في الواجهةمقالات قانونية

دور القضاء في اثبات نزاعات الاستهلاك – الدكتور يوسف كبيطي

من اعداد الدكتور يوسف كبيطي
تخصص القانون المدني

  The role of the judiciary in evidence in consumer disputes

Abstract

The general rule of proof requires that the evidence in the lawsuit rests with the plaintiff, and this is what is stipulated in Chapter 399 of the Moroccan Law of Obligations and Contracts by saying,  “Proving the obligation of the plaintiff”  This represents an obstacle facing the consumer when standing before the court as a plaintiff or defendant.

When the consumer is a plaintiff, he is obliged to prove his claim, which may be very difficult, especially since the consumer deals with a professional person who is often keen not to leave any evidence that the consumer can refer to, so it is difficult for the consumer to prove the defects of his will during the contract, as It is difficult to prove professional responsibility. But if the consumer is a defendant, his situation is completely different from being a plaintiff, as he is facing a professional who is keen to protect his rights by obtaining means of proof. In this case, the consumer must prove the opposite of what the professional claims, as is the case, for example, in invoices Phone, water and electricity bills…

This makes us wonder about the position of the Consumer Protection Law regarding the establishment of abusive conditions, and who bears the burden of proving them, as well as the role of the judge in this process of proof.

At the outset, we would like to point out that the Consumer Protection Law has retained the rules of evidence stipulated in the Law of Obligations and Contracts, which stipulate, according to Chapter 399 of the Moroccan Law of Obligations and Contracts, that the proof of obligation rests with the plaintiff in application of the rule of “evidence on the one who claimed and the oath on the one who denied” Also, article 400 of the Moroccan Code of Obligations and Contracts stipulates that ” if the plaintiff proves the existence of the obligation, whoever claims its expiry or lack of enforcement against him must prove his claim”.

 

 

مقدمة :

يعد القانون إحدى الظواهر الاجتماعية التي تتغير في كل لحظة وحين،فالقواعد القانونية قواعد ملزمة تنظم سلوك الافراد داخل مجتمع معين،وتطور المجتمعات هو أمر حتمي لضمان الاستمرارية،وهو شيء يجعل من المستلزم تغيير القواعد القانونية والبحث عن أفكار جديدة تترجم الواقع المتغير لتصدر تلك الافكار في قالب إلزامي يتمثل في قانون صادر عن السلطات المختصة لتصبح صالحة للتطبيق.

وقد أثبت تطور القانون المدني منذ نشأته أنه المرآة الصادقة لحاجات المجتمع واستقراره،وقد تميز هذا القانون بمجموعة من المبادئ التي تسعى إلى تحقيق تلك الغايات في إطار توازن دقيق يحاول أن يوفق بين مقتضيات العدالة ومقتضيات الاستقرار[1]،فقد شكل مبدأ سلطان الارادة أساس النظرية التقليدية للعقد وبمقتضى هذا المبدأ أصبح الرضا هو الأصل العام الذي يحكم العلاقات التعاقدية ويضمن تحقيق المساواة بين أطرافها وهو يشمل حرية الانسان في أن يتعاقد وفقا لما تقرره إرادته إلى جانب حريته في عدم التعاقد،غير أن التفوق التقني والاقتصادي للمهني على حساب المستهلك ترك أثره على فكرة العقد فتغيرت العلاقة بين الطرفين واتسمت بعدم المساواة وأخذت أشكالا جديدة[2]،حيث استغل المهنيون ما تبيحه بعض المبادئ التقليدية كمبدأ سلطان الارادة،ومبدأ العقد شريعة المتعاقدين لإخضاع الطرف الآخر لإرادته بدون خرق المنظومة التقليدية لعيوب الرضى،وهذا ما خلق لنا طرفين غير متكافئين اقتصاديا وفنيا،طرف قوي وعالم بما له وما عليه وبخبايا ما يتعاقد حوله وطرف جاهل ضعيف اقتصاديا[3] يذعن لما يمليه عليه من شروط الطرف الآخر[4].

وهذا ما جعل وضعية المستهلك المغربي أكثر تعقدا في ظل القواعد العامة،وإذا كانت الدول الأوربية قد انتبهت إلى خطورة وحساسية الأمر منذ مدة طويلة فأصدرت العديد من التشريعات الهادفة إلى حماية المستهلك[5]،فإن المستهلك المغربي كان يفتقد لتشريع خاص يكفل له حماية فعالة ضد كل اختلال للتوازن العقدي،فباستثناء بعض القوانين مثل القانون 99-06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة [6] والقانون 83-13 المتعلق بزجر الغش في البضائع التي لها علاقة بالانتاج والتسويق،فإن عملية التعاقد التي تجمع بين طرفين غير متكافئين لم تحظى بأي تنظيم خاص وإنما تحكمها مقتضيات قانون الالتزامات والعقود التي لم تعد تضمن قدرا كافيا من الحماية للطرف الضعيف في العقد في ظل سيادة مبدأ سلطان الارادة وما يتفرع عنه من اعتبار إرادة المتعاقدين هي أساس عدالة العقد في حين لم يعد هذا المبدأ قادر على مواجهة التطور الاقتصادي والاجتماعي وما استحدث من أساليب وطرق جديدة أخلت بالحرية التعاقدية،وجعلت ما افترض من مساواة وتكافؤ بين المتعاقدين مجرد افتراض لا يمت للواقع بصلة.

غير أنه مع ازدياد الفجوة بين المهنيين والمستهلكين شيئا فشيئا،أصبح المهنيون في مركز القوة والمستهلكون[7] في مركز الضعف بسبب تطور الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية،وبالتالي كان لزاما على المشرع المغربي أن يساير هذا التطور بتدعيم ترسانة قواعده القانونية بقواعد حمائية جديدة أكثر فعالية لحماية المستهلكين[8]،وتطوير مؤسسة العقد بوضع أنظمة خاصة ببعض العقود لتساير التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي يميز العصر الحديث.

ونظرا للحاجة الملحة لحماية المستهلك المغربي ومسايرة للاتجاه الذي ظهر في عدة دول أوربية،ونظرا لعدم كفاية القواعد العامة بل وحتى الخاصة،فقد ظهرت الحاجة لتطوير نظرية العقد،والتدخل لحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية وتحقيق نوع من التوازن بين الاطراف،لذلك تنبه المشرع لمحدودية النظرية الكلاسيكية الخاصة بالعقود وإلى ضرورة الاتيان بقواعد جديدة أكثر حماية للمستهلك،فقد جاء قانون31-08[9] القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك الصادر في 18 فبراير 2011 بمجموعة من المقتضيات التي تعتبر بمثابة عوامل تغيير بالنسبة للنظرية العامة للعقد،المتمثلة في تحسين رضا المستهلك عن طريق منح القضاء سلطة تقديرية واسعة في مجال الاثبات بالإضافة الى منع التعسف وإزالة بعض مظاهر عدم التوازن وبصفة عامة وضع قواعد وقائية وحمائية على خلاف النظرية العامة التي يغلب عليها الطابع العلاجي والفردي.

