترتب عنه نقل لصفة المشغّل أو تفويض لسلطة الإشراف أو التأديب، وهي العناصر التي يقوم عليها قيام علاقة الشغل في التصور التقليدي لقانون الشغل195.
غير أن إسقاط الشروط العامة المنظمة لعلاقة الشغل على واقع التشغيل عبر المنصات الرقمية يكشف عن حدود واضحة لهذا التكييف التقليدي. فقيام علاقة الشغل، كما بلورها الفقه والاجتهاد القضائي المغربيان، يفترض اجتماع عناصر العمل لحساب الغير، مقابل أجر، وتحت سلطة التبعية القانونية المتمثلة في الإشراف والتوجيه والرقابة196، وهي عناصر لا تتوافر، في الغالب، في العلاقة بين طالب الشغل و المنصة الرقمية. ومع ذلك، فإن غياب هذه العناصر لا يعني غياب الأثر القانوني لتدخل المنصة، إذ إن اعتمادها على آليات خوارزمية للفرز والترتيب قد يكون حاسمًا في إقصاء أو ترجيح مرشحين، بما يجعلها فاعلًا مؤثرًا في تكوين العلاقة الشغلية ذاتها، وإن بقيت خارجها من الناحية الشكلية. ويُبرز هذا الوضع بجلاء، حيث تشتغل المنصات كوسيط رقمي يربط بين الكفاءات المؤهلة والمشغّلين عبر أدوات تحليل ومطابقة قائمة على المعطيات المهنية، دون أن تُبرم عقود شغل أو تُمارس سلطة إشراف بعد التوظيف، لكنها في المقابل تؤثر عمليًا في فرص الولوج إلى الشغل من خلال منطق الترتيب والانتقاء.
وأمام هذا الواقع، يتضح أن الإطار التنظيمي القائم غير كافٍ لضبط العلاقات القانونية المرتبطة بالتشغيل الرقمي، لا لأنه يُقصي هذه المنصات صراحة، بل لأنه لم يُصمَّم أصلًا لاستيعاب هذا النمط من التدخل غير المادي والمؤتمت. ومن ثمّ، يَظهر أن الحل لا يكمن في إخضاع هذه العلاقات قسرًا لقواعد علاقة الشغل، ولا في تركها خارج أي تنظيم، بل في إرساء إطار قانوني خاص يعترف باستقلال العلاقات القانونية التي تُنشئها منصات التشغيل الرقمية عن علاقة الشغل، مع إخضاعها في الوقت ذاته لالتزامات حمائية مستمدة من منطق قانون الشغل. ويشمل ذلك، على الخصوص، ضمان تكافؤ الفرص وعدم التمييز في الولوج إلى الشغل، وفرض شفافية معقولة على معايير الفرز والترتيب، وتأمين حماية فعّالة للمعطيات ذات الطابع الشخصي التي تُعالج في سياق التشغيل، انسجامًا مع القانون رقم 09.08 والمبادئ الدستورية ذات الصلة. ويُتيح هذا التوجه بناء تنظيم متوازن يعترف بخصوصية التشغيل عبر المنصات الرقمية، ويحدّ من آثار الفراغ التشريعي، دون أن يؤدي إلى تحميل هذه المنصات التزامات لا تنسجم مع طبيعتها أو إلى تقويض مرونة الابتكار داخل سوق الشغل.
المطلب الثاني: أثر الوساطة الرقمية على مبادئ قانون الشغل
تُثير المنصات الرقمية للتشغيل إشكالًا جوهريًا على مستوى التكييف القانوني، بالنظر إلى طبيعتها المركبة التي تجعل من الصعب إدراجها ضمن التصنيفات التقليدية للوساطة في التشغيل كما نظمها قانون الشغل المغربي. فالمنصة الرقمية لا تشتغل كوكالة تشغيل بالمعنى الكلاسيكي، ولا تمارس نشاط الوساطة من خلال تدخل بشري مباشر، وإنما تضطلع بوظيفة الوسيط الرقمي عبر بنية تقنية تعتمد على تجميع المعطيات المهنية، ومعالجتها، وربط عروض الشغل بطلباته بواسطة خوارزميات وأنظمة مؤتمتة. ويترتب عن هذا التحول أن نشاط الوساطة لم يعد يُمارَس في إطار مؤسساتي مادي واضح، بل أصبح يتم عبر فضاء رقمي غير ملموس، تُتخذ فيه قرارات أولية ذات أثر مباشر على فرص الولوج إلى الشغل.
ومن ثمّ، لا يمكن اختزال الطبيعة القانونية للمنصة الرقمية في كونها مجرد “أداة تقنية” محايدة، كما لا يستقيم اعتبارها مشغّلًا أو ممثلًا عنه، ما دامت لا تُبرم عقود الشغل ولا تمارس سلطة الإشراف أو التوجيه أو التأديب. وإنما تندرج هذه المنصات ضمن فئة خاصة من الوسطاء الرقميين الذين يمارسون نشاط الوساطة بصورة غير مادية، عابرة للحدود المكانية والزمانية، وقد تتجاوز في اشتغالها النطاق الترابي الوطني، بما يحدّ من قابلية إخضاعها لآليات الضبط التقليدية المرتبطة بالترخيص والمراقبة الإدارية.
ويُفضي ذلك إلى القول إن التكييف القانوني السليم للمنصات الرقمية للتشغيل يقتضي النظر إليها باعتبارها وسيطًا وظيفيًا يؤدي دورًا حاسمًا في تنظيم الولوج إلى الشغل، دون أن تتجسد فيه العناصر الكلاسيكية للوساطة المؤسسية كما عرفها التشريع الاجتماعي. فدور المنصة لا يقوم على التدخل البشري المباشر، بل على منطق تقني يُعيد تشكيل مسارات الانتقاء والترشيح، وهو ما يضعها في منطقة قانونية رمادية تتقاطع فيها مقتضيات التنظيم القائم مع واقع رقمي متحوّل لم يكن حاضرًا عند صياغة قواعد الوساطة في مدونة الشغل.
وفي هذا السياق الأوسع، يتبيّن أن أثر الوساطة الرقمية لا يقتصر على إعادة تنظيم آليات التشغيل فحسب، بل يمتد ليطال المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الشغل ذاته. فقد أفرز اعتماد المنصات الرقمية والخوارزميات في مسارات الولوج إلى الشغل وانتقاء المرشحين واقعًا جديدًا أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى استمرار فعالية مبادئ المساواة وعدم التمييز والشفافية، وكذا حول حدود الحماية القانونية المقررة لطالبي الشغل، كما استقر عليها الفقه والتشريع الاجتماعيان. ويهدف هذا المطلب، تبعًا لذلك، إلى تحليل أثر الوساطة الرقمية على هذه المبادئ، من خلال إبراز الكيفية التي يُعاد بها تشكيلها في بيئة رقمية تتسم بتداخل الفاعلين وتحوّل مراكز القرار، وذلك في أفق تقييم قدرة قانون الشغل على استيعاب هذه التحولات، والكشف عن حدود الإطار التقليدي في تحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار التقني وضمانات العدالة الاجتماعية.
الفقرة الأولى: الوساطة الرقمية وإعادة تشكيل مبادئ الولوج إلى الشغل
أفضت الوساطة الرقمية، بوصفها نمطًا مستحدثًا في تنظيم سوق الشغل، إلى إعادة صياغة عميقة لمفهوم الولوج إلى الشغل، لم تعد تُختزل في لقاء مباشر بين طالب الشغل والمشغّل، وإنما باتت تمرّ—في مراحل مفصلية—عبر أنظمة رقمية وخوارزميات انتقائية تضطلع بدور حاسم في فرز المرشحين وترتيبهم وتوجيههم. ويترتب عن هذا التحول انتقال الولوج إلى الشغل من منطق تقليدي قوامه التقدير البشري إلى منطق خوارزمي يقوم على معالجة البيانات والتصنيف الآلي، بما يُعيد تعريف مضمون مبدأ تكافؤ الفرص كما استقر عليه قانون الشغل المغربي. ففي النموذج التقليدي، كان الولوج العادل إلى الشغل يُفهم في إطار مواجهة سلطة المشغّل وضمان عدم تعسّفه، أما في السياق الرقمي، فقد أصبح هذا الولوج مرهونًا، جزئيًا، بقرارات تقنية مُسبقة تُتَّخذ خارج فضاء التفاوض المباشر، وهو ما يفرض إعادة النظر في الأسس النظرية التي يقوم عليها هذا المبدأ داخل النظام العام الاجتماعي197.
