تقرير الندوة العلمية تحت عنوان “قانون المسطرة الجنائية في ضوء المستجدات التشريعية والعملية” إعداد الباحثة القانونية فتيحة فرحاوي

تقرير الندوة العلمية تحت عنوان “قانون المسطرة الجنائية في ضوء المستجدات التشريعية والعملية”
تقرير من إعداد الباحثة القانونية فتيحة فرحاوي
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان
بسم الله الرحمن الرحيم
فإنه لمن دواعي الاعتزاز العلمي والامتنان الفكري أن نشارككم تقريرا موجزا عن اللقاء الأكاديمي الرصين الذي جمع ثَلة من أهل الاختصاص، حول موضوع لا يخفى ما له من جسامة في البناء القانوني، ولا ما يترتب عليه من أثرٍ في صون الحريات وترسيخ دولة الحق والقانون، ألا وهو : “قانون المسطرة الجنائية في ضوء المستجدات التشريعية والعملية”.
في إطار أنشطته العلمية والأكاديمية المستمرة، نظم المركز الدولي للدراسات القانونية والاقتصادية والتحكيم ندوة علمية بعنوان “قانون المسطرة الجنائية في ضوء المستجدات التشريعية والعملية”، عقدت الندوة يوم السبت 12 أبريل 2026، بمقر المركز الثقافي بمدينة تطوان.
استهل اللقاء العلمي بكلمة افتتاحية وازنة قدمها الأستاذ إسماعيل الورايني، مسير الندوة العلمية ورئيس المركز الدولي للدراسات القانونية والاقتصادية والتحكيم، الذي رحَب فيها بالحضور الكريم والأساتذة الأفاضل، معرفا بأهمية الموضوع وراهنيته في ظل المستجدات التشريعية والعملية لقانون المسطرة الجنائية.
عقب الكلمة الافتتاحية، أحيلت الكلمة إلى الأستاذ الجليل محمد الإدريسي العلمي المشيشي، في مداخلة عميقة لامست جوهر هذا القانون، حين عرفه تعريفًا بليغًا بكونه: “المحرك الذي يستعمله القاضي في حماية الحقوق وردع الجريمة”، وهو تعريف لا يقف عند حدود الوصف، بل يتجاوزها إلى بيان الوظيفة الحيوية لهذا القانون، باعتباره أداة إجرائية تفعل النصوص الموضوعية، وتخرجها من حيز التجريد إلى واقع التطبيق، في توازن دقيق بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد.
وقد استعرض الأستاذ الجليل، في نسق تحليلي متماسك، المسار التاريخي لقانون المسطرة الجنائية، متتبعًا تطوره في ضوء التحولات السياسية والتشريعية، ومبرزًا ما شهده من إصلاحات متلاحقة سعت إلى ملاءمته مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والالتزامات التي انخرط فيها المغرب على الصعيد الدولي. غير أن هذه المقاربة كانت مدخلًا لإثارة إشكال مركزي عميق، يكاد يختزل جوهر النقاش برمته، حين تساءل بحدة فكرية مشروعة: “هل نحن حقًا أمام قانون يلائم خصوصية المجتمع المغربي ويستجيب لانتظاراته الواقعية؟”
وهو سؤال يتجاوز البعد النظري، ليضعنا أمام امتحان حقيقي لمدى نجاعة هذا القانون، ليس فقط من حيث صياغته، بل من حيث قدرته على التفاعل مع واقع متغير وتحديات متجددة، تفرض إعادة النظر في كثير من مسلماته، كما توقف الأستاذ عند الخصائص العامة لهذا القانون، مشيرا إلى ديباجته التي تتضمن مبادئ أساسية ذات حمولة حقوقية، وإلى بنيته التي تسعى إلى تحقيق الانسجام والتكامل بين مختلف مكوناته، غير أنه لم يغفل الإشارة إلى بعض مكامن القصور، وعلى رأسها ما شابه من حشو في المقتضيات وإغراق في الأدبيات، بما قد يثقل كاهله ويحد من فعاليته العملية.
وتناول الكلمة بعد ذلك الأستاذ محمد كمال المهدي، عضو مجلس هيئة المحامين بتطوان ونقيبها السابق، فاختار أن يسلط الضوء على موضوع دقيق وحيوي يتصل بالتقاضي أمام القضاء الزجري في ضوء مستجداته، مستندًا إلى مقاربة مقارنة وازنة، استحضر فيها الإجراءات السابقة وقارنها بما استحدثه النص القانوني الجديد، وأبرز في عرض محكم البناء ما شهده هذا المجال من تبسيطٍ في مناهج الإثبات وتسريعٍ في وتيرة الإجراءات القضائية، بما يعكس توجهًا تشريعيًا يروم الرفع من النجاعة القضائية وتعزيز فعاليتها، ولم يقف عند حدود الوصف بل تعمق في استجلاء أهم الضمانات التي أقرها القانون خلال مرحلة البحث التمهيدي وما يليها من إجراءات، مبرزا أنها وإن كانت قائمة في أصلها، فإنها قد عرفت تطورًا نوعيًا بإدخال مستجدات جوهرية، من قبيل توسيع صلاحيات التحقيق في توازن محسوب مع صيانة حقوق الدفاع، بما يجسد سعي المشرع إلى تحقيق معادلة دقيقة بين فعالية الزجر وضمانات المحاكمة العادلة.