وما دام أن الغاية الأساسية من اللجوء إلى القضاء لا تقتصر على مجرد الحصول على حكم لإنهاء الخصومة بأي طريقة كانت، بل تقضي مصلحة كل خصم في الحصول على حكم عادل لضمان حقوقه، والقضاء على جذور الخلاف بين الخصوم ليسود الاطمئنان ويتحقق السلم الاجتماعي.

وقبل أن تصل الدعوى إلى مرحلة صدور الحكم فإنها تمر بمرحلة سابقة أساسية وضرورية تعد أهم مرحلة في سير الدعوى وهي ما يعبر عنها بمرحلة تحقيق الدعوى، والتي فيها يتم جمع الأدلة والحجج واتخاذ الإجراءات والوسائل التي تساعد القاضي على تكوين قناعته.

ومن هنا تبرز نظرية الإثبات، باعتبارها من أكثر النظريات القانونية تطبيقا في المجال العملي، بل هي النظرية التي لا ينقطع القضاء عن تطبيقها يوميا فيما يعرض عليه من النزاعات، فالقاضي لا يبت في أي نزاع قبل أن يتفحص عناصر إثبات وقائع النزاع .

و بذلك للقضاء دور أساسي في الإثبات في قانون الاستهلاك ، نظرا لخصوصية هذا الأخير، لكونه يتسم بعدم توازن أطراف العلاقة التعاقدية ، ذلك أن العقد الاستهلاكي يتم إبرامه ووضعية الأطراف غير متوازنة، فإذا كانت هناك مساواة في القانون فإن الأفراد ليسوا كذلك في الواقع، فالمهني يملك قوة اقتصادية ذات تأثير على إبرام العقد، إضافة إلى امتلاكه من التفوق ما يجعله يؤدي إلى  اشتراط شروط تعسفية.

وأمام سلبيات المفهوم الكلاسيكي للنزاع المدني في كون الخصوم هم سادة الوقائع ويحتكرون المبادرة والقاضي ملزم بالحياد بناءا على المقولة الشهيرة ” الوقائع من عمل الخصوم والقانون من عمل القاضي”  مما رتب ظهور أفكار حديثة نادت بضرورة إعادة تقييم دور وسلطة القاضي في النزاع الاستهلاكي  بإعطائه قدرا من الحرية في الاجتهاد وتقدير الدليل لتحقيق التطابق بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية .

ولما كان الهدف من هذا البحث هو إبراز المستجدات التي تضمنها قانون حماية المستهلك في مسألة الإثبات حيث يعد ثورة على نظرية الإثبات  المكرسة في الفصل 399 ق.ل.ع“إثبات الالتزام على مدعيه”، وكذا إبراز الدور الإيجابي الذي يلعبه  القضاء في مسألة الإثبات،  فإن إشكالية الموضوع تتمحور حول دور القضاء في  تحقيق التوازن بين المهني والمستهلك فيما يخص الإثبات؟ وكإجابة عن هذه الاشكالية سنعمل على تقسيم الموضوع على الشكل الاتي:

المبحث الأول : السلطة التقديرية للقاضي في توظيف القواعد العامة للإثبات بما

 يخدم مصلحة المستهلك      

المبحث الثاني : سلطة القاضي في قلب عبء  الإثبات بين الحرية والتقييد

المبحث الأول : السلطة التقديرية للقاضي في توظيف القواعد العامة للإثبات بما يخدم

                   مصلحة المستهلك

لقد عزز المشرع الاستهلاكي من دور القاضي و منح له إمكانية التدخل بشكل ايجابي للتخفيف من صعوبات الإثبات التي تعترض المستهلك مستعينا في ذلك بسلطته التقديرية التي تسمح له بالتعامل بشكل مرن مع قواعد الإثبات، مما يتيح له إمكانية حماية الطرف الضعيف في العلاقات و العقود الاستهلاكية وهذا ما سنحاول تناوله في هذا المبحث.

المطلب الاول : نطاق سلطة القاضي في الإثبات

إن السلطة التقديرية للقاضي في الإثبات لصيقة بممارسته لنشاطه القضائي أيا كان موضوع المنازعة،فالسلطة التقديرية عمل يقوم به القاضي بهدف تحقيق الغاية الموضوعية من القانون ، و من ثم تعد من صميم عمل القاضي فأينما وجدت السلطة القضائية في مختلف مذاهب الإثبات القضائية[10] أمكن الحديث عن السلطة التقديرية التي يمارس القاضي من خلالها ولاية القضاء.

و إذا كان للخصوم دور في طرح وقائع النزاع و تحديد سببه و محله، و أن القاضي يتقيد بطلباتهم و دفوعهم، إلا أن ذلك لا يحول أن يكون قاضي الموضوع يتمتع بسلطة تقديرية بصدد تقديره للدليل المقدم له، فله أن يأخذ إذا اقتنع به  و يطرحه إذا ثار له شك فيه،لأن القاضي مطالب في نهاية المطاف بتطبيق واحترام القانون، و تعني بذلك السلطة التقديرية للقضاء ” أن القاضي يضمن في الحكم فهمه و تأويله للنص القانوني و اقتناعه أن إرادة المشرع هي بالفعل ما توصل إليه هو”[11].

فالمبدأ السائد في التشريعات الحالية هو حرية القاضي في الاستناد إلى أي دليل من الأدلة التي يقتنع بحقيقتها، و يقوم في سبيل ذلك باستخدام كل الوسائل العلمية لمعرفة هذه الحقيقة و تسهيل تكوين اقتناعه و بنائه على الجزم و اليقين، فالقاضي متخصص في القانون و لا يستطيع أن يلم بهذا الكم الهائل من المعلومات و المعارف الأخرى ولابد له من أن يستعين بأهل الخبرة و خاصة في القضايا المتعلقة بالاستهلاك، لكونها يطغى عليها غالبا طابع تقني.

و بذلك يكون للقاضي في حالة عدم وجود أدلة مقنعة أو في حالة وجود غموض بخصوص نزاع فني، أن يمارس سلطته التقديرية و ذلك بالأمر بإجراء بحث من أجل  تقصي الحقيقة و إجلاء الغموض أو اللبس الذي يحوم حول القضية المعروضة عليه.

المطلب الثاني : تقرير مبدأ السلطة التقديرية للقاضي اتجاه إجراءات التحقيق

تماشيا  مع الدور الايجابي المنشود للقضاء، فإن النصوص القانونية العامة و خاصة قواعد المسطرة المدنية قادرة على تخويل القاضي إيجابية أوفر و نشاط أكثر في الدعوى و خاصة في مرحلتها الرئيسية المتمثلة في مرحلة التحقيق على اعتبار أن قناعة القاضي التي سيكرسها في الحكم  تنبني في هذه المرحلة.

و إذا كان كل خصم يسعى أثناء التحقيق إلى إقناع القاضي بصحة ادعاءاته أو بعدم صحة ادعاءات خصمه ، فإن الدور الايجابي  المكرس في إجراءات التحقيق ، يسمح للقاضي بالتحرك و عدم الاكتفاء بما يقدمه الخصوم للإلمام بوقائع النزاع و التأكد من مدى مطابقته للحقيقة تسهيلا لمهمة الفصل في النزاع.

فالقاعدة العامة في قانون المسطرة المدنية المغربية على هذا المستوى هي أن إجراءات التحقيق يرجع الحق في إصدارها و الأمر بها للقاضي ، فلا يجبره أحد الخصوم على الأمر بها  بل أكثر من ذلك له أن يعدل أو يستغني عنها ، حتى في حالة صدور حكمه بها .