ويكشف هذا الانتقال عن تعقيد جديد في مسألة المساواة وعدم التمييز في الولوج إلى الشغل. فبينما عالج قانون الشغل، تقليديًا، صور التمييز المباشر القائم على معايير واضحة، تطرح الوساطة الرقمية شكلًا أدقّ يتمثل في التمييز الخوارزمي غير المقصود، الناتج عن تحيزات كامنة في البيانات التاريخية أو في تصميم معايير الفرز. وتكمن خطورة هذا النوع من التمييز في كونه لا يتأسس على نية تمييزية صريحة، بل على منطق إحصائي قد يُعيد إنتاج اختلالات اجتماعية سابقة، بما يجعل إثباته أكثر صعوبة، ويُفرغ ضمانات المساواة من فعاليتها العملية. وفي هذا السياق، لا يعود مبدأ عدم التمييز مسألة سلوكية فحسب، بل يتحول إلى إشكال بنيوي يتقاطع فيه القانون مع علم البيانات، ويستلزم مقاربة مفاهيمية جديدة لمساءلة نتائج الفرز لا دوافعه فقط198.
ويُفضي هذا الوضع بدوره إلى إعادة طرح مبدأ الشفافية في مسار الولوج إلى الشغل. فالشفافية، في النموذج التقليدي، كانت ترتبط بإمكانية فهم القرار البشري وتعليله ومناقشته، أما في الوساطة الرقمية، فقد أصبحت الشفافية رهينة بقابلية القرارات المؤتمتة للتفسير، وبمدى وضوح المعايير العامة التي تحكم ترتيب المرشحين أو استبعادهم. ولا يتعلق الأمر هنا بالكشف عن التفاصيل التقنية الدقيقة للخوارزميات، وإنما بتمكين طالب الشغل من إدراك المنطق العام الذي يحكم مسار ترشيحه، بما يحفظ الحد الأدنى من الثقة في عدالة الولوج إلى الشغل. ويؤدي غياب هذا الحد الأدنى إلى تحويل مسار الولوج إلى “صندوق أسود” تقني، تتراجع فيه إمكانية التوقع والفهم، وهو ما يتعارض مع الفلسفة الحمائية التي يقوم عليها قانون الشغل199.
وتزداد إشكالية الولوج إلى الشغل تعقيدًا عندما يتداخل تدخل المشغّل مع اشتغال المنصات الرقمية، إذ لا يقتصر دور هذه الأخيرة على تقديم واجهة تقنية محايدة، بل قد تُسهم فعليًا في إعادة توزيع سلطة الانتقاء داخل مسار التشغيل. ففي كثير من الحالات، يكتفي المشغّل بتحديد معايير عامة أو أهداف وظيفية، ويُفوِّض عمليًا—وإن لم يكن قانونيًا—عملية الفرز والترتيب للمنصة الرقمية، التي تُقدّم له قائمة مرشحين مُرتَّبة سلفًا. ويؤدي هذا التداخل إلى انتقال جزء من سلطة اتخاذ القرار من المشغّل إلى النظام التقني، بما يطرح سؤال حدود تدخل المشغّل ذاته، ومدى استمرار مسؤوليته الأخلاقية والقانونية عن نتائج انتقاء لم يُباشره مباشرة. ومن ثمّ، لم يعد الولوج إلى الشغل يُنظَّم حصريًا بإرادة المشغّل، بل أصبح نتيجة تفاعل معقّد بين معايير بشرية ومنطق خوارزمي، الأمر الذي يُعيد تشكيل التوازن التقليدي للأدوار داخل سوق الشغل.
ويُبرزهذا التحول بجلاء، إذ تشتغل المنصات كوسيط رقمي يربط بين الكفاءات المؤهلة والمشغّلين عبر أدوات تحليل ومطابقة تعتمد على المعطيات المهنية، دون أن تُمارس سلطة إشراف أو تُبرم عقود شغل. ومع ذلك، فإن تدخلها في مرحلة الفرز والترتيب يجعلها فاعلًا مؤثرًا في فرص الولوج إلى الشغل، بما يعكس الطبيعة التنظيمية الجديدة للوساطة الرقمية. ولا يُفهم هذا التأثير على أنه انحراف عن وظيفة الوساطة، بل بوصفه تعبيرًا عن تحوّلها من تدخل بشري مباشر إلى تدخل تقني غير مادي، يفرض إعادة تقييم أثرها على مبادئ الولوج العادل والشفاف إلى الشغل.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن الوساطة الرقمية لا تمسّ فقط بآليات الولوج إلى الشغل، بل تُعيد تشكيل الأسس المعيارية التي يقوم عليها هذا الولوج في ذاته. فالمساواة، والشفافية، وحدود تدخل المشغّل لم تعد مبادئ تُقاس بمعايير تقليدية ثابتة، بل أصبحت مفاهيم دينامية تتأثر ببنية الأنظمة التقنية التي تتوسط مسار التشغيل. ويستدعي هذا التحول إعادة بناء فقهية لمبادئ الولوج إلى الشغل، تُراعي الطابع المركّب للتدخل الرقمي، وتُميز بين ما هو تقني وما هو قانوني، دون أن تُفرغ الضمانات الاجتماعية من مضمونها أو تُعيق تطور أدوات الوساطة. وبهذا المعنى، تُشكّل الوساطة الرقمية مختبرًا جديدًا لإعادة التفكير في فلسفة قانون الشغل، من زاوية الولوج إلى الشغل قبل الانتقال—في الفقرة الموالية—إلى مناقشة أثرها على آليات الحماية القانونية وضمانات طالبي الشغل.
الفقرة الثانية: تحوّلات آليات الحماية القانونية لطالبي الشغل في بيئة رقمية
أدّى التحول المتسارع نحو الوساطة الرقمية في مجال التشغيل إلى زعزعة الأسس التقليدية التي قامت عليها آليات الحماية القانونية لطالبي الشغل، ليس فقط من حيث نطاق هذه الحماية، بل أيضًا من حيث فلسفتها ووظيفتها داخل النظام العام الاجتماعي. فقد تأسست الحماية في قانون الشغل المغربي، تاريخيًا، على تصور ثنائي واضح يقوم على مواجهة اختلال موازين القوة داخل علاقة الشغل، من خلال إخضاع سلطة المشغّل لمجموعة من القيود القانونية التي تضمن استقرار العامل وحمايته أثناء تنفيذ العقد. غير أن إدماج وسطاء رقميين يعتمدون على تقنيات مؤتمتة وخوارزميات تحليلية في مرحلة الولوج إلى الشغل أفرز واقعًا جديدًا، أصبحت فيه المخاطر القانونية التي تهدد طالب الشغل سابقة على قيام العلاقة الشغلية ذاتها، وهو ما يُحتم إعادة توجيه منطق الحماية من مرحلة التنفيذ إلى مرحلة الانتقاء والولوج.
ويُعدّ هذا التحول من أبرز مظاهر إعادة تشكيل الحماية القانونية في البيئة الرقمية، إذ لم يعد الإقصاء أو التهميش المهني نتيجة قرار بشري قابل للتتبع والمساءلة، وإنما قد يكون حصيلة قرار مؤتمت ناتج عن تفاعل معقد بين معطيات ومعايير ونماذج إحصائية. ويترتب عن ذلك أن طالب الشغل قد يُحرم من فرصة الولوج إلى الشغل دون أن تتوافر لديه القدرة الفعلية على إدراك أسباب هذا الإقصاء أو مساءلته، وهو ما يُفرغ الحماية التقليدية من مضمونها العملي. وفي هذا السياق، لم تعد الحماية القانونية مسألة لاحقة على التعاقد، بل أضحت حماية استباقية تستهدف مسار الولوج ذاته، باعتباره مرحلة حاسمة في تقرير المصير المهني لطالب الشغل200.