ثم تليها مداخلة الأستاذ علال فالي، المتخصص في قانون المسطرة الجنائية وأستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، الذي استهل تدخله بمقاربة تحليلية دقيقة انطلق فيها من تفكيك بعض مواد القانون، ابتداءً من المادة الثالثة من القانون رقم 22.01، وأثار في سياق تحليله تساؤلًا عميقًا يتعلق بالغاية التي حدت بالمشرع المغربي إلى مخالفة نظيره الفرنسي من خلال إسناد حق ممارسة الدعوى العمومية إلى الموظفين الممثلين للإدارات المخولة لها هذا الحق، قبل أن تأتي الفقرة الثانية من القانون الجديد لتحذف هذا المقتضى، وهو ما فتح باب النقاش حول منطق هذا التحول وحدوده.
ولم يفت الأستاذ المحاضر أن يخضع جملة من المواد، كالمواد 3 و4 و6 وغيرها، لقراءةٍ نقدية رصينة، مثيرا جملة من التساؤلات الدقيقة التي تعكس عمق الإشكال وامتداداته العملية، كما نبَّه في ملاحظة ذات دلالة إلى ما شاب النص من خلل تشريعي يتمثل في غياب المادة 215‑1 المتعلقة بمسطرة الصلح في قضايا الأحداث، رغم أهميتها ضمن بدائل الدعوى العمومية، ولا سيما وأن المادة 416 تحيل عليها، وهو ما يبرز مفارقة تستدعي التدارك والتصويب.
وفي سياق متصل، أسندت الكلمة إلى الأستاذ عبد الرزاق الجباري، نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة والرئيس السابق لنادي قضاة المغرب، الذي اختار أن يُؤطر مداخلته تحت عنوانٍ دال: “المبادئ الموجهة للمحاكمة العادلة: قراءة في مستجدات المادة الأولى”.
وقد استهل عرضه بالتأكيد على ضرورة التمييز الدقيق بين مبدأ الشرعية وضمانة الشرعية؛ فالأول، في تصوره، فكرة أصيلة متجذرة لا تحتاج إلى نص ينشئها، إذ هي ملازمة لوجود الإنسان ووعيه بالعدل، بينما الثانية تبقى رهينةً لقواعد قانونية قابلةٍ للتعديل والتطوير، كما صحح بنفس علمي رصين بعض التصورات المغلوطة، من قبيل الاعتقاد بأن النيابة العامة تباشر المتابعة مجرد الشك، مؤكدًا أن الأمر لا يعدو أن يكون تجسيدا لتطبيق القانون وفق ضوابطه، وهو ما ينطبق أيضًا على قاضي التحقيق الذي لا يتحرك إلا في إطارٍ مُحدّد قانونًا.
وقد بسط في عرضه مختلف مراحل الدعوى العمومية، مميزًا بدقة بين رفع الدعوى وإحالة القضية، قبل أن يُختم مداخلته ببيان الجزاءات المترتبة على الإخلال بقواعد المسطرة الجنائية، بما يعكس مركزية هذه القواعد في ضمان عدالة الإجراءات.
أما مداخلة الأستاذ هشام الملاطي، مدير مديرية الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، فقد جاءت مسْك ختام هذا اللقاء العلمي، حيث قارب الموضوع من زاوية شمولية، استحضر فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تؤطر هذا النص.
وأكد أن مراجعة هذا القانون همت ما يقارب 420 مادة، مؤطرة بمبادئ جديدة، في مقدمتها الواقعية في السياسة الجنائية، باعتبار القانون أداةً لمكافحة الجريمة في سياقها الواقعي، كما استعرض بلغة الأرقام، معطيات تترجم استقرار الوضع الإجرامي نسبيًا، مشيرًا إلى أن عدد القضايا الجنحية يتراوح بين مليون ومليون وستمائة ألف قضية سنويًا، وأن محاضر الشرطة القضائية تتأرجح بين مليون وثلاثة ملايين، مع تسجيل مئات الآلاف من حالات الحراسة النظرية وعشرات الآلاف من مذكرات البحث.
ولم يغفل التأكيد على أن هذا القانون يستبطِن مضامين مستمدةً من الاتفاقيات الدولية، ويكرِس انخراط المغرب في منظومة التعاون القضائي الدولي، مع الحرص على إضفاء بعد حقوقي متنامٍ يمتد من مرحلة البحث والتحري إلى غاية التنفيذ، في محاولةٍ لإرساء عدالة جنائية أكثر توازنًا وإنصافًا.
وفي ختام أشغال هذه الندوة، فتح باب النقاش، فكان تفاعلًا ثريًا أغناه الحضور الكريم بمداخلات عميقة عكست حيوية الفكر القانوني.
والحق يقال، فقد شكلت هذه المبادرة العلمية لبنةً وازنة في صرح الدينامية الأكاديمية التي يشهدها الحقل القانوني، سعيًا إلى مواكبة التحولات التشريعية وتعزيز جسور التواصل بين الفاعلين القانونيين والباحثين وعموم المهتمين، بما يقرب المعلومة القانونية الرصينة، ويُساهم في استكشاف رهاناتها العملية في أفق تطوير منظومة العدالة وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة.
صفوة القول، إننا ونحن نغادر هذا المقام العلمي الرفيع لا يسعنا إلا أن نقر أننا قد أصبحنا مدينين لهؤلاء الأساتذة الأجلاء، لا بفضل ما جادوا به من معارف فحسب، بل بما أيقظوه فينا من أسئلة وما فتحت من آفاقٍ للتفكير والنقد.
فلهم منا وافر الامتنان وعظيم التقدير على ما بذلوه في هذه الندوة المحكمة تنظيمًا والثريَّة مضمونًا.
حرر في تطوان 11-04-2026