أما بالنسبة لعدم إجبارية الخصوم للقاضي على الأمر بإجراءات التحقيق فإنها تستخلص من الفصل 55 من ق.م.م الذي استهله المشرع بعبارة “يمكن” حيث جاء فيه     ” يمكن للمحكمة بناء على طلب الأطراف أو تلقائيا أن تأمر قبل البت في الجوهر بإجراء خبرة أو الوقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق الخطوط أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق …”  فهذا الفصل الذي يعتبر بمثابة دستور إجراءات التحقيق يوضح أنه من الممكن للقاضي أن يمتنع عن الأمر بإجراء تحقيق طلبه الخصوم أو أن يعدل منه، أو أن يأمر تلقائيا به[12]،و لا يكون ملزما على الأمر بإجراء  تحقيق معين إلا إذا كان الفصل في النزاع المعروض عليه متوقفا عليه.

و على هذا الأساس طلبات الخصوم لا تلزمه فالكلمة الأولى و الأخيرة في الإجراءات ترجع للمقرر على اعتبار كونه الإداري بالإجراءات الأكثر فائدة في النزاع المعروض عليه، و هذا ما أكده العمل القضائي المغربي ، في مجموعة من القرارات الصادرة عن أعلى هيئة قضائية بالمغرب  كالقرار الذي جاء فيه ” الأمر بإجراء من إجراءات التحقيق مخول لسلطة المحكمة و هي غير ملزمة بذلك مادام توفر لها العناصر الكافية للبت في النزاع ” [13] و القرار الصادر عن إستئنافية الرباط[14] ” إجراءات بحث أو معاينة أمر موكول لمحكمة الموضوع و لا تقوم به إلا إذا كان ضروريا للفصل في النزاع ” بما أن القاضي غير مجبر على الأمر بإجراءات التحقيق ، فهذا يعني أن له بصفة تلقائية الأمر بها  و قد أشار إلى ذلك الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية وإعطاء صلاحية للقاضي لكي يأمر تلقائيا بإجراءات التحقيق هو تعبير و تجسيد للطابع التنقيبي لدوره في الإثبات فهو يسعى أيضا للبحث عن الأدلة بواسطة هذه الصلاحيات المخولة له[15].

فالقاضي عندما يأمر بإجراءات التحقيق فهو يخفف عبء الإثبات عن أحد الخصوم ، و حكم ذلك ليس تحيزا لجانبه ، وإنما الأمر على خلاف ذلك، فحكمه بهذه الإجراءات مرده تحيزه للحقيقة.

إذا ثبت ما قلنا فيما يخص صلاحية القاضي في الخيار و الأمر  بإجراءات التحقيق و تفعيل دوره التنقيبي الهادف إلى بلوغ الحقيقة و حماية الطرف الضعيف في النزاع الذي هو المستهلك، و عليه كذلك من جهة أن يلتزم الحياد و أن لا ينحاز إلا للعدالة و ما يريح ضميره المهني.

و يبقى أن نعرج في هذا الصدد لما يمكن أن نعتبره أهم آليتين يمكن للقاضي تسخيرهما في الإثبات و هما المعاينة و الخبرة.

* المعاينة

لقد اهتم المشرع المغربي بالمعاينة شأنه في ذلك شأن باقي التشريعات المعاصرة و أفرد لها نصوصا خاصة من المادة 67 الى المادة 70 من قانون المسطرة المدنية المعدلة بمقتضى القانون 85.00.

و يمكن تعريف المعاينة بأنها مشاهدة المحكمة للشيء المادي الذي هو محل النزاع و ذلك بهدف التحقق من حالته و أوصافه و كل ما يحيط به توصلا لإيجاد الحل[16].

و تتميز المعاينة بأنها تتم بغير واسطة و هذا ما يجعلها وسيلة ناجعة تمكن القاضي من الوقوف على حقيقة النزاع كما هي في المسائل المادية فيتكون  اعتقاده الصحيح  حول النزاع و بالتالي تظهر الحقيقة في أقصر وقت و بأيسر التكاليف[17].

و من أجل كل ذلك يرى القضاء انه من الضروري أن ينتقل القاضي إلى عين المكان لمعاينة محل النزاع بمشاهدته واستخلاص الدليل من المعاينة ومجال المعاينة واسع إذ يشمل كل ما يقع عليه النزاع مما يضمن أن تكون المعاينة مجدية فيه ومهما كان موضوع النزاع سواء منقولا أو عقارا ، غير أن القاضي غير ملزم بالاستجابة لطلب إجراء معاينة لان ذلك يعد من الرخص التي أعطيت له ، فإن رأى أنها غير مجدية في الدعوى أو أنها واردة على أمور ثانوية لا تساهم في حل النزاع أو انه يوجد في أوراق الدعوى ما يكفي لاقتناعه للفصل فيها،أما إذا وجدت المحكمة أن المعاينة مفيدة ومجدية في حل النزاع وفيها مصلحة لتحقيق العدالة تقرر الانتقال للمعاينة ، كما يجوز للقاضي أثناء إجراء المعاينة أن يسمع شهادة أي شاهد يرى لزوم سماع أقواله أو يطلب الخصوم سماعه وللمحكمة أن تتخذ  كل الإجراءات التي تراها لازمة وذلك بحضور الشهود وأخيرا يحرر القاضي عند إجراء المعاينة محضر الانتقال ويوقع عليه كاتبه ويدون فيه الأعمال المتعلقة بها ويودع المحضر محفوظا برئاسة كتابة الضبط ، ولما كانت المعاينة من أدلة الإثبات المباشرة فقد تكون في بعض الأحوال الدليل القاطع الذي لا غنى عنه في حسم النزاع إلا أن المشرع منح القاضي سلطة تقدير الدليل الناتج عن المعاينة ، ويجوز للمحكمة أن تعدل عما قررته من الانتقال للمعاينة إذا وجدت في أوراق الدعوى أو ظروفها ما يغنيها عن ذلك أو رأت أن الانتقال للمعاينة غير منتج في الدعوى أو غير متعلق بها وإنما يلزمها في هذه الحالة إن تبين أسباب العدول في المحضر  كذلك يجوز للمحكمة أن تطرح ما أسفرت عنه المعاينة  من نتائج وأن لا تأخذ بهذه النتائج بشرط أن تبين أسباب ذلك في حكمها .

و مما سبق يمكن اعتبار الأمر بالمعاينة من المداخل المهمة التي يمكن للقضاء الاستناد إليها بغية إعادة التوازن المفقود بين أطراف النزاع الاستهلاكي، حيث من خلالها يمكن للقاضي الحصول على ما يؤسس قناعته من جهة و يكون أقرب إلى جوهر النزاع و لذلك فهذه الوسيلة  في التحقيق تخدم خصوصيات النزاع الاستهلاكي الذي سبق و أكدنا عليها كونه نزاع بسيط في الغالب، فالمعاينة لا تحتاج لتكاليف كبيرة و قد يكون لها دور فعال في حسم النزاع، و توفير أدلة إثبات لفائدة الطرف الضعيف في النزاع العاجز عن الإثبات أمام القضاء.