ويُعيد هذا الواقع طرح مبدأ الحق في الفهم كأحد المداخل الأساسية لإعادة بناء الحماية القانونية في البيئة الرقمية. فبينما كان القرار البشري، في إطار الوساطة التقليدية، يُنتج أثره داخل فضاء تواصلي يسمح—نظريًا على الأقل—بفهم منطق الاختيار أو الرفض، تُنتج القرارات المؤتمتة نمطًا جديدًا من الغموض، يَحول دون إدراك المنطق الذي يحكمها. ومن ثمّ، يصبح الاعتراف بحق طالب الشغل في حدّ أدنى من الفهم المعقول للقرار المؤتمت شرطًا جوهريًا لتفعيل أي حماية قانونية، باعتبار أن الجهل بمعايير الانتقاء يُقوّض إمكانية الاعتراض أو الطعن، ويُحوّل الحماية إلى مجرد مبدأ نظري غير قابل للتفعيل. ولا ينصرف هذا الحق إلى الكشف عن التفاصيل التقنية الدقيقة للخوارزميات، بل إلى تمكين المعني بالأمر من إدراك المعايير العامة والاعتبارات الأساسية التي أثّرت في مسار ترشيحه، بما ينسجم مع متطلبات العدالة الإجرائية201.
وتتعمق تحوّلات الحماية القانونية عند الانتقال إلى مسألة الإثبات، التي تُعدّ من أكثر الإشكالات تعقيدًا في سياق التشغيل الرقمي. فالأدوات التقليدية للإثبات، التي تقوم على مستندات مكتوبة أو أفعال مادية قابلة للرصد، تفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها أمام قرارات خوارزمية غير مرئية ولا قابلة للتشخيص المباشر. ويؤدي هذا الوضع إلى تحميل طالب الشغل عبئًا إثباتيًا غير متناسب مع موقعه القانوني، ويُخلّ بمبدأ التوازن بين الأطراف، ما لم يتم تطوير آليات إثبات مرنة تراعي خصوصيات القرار المؤتمت. ويكشف هذا الإشكال عن ضرورة الانتقال من منطق الإثبات الفردي إلى منطق رقابي أوسع، يُمكّن من مساءلة الأنظمة التقنية من حيث نتائجها وآثارها، دون اشتراط إثبات الخلل التقني الدقيق من طرف المتضرر³.
كما أن التحول الرقمي في الوساطة يُعيد توجيه الحماية القانونية نحو فاعلين جدد لم يكن قانون الشغل يستحضرهم ضمن دائرة التنظيم. فالحماية التقليدية كانت موجهة، في جوهرها، ضد تعسف المشغّل، غير أن البيئة الرقمية أفرزت فاعلين وسطاء لا يُصنّفون كمشغّلين، لكنهم يؤثرون تأثيرًا جوهريًا في فرص التشغيل. ويُفضي هذا الوضع إلى تجاوز المقاربة الثنائية الكلاسيكية لقانون الشغل، ويفرض توسيع دائرة الحماية لتشمل كل فاعل يمارس تأثيرًا فعليًا في المسار المهني لطالب الشغل، مع مراعاة خصوصية دوره وطبيعة تدخله. ولا يعني هذا التوسيع الخلط بين صفة المشغّل وصفة الوسيط الرقمي، بل يستهدف إرساء التزامات حمائية وظيفية تتناسب مع درجة التأثير، وتُعيد التوازن إلى مسار الولوج إلى الشغل.
وتكتسي حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أهمية محورية في هذا السياق، باعتبار أن الوساطة الرقمية تقوم، في جوهرها، على جمع ومعالجة كميات كبيرة من المعطيات المهنية والشخصية. ويُعدّ احترام مقتضيات القانون رقم 09.08 شرطًا بنيويًا لضمان حماية فعّالة لطالبي الشغل، ليس فقط من حيث سرية المعطيات، بل أيضًا من حيث مشروعية استعمالها في اتخاذ قرارات تؤثر في فرص التشغيل. فاستعمال المعطيات خارج الغاية المعلنة، أو توظيفها في تصنيفات غير مبررة، قد يُفضي إلى أشكال غير مباشرة من الإقصاء أو التمييز، بما يجعل حماية المعطيات امتدادًا طبيعيًا للحماية الاجتماعية في سوق الشغل الرقمي202. وفي ضوء هذه التحولات المتداخلة، يتبيّن أن آليات الحماية القانونية لطالبي الشغل تشهد انتقالًا نوعيًا من منطق حمائي لاحق على قيام علاقة الشغل إلى منطق وقائي يسبقها ويواكب مسار الولوج إليها. ويستدعي هذا الانتقال إعادة بناء فقهية لمفهوم الحماية، تُراعي الطابع الاستباقي للتدخل القانوني في البيئة الرقمية، وتُميّز بين الحماية المرتبطة بتنفيذ علاقة الشغل وتلك المرتبطة بتنظيم شروط النفاذ إليها. وبهذا المعنى، لا تُعدّ الوساطة الرقمية مجرد أداة تقنية جديدة، بل عاملًا كاشفًا عن الحاجة إلى إعادة التفكير في وظيفة قانون الشغل ذاته، من حيث كونه قانونًا يُنظم العمل القائم، وقانونًا يضمن أيضًا عدالة وشروط الولوج إليه في سياق رقمي متحوّل.
خاتمة :
يُفضي تحليل الوساطة الرقمية في التشغيل إلى تشخيص واضح لقصور الإطار التشريعي الحالي عن استيعاب التحولات العميقة التي أحدثتها الرقمنة في سوق الشغل. فمدونة الشغل المغربية، رغم ما تتضمنه من مقتضيات حمائية مهمة، تعكس تصورًا تقليديًا للوساطة في التشغيل يقوم على نموذج مؤسساتي مادي وتدخل بشري مباشر، وهو تصور لم يعد كافيًا لضبط أنماط الوساطة الرقمية القائمة على الخوارزميات والأنظمة المؤتمتة. ويُفضي هذا القصور إلى فراغ تنظيمي فعلي، تتعذر معه مساءلة المنصات الرقمية للتشغيل وفق قواعد واضحة، كما تتأثر فعالية المبادئ الأساسية لقانون الشغل، ولا سيما تلك المرتبطة بالولوج العادل إلى الشغل وحماية طالبيه.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة التفكير في الإطار القانوني المنظم للوساطة في التشغيل، إما من خلال إقرار تأطير قانوني خاص يُدرج الوساطة الرقمية صراحة ضمن منظومة التنظيم الاجتماعي، أو عبر تبنّي تفسير موسّع ومرن لمقتضيات الوساطة القائمة يسمح باستيعاب الخصوصيات التقنية دون الخروج عن منطق النظام العام الاجتماعي. ويقتضي هذا التوجه الانتقال من مقاربة شكلية تركز على البنية المادية للوسيط، إلى مقاربة وظيفية تُراعي الأثر الفعلي للمنصات الرقمية في تنظيم الولوج إلى الشغل وفي إعادة توزيع أدوار الفاعلين داخل السوق.
غير أن فتح هذا الأفق التنظيمي لا ينبغي أن يتم على حساب الثوابت التي يقوم عليها قانون الشغل المغربي، وفي مقدمتها مبدأ حماية الطرف الضعيف، وضمان المساواة وعدم التمييز، وصون العدالة الاجتماعية في علاقات الشغل. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة التحول الرقمي، بل في تأطيره قانونيًا بما يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار واستدامة الضمانات الاجتماعية. وبهذا المعنى، تشكّل الوساطة الرقمية في التشغيل فرصة لإعادة تجديد قانون الشغل وتطوير أدواته، لا للخروج عنه، وذلك عبر بناء تنظيم قانوني استباقي قادر على مواكبة التحولات التقنية مع الحفاظ على روحه الحمائية ووظيفته الاجتماعية.
لائحة المراجع :
أولًا : النصوص التشريعية والتنظيمية
دستور المملكة المغربية، ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011، الفصول 19 و24 و31.
مدونة الشغل المغربية، الظهير الشريف رقم 1.03.194 الصادر في 14 رجب 1424 (11 شتنبر 2003)، الجريدة الرسمية عدد 5167، ص. 3965 وما بعدها، المواد 475 إلى 486.
القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية عدد 5714 بتاريخ 5 مارس 2009.
ثانيًا: الكتب
عبد الرزاق الورزازي، شرح مدونة الشغل، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004.
عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل: علاقات الشغل الجماعية، الجزء الثاني، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2025.