* الخبرة[18]

تعتبر الخبرة من أهم إجراءات التحقيق في الدعوى يستعان بها للبحث في المسائل التقنية و الفنية التي من شأنها مساعدة القاضي على توضيح بعض العناصر من أجل الوصول إلى الحقيقة[19] .

قد يتعذر على القاضي في بعض القضايا المطروحة عليه أن يباشر بنفسه التحقيق في كل أو بعض وقائع الدعوى ، سيما إذا كان التحقيق فيها يتطلب الإلمام بمعلومات فنية دقيقة وهي خارجة نوعا ما عن معارف القاضي ، ولذا يجوز له أن يستعين بالخبراء المختصين في كل المسائل التي يستلزم الفصل فيها استيعاب نقطة فنية معينة، أو كان الفصل في النزاع يتوقف على معرفة معلومات فنية في أي فرع من فروع المعرفة، إذ ليس على القاضي أن يكون خبيرا في كل المواد والأمور التقنية المطروحة عليه بل يفترض فيه أن يكون ملما بالمبادئ القانونية والقواعد الفقهية والأحكام القضائية التي هي من صميم وظيفته لذا يمكنه تعيين خبير ولكن هذا لا يمكن أن يكون في أي حال من الأحوال منح من صلاحيات القاضي للخبراء مثل سماع الشهود أو إجراء تحقيق ، فللقاضي الحرية في ندب الخبراء وبأي عدد يحدده وفي أي مجال من المجالات التي يراها مناسبة دون التنازل لهم عن صلاحياته المخولة قانونا.

إذن فالسبب الدافع بالقاضي اللجوء إلى الخبرة هو استظهار بعض جوانب النزاع التي يستعصى عليه إدراكها بنفسه استنادا إلى معلوماته الشخصية و ليس في أوراق الدعوى و أدلتها المتداولة ما يعين على فهمها، و هذه الجوانب يكون توضيحها جوهريا في تكوين عقيدة المحكمة.

يتضح إذن أن الهاجس في الحكم بالخبرة هو الوصول إلى الحقيقة التي تمكن القاضي من الفصل في النزاع فصلا يريح ضميره، و هذا هو ما يظهر الدور التنقيبي  للقاضي في مرحلة التحقيق ، ويبرز أمر هذا الدور التنقيبي إذا علمنا أن لجوؤه إلى الخبرة قد يكون تلقائيا و أن هذا لا يتنافى مع الحياد المفروض في القاضي، و في هذا تقول محكمة النقض ” يمكن للمحكمة حتى في حالة كون دعوى المدعي مجردة من الإثبات أن تأمر بإجراء خبرة دون أن يشكل ذلك إخلالا بمبدأ الحياد، و لا أن يشكل إقامة للحجة في مواجهة الطرف الآخر[20].

و مما تقدم يمكن القول أن قانون المسطرة المدنية منح للقاضي دورا ايجابيا و فعالا من خلال إجراءات التحقيق للتنقيب عن أدلة الإثبات،مما يساهم في تقريب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية،ويمكن للقاضي تفعيلها في نزاعات الاستهلاك للتخفيف من عبء الإثبات الملقى على عاتق المستهلك في غير الحالات التي قلب فيها المشرع عبء الإثبات و ألقاه على عاتق المهني و بالتالي تطبيق القواعد العامة بشكل مرن لصالح المستهلك الذي تعوزه وسائل الإثبات في غالب الأحيان و بالإضافة إلى قانون المسطرة المدنية و الصلاحيات الايجابية التي منحها للقاضي فإن القوانين الجديدة المتعلقة بحماية المستهلك منحت هي الأخرى دورا ايجابيا للقضاء لحماية المستهلك.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : سلطة القاضي في قلب عبء  الإثبات بين الحرية والتقييد

بالإطلاع على القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك يتبين أنه خطى خطوات ايجابية إلى الأمام بتمكينه للجهاز القضائي من التدخل في المنازعات الاستهلاكية بهدف إعادة التوازن لهذه العلاقات غير المتوازنة في أصلها ، و بهذا يمكن أن نجمل أهم المساهمات التي أتى بها هذا القانون للسادة القضاة من أجل خدمة الفلسفة الحمائية للمستهلك فيما يلي:

المطلب الاول: دور القاضي في الإثارة التلقائية وتأويل العقود

أولا : دور القاضي في الإثارة التلقائية  لتدابير حماية المستهلك

من المداخل التي تشكل غاية في الأهمية و التي  يمكن للقاضي من خلالها خدمة التوجه الحمائي للمستهلك نجد  الإثارة التلقائية لتدابير حماية المستهلك بما يخدم مصلحة هذا الأخير.

حيث تؤكد مقتضيات قانون حماية المستهلك على طابعها المشبع بروح النظام العام ، الذي يعطي للقاضي الحق في الإثارة التلقائية من غير طلب الخصوم و بذلك يكون للقاضي دورا إيجابيا في مسار الدعوى بما يفيد المستهلك.

إذ نص قانون حماية المستهلك على هذه المقتضيات في نصوص عدة نذكر منها المادة 20 و المتعلقة بالأحكام الخاصة بالشروط التعسفية حيث جعل المشرع هذه الأحكام مرتبطة بالنظام العام ومن ثم يمكن إثارتها تلقائيا من طرف القاضي ، حيث جاء في هذه المادة ” تعتبر أحكام هذا القسم من النظام العام ”  وكذلك المادة 52 المتعلقة بالبيع خارج المحلات التجارية و المادة 44 المتعلقة بالعقد المبرم عن بعد و المادة 151 المتعلقة بأحكام القرض  و غيرها من المواد التي تؤكد طابع النظام العام في النزاع الاستهلاكي بما يمكن القاضي من التدخل الايجابي.

إن الهدف من جعل المشرع المغربي أحكام القانون 31.08 من النظام العام ، هو تحقيق الحماية اللازمة للمستهلك ضد المهني ، لأن من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام القاضي أن يثير أي إخلال تبين له بخصوص النزاع الاستهلاكي من تلقاء نفسه حتى و إن لم يثره المستهلك، كما من شأن ذلك أن يحد من سلطة المهني على إجبار المستهلك على  الاتفاق على مخالفة أحكام هذا القانون، و خاصة تلك المتعلقة بالإثبات، هكذا يكون المشرع المغربي قد حصن الحقوق المخولة للمستهلك بمقتضى هذا القانون.

ثانيا : تأويل العقود في نزاعات الاستهلاك

بالرجوع لمختلف محاور القانون 31.08 فإننا نلاحظ أن هناك الكثير من الحالات التي تؤكد على ضرورة تفسير الشروط الغامضة و المبهمة لصالح المستهلك باعتباره طرفا ضعيفا في هذه العلاقة التعاقدية[21]، من ذلك ما جاء في المادة 9 من القانون أعلاه بأنه في العقود التي يتم تحريرها كتابة، يتوجب أن تكون الشروط الواردة فيها واضحة و مفهومة، و في حالة الشك حول مدلول هذه الشروط، فإنه يتم ترجيح التأويل الأكثر فائدة للمستهلك.

و في ذلك حماية جد مهمة للمستهلك، إذ قد يتعذر في بعض الحالات تحديد المقصود من بنود العقد عندما تكون هذه الأخيرة غير واضحة أو مبهمة، و في هذه الحالة ألزم المشرع المغربي القاضي باعتماد التأويل الأكثر فائدة للمستهلك، إذ الأصل أن تكون عبارات العقد واضحة و مفهومة و في حالة الشك حول مدلول أحد هذه البنود فإنه يتم اعتماد التأويل الأكثر فائدة للمستهلك[22].

و هذه القاعدة مستمدة في الواقع من مضمون الفصل 461 من قانون الالتزامات و العقود، التي نصت على نفس المبدأ منذ ما يزيد عن قرن من الزمن عندما حثت المحاكم على تأويل الالتزام عند الشك في مضمونه بالمعنى الأكثر فائدة للملتزم، على اعتقاد بأن هذا الطرف عادة ما يكون أحوج لهذا التأويل أكثر من غيره.

هذه المادة ( 9 ) يمكن القول عنها بأنها تعكس التوجه الجديد في تفسير عقود الاستهلاك، حيث تعتبر خلخلة  للقواعد  العامة في التأويل حيث ترجح كفة المستهلك و مصلحته سواء كان ملتزما أو ملزما،ويمكن استثمارها من طرف القضاة لتنزيل الدور الايجابي بما يخدم المستهلك، حيث عبرها يمكن للقاضي دعم موقف المستهلك الذي يعوزه الدليل و الإثبات في مواجهة المهني.

المطلب الثاني : دور القاضي في تقدير وسائل  الإثبات

من المقتضيات القانونية التي يمكن للقضاء توظيفها في مجال الإثبات لخدمة الطابع الحمائي للمستهلك هو الاستناد إلى  ما هو مسطر في بعض نصوص قانون الاستهلاك التي تنص على ترجيح الوثيقة التي بين يدي المستهلك .

فالكثير من القواعد القانونية الاستهلاكية تنص على الشكلية  في التصرف و كذلك على ضرورة و واجب تسليم نسخة من الوثائق الشكلية التي تثبت التصرف، فهذا من جهة يحمي المستهلك إذ يجعله في نفس المستوى من القدرة على إثبات التصرفات و الاتفاقات بامتلاكه لهذه الوثائق، غير أن هذه المقتضيات قد تظل غير ذي جدوى إن تعرض هذا المقتضى لتلاعب المهني من خلال عمله على تسليم المستهلك نسخا لا تتطابق و التي بين يديه،و من ثم كان من اللازم ترجيح النسخة المسلمة  إلى المستهلك في حالة وجود تعارض بينها و بين النسخة التي بين يدي المهني، إذا عجز هذا الأخير عن تقديم تفسير لسبب ذلك التعارض و من النماذج عن هذه القواعد ما هو منصوص عليه في مدونة التأمينات.

هكذا يتضح أن رقابة القاضي لشكلية وسائل الإثبات تجعله يتمتع بسلطة تقديرية في هذا المجال، حيث أن الوسائل التي متعها المشرع بقوة ثبوتية مطلقة متى توفرت على جميع شروطها فهي تكون ملزمة للأطراف و للقاضي، في حين أنه متى تخلفت شروطها أو إحداها حق للقاضي عدم الأخذ بها.

فتشعب المعاملات و سرعتها يجعل من المتعذر عمليا الاحتكام مسبقا بوسائل الإثبات المناسبة وضبطها بنصوص قانونية تلم بكل جوانبها و لذلك يجب الاتجاه نحو توسيع دور القاضي و تعزيز سلطته في مجال الإثبات.

أولا: دور القاضي في تقدير وسائل  الإثبات وقلب عبء الاثبات

إن الحجية التي يتمسك بها الأطراف في نزاعاتهم لا يمكن أن تكون أداة تخدم الدعوى المدنية عامة و الاستهلاكية خاصة، إلا إذا تبين دور القاضي في تقدير وسائل الإثبات.

إلا أن المشرع المغربي بوضعه نظام الإثبات القانوني قد قيد القاضي في اتجاهين، الأول يتمثل في تحديد أدلة الإثبات المعتمدة قانونا، و الثاني يتمثل في تحديد قيمة و حجية كل وسيلة فلم يترك للقاضي مجالا يحدد على ضوءه قناعته في النزاع المدني و من هنا تتجلى محدودية دور القاضي في تقدير وسائل الإثبات.

هكذا فإن النزاع المدني و إن كان يتعلق ﺑﻤﺼﺎﻟﺢ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺎﻷﻃﺮﺍﻑ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻬﻢ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﺣﻘﻮﻗﻪ ﺑﺪﻭﻥ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﻭ ﻣﻨﺎﺯﻋﺔ، ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﻟﻴﺲ ﺣﻜﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻋﺎﻣﺔ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺃﻛﺒﺮ ﻗﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺗﻤﻜﻨﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺪﻭﺭ ﺇﻳﺠﺎﺑﻲ ،ﺭﻏﻢ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﻣﺎﺩﺓ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﺍﻧﺘﻤﺎﺀ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟمغربي ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﻴﺪ .

ﺇﻥ ﺗﺸﻌﺐ ﺍﻟﻤﻌﺎﻣﻼﺕ ﻭﺳﺮﻋﺘﻬﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﻌﺬﺭ ﻋﻤﻠﻴﺎ ﺍﻟﺘﻜﻬﻦ ﻣﺴﺒﻘﺎ ﺑﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻭﺿﺒﻄﻬﺎ ﺑﻨﺼﻮﺹ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺗﻠﻢ ﺑﻜﻞ ﺟﻮﺍﻧﺒﻬﺎ ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻳﺘﺠﻪ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻭﺗﻌﺰﻳﺰ ﺳﻠﻄﺎﺗﻪ، ﻭﻟﻠﺘﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺔ ﺫﻟﻚ ﻻﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻤﺸﺮﻉ 1913 ﺃﻥ ﻳﺘﻜﻬﻦ ﺑﻮﺟﻮﺩﻫﺎ .

و على هذا الأساس فإنه ليس من السهل على الطرف الضعيف أن يقوم بالإثبات في المنازعات الاستهلاكية، و ذلك لأن السادة القضاة ليسوا على نفس الدرجة من الإقناع، فمنهم من يبدي تسهلا في قبول أي نوع من الإثباتات، مثل شهادة الشهود، و القرائن البسيطة، و منهم من يتشدد في هذا الإجراء و لا يرضى إلا بما يثبت اليقين[23] خاصة و أن الفصل 417 من قانون الالتزامات و العقود ينص بشأن الدليل الكتابي على أنه ” للمحكمة الحق في تقدير ما تستحقه هذه الوسائل من قيمة حسب الأحوال، و ذلك ما لم يشترط القانون أو المتعاقدان صراحة شكلا  خاصا”.

فالمشرع المغربي لم ﻳﺨﺼﺺ ﺑﺎﺑﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺤﺠﻴﺔ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ وسائل ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻭﺭﺩ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻟﻜﻞ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﻩ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﺼﻮﺹ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ ﻭﺭﺩﺕ بقانون الالتزامات والعقود.