محمد البربوشي، الصلح في نزاعات الشغل الفردية في القانون المغربي، مكتبة الرشاد، سطات، طبعة 2024.
محمد الكشبور، عناصر عقد الشغل في التشريع الاجتماعي المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995.
محمد كشبور، إنهاء عقد الشغل: دراسة في ضوء مدونة الشغل والعمل القضائي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2008.
محمد بنعليلو، الحماية القانونية لطالبي الشغل في التشريع المغربي، الطبعة الأولى، دار القلم، الرباط، 2018.
مصطفى التراب، مبادئ قانون الشغل المغربي، الطبعة الأولى، منشورات عكاظ، الرباط، 2016.
يوسف بنباصر، الوجيز في قانون الشغل بالمغرب: دراسة في ضوء مدونة الشغل والمستجدات القضائية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2013.
ثالثًا: المقالات
العربي بوجمعة، “تحولات سوق الشغل في ظل الاقتصاد الرقمي”، مجلة الحقوق، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، عدد 18، 2019.
عبد الله مشنان، “تحولات سوق الشغل وإشكالات الوساطة القانونية”، المجلة المغربية للقانون والاقتصاد، عدد 6، 2019.
عبد اللطيف الشنتوف، “الوساطة في التشغيل في التشريع المغربي”، مجلة الحقوق، كلية الحقوق بالرباط، عدد 9، 2013.
عبد اللطيف الشنتوف، “الوساطة في التشغيل والتحولات الرقمية”، دراسة قانونية منشورة، 2024.
عبد الرحيم بن بوعيدة، الوساطة في التشغيل في القانون المغربي، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، منشور على بوابة “القانون والمقاولة”، 2014.
توفيق عزوزي، “الوساطة في نزاعات الشغل”، مقال منشور بموقع فضاء المعرفة القانونية، 29 نوفمبر 2025.
حسن هروش، “طبيعة عقود الشغل المبرمة من قبل مقاولات الوساطة في التشغيل”، مجلة كابينة كوسطاس، أبريل 2025.
نزهة الخلدي، “عقود الوساطة في الشغل: دراسة في ضوء المادة 475 وما بعدها من مدونة الشغل”، مقال قانوني محيّن، 2024.
رابعًا: التقارير والمؤسسات الرسمية
اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق الأساسية، الرباط، 2022.
اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، تقارير حول الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية، الرباط، 2022.
خامسًا: المراجع الأجنبية
Ahmed B. Jrad, La personnalité juridique de l’intelligence artificielle, Revue internationale de droit, 2020
Alain Supiot, Au-delà de l’emploi, Éditions du Seuil, Paris, 1999.
Katherine B. Forrest, When Machines Can Be Judge, Jury, and Executioner: Justice in the Age of Artificial Intelligence, HarperCollins, New York, 2021.
Visa A.J. Kurki, A Theory of Legal Personhood, Oxford University Press, Oxford, 2019.
- [1] ()Background ReadinMaterial on Intellectual Property, WIPO, Geneva, 1988,p3
- [2] ()د عبد الله موسي- د/أحمد حبيب بلال –الذكاء الإصطناعي ثورة في تقنيات العصر –الطبعة الأولى –القاهرة -2019-المجموعة العربية للتدريب والنشر ص34
- [3] (3) د/ سلامي اسعيداني – التشريعات القانونية الدولية لحماية حقوق الملكية الفكرية الإفت ارضية –رؤية نقدية من منظور إعلامي قانوني –الملتقي الدولي حول التعليم في عصر التكنولوجيا الرقمية – طرابلس-لبنان –ابريل 2015-ص2
- [4] () العنزي، (2020)، التحديات الأخلاقية لحقوق الملكية الفكرية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مجلة الاخلاقيات في التكنولوجيا، 12(1)، 75-92.
- [5] The alnow report, the social and economic implicathions of artificial intelligence technologies in the near –term july2016
- [6] قمورة، سامية، باي، محمد، كروش، حيزية) (2018) الذكاء الاصطناعي بين الواقع والمأمول: دارسة تقنية وميدانية، الملتقى الدولي “الذكاء الاصطناعي: تحد جديد للقانون”، للفترة من 27-28/11/2018، الجزائر، ص5.
- [7] عضيبات، ولاء) 2021(. الذكاء الاصطناعي في الأعمال. مقال منشور بتاريخ 9/1/2021، e3arabi – الذكاء الاصطناعي في الأعمال إي عربي – (on line), available :
- [8] Mathias Risse, Human Rights and Artificial Intelligence: An Urgently Needed Agenda, Issued by Car Center for Human Rights Policy, Kennedy School of Government at Harvard University, US, May 2018,p.18
- [9] () تطبيقات الذكاء الاصطناعي وظاهرة الاهاب، ريم عبد المجيد، الجامعة البريطانية الليبية، معهد الدراسات الدبلوماسية، مجلد 4، عدد6و7، يوليو 2020، ص162
- [10] د-حسام الدين الصغير –مدخل إلي حقوق الملكية الفكرية –ندوة الويبو الوطنية عن الملكية الفكرية للصحفيين ووسائل الإعلام –سنة 2004 صفحة -3
- [11] د-سميحة القليوبي الملكية الصناعية دار النهضة العربية القاهرة طبعة 9 -سنة 2013 ص 109
- [12] د- زين الدين، صلاح، شرح التشريعات الصناعية والتجارية، 2022، ط6، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ص41.
- [13] د- المادة 3 من قانون براءات الاختراع الأردني.
- [14] د- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد -الجزء الثامن –حق الملكية – الطبعة الثالثة -منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت –لبنان –سنة 2000-ص326
- [15] احمد مصطفى الدبوسي السيد- مدى إمكانية منح أنظمة الذكاء الاصطناعي حق براءة الاختراع عن ابتكاراته- هل يمكن ان يكون الذكاء الاصطناعي مخترعا ؟ وفقا لأحكام القانون الإماراتي مجلة معهد دبي القضائي العدد 13 السنة التاسعه أبريل 2021 صفحة 98
- [16] د- محمد محمد عبد اللطيف -المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي بين القانون الخاص والقانون العام -بحث مقدم الى مؤتمر الجوانب القانونية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات 23/24 مايو 2021-كلية الحقوق جامعة المنصورة صفحة 6
- [17] دكتور محمود حسن السحلي- اساس المسائلة المدنية للذكاء الاصطناعي المستقل قوالب تقليدية أم رؤية جديدة- مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية -كلية الحقوق -جامعة الإسكندرية -العدد الثاني -2022 صفحه 137
- [18] IBM Watsonfor Drug Discovery, IBM, https://www.ibm.com/watson/health/lifesciences/drug-discovery [https://perma.cc/DQ4D-ZKJF]; IBM Watson for Genomics,IBM, https://www.ibm.com/watson/health/oncology-and-genomics/genomics [https://perma.cc/8XK7-S8DN].
- [19] زياد عبد الكريم القاضي، مقدمة في الذكاء الصناعي، ط1، دار صفاء للنشر، عمان ،الأردن.
- [20] ميتافيرس بالإنجليزية: (Metaverse) كلمة تتكون من شقين الأول «meta» بمعنى (ما وراء، أو الأكثر وصفاً)، والثاني “Verse”مُصَاغ من «Universe» وتفيد (ما وراء العالم). وقد كان أول استخدام لهذا المصطلح في رواية الخيال العلمي “تحطم الثلج (Snow Crash) ” عام 1992 التي كتبها نيل ستيفنسون، حيث يتفاعل البشر كشخصيات خيالية بالإنجليزية (avatar) مع بعضهم البعض ومع برمجيات، في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الحقيقي.
- [21] Jacques Commaille et Bruno Jobert (dir.), Les métamorphoses de la régulation politique, LGDJ, 2019
- [22] إريك شميدت: رئيس شركة غوغل والمدير التنفيذي السابق لها.
- [23] جاريد كوهين هو مدير غوغل للأفكار سابقا.
- [24] Eric Schmidt, Jared Cohen, The New Digital Age: Reshaping the Future of People, Nations and Busines [trad. À nous d’écrire l’avenir – Comment les nouvelles technologies bouleversent le monde, Denöel, 2013], p. 17.