فالمشرع رغم اعطائه لبعض وسائل الإثبات الحجية المطلقة، كالكتابة مثلا فهذا لا يعني الغاء دور القضاء بشأنه، و إنما يبقى مطالبا بفحص هذا الدليل و مراقبته وفقا لما يتطلبه القانون، و ما يبرز ذلك بشكل أكثر وضوحا هو أمره بإجراء خبرة فنية بصدد تحقيق الخطوط ، و ذلك حسب مقتضيات الفصل 89 من قانون المسطرة المدنية[24] الجديد الذي ترك له مطلق السلطة التقديرية.

و بهذا فإن رقابة القاضي لشكلية وسائل الإثبات تجعله يتمتع بسلطة تقديرية في هذا المجال، حيث متى تخلفت شروطها حق للقاضي عدم الأخذ بها.

إلا أن ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ ﺃﻥ ﻳﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍ ﺃﻫﻢ ﻓﻲ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﺎﻗﺼﺔ، حيث ﻳﺘﻤﺘﻊ فيها ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﺴﻠﻄﺔ ﺗﻘﺪﻳﺮﻳﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻋﺘﻤﺎﺩﻫﺎ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﻔﻌﻮﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ.

ﺇﻥ ﺍﻟﺘﺼﺮﻓﺎﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺷﺘﺮﻁ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻮﺳﻴﻠﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺘﺼﺮﻓﺎﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺷﺘﺮﻁ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺇﺛﺒﺎﺗﻬﺎ ﺑﺎﻟﺤﺠﺔ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺫﻟﻚ ﺑﺒﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺤﺠﺔ ﺑﺎﻟﻜﺘﺎﺑﺔ  ﻭﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﺟﺎﺯ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ المغربي  للقاضي أن يسعى إلى ﺗﻜﻮﻳﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ” ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﻜﺎﺷﻔﺔ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ” ﻷﻥ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺤﺒﺬ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺩﻭﻥ ﺍﻻﻛﺘﻔﺎﺀ ﺑﻤﺎ ﻳﻘﺪﻣﻪ ﺍﻟﺨﺼﻮﻡ ﻣﻦ ﺃﺩﻟﺔ ﻭﻻ ﻳﺘﺴﻨﻰ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻻ ﺑﺘﻮﺳﻴﻊ ﻧﻔﻮﺫﻩ ﻭﺟﻌﻠﻪ ﻗﺎﺩﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﻜﻞ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻤﻼﺋﻤﺔ ﻟﺠﻤﻊ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻴﺮ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ .

لكن ما يعاب على القضاء المغربي هو عدم تعامله مع وسائل الإثبات بالليونة اللازمة، و هذا نابع من عدم إلمامه بأهمية حماية المستهلك الذي يفتقد في الغالب للخبرة الكافية التي يمكن أن تؤهله لإيجاد وسائل إثبات تدعم موقفه و تحافظ على حقوقه.

ثانيا: دور القاضي في قلب عبء الإثبات

ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻪ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻣﺎ ﻳﺪﻋﻴﻪ ﻓﺈﻥ ﺗﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻳﻨﺘﻘﻞ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈﺫﺍ ﺃﺩﻟﻰ ﺑﻤﺎ ﺛﺒﺖ ﺻﺤﺘﻪ ﻋﺎﺩ ﺍﻟﻌﺐﺀ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺣذﺍ بالقول  ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻛﺎﻟﻜﺮﺓ ﻳﺘﻘﺎﺫﻓﻬﺎ ﺍﻟﺨﺼﻤﺎﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﻌﺠﺰ ﻣﻦ ﺃﻟﻘﻴﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺭﺩﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﺧﺼﻤﻪ ﻓﻴﺨﺴﺮ ﺩﻋﻮﺍﻩ .

ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺮﺗﻴﺐ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮعي ﻫﻮ ﺍﻓﺘﺮﺍﺽ ﻧﻈﺮﻱ ﻣﺤﺾ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﺃﻥ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﺯﻉ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺻﺮﺍﻉ ﻣﺮﻳﺮ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ، ﻓﺎﻟﻤﺪعي ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﻓﻊ ﺩﻋﻮﺍﻩ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻘﺘﻨﻌﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺑﻜﻮﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻪ ﻓﻴﻌﺪ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻼﺋﻤﺔ ﻭ ﺍﻷﺳﺎﻧﻴﺪ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠﺘﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﻘﻴﺘﻪ ﺑﺎﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻻ ﻳﻘﻒ ﺇﻃﻼﻗﺎ ﻣﻮﻗﻔﺎ ﺳﻠﺒﻴﺎ ﻣﻨﺘﻈﺮﺍ ﻋﺠﺰ ﺍﻟﻤﺪﻋﻲ ﻋﻠﻰ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻣﺎ ﻳﺪﻋﻴﻪ ﻓبمجرد ﺍﻧﻌﻘﺎﺩ ﺍﻟﺨﺼﻮﻣﺔ ﻳﺸﺮﻉ ﻓﻲ إﻋﺪﺍﺩ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺩﻓﺎﻋﻪ ﻣﺴﺘﻌﻴﻨﺎ ﺑﺨﺒﺮﺓ ﻣﺤﺎﻣﻴﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻓﻴﺠﺪ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺃﺣﻴﺎﻥ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﺪﻣﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪعي ﻭ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﻋﻠﻴﻪ .

و نظرا لخصوصية قانون الإستهلاك فقد حسن المشرع فعلا حينما عمل على إلقاء عبء الإثبات على عاتق المهني ، و بالتالي أعفى المستهلك من عبء الإثبات، إلا أنه و أمام محدودية الحالات التي ينتقل فيها عبء الإثبات إلى المهني، و لضمان ولوج المستهلك إلى العدالة يجب التخفيف من عبء الإثبات في العديد من الحالات، فيبقى تحقيق الأمن القضائي للمستهلك موكولا إلى الدور الإيجابي للقضاء في توزيع عبء الإثبات بين الأطراف من خلال تكييفه لطبيعة و حجم الالتزامات التي يتحملها كل طرف، و تطبيقه المرن لقواعد الإثبات بما يتماشى و تحقيق الهدف المرجو و المتمثل في حماية مصالح المستهلك.

لأن الاجتهادات القضائية تلعب دورا مهما في تكريس قواعد حمائية للمستهلك من خلال قلب عبء الاثبات لفائدته في حالات لم ينص المشرع عليها و هاته الاجتهادات القضائية تصبح فيما بعد بمثابة قواعد متبعة خاصة إذا كانت تلك الاجتهادات متواترة و صادرة عن أعلى هيئة قضائية في البلاد كمحكمة النقض، و تعلقت بموضوعات تركها المشرع بدون تقنين.

انطلاقا مما سلف ذكره يتضح بأن القضاء يلعب دورا محوريا في التخفيف من حدة صعوبة الاثبات في المنازعات الاستهلاكية بشكل يراعي وضعية المستهلك لأنه هو الكفيل بتفعيل الحماية القانونية المقررة بنص القانون.