- [25] جاك إيلول: فيلسوف، وعالم اجتماع فرنسي كان كاتبًا غزير الإنتاج، إذ ألف أكثر من 60 كتابًا وأكثر من 600 مقالة على مدار حياته، وناقش العديد منها الدعاية، وتأثير التكنولوجيا على المجتمع، والتفاعل بين الدين والسياسة.
- [26] La révolution numérique s’ajoutant à la situation géopolitique pour faire douter de la fin de l’histoire. Francis Fukuyama, Our Posthuman Future : Consequences of the Biotechnology Revolution, NY, Ed. Farrar, Straus et Giroux, 2002.
- [27] كاتب وباحث ومفكر بيلاروسي يدرس التداعيات السياسية والاجتماعية للتكنولوجيا. وقد صُنّف ضمن قائمة أكثر 28 شخصية أوروبية تأثيرًا من قبل بوليتيكو سنة 2018.
- [28] Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford : Oxford University Press, 1995. P 82.
- [29] Catherine Colliot-Thélène, La démocratie sans « démos ». Paris : PUF, coll. « Pratiques théoriques », 2011, 213 p.
- [31] Ribble, Mike(2012). Digital Citizenship for Educational Change. Kappa Delta Pi Record. 2012, vol. 48, n° 4, P 148-151.
- [32] Jwaifell, M., & Alkhales, B. (2019). The Proper Use of Technologies as a Digital Citizenship Indicator: A Comparative Study of Two Universities in the Middle East. Journal of Studies in Education, 9, 1-16. https://doi.org/10.5296/jse.v9i1.14079
- [33] جمال علي الدهشان، دور تكنولوجيا المعلومات ICT في دعم التحولات الديمقراطية “الديمقراطية الرقمية نموذجا (Digital Demoracy) “. ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر العلمي الرابع لكلية التربية المنوفية” التربية وبناء الانسان في ظل التحولات الديمقراطية في الفترة من 29-30 أبريل 2014.
- [34] van Dijk, J. A. G. M. (2020). The Digital Divide. Polity Press. DOI:10.1002/asi.24355
- [35] تُستخدم هذه البطاقة كبطاقة هوية، ورخصة قيادة، وبطاقة تأمين صحي، وبطاقة نقل.
- [36] Pauline Türk, L’État plateforme numérique.https://droit.cairn.info/revue-revue-du-droit-public-2020-5-page-1189
- [37] Pauline Türk. La citoyenneté à l’ère numérique. Revue du droit public et de la science politique en France et à l’étranger, 2018. ffhal-02491660fhttps://univ-cotedazur.hal.science/hal-02491660/document
- [38] Pauline Türk: De quelle société politique le citoyen numérique est-il membre ?https://doi.org/10.4000/revdh.15235
- [39] لا يتعلق الأمر هنا بالروبوتات التي تتم برمجتها للتفاعل في الفضاء الرقمي.
- [41] Daniel Kaplan, « E-inclusion : new challenges and policy recommandations », Rapport du groupe d’experts e-europe, juillet 2005, p. 7.
- [42] Conseil National du Numérique, Citoyen d’une société numérique – Accès, Littératie, Médiation, Pouvoir d’agir : pour une nouvelle politique d’inclusion, octobre 2013.https://www.enssib.fr/bibliotheque-numerique/documents/63089-citoyens-d-une-societe-numerique-acces-litteratie-mediations-pouvoir-d-agir-pour-une-nouvelle-politique-d-inclusion.pdf
- [43] تامر المغراوي ملاح، المواطنة الرقمية (تحديات وآمال). دار السحاب للنشر والتوزيع، القاهرة 2017. ص 9.
- [44] Nicolas Baygert, « L’activisme numérique au regard du consumérisme politique : Pirates et Tea Parties sous la loupe », Participations. Revue de sciences sociales sur la démocratie et la citoyenneté, vol. 1, n° 8, 2014. DOI:10.3917/parti.008.0075
- [46] خيرة العبيدي، وافع الشباب في ظل البيئة الرقمية: دراسة حول تأثير الإعلام الجديد على ثقافة الهوية والمواطنة، المركز العربي الديمقراطي، برلين، ألمانيا 2019 ص، 173-174 .
- [47] JacquesChevallier L’Étatpost-moderne. Collection Droit et sociétés- Classics. 6e éditionwww.lgdj-editions.fr L’état post-moderne
- [48] زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو حجر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2016، ص 26
- [49] Pauline Türk: De quelle société politique le citoyen numérique est-il membre https://doi.org/10.4000/revdh.15235
- [50] John Perry Barlow, La Déclaration d’indépendance du cyberespace est un texte célèbre rédigé le 9 février 1996[1] à Davos en Suisse.https://fr.wikipedia.org/wiki/D%C3%A9claration_d%27ind%C3%A9pendance_du_cyberespace
- [51] يورغن هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي. ترجمة جورج تامر، مراجعة جورج كتورة. دار النهار للنشر، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 2002، ص 129.
- [52] “الميتافيرس والتأثير الجيو-سياسي” تقرير مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تقرير 16 مايو 2024https://ecssr.ae/ar/research-products/reports/2/196993
- [53] Pauline Türk: De quelle société politique le citoyen numérique est-il membre.https://doi.org/10.4000/revdh.15235
- [54] هي أول عملة مشفرة لامركزية. يمكن إرسالها من شخص إلى آخر عبر شبكة البيتكوين بطريقة االنظير دون الحاجة إلى طرف ثالث. يُتَحَقَّق من حوالات الشبكة باستخدام التشفير وتُسجل في دفتر حسابات موزع يسمى سلسلة الكتل دون وجود جهة مركزية للإشراف.
- [55] Le dollar Linden est la monnaie utilisée dans le monde virtuel, Second Life, permettant aux utilisateurs d’acheter, de vendre et d’échanger des biens et services virtuels, réglementés par Linden Lab
- [56] يتعلق الأمر بعالم افتراضي تفاعلي وغامر أنشأته شركة «Linden Lab»، حيث يتنقل المستخدمون ويتفاعلون في هيئة أفاتارات (شخصيات رقمية)، كما يشير المصطلح الإنجليزي إلى عبارة «الحياة الثانية»، أي وجود جديد أو فرصة ثانية في الحياة.
- [57] ــ وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية: “الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة” 2018/2021 ص 7.
- [58] ــ جفري مراد: ” الثورة الرقمية وتأثيرها على الإدارة العمومية بالمغرب”، مقال منشور بالموقع الإلكترونيhttps://www.9anonak.com/ تم الاطلاع عليه بتاريخ 2026/02/15 على الساعة العاشرة صباحا.
- [59] ــ الخطاب السامي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، بتاريخ 14 أكتوبر 2016.
- [60] ــ خلاصة تقرير المجلس الأعلى للحسابات “حول تقييم الخدمات على الأنترنيت الموجهة للمتعاملين مع الإدارة”، سنة 2020، ص 7-8.
- [61] – مذكرة إدارة الدفاع الوطني حول مخاطر العمل عن بعد في زمن كورنا بتاريخ 2020/04/03 .
- [62] – مبارك الزيغام: “الإدارة الإلكترونية المغربية”، مقال منشور بالموقع الإلكتروني https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197837 تم الاطلاع عليه بتاريخ 2026/02/15، ص 23.
- [63] – تقرير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات لسنة 2016. https://www.anrt.ma/sites/default/files/rapportannuel/rapport_
- [64] – خلاصة تقرير المجلس الأعلى للحسابات “حول تقييم الخدمات على الأنترنيت الموجهة للمتعاملين مع الإدارة”، مرجع سابق، ص 8.
- [65] -هو مجموعة من الناس ذوي الاهتمامات المتقاربة، الذين يحاولون الاستفادة من تجميع معرفتهم سويا بشأن المجالات التي يهتمون بها، وخلال هذه العملية يضيفون المزيد إلى هذه المعرفة، وهكذا فإن المعرفة هي الناتج العقلي والمجدي لعمليات الإدراك والتعلم والتفكير.
- [66] – شريف كامل شاهين: ” نحو خطة استراتيجية لإعداد المواطن الإلكتروني في المجتمع الليبي كخطوة لإعداد قيادات الإدارة الإلكترونية الاتجاهات الحديثة في المكتبات والمعلومات”، المجلد السادس عشر العدد الخامس والثلاثون، القاهرة، مصر، يناير 2011، ص 43 .
- [67] – عمر محمد بن يونس: ” المجتمع المعلوماتي والحكومة الإلكترونية”، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى سنة 2010، ص: 162
- [68] – أبوالعيش الفلاح أنس: “الإدارة المغربية بين واقع البيروقراطية ومتطلبات تحقيق النجاعة الإدارية” أطروحة الدكتوراه في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2023-2024، ص 302.
- [69] – مولاي محمد البوعزاوي: “تحديث الإدارة الرابية بالمغرب نحو ترسيخ الديمقراطية وكسب رهان التنمية”، منشورات مجلة العلوم القانونية، سلسلة البحث الأكاديمي، العدد 9، مطبعة الأمنية، الرباط الطبعة الأولى 2015، ص175.
- [70] – عبد الاله طلوع: “الدينامية الرقمية ومطلب تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية بالمغرب”، المعهد المغربي للدراسات السياسية والبرلمانية، مؤلف جماعي حول: “الرقمنة وسؤال تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية ما بعد الجائحة بالمغرب” الطبعة الأولى 2023″، ص 227.
- [71] – زكريا المصري: “الرقابة على سلطة الإدارة الإلكترونية في تنفيذ الإجراءات الخدمية للمواطنين”، دار الفكر والقانون للنشر والتوزيع المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، سنة 2012، ص 20.
- [72] – عبد الاله طلوع: “الدينامية الرقمية ومطلب تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية بالمغرب”، مرجع سابق، ص 225.
- [73] – القانون رقم 09.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 في 22 صفر 1430 (18 فبراير 2009).
- [74] – الفصل 24 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
- [75] – مرسوم رقم 2.09.165 صادر في 25 من جمادى الأولى 1430 (21 ماي 2009) لتطبيق القانون رقم 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
- [76] – https://www.cndp.ma/ar/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%87%d8%a7%d9%85/
- [77] – ظهير شريف رقم 1.07.192 صادر في 19 ذي القعدة 1428 ( 30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية. الباب الثاني المتعلق بالمصادقة على التوقيع الإلكتروني.
- [78] – المادة 10 من القانون رقم 53.05، السالف الذكر.
- [79] – حنان اسويكت: “المسؤولية القانونية لمقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية”، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، العدد الرابع، نونبر-دجنبر 2014، ص 76.
- [80] – المادة 15 من القانون 53.05 السالف الذكر.
- [81] – مرسوم رقم 518-08-2 الصادر في 25 من جمادى الأولى 1430 (21 ماي 2009) لتطبيق المواد 13 و14 و15 و21 و23 من القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.
- [82] – مرسوم رقم 509-11-2 صادر في 22 شوال 1432 (21 شتنبر 2011) المتمم للمرسوم رقم 673-82-2 الصادر في 28 ربيع الأول 1403 (13 يناير 1983) المتعلق بتنظيم إدارة الدفاع الوطني وإحداث المديرية العامة لأمن نظم المعلومات.
- [83] – ظهير شريف رقم 1.03.197 صادر في 16 من رمضان 1424 (11 نونبر 2003) بتنفيذ القانون 03-07 المتمم لمجموعة القانون الجنائي فيما يتعلق بالجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات.
- [84] – ظهير شريف رقم 1.07.192 صادر في 19 ذي القعدة 1428 ( 30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.
- [85] – ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 22 من صفر 1430 ( 18 فبراير 2009) بتنفيذ القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
- [86] – https://www.dgssi.gov.ma/ar/dgssi
- [87] – مجموعة القانون الجنائي: الكتاب الثالث – في الجرائم المختلفة وعقوباتها “الجزء الأول” في الجنايات والجنح التأديبية والجنح الضبطية الباب الأول – في الجنايات والجنح ضد أمن الدولة: الفرع 2 – في الجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي.
- [88] – هشام العقراوي: “تحديات رقمنة الخدمات العمومية بالمغرب: دراسة في جدلية المجتمع والإدارة وإكراه الأمن الرقمي”، المجلة المغاربية للرصد القانوني والقضائي، العدد 18، سنة 2023، ص 180.
- [89] – إن الحق في الحياة الخاصة هو مصطلح شائك يصعب تعريفه تبعا لعدد من التغيرات التي أصبحت تعرفها المجتمعات، فالمصطلح بحد ذاته عرف تغييرات جذرية منذ ظهوره في المرحلة البدائية وارتباطه بكل ما هو مادي ونخص بالذكر أبعاده التي كانت آنذاك المسكن، الصحة المراسلات ليتم في المراحل التاريخية الأخرى الاهتمام بالجوانب المعنوية لهذا الحق الجوهري في حياة الإنسان لما له من علاقة مباشرة بالحالة الطبيعية التي يجب أن يتمتع بها الفرد من هدوء، سكينة وخلوة. فالحق في الحياة الخاصة إذا: هو كل ما يتعلق بأسرة الانسان، ومهنته، وصحته، وحبه، ودخله، وخلوته، ومعتقداته الدينية والسياسية والفكرية، ورسائله وأحاديثه، وكل تجلياته غير العلنية في الحياة العملية للفرد.
- [90] – ينص الفصل 24 من دستور اللملكة المغربية لسنة 2011 على أنه ” لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة. لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون. لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها. ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون…”
- [91] – عبد الرحمان خلفي، الحق في الحياة الخاصة في التشريع العقابي الجزائرية – دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة- مقال منشور في المجلة الجنائية، المجلد الرابع والخمسون، العدد الثالث، نوفمبر 2011، ص 93.
- [92] وأمام صعوبة وضع تعريف للحياة الخاصة، ذهب الفقه الفرنسي لوضع قائمة من القيم التي يحميها الحق في الخصوصية، عوضا عن البحث عن تعريف للحياة الخاصة، إذ تعتبر الأمور العائلية، من زواج وطلاق وبنوة وحياة عاطفية وذمة مالية، وصورة فوتوغرافية، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات، والحالة الصحية، والمعتقدات الدينية والآراء الفكرية والسياسية جميعها تدخل في نطاق الخصوصية
- [93] – سورة الحجرات، الأية 12.
- [94] – سورة النور، الاية 27.
- [95] – بن حيدة محمد، حماية الحق في الحياة الخاصة في التشريع الجزائري، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون، جامعة أبو بكر بلقايد تلمسان، 2016.2017 ص 11.
- [96] – خالد الخلفي، الحق في الحياة الخاصة بين المقاربة الفقهية والحماية الجنائية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، 2023/2024، ص 132.
- [97] – إدريس النوازلي، عولمة جرائم الاعتداء على الحق في الحياة الخاصة وما في حكمها في ظل القانون المغربي المقارن، ط1 ، المطبعة والوراقية الوطنية، مركش، 2019.
- [98] – محمد عبد المحسن، حماية الحياة الخاصة للأفراد وضمانها في مواجهة الحاسوب الألي، ص 52.
- [99] – محمد محمود عبد الرحمان، نطاق الحق في الحياة الخاصة، الطبعة الأولى، منشورات دار النهضة العربية، القاهرة، 1994 ص 76.
- [100] – الشريف سارة، خصوصية البيانات الرقمية، سلسلة اوراق الحق في المعرفة، مركز دعم تقنية المعلومات، ص3.
- [101] – أيوب بولين انطونيوس، الحماية القانونية للحياة الشخصية في مجال المعلومات، دراسة مقارنة” منشورات الحبلي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى 2009 ص 189.
- [102] – أيوب بولين انطونيوس، الحماية القانونية للحياة الشخصية في مجال المعلومات ، مرجع سابق، ص 189.
- [103] – حسان أحمد محمد، نحو نظرية عامة لحماية الحق في الحياة الخاصة في اللاقة بين الدولة والأفراد، ” دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص 23.
- [104] – محمد محمود عبد الرحمان، نطاق الحق في الحياة الخاصة، الطبعة الأولى، منشورات دار النهضة العربية، القاهرة، 1994، ص 78.
- [105] – محمد محمود عبد الرحمان، نفس المرجع السابق ص 79.
- [106] – الشريف سارة، خصوصية البيانات الرقمية، سلسلة أوراق الحق في المعرفة، مرجع سابق ص6.
- [107] – سلين وليد السيد، ضمانات الخصوصية في الانترنت، ص 241.