وصفوة القول أن قواعد قانون الاستهلاك بالرغم من تجاوزها للعديد من الأحكام المقررة في القواعد العامة،إلا أن ذلك لا يعني بأن قواعد النظرية العامة كانت قاصرة وغير عادلة،وانما يرجع السبب في ذلك الى التطور الذي عرفته شتى المجالات مما يستدعي مسايرة هذا الركب عن طريق خلق قواعد قانونية تتماشى مع متطلبات العصر الحالي ومحاولة تطوير الآليات التشريعية التي ستساهم لا محالة في مواجهة التحديات الاقتصادية،وحتى يتحقق هذا المبتغى ارتأينا تقديم بعض المقترحات والتي من شأنها ان تعزز الحماية المنشودة :

– حماية المصالح الاقتصادية للمستهلك وعلى وجه الخصوص حمايته من الشروط التعسفية،حيث أن كل شرط يكتسي طابع تعسفي يعتبر باطلا ولاغيا،اضافة الى تحميل المورد عبء اثبات عدم تعسفية شرط من الشروط الواردة في العقد.

– تخويل المشرع للقضاء سلطة تقديرية واسعة للحد من الشروط التعسفية ( وضع معايير قانونية دقيقة حتى لا يؤدي هذا التوسع الى تحكم القضاة في مصير العقود )، ومحاولة تكوين القضاة وتأهيلهم  فيما يخص المادة الاستهلاكية تكوينا يليق بالاشكالات التي يثيرها هذا القانون على ارض الواقع.

– تفسير الشروط الغامضة والمبهمة لصالح المستهلك المادة (9 من القانون 31.08 )

– الزام المورد بالاثبات في حالة وجود نزاع ما بين الطرفين وهذا ما يمكن استنتاجه من خلال المادة 34 من القانون 31.08،وهو ما يؤكد بان المشرع قلب القاعدة العامة الواردة في ظل مقتضيات الفصل 399 من ق.ل.ع مراعاة لوضعية المستهلك والذي يستعصي عليه اثبات ما يدعيه.

.

– تجاوز النظر الى العلاقات التعاقدية من زاوية الضعف والقوة الاجتماعية والاقتصادية لطرفي العلاقة التعاقدية لإقرار الحماية التشريعية للإرادة،فتحديد الطرف الضعيف والطرف القوي في العقد يجب أن ينبني على مبررات موضوعية واقعية،لأن الطرف الضعيف في عقد من العقود قد يكون طرفا قويا في عقد آخر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع

* مهدي منير،المظاهر القانونية لحماية المستهلك،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،جامعة محمد الأول وجدة،السنة الجامعية2004-2005.

* محمد المجدوبي الإدريسي، إجراءات التحقيق في الدعوى في قانون المسطرة المدنية، الطبعة الأولى،1996، مطبعة الكاتب العربي دمشق.

* مأمون الكزبري و العلوي العبدلاوي ، شرح قانون التنظيم القضائي و المسطرة المدنية في القانون المغربي ، الجزء الثاني.

* عبد الكريم عقال : ” السلطة التقديرية للقاضي في التشريعات القضائية و تطبيقاتها في المحاكم الشرعية :  مجلة علوم الشريعة و القانون ، المجلد 35، العدد الثاني السنة 2008

* عبد القادر العرعاري : ” قراءة انطباعية أولية بخصوص القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك ” مجلة القضاء المدني العدد 4 ، خاص بحماية المستهلك. سنة 2014. ص 15.

* المهدي العزوزي : ” تسوية نزاعات الاستهلاك في ضوء القانةن 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك”. مطبعة المعارف الجديدة، الرباط. الطبعة الأولى. 2013 .

 

 

 

 

بقلم الدكتور : يوسف كبيطي

 مهدي منير،المظاهر القانونية لحماية المستهلك،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص،جامعة محمد الأول وجدة،السنة الجامعية[1]

2004-2005،ص:2.

وهكذا أفرزت القوة الاقتصادية التي يتمتع بها أحد الأطراف نتيجة سلطته الاحتكارية إنتاجا قانونيا ونموذجا جديدا للعقود،هو عقد [2]

الإذعان، لا يملك الطرف الضعيف وهو المستهلك مناقشة شروطه أو المفاوضة في بنوده.

 المقصود بالطرف الضعيف ،الطرف الذي تنقصه القوة الجسمية أو المعنوية،وقد اعتبر الأستاذ “فريدريك لوكليرك” بأن [3]

الضعف يتضح من خلال علاقة تعاقدية بين شخصين يحكمهما التخوف بحكم ضعف أحدهما وذلك لأسباب متعددة من بينها :ضعف المؤهلات التقنية،ضعف المؤهلات النفسية والجسمية،جهل المتعاقد الضعيف بالقانون أو الواقع نتيجة تعاقده خارج تخصصه…

 

 الأمر الذي اقتضى وجود نصوص تشريعية جديدة تحاول أن تتصدى لتعسف المهنيين الذين يستغلون ما تتيحه لهم المبادئ العامة [4]

التقليدية القائمة على الحرية التعاقدية لفرض شروط مجحفة في حق المستهلكين.

 

فلا أحد يستطيع اليوم إنكار الخلل الواقع في العلاقة التعاقدية التي تنشأ بمناسبة عقد الإستهلاك بين المهني والمستهلك،فالمهني صاحب خبرة فنية وتقنية جد عالية اكتسبها نتيجة ممارساته الطويلة في مجال التعاقد تضعه في مركز قوي يقف أمامها المستهلك في مركز اقتصادي ضعيف تنقصه الخبرة، فيجد نفسه مذعنا للإنصياع والتعاقد وفق الأشكال التي يمليها الطرف القوي الذي كثيرا ما تكون منتجاته وخدماته ليست في حقيقتها بالشكل الظاهر للمستهلك،وليست بالشكل الذي أراد التعاقد من أجله.

 

 وهكذا أصدر المشرع البلجيكي بتاريخ 14 يوليوز 1971 قانونا خاصا بالممارسات التجارية،أدخلت عليه تعديلات مهمة بموجب قانون 14[5]

يوليوز 1991،أضاف إليه الفصل 13 تحت عنوان”النصوص العامة المتعلقة ببيع السلع والخدمات للمستهلكين”ويعالج هذا الفصل في المقام الأول الشروط التعسفية.

– كما أصدر المشرع الألماني في 6 دجنبر 1976 قانونا خاصا بالشروط العامة في العقود.

– أصدر المشرع الهولندي بتاريخ 18 يوليوز 1987 قانونا خاصا بالشروط العامة في التعاقد،ليبقى قانون 10 يناير 1978 أهم تشريع أوربي صادر حول حماية وإعلام المستهلكين للسلع والخدمات أهم تشريع أوربي في الموضوع،توج بإصدار مدونة للاستهلاك سنة 1993،والتي عرفت تعديلات مهمة بموجب قانون رقم 95-96 الصادر بتاريخ 1 فبراير 1995.

– في سنة 1993 أصدر المجلس الأوربي توجيها تحت رقم 93-13 بتاريخ 5 أبريل 1993 يهدف إلى وضع المبادئ الأساسية لضمان حماية المستهلك الأوربي،على أن يترك لتشريعات دول الأعضاء حرية وضع مقتضيات أكثر حزما من أجل ضمان حماية فعالة للمستهلك في هذا المجال(الفصل 8 من التوجيهية).