- [108] – هشام محمد فريد رستم، قانون العقوبات ومخاطر تقنية المعلومات، مكتبة الالات الحديثة، 1992، ص 179.
- [109] – نفس المرجع السايق، ص 179.
- [110] – نفس المرجع السابق.
- [111] – سارة الشريف، خصوصية البيانات الرقمية، سلسلة أوراف، الحق في المعرفة، مركز دعم لتقنية المعلومات، ص 9.
- [112] – سارة الشريف، خصوصية البيانات الرقمية على الأنترنيت، مرجع سابق ص 6.
- [113] – بحر ممدوح خليل، حماية الحياة الخاصة في القانون الجنائي، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة 1983، ص 243.
- [114] – سرور أحمد فتحي، الوسيط في القانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993 ص 72.
- [115] – حسام الدين الأهواني، الحق في احترام الحياة الخاصة دار النهضة العربية، القاهرة، 1978، ص 220.
- [116] – سرور أحمد فتحي، الوسيط في قانون الأجراءات الجنائية، مرجع سابق، ص 74.
- [117] – أبو حجية، محمد رشيد حامد، الحماية الجزائية للمعلومات الشخصية للأفراد في مواجهة أخطار بنوك المعلومات، دراسة مقارنة، مرجع سابق ص 24.
- [118] – حمود حمدي، التنظيم القانوني لحرية الصحافة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص 636.
- [119] – مغبغب نعيم، مخاطر المعلوماتية والانترنت، المخاطر على الحياة الخاصة وحمايتها، دراسة مقارنة، مرجع سابق ص 161.
- [120] – هشام محمد فريد رستم، قانون ومخاطر تقنية المعلومات، مرجع سابق ص 150.
- [121] – عمر أحمد حسبو، حماية الحريات في مواجهة نظام المعلومات، دار النهضة العربية، القاهرة 2000، ص 92.
- [122] – قانون الاتصالات الأردني 1995 رقم 13 المادة 21.
- [123] – عفيفي كامل عفيفي، جرائم الكمبيوتر، منشورات الحلبي، بيروت 2003 ص 629.
- [124] – عفيف كامل عفيفي، جرائم الكمبيوتر، مرجع سابق، ص 629.
- [125] – يونس عرب، المخاطر التي تهدد الخصوصية وخصوصيات المعلومات في العصر الرقمي متاح على موقع www.tootshamy.com تم الاطلاع عليه يومه 24/03/2025، على الساعة 20:34.
- [126] – نعيم مغبغب، مرجع سابق، ص 164.
- [127] – مارتين شاينين، تقرير القرار الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الانسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، البند الثالث من جدول الأعمال، الدورة الثانية عشر الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان الأمم المتحدة 28 ديسمبر 2009
- [128] – يونس عرب، موسوعة القانون وتقنية المعلوميات، دليل أمن المعلومات والخصوصية، الجزء الثاني، الخصوصية وحماية البيانات في العصر الرقمي، اتحاد المصاريف العربية، بيروث 2002، ص 263.
- [129] – عفيفي كامل عفيف، مرجع سابق، ص 273.
- [130] – يونس أنطونيوس أيوب، مرجع سابق ص 144.
- [131] – يونس عرب، المخاطر التي تهدد الخصوصية وخصوصية المعلومات في العصر الرقمي، مرجع سابق، ص 624
- [132] – عفيفي كامل عفيفي ص 263.
- [133] – يونس عرب، المخاطر التي تهدد الخصوصية وخصوصية المعلومات في العصر الرقمي، مرجع سابق.
- [134] -عمرو أحمد حسبو، حماية الحريات في مواجهة نظم المعلومات، مرجع سابق ص 92.
- [135] – عرب يونس، موسوعة القانون وتقنية المعلومات والخصوصية، مرجع سابق ص 88.
- [136] – محمد أمين، جرائم الحاسوب والانترنت، ص 95.
- [137] Nick SRNICEK, Platform Capitalism, Coll. « Theory Redux », Polity Press, Cambridge (UK) / Malden (MA, USA), 2017, p. 43. (120 p., ISBN 978-1-5095-0487-9 pour l’édition brochée).: “At the most general level, platforms are digital infrastructures that enable two or more groups to interact. They therefore position themselves as intermediaries that bring together different users: customers, advertisers, service providers, producers, suppliers, and even physical objects.
- [138] Paul DURAND (avec la collaboration de R. JAUSSAUD), Traité de droit du travail, tome I, Librairie Dalloz, Paris, 1947, p. 43 et suiv. (spéc. n° 186 sur la notion de « dépendance économique »).
- [139] Min Kyung LEE, Daniel KUSBIT, Evan METSKY and Laura DABBISH, Working with Machines: The Impact of Algorithmic and Data-Driven Management on Human Workers, in: Proceedings of the 33rd Annual ACM Conference on Human Factors in Computing Systems (CHI ’15), ACM Press, New York, 2015, pp. 1603-1612, DOI: 10.1145/2702123.2702548.
- [140] – مدونة الشغل المغربية، الظهير الشريف رقم 1.03.194 الصادر في 14 رجب 1424 (11 سبتمبر 2003)، الجريدة الرسمية عدد 5167، المواد 477 إلى 486.
- [141] ولا يمكن فهم حرص المشرّع المغربي على الحماية من السمسرة غير المشروعة بمعزل عن الإطار المعياري الدولي الذي تبلور عبر ثلاث مراحل متعاقبة داخل منظومة منظمة العمل الدولية: ابتدأت بالحظر المطلق للوكالات الربحية في اتفاقية 1933 (رقم 34)، ثم بالتخيير بين الحظر والتنظيم في اتفاقية 1949 (رقم 96)، قبل أن تستقرّ في اتفاقية 1997 (رقم 181) على نموذج التنظيم المشروط بالترخيص والرقابة. وقد اختار المغرب الانخراط في المرحلة الأخيرة حصريًا، بمصادقته على الاتفاقية 181 سنة 1999 دون المرور باتفاقيتي 34 و96، مما يعكس تبنّيه للبراديغم التنظيمي الحديث القائم على الاعتراف المشروط بالوساطة الخاصة.
- [142] – محمد الكشبور، عناصر عقد الشغل في التشريع الاجتماعي المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995، ص 423 وما بعدها.
- [143] – محمد البربوشي، الصلح في نزاعات الشغل الفردية في القانون المغربي، مكتبة الرشاد، سطات، طبعة 2024.
- [144] – العربي بوجمعة، “تحولات سوق الشغل في ظل الاقتصاد الرقمي”، مجلة الحقوق، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، عدد 18، 2019، ص 97.
- [145] – Alain Supiot, Au-delà de l’emploi, Éditions du Seuil, Paris, 1999, p. 45.
- [146] – توفيق عزوزي، الوساطة في نزاعات الشغل، مقال منشور بموقع “فضاء المعرفة القانونية”، منشور بتاريخ 29 نوفمبر 2025.
- [147] – حسن هروش، طبيعة عقود الشغل المبرمة من قبل مقاولات الوساطة في التشغيل، دراسة منشورة في مجلة “كابينة كوستاس”، أبريل 2025.
- [148] – عبد اللطيف الشنتوف، الوساطة في التشغيل في التشريع المغربي، مجلة الحقوق، عدد 9، كلية الحقوق الرباط، 2013، ص. 147.
- [149] – محمد بنعليلو، الحماية القانونية لطالبي الشغل في التشريع المغربي، الطبعة الأولى، دار القلم، الرباط، 2018، ص. 198.
- [150] – مصطفى التراب، مبادئ قانون الشغل المغربي، الطبعة الأولى، منشورات عكاظ، الرباط، 2016، ص. 176.
- [151] – عبد الله مشنان، تحولات سوق الشغل وإشكالات الوساطة القانونية ، المجلة المغربية للقانون والاقتصاد، عدد 6، 2019، ص. 92.
- [152] – عبد اللطيف الشنتوف، الوساطة في التشغيل وإشكالات التنظيم، مرجع سابق .
- [153] – Katherine B. Forrest, When Machines Can Be Judge, Jury, and Executioner, HarperCollins, New York, 2021, p. 43.
- [154] – القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية عدد 5714 بتاريخ 5 مارس 2009.
- [155] – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011)، ص. 3600، الفصول 19 و24 و31.
- [156] – تقارير اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) حول الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية، 2022.
- [157] Antonio ALOISI and Valerio DE STEFANO, Your Boss Is an Algorithm: Artificial Intelligence, Platform Work and Labour, Hart Publishing, Oxford, 2022, pp. 45-62.
- [158] Frank PASQUALE, The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information, Harvard University Press, Cambridge (MA), 2015, p. 3 et suiv.
- [159] Règlement (UE) 2024/1689 du Parlement européen et du Conseil du 13 juin 2024 établissant des règles harmonisées concernant l’intelligence artificielle, JOUE L, 12 juillet 2024. Voir notamment l’annexe III, point 4, qui classe les systèmes d’IA utilisés en matière d’emploi parmi les systèmes à haut risque.
- [160] Cass. civ. (France), 6 juillet 1931, arrêt Bardou, DP 1931, 1, 121, note P. PIC.
- [161] Min Kyung LEE, Daniel KUSBIT, Evan METSKY and Laura DABBISH, Working with Machines: The Impact of Algorithmic and Data-Driven Management on Human Workers, Proceedings of the 33rd Annual ACM Conference on Human Factors in Computing Systems (CHI ’15), ACM Press, New York, 2015, pp. 1603-1612.
- [162] Jean-Emmanuel RAY, « Grand angle sur le travail à l’ère numérique », Droit Social, n° 1, 2020, pp. 45-58.
- [163] Organisation internationale du Travail, Convention (n° 81) sur l’inspection du travail, 1947, adoptée à Genève le 11 juillet 1947, ratifiée par le Royaume du Maroc le 14 mars 1958
- [164] Règlement (UE) 2024/1689, op. cit.
- [165] Matthias KIRCHSCHLÄGER, « Responsibility gap and the governance of AI », AI & Society, vol. 36, 2021, pp. 1089-1102
- [166] Sandra WACHTER, Brent MITTELSTADT and Luciano FLORIDI, « Why a Right to Explanation of Automated Decision-Making Does Not Exist in the General Data Protection Regulation », International Data Privacy Law, vol. 7, n° 2, 2017, pp. 76-99.
- [167] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، الفصلان 19 و31. يُنظر كذلك: اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق الأساسية، الرباط، 2022.
- [168] UNESCO, Recommandation sur l’éthique de l’intelligence artificielle, adoptée par la Conférence générale lors de sa 41ème session, Paris, 23 novembre 2021, SHS/BIO/PI/2021/1.
- [169] Règlement (UE) 2024/1689 du Parlement européen et du Conseil du 13 juin 2024 établissant des règles harmonisées concernant l’intelligence artificielle, JOUE L, 12 juillet 2024. Entrée en vigueur : 1er août 2024
- [170] Sandra WACHTER, Brent MITTELSTADT and Luciano FLORIDI, « Why a Right to Explanation of Automated Decision-Making Does Not Exist in the General Data Protection Regulation », International Data Privacy Law, vol. 7, n° 2, 2017, pp. 76-99. Voir également : Virginia DIGNUM, Responsible Artificial Intelligence: How to Develop and Use AI in a Responsible Way, Springer Nature, Cham, 2019, pp. 53-71.
- [171] Solon BAROCAS and Andrew D. SELBST, « Big Data’s Disparate Impact », California Law Review, vol. 104, n° 3, 2016, pp. 671-732.
- [172] Meg Leta JONES, « The Right to a Human in the Loop: Political Constructions of Computer Automation and Personhood », Social Studies of Science, vol. 47, n° 2, 2017, pp. 216-239
- [173] Article 64 et suivants du Règlement (UE) 2024/1689, op. cit., qui instituent le Bureau européen de l’IA (AI Office) au sein de la Commission européenne.
- [174] Commission nationale de contrôle de la protection des données à caractère personnel (CNDP), Intelligence artificielle et protection des droits fondamentaux, Rabat, 2022.
- [175] Annexe III, point 4, du Règlement (UE) 2024/1689, op. cit., qui qualifie explicitement de « haut risque » les systèmes d’IA utilisés pour : « le recrutement ou la sélection de personnes physiques, notamment pour la publication d’offres d’emploi ciblées, l’analyse et le filtrage des candidatures, et l’évaluation des candidats ».
- [176] Article 22 du Règlement (UE) 2016/679 du Parlement européen et du Conseil du 27 avril 2016 relatif à la protection des personnes physiques à l’égard du traitement des données à caractère personnel (RGPD), JOUE L 119 du 4 mai 2016.
- [177] القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 18 فبراير 2009، الجريدة الرسمية عدد 5714 بتاريخ 5 مارس 2009.
- [178] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، الفصول 19 و24 و31 و35.
- [179] القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.30 بتاريخ 9 رمضان 1442 (22 أبريل 2021)، الجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 24 رمضان 1442 (6 ماي 2021).
- [180] – عبد الرزاق الورزازي، شرح مدونة الشغل، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004، ص. 510–515.
- [181] – نزهة الخلدي، عقود الوساطة في الشغل: دراسة في ضوء المادة 475 وما بعدها من مدونة الشغل، مقال قانوني محين لعام 2024.
- [182] – Katherine B. Forrest, When Machines Can Be Judge, Jury, and Executioner: Justice in the Age of Artificial Intelligence, First Edition, HarperCollins, New York, 2021, p. 41–44.
- [183] – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011)، ص. 3600، الفصول 19 و 31.
- [184] – مدونة الشغل، الظهير الشريف رقم 1.03.194 الصادر في 14 رجب 1424 (11 شتنبر 2003)، الجريدة الرسمية عدد 5167، ص. 3965 وما بعده
- [185] -عبد الرزاق الورزازي، شرح مدونة الشغل،مرجع سابق ، ص. 510–515.
- [186] – نزهة الخلدي، عقود الوساطة في الشغل: دراسة في ضوء المادة 475 وما بعدها من مدونة الشغل، مرجع سابق .
- [187] – عبد اللطيف الشنتوف، “الوساطة في التشغيل والتحولات الرقمية”، مرجع سابق
- [188] – محمد بنعليلو، الحماية القانونية لطالبي الشغل في التشريع المغربي، مرجع سابق
- [189] – Katherine B. Forrest, When Machines Can Be Judge, Jury, and Executioner: Justice in the Age of Artificial Intelligence, op. cit.
- [190] – Visa A.J. Kurki, A Theory of Legal Personhood, Oxford University Press, Oxford, 2019, p. 175–178.
- [191] – Ahmed B. Jrad, La personnalité juridique de l’intelligence artificielle, Revue internationale de droit, 2020, p. 221–235.
- [192] – القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية عدد 5714 بتاريخ 5 مارس .
- [193] – تقارير اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، الذكاء الاصطناعي وحماية الحقوق الأساسية، الرباط، 2022، ص. 17–21.
- [194] – عبد الرحيم بن بوعيدة، الوساطة في التشغيل في القانون المغربي، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، منشور على بوابة “القانون والمقاولة”، 2014.
- [195] – حسن هروش، طبيعة عقود الشغل المبرمة من قبل مقاولات الوساطة في التشغيل، دراسة منشورة في مجلة “كابينة كوسطاس”، أبريل 2025.
- [196] – عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل: علاقات الشغل الجماعية ، الجزء الثاني، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، طبعة 2025.
- [197] – عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل: علاقات الشغل الجماعية ، مرجع سابق .
- [198] – يوسف بنباصر، الوجيز في قانون الشغل بالمغرب: دراسة في ضوء مدونة الشغل والمستجدات القضائية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، طبعة 2013.
- [199] – محمد كشبور، إنهاء عقد الشغل: دراسة في ضوء مدونة الشغل والعمل القضائي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 2008.
- [200] – يوسف بنباصر، الوجيز في قانون الشغل بالمغرب: دراسة في ضوء مدونة الشغل والمستجدات القضائية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، طبعة 2013.
- [201] – مصطفى التراب، مبادئ قانون الشغل المغربي، الطبعة الأولى، منشورات عكاظ، الرباط، 2016، ص. 176.
- [202] – محمد بنعليلو، الحماية القانونية لطالبي الشغل في التشريع المغربي، الطبعة الأولى، دار القلم، الرباط، 2018 .