 هذا القانون صدر سنة 2000،وتم تتميمه وتعديله بمقتضى القانون 12-104 سنة 2014.[6]

 وأمام هذا الواقع لم يعد المستهلك قادرا على الدفاع على مصالحه بنفسه،وأصبح في حاجة ماسة إلى الحماية لاسيما وأن ظاهرة عدم [7]

التساوي بين المهنيين والمستهلكين تتزايد باستمرار مع تنوع وتطور صور البيوع العدوانية والإلحاحية أو الإستدراجية،وتزايد عقود الإذعان وأيضا سرعة وتعقد المعاملات التي يتمخض عنها ارتفاع فرص اتخاذ قرارات متسرعة من قبل المستهلكين.

 

 ومن أهم هذه القوانين التي تهدف بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى حماية المستهلك هي:[8]

– ظهير رقم 1.59.380 الصادر بتاريخ 29/10/1959 المتعلق بزجر الجنايات على صحة الأمة،المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3454 بتاريخ 06/07/1959،ص:3203.

– ظهير 1.82.40 الصادر في 21/06/1982 المتعلق باختصاصات المحتسب وأمناء الحرف،المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3636 بتاريخ 07/07/1982 ص:882.

– ظهير 1.83.108 صادر في  9 محرم 1405 الموافق ل 5 أكتوبر 1984 بتنفيذ القانون 13.83 المتعلق بالزجر عن  الغش في البضائع المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3777 بتاريخ 20/03/1985 ص:395.

-القانون 99-06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة الصادر سنة 2000 والذي تم تتميمه وتعديله بمقتضى القانون 12-104 الصادر سنة 2014.

– القانون 24.09 المتعلق بسلامة المنتجات والخدمات،المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5980،بتاريخ 22/10/2011.

 ظهير شريف رقم 03.11.1 الصادر في 14 ربيع الأول 1432 الموافق ل 18 فبراير 2011 بتنفيذ القانون 31.08 [9]

القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك،الجريدة الرسمية عدد 5932،بتاريخ 3 جمادى الأولى 1432الموافق ل 7 أبريل 2011،ص:1072.

.

 

– تتمثل هذه المذاهب فيما يلي : [10]

النظام الحر للإثبات لا يرسم للقاضي طرقا ووسائل للإثبات  تقيد نشاطه في التحري عن الحقائق بكل الوسائل فله كامل الحرية في النظر في الوقائع المعروضة من الخصوم.

أما في النظام المقيد تحصر وسائل الإثبات وطرقها وتعين تعيينا دقيقا وتحدد قيمة كل واحدة منها إذ لا يجوز للخصوم إثبات حقوقهم بغير هذه الوسائل والقانون في الوقت ذاته أعطى لكل دليل قيمته التي يشاء.

وبين النظامين السابقين نشأ نظام مختلط ترك قسما من الحرية في توجيه الخصوم واستكمال الأدلة الناقصة وإيضاح ما وقع فيه من  غموض بالوقائع لكن قيده المشرع بقيمة كل دليل قانوني على حدا ، إذ بين المشرع لكل دليل حجيته.

وعليه يتضح  أن موقف القاضي من  أدلة الإثبات ايجابي في المذهب الحر لأنه  يتمتع بسلطة تقديرية واسعة إزاء طرق وأدلة الإثبات وفي المذهب المقيد ذو موقف سلبي بحيث  لا يتجاوز دوره تطبيق الأدلة كما يقدمها الخصوم ويقدرها حسب القيمة التي حددها القانون لكل دليل ، أما المذهب المختلط فالقاضي يتخذ موقفا  وسطا  يسمح له بتقدير بعض الأدلة التي جعل له فيها المشرع حرية التقدير ولم يقيده بحجيتها أما الباقي من أدلة الإثبات قيدت ورصدت لها حجية معينة لا يجوز للقاضي أعمال سلطته التقديرية بشأنها لذا يتبين أن القاضي عليه تأسيس قناعته على الأدلة الثبوتية التي قررها القانون ولا عبرة بالطرق التي لا يقررها ومرد ذلك تغليب حاجة استقرار المعاملات بين الناس والمشرع الجزائري الذي تبنى نظام الإثبات المختلط جعل السلطة التقديرية للقاضي في تقدير طرق وأدلة الإثبات في الدعوى المدنية تبلغ حدها الأدنى فهو بذلك رسم طرقا محددة تحديدا دقيقا لإثبات الأوضاع المختلفة للروابط القانونية وجعل لكل طريق منها قيمتها الثبوتية .

– عبد الكريم عقال : ” السلطة التقديرية للقاضي في التشريعات القضائية و تطبيقاتها في المحاكم الشرعية :  مجلة علوم الشريعة[11]

و القانون ، المجلد 35، العدد الثاني السنة 2008، ص 476

[12]– محمد المجدوبي الإدريسي، إجراءات التحقيق في الدعوى في قانون المسطرة المدنية، الطبعة الأولى،1996، مطبعة الكاتب العربي دمشق،ص 51

[13]– قرار عدد 1463 صادر بتاريخ 29/3/2011، مشار إليه بمؤلف محمد بفقير قانون المسطرة المدنية و العمل القضائي. ص 141.

[14]– قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط 1413/06 صادر بتاريخ 32/01/2003 منشور بمجلة الحقوق المغربية عدد 11، ص 216.

 

[15] -Viont jeun. procédure civil, dalloz 18 edit. 1976  ,p 562

[16]– مأمون الكزبري و العلوي العبدلاوي ، شرح قانون التنظيم القضائي و المسطرة المدنية في القانون المغربي ، الجزء الثاني ، ص 277

[17]– أوان عبد الله المعاينة في الدعوى المدنية دراسة مقارنة ، طبعة 2012، مطابع شتات مصر ، ص 89

– أنظر الفصل الأول من الرسالة .[18]

[19]– مقطع من منشور صادر عن وزير العدل بتاريخ 5 نونبر 1996، منشور في مؤلف محمد بفقير، قانون المسطرة م و العمل القضائي المغربي، ص 139.

[20]– قرار عدد 2622 في الملف عدد 05/ 1769 صادر بتاريخ 13/09/2006 ، منشور بمجلة الملف ، عدد 16، ص 228

– عبد القادر العرعاري : ” قراءة انطباعية أولية بخصوص القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك “. مجلة القضاء المدني[21]

العدد 4 ، خاص بحماية المستهلك. سنة 2014. ص 15.

– المهدي العزوزي : ” تسوية نزاعات الاستهلاك في ضوء القانةن 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك”. مطبعة [22]

المعارف الجديدة، الرباط. الطبعة الأولى. 2013 .ص 55

– مهدي منير : ” المظاهر القانونية لحماية المستهلك ” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة البحث و التكوين. قانون الأعمال. [23]

السنة الجامعية 2004.2005 ص. 302

– الفصل 89 من قانون المسطرة المدنية ” إذا أنكر خصم ما نسب إليه من كتابة أو توقيع أو صرحبأنه لا يعترف بما ينسب إلى [24]

الغير أمكن للقاضي صرف النظر عن ذلك إن رأى أنه غير ذي فائدة في الفصل في النزاع.

إذا كان الأمر بخلاف ذلك فإنه يؤشر بتوقيعه على المستند و يأمر بتحقيق الخطوط بالسندات او بشهادة الشهود أو بواسطة خبير عند الإقتضاء.

تطبق القواعد المقررة بالنسبة إلى الأبحاث و الخبرة في تحقيق الخطوط”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى