في الواجهةمقالات قانونية

 نظريــــــــــة المـــــــــــال- الثروة- في التشريع الاقتصادي الإسلامي

 نظريــــــــــة المـــــــــــال)الثروة(

في التشريع الاقتصادي الإسلامي

 البشير عدي([1])

كلية الحقوق أكادير

 

       تمهيد

 

نظر الإسلام إلى المال -وهو كل ما يملك من الأشياء، أي الثروة بشكل عام- نظرة  تقدير و اعتبار، و عده شأنا دينيا و دنيويا، و اعتبره من أبرز نعم الله تعالى على خلقه، حتى أطلق عليه اسم الخير، فقال سبحانه وتعالى:” و إنه لحب الخير لشديد“([2]).

و جعله من الضروريات الخمس التي عليها قوام الحياة البشرية، فأوجب حفظه و منع تضييعه، حيث قال عز من قائل: “ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما.” ([3]).

ومدح الشرع الحكيم المال ورفع من  قدره و شأنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”نعم المال الصالح للرجل الصالح.”([4])، وامتن به سبحانه وتعالى على عباده وخير خلقه، فقال عز وجل مخاطبا نبيه الكريم محمدا صلى الله عليه و سلم:” و وجدك عائلا فأغنى.” ([5]).

واعترف بطبيعته في النفس البشرية، فقال الباري سبحانه و تعالى:” المال والبنون زينة الحياة الدنيا.” ([6]). و حذر في الآن ذاته من الافتتان والتلهي به، فقال جل و على:” إنما أموالكم وأولادكم فتنة.” ([7])، وقال الباري عز من قائل:” لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله.” ([8]).

و تأكيدا لوظيفته الاقتصادية، دعا الإسلام إلى كسب المال و استثماره و توظيفه، و تنميته بالطرق المشروعة، في الخيرات و الطيبات.

فحث على السعي في طلبه و تحصيله، و أرشد إلى ذلك جنبا إلى جنب، مع دعوته و حثه على العبادة . و حرم اكتسابه بغير الطرق المشروعة حفظا لأموال الناس ومنعا لأكلها و غصبها بالباطل.

و إبرازا لدوره الاجتماعي جعل الشارع المال مناطا للعديد من الحقوق و الالتزامات ، فأوجب فيه الزكاة  وعدها ركنا من أركانه، وحقا من حقوق الفقراء و المحتاجين، فقال عز من قائل:” و في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم.” ([9]). و سن الكفارات المالية ، و ندب إلى التبرع و الإحسان، و أرشد إلى اغتنام أعظم منافع المال وطلب أسمى غاياته ومراميه، متمثلة في الأجر و ثواب الآخرة، فقال تبارك و تعالى :” وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة.” ([10]) .

فزاوج التشريع الإسلامي بذلك بين الوظيفتين الاقتصادية و الاجتماعية المال ، ومؤكدا على تلازم هاتين الوظيفتين، تنبيها على تلازم النشاط الربحي و غير الربحي في الدورة الاقتصادية. بشكل يضمن حد الكفاية لكل أفراد المجتمع و يكفل الأمن الأقتصادي و الاستقرار الاجتماعي.

كما زاوج بين القاعدة القانونية من خلال الأحكام العملية، و القاعدة الدينية و الأخلاقية، من خلال الأحكام الاعتقادية و السلوكية، بما يرسخ هذه الضوابط و يضمن تفعيلها و التقيد بها. اعتبار لخاصية الشمولية التي تطبع التشريع الإسلامي، الذي ينظر لتصرفات الإنسان باعتبارها كلا لا يتجزأ، مصداقا لقوله تعالى:” قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين.” ([11]).

مما يدل على ما تتميز به نظرة الإسلام إلى المال، على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، من واقعية و شمولية و وسطية و اعتدال، مفهوما واكتسابا وإنفاقا وتداولا.

وهو ما يفسر سر نجاح النظام المالي الإسلامي في تخطي الأزمة المالية العالمية الأخيرة، التي اندحرت  معها أعتى المؤسسات المالية و المصرفية العالمية. و يبرر تزايد المطالب الغربية الملحة على المستويين الرسمي و الشعبي، باعتماد النظام المالي الإسلامي. خاصة في الدول التي تأخر فيها إدراج هذا النظام ضمن النسيج المالي و الاقتصادي، كما هو الشأن في فرنسا.

و سنحاول في هذه الدراسة أن نقف على أبرز تجليات نظرية المال في التشريع الإسلامي، و ما تتسم به من خصوصيات، من خلال الحديث عن أحكامه و مقاصده في مطلبين، نخصص الأول للحديث عن مفهوم المال، و ملكيته واكتسابه. و الثاني لتناول إنفاقه وتداوله في التشريع الإسلامي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الأول: ماهية المال  و اكتسابه  في التشريع الإسلامي.

سنتناول هذه الفقرة من خلال فقرتين، نخصص الأولى للحديث عن ماهية المال و ملكيته، و الثانية لاكتسابه، في التشريع الإسلامي.

الفقرة الأولى: مفهوم المال و ملكيته في التشريع الإسلامي

أولا: مفهوم المال في التشريع الإسلامي

أ:  المال في اللغة

المال في اللغة : من المول ، وأصله : مال يمول مولاً ، ومؤولاً : أي كثر ماله .

و يطلق المال على كل ما يملك من الأشياء، أي على الثروة بشكل عام، وجمعه أموال، وهو مما يذكر و يؤنث.

يقال: مال الرجل يمول ويمال مولا ومؤولا : إذا صار ذا مال. و يقال: تمول: بمعنى اتخذ مالا وموله غيره. و يقال :موَّلَ يموِّل ، تمويلاً ، فهو مُمَوِّل ، والمفعول مُمَوَّل، و يقال: مال فلاناً أي أعطاه المال ، وموّله : قدّم له ما يحتاج من مال ، وتموّل : نما له مال([12]).

ب: المال في الاصطلاح

يعرف جمهور الفقهاء المال بالقول:”  كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه.”.

فيشمل المال بهذا المعنى، الذوات والمنافع ، وكل الحقوق المحسوسة و غير المحسوسة.

في حين يقتصر تعريف الحنفية للمال، على ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة. فلا يعتبر عندهم مالا إلا ما كان له مادة وجرم محسوس.

و القاعدة عند جمهور الفقهاء أن العرف هو المرجع في أساس مالية الأشياء، لأن نصوص أئمة اللغة و الفقه تدل على أن كل ما تُموّل عرفا يعتبر مالا.

و لذلك قيل: لا يعرف للمال حد في اللغة ولا في الشرع.

ومرد هذا ارتباط المال بعرف الناس واعتباراتهم. فكل ما تعارفه الناس مالا وتلحقه الإباحة الشرعية، عد من الأموال. كما هو الشأن بالنسبة للحقوق المعنوية مثلا ([13]).

ومن التعاريف المعاصرة للمال، تعريف الأستاذ داود الخمار بقوله: ” المال هو كل ما يمكن أن يملكه الإنسان، وينتفع به على وجه معتاد”([14]).

ثانيا: ملكية المال في التشريع الإسلامي.

المال بمعناه العام في الشريعة الإسلامية ، أي الثروة ، مال الله تعالى.

فهو بذلك مال عام، الأصل فيه أن يكون مشاعا من حيث المبدأ. كما تشهد بذلك العديد من النصوص القرآنية، من قبيل قوله سبحانه و تعالى: “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم([15]).

و الإنسان مجرد مستخلف و نائب عن الله تعالى في هذا المال، والنصوص الشرعية صريحة بهذا الشأن، و من ذلك قوله عز من قائل: “وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه([16]).

و قاعدة الاستخلاف والنيابة، تقتضي تقييد حرية مكتسب المال في مطلق تصرفاته المالية، و انصياعه لأوامر المالك الحقيقي، و هو الله عز وجل، وتنفيذ إرادته ورغبته في تدبيره وإنفاقه، فضلا عن ضوابط اكتسابه.

فملكية المال بهذا المعنى مشاعة وجماعية.

ولذلك يتعين من حيث المبدأ، أن تكون منفعته متاحة للعموم، و في متناول الكافة و تحت تصرف الجميع.إذ الخيرات والطيبات وكل الثروات الكونية، في أصل منشئها وخلقها، منسوبة ومسخرة للجميع، كما تدل على ذلك العديد من الآيات القرآنية.

فقد قال الله تبارك و تعالى:” هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا([17])، وقال سبحانه و تعالى:”وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا([18]).

كما قال الباري عز من قائل:“وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين([19])، و قال عز وجل:”والأنعام خلقها لكم([20])

و قاعدة التسخير للجميع تقتضي الانتفاع للجميع.

و هذا ما تدل على ذلك ألفاظ الجمع و صيغ العموم، المفيدة للاستغراق و الشمول، و التي جاءت بها النصوص الشرعية في هذا الباب، من قبيل قول الحق سبحانه و تعالى:” كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه ([21])، ونظير قول الباري جلت قدرته:” لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ([22]). و مثل قول الباري عز وجل: “لكم فيها دفء ومنها تاكلون ([23])، و كذا قوله تبارك وتعالى: ” كلوا مما في الأرض حلالا طيبا.”([24]).

وتأكيدا لهذا الطابع الجماعي لملكية المال، شرع الإسلام نظام الحجر على السفهاء من مبذري الأموال ومن لا يحسن التصرف فيها. حماية لأموالهم، وحفظا لحقوق الأفراد وكذا الحق العام للأمة في تلك الأموال، فقال العليم الحكيم:” ولا توتوا السفهاء آموالكم التي جعل الله لكم قيما.” ([25]).

بل أجاز للمضطر أن يمد يده لمال الغير، يأخذ منه ما يسد به رمقه، دون أن يعد سارقا أو غاصبا، إذا لم يقم المالك بواجب سد رمق هذا المضطر.

فالمال في الشريعة الإسلامية إذن مال الله، وجد من حيث المبدأ ليسخر في خدمة الجماعة، وملكية الإنسان الخاصة له، ملكية نسبية، يحكمها طابع الاستخلاف، أي النيابة في وضع اليد و التقيد بإرادة المالك الأصلي، و منهجه في تملك هذا المال و التصرف فيه تداولا و إنفاقا. و هو ما سنقف علي تفاصيله في المطلب التالي و المبحث الموالي.

الفقرة الثانية: اكتساب المال في التشريع الإسلامي.

لما كان الإنسان مجبولا على التملك وحب المال، مصداقا لقوله العليم الخبير: “وتحبون المال حبا جما([26])، و قوله عز وجل:” وإنه لحب الخير لشديد([27])،  فإن الشريعة الإسلامية اعترفت بهذه الطبيعة الغريزية، بجانب إقرارها لقاعدة المال مال الله وما تقتضيه من الاشتراك و الشيوع.

فحث الإسلام على اكتساب المال وفتح أمامه باب الإباحة، تشجيعا للملكية الخاصة، و لم يقيده سوى بالضوابط الشرعية، جاعلا الأصل في اكتساب المال هو الإباحة. فلم تؤمم الشريعة من الأموال، إلا الماء و الكلأ و النار، وفق ضوابط تعترف بالملكية الخاصة في إطار الملكية العامة. لقوله صلى الله عليه و سلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره:” المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار.”. ([28])

ووضع الشرع قواعد التملك والاكتساب، و صنف الحلال والحرام، وبين الطيب والخبيث، مراعاة لحقوق الله تعالى ومصالح العباد.

فحرم اكتساب الخبائث وأحل تملك الطيبات، فقال عز من قائل:” و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث.”([29]).و قال عليه الصلاة السلام: “إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع([30]).

و تميز التشريع الإسلامي في هذا الباب بالمزاوجة بين القاعدة القانونية من خلال الأحكام العملية، و القاعدة الدينية و الأخلاقية، من خلال الأحكام الاعتقادية و السلوكية، بما يرسخ هذه الضوابط و يضمن تفعيلها و التقيد بها. اعتبار لخاصية الشمولية التي تطبع التشريع الإسلامي، الذي ينظر لتصرفات الإنسان باعتبارها كلا لا يتجزأ، مصداقا لقوله تعالى:” قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين.” ([31]).

وهذا ما سنعمل على إبرازه على النحو الآتي:

أولا: الحث على الكسب الحلال

حثت الشريعة الإسلامية على العمل و الكد و السعي في اكتساب الخيرات، فقال الله عز وجل:”ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم([32])،و قال الباري سبحانه و تعالى مخاطبا رواد المساجد:”فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ([33]).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم، حين  سُئلَ : أي الكسب أطيب؟  مجيبا: ” عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور“. ([34])، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ:” مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ([35]).

كما فتح المجال أمام المبادرة الفردية الحرة، فقال عليه الصلاة و السلام : ” من أحيى أرضا مواتا فهي له.” ([36]). و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” لا يغرس مسلم غرسا و لا يزرع زرعا، فياكل منه إنسان أو دابة أو شيء إلا كان له صدقة([37])، وفي حديث آخر في ذات السياق، أنه صلى الله عليه و سلم قال: ” ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة.” ([38]).

كما ذم الإسلام البطالة والتواكل وعدم الأخذ بالأسباب، فعن الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه َقالَ: ” لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ”([39]).

و لأجل هذه الغاية، شرعت العقود الكفيلة بتداول الأموال و المنافع و الخدمات، و بالتالي اكتسابها بطريقة مشروعة ، في شتى المجالات الفلاحية و التجارية و الصناعية و الخدماتية.

فشرع البيع و السلم، و المقايضة و الصرف، و الكراء و الإجارة، و الاستصناع و الشركة و المضاربة، و المساقاة و المزارعة و المغارسة و ما في حكمها من عقود الحوالة و الرهن و الكفالة و الوكالة وغيرها… . و أفرد لها الشرع أحكاما جزئية تفصيلية.

و علاوة على الأحكام الجزئية التفصيلية وضع الشرع للاكتساب و للمبادلات، قواعد كلية إجمالية و ضوابط نوعية دقيقة، تحقيقا للعدل و القسط في المعاملات؛

فجعل الخراج في مقابل الضمان، فقد روت عائشة أم المومنين رضي الله عنها: « أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرد عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.” الخراج بالضمان.” ([40]).

فيكون الحق في الحصول على العائد أو الربح ،بقدر تحمل التكاليف و المخاطر، أي بقدر الاستعداد لتحمل الخسارة.

و هذا ما يؤدي إلى التلازم بين الربح المستفاد و الخسارة. أي التلازم بين النماء والدرك. وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالقول: الغنم بالغرم .

و هو ما يؤدي إلى تحقيق العدل في المعاملات، و التوازن بين المزايا و الحقوق المكتسبة من جهة، و  الواجبات و التبعات المتحملة من جهة ثانية.

و هذه القاعدة و أمثالها، تشكل قطب رحى كل المعاملات الشرعية، و الأساس التي تقوم على المشاركات و المعاوضات.

حيث يكون لكل طرف فيها حقوقا تقابل أو تعادل ما عليه من واجبات، سواء تعلق الأمر بالتزام بمال أو التزام بعمل أو التزام بضمان.

و إلى جانب هذه الأحكام و الضوابط العملية، أحاط الشارع الحكيم الاكتساب بأحكام و ضوابط اعتقادية و سلوكية.

إذ من شأن هذه الضوابط أن تشيع الطمأنينة و الراحة النفسية ، و تكبح الجماح، و تحيط التنافس بضوابط أخلاقية، تمنع الحسد و الأحقاد و الضغائن بين طبقات المجتمع. تحقيقا للاستقرار و تثبيتا للأمن الاجتماعي و الاقتصادي.

ففي الجانب الاعتقادي قرر قاعدة تقدير الأرزاق منذ الأزل، و ربط اكتسابها بالأسباب المادية، فقال الباري سبحانه و تعالى:” إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.”([41])،  و قال أصدق القائلين:” و ما بكم من نعمة فمن الله.”([42]).

و قال الخالق عز من قائل: “و ما من دابة إلا على الله رزقها.”([43]). وقال الباري عز وجل :” و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا.([44]).

كما قرر مبدأ التفاضل في الأرزاق، فقال الله سبحانه و تعالى:” و فضلنا بعضكم على بعض في الرزق.”([45])، و قال عز من قائل:” و لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض([46]) .

وفي الجانب السلوكي قرر قواعد للتوسط في طلب الكسب، و اليسر و السماحة في المعاملات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رحم الله رجلا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى.”([47]).

و قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه: “أَيُّهَا النَّاسُ ، اتَّقُوا اللهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ، فَاتَّقُوا اللهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ([48]).

ثانيا: منع الكسب الحرام

في مقابل الحث على الكسب الحلال، منع  الإسلام كل طرق الاكتساب الحرام، فحرم الربا مطلقا، فقال تعالى:”وأحل الله البيع وحرم الربا([49]).

و في هذا التحريم تنبيه و إبراز و تأكيد للوظيفة التبادلية للنقود، واعتبارها مخزناً للقيم وأداة للوفاء ، و عدم اعتبارها سلعة تباع و تشترى و تنتج أرباحا في حد ذاتها؛

كما أن فيه إشارة و تأكيد على عدم اعتبار أي قيمة زمنية للنقود، إلا من خلال ارتباطها بالتعامل بالسلع الاقتصادية. لا بإقراضها، بغض النظر عن طبيعة القرض، إنتاجيا كان أم استهلاكيا، وبغض النظر عن طبيعة أطراف القرض، أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين كانوا، أفرادا أم مؤسسات أم دولا، وبغض النظر عن يسر أو عسر المقترض.

و توعد القرآن الكريم على الربا بأشد أنواع العقاب فقال تعالى:” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.” ([50]).

و حذر من عواقب و مآلات التعامل به، فقال  العليم الحكيم:” الذين ياكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.” ([51]) .

كما منع  الميسر و المقامرة بالأموال، فقال سبحانه و تعالى: “ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”([52])، تأكيدا لحرمة أكل أموال الناس بالباطل من جهة، و تحريما للمجازفة و المغامرة و المخاطرة الغير مأمونة العواقب من جهة ثانية.

و حرم الغرر، وصوره المعروفة في بيوع الجاهلية كبيع الملامسة و المنابذة و حبل الحبلة، و المحاقلة و المزابنة ، و نهى عن البيعتان في بيعة و عن اجتماع البيع و السلف([53])؛

كما نهى عن كل البيوع التي تقع على المعدوم، و تلك التي تقع على المجهول مطلقا أو على ما جهل قدره أو صفته أو جنسه.ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه و سلم:”  نهى عن بيع الحصاة و بيع الغرر.”([54]).

و في هذا منع للجهالة، و تأكيد على خاصية الوضوح والشفافية و المعلومية، التي يتعين أن تطبع المعاملات.

و جرم الغبن الفاحش و الغش و التدليس في المعاملات، تأكيدا لمبدأ الرضائية الحاكم في المعاملات، لقول المصطفى صلى الله عليه و سلم : ” إنما البيع عن تراض.” ([55]). و قوله سبحانه و تعالى :” إلا أن تكون تجارة عن تراض”([56]).

و قد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه مر على رجل يبيع صبرة طعام فأدخل عليه الصلاة و السلام يده فيها، فأصاب البلل أصابعه فقال المصطفى صلى الله عليه و سلم :” ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال : أصابته السماء يا رسول الله قال :”أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ، من غش فليس مني ([57]).

كما جرم الإسلام جميع أساليب النصب والاحتيال، تأكيدا لحرمة مال الغير و أخذه من غير حق، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه و سلم:” كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.” ([58]).

و كان مما قاله عليه الصلاة و السلام في خطبة حجة الوداع: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.”([59])، تأكيدا للحكم المقرر في قوله جل وعلى: ” ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم.” ([60]).

و حتى يربط الإسلام المعاملات المالية بالأنشطة الاقتصادية الحقيقية، بشكل يضمن قوة و سلامة النسيج الاقتصادي و نجاعته، نهى عن بيع ما لم يقبض، و عن ربح ما لم يضمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك “([61]).

 

المطلب الثاني: إنفاق المال وتداوله في الإسلام

الفقرة الأولى: إنفاق المال

أباح الإسلام التمتع بالخيرات  و الطيبات من الأموال، باعتبارها نعما من نعم الله تعالى على خلقه ، فقال عز و جل :” قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق.”([62])، و ندب إلى ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده([63]).

واعتبارا لوسطية الإسلام أحاط الإنفاق الاستهلاكي للمال بأحكام وضوابط تحقق المقصد الشرعي من رواج الأموال دون إفراط أو تفريط، تضبط الإنفاق و ترشد الاستهلاك.

فشدد الشارع الحكيم في ذم المبذرين والإنكار عليهم، فقال تعالى: “ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين([64]).

ونهى عن الإسراف في التمتع بالطيبات، فقال عز وجل:”وكلوا و اشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين”([65])، وقال عليه الصلاة و السلام في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده :” كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة([66]).

و عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تلبسوا الحرير و لا الديباج، لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة. ([67]).

وفي المقابل ذم الإسلام البخل والبخلاء، في قوله جل شأنه:” الذين يبخلون و يامرون الناس بالبخل([68])، و توعدهم الباري عز وجل في قوله سبحانه و تعالى : ” وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “([69]).

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا. ([70]).

ليقعد الإسلام مبدأ الوسطية والاعتدال، و الترشيد في الإنفاق والاستهلاك، مصداقا لقوله تبارك و تعالى: ” و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ([71])، وقوله سبحانه و تعالى: ” و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما مدحورا([72]).

الفقرة الثانية: تداول المال و رواجه.

تشكل أحكام تداول المال و رواجه في التشريع الإسلامي مرآة تعكس فلسفة الوظيفتين الاقتصادية و الاجتماعية للمال من المنظور الإسلامي ، و تلازم هاتين الوظيفتين، تأكيدا لتلازم النشاط الربحي و غير الربحي في الدورة الاقتصادية.

و سنحاول في هذه الفقرة، الوقوف على أبرز معالم هاتين الوظيفتين و التلازم القائم بينهما.

أولا: الوظيفة الاقتصادية للمال

تحقيقا للوظيفة الاقتصادية للمال، نظم الشارع الحكيم القواعد العامة لرواج المال وتداوله، و جعل الرواج أهم مقاصده في الأموال، فحرم الاكتناز وتوعد المكتنزين بالعقاب، فقال سبحانه و تعالى:” و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.”([73]).

و لكي يؤدي المال وظيفته الاقتصادية، حث على توظيفه و استثماره، و حث على الاتجار حتى في أموال اليتامى و المحجورين، مع ما يحمله الاتجار من معاني المخاطرة و احتمال الربح و الخسارة، فقال صلى الله عليه و سلم:” اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة([74]).

و منع الشرع اتخاذ الذهب و الفضة قنية و أثاثا، تأكيدا لوظيفتهما المالية، فقال صلى الله عليه وسلم: “ لا تشربوا في آنية الذهب والفضة,,. ([75]).

وشرع صيغا متنوعة للاستثمار على كافة المستويات و القطاعات الاقتصادية، بما يكفل رواج الأموال و تداولها. كالبيع و المقايضة و الصرف و الكراء و الإجارة، و السلم و الاستصناع و الشركة و المضاربة، و المساقاة و المزارعة و المغارسة([76]) و غيرها .

كما سن العديد من العقود الكفيلة بتيسير  هذه المعاملات و ثباتها و توثيقها، و الحد من النزاعات التي قد تطرأ بشأنها، و ترفع الأضرار التي قد تنشأ بمناسبتها. بعد أن دعا الشارع الحكيم إلى الوفاء بالالتزامات و احترام العهود و العقود فقال عز من قائل:” يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود([77]).

و شرع  الإشهاد فقال سبحانه و تعالى :” و أشهدوا إذا تبايعتم ([78]).

و ندب إلى الكتابة و التوثيق فقال عز من قائل:” يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ([79]).

كما شرع الرهن و الكفالة و الحوالة و الوكالة، و القسمة و الشفعة([80]) وغيرها من العقود و التصرفات الكفيلة بضمان استيفاء الحقوق و رفع المضار و درء النزاعات.

و توزيعا للثروة و تحقيقا لتداولها شرع الميراث، بما يكفل توزيع الثروة وتداولها حتى لا تتكدس الأموال في أيادي طبقة محدودة ومعينة، مصداقا لقوله سبحانه و تعالى:”كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.” ([81]).

و تأكيدا على مقصد الرواج و تسهيلا لتداول الأموال، منع الشرع الاحتكار، فقال عليه الصلاة و السلام: ” المحتكر ملعون.”([82]). و في رواية أخرى عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : ” لا يحتكر إلا خاطئ([83]).

ونهى عن بيع النجش و تلقي الركبان و بيع الحاضر لباد([84])، و غيرها من البيوع المنافية لقواعد السوق المفتوحة.

ففسح المجال بذلك أمام الشفافية و التنافسية و المبادرة الحرة، التي لم يقيدها الشرع الحكيم إلا بقيود المصلحة العامة حال التعارض، إعمالا لمبدأ تقديم المصلحة العامة على الخاصة، اعتبارا لتضمن المصلحة العامة للمصلحة الخاصة بالضرورة و التبع.

ثانيا: الوظيفة الاجتماعية.

حتى تؤدي الثروة وظيفتها الاجتماعية التي من أجلها أنشئت وسخرت، جعل الإسلام المال المكتسب بطرق مشروعة، مناطا للعديد من الحقوق والواجبات العامة و الخاصة.

ففرضت الزكاة واعتبرت أحد الأركان التي يقوم عليها هذا الدين، فقال الله سبحانه و تعالى: ” و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة([85]). و قال الباري تبارك و تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها”([86])، و قال الخالق عز من قائل:”وآتوا حقه يوم حصاده([87])، وقال الفاطر سبحانه و تعالى: ” وفي أموالهم حق للسائل والمحروم([88]).

كما سنت الصدقات، فقال تبارك و تعالى “وأحسن كما أحسن الله إليك([89])وقال سبحانه و تعالى: “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم([90]).بعد أن كان الأمر في صدر الإسلام بإنفاق العفو من الأموال وهو الزائد منها عن حاجة المالك، فقال سبحانه و تعالى: ” يسألونك ماذا ينفقون، قل العفو([91]).

وشرعت الوصايا والأوقاف ، و أقرت العمرى والرقبى و النحلة([92]) ، وغيرها من التبرعات، تأكيدا على تلازم النشاط الربحي و النشاط غير الربحي، في تأمين حاجيات المجتمع الاقتصادية.

وهو ما من شأنه أن يحقق التوازن بين فئات المجتمع، و يؤمن حد الكفاية، أي الحد الأدنى من الحاجات الاقتصادية لكل فرد في المجتمع، و يكفل الأمن و الاستقرار الاجتماعي، و يرسخ واجب التضامن الاجتماعي،ويوطد أواصر التكافل  و الأخوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. مصداقا لقوله تعالى:” إنما المومنون إخوة.” ([93]). و قوله صلى الله عليه و سلم:” لا يِؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.” ([94]).

و تأكيدا لهذه الوظيفة الاجتماعية، و لتلازم الأنشطة الربحية و غير الربحية، شرع الإسلام الصدقة الجارية و ندب إليها، فقال صلى الله عليه وسلم:”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له([95]).

كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أو ولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته([96]).

و حث الشارع على القرض الحسن و رغب فيه للتنفيس عن الكربات، و إعانة المحتاج، و حض على التيسير على المعسرين  فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ” رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَاب : الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ “، قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ ، وَ الْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ”([97]).

 و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ” من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة.” ([98]).

و الأصل في القرض أن يقوم على أسس التكافل و التعاون، فلا يقف فيه عند حدود رد الأصل فقط، ولكن قد يصل إلى تطبيق مبدأ الإنظار عند الإعسار، بل قد يمتد ليصل إلى التصدق وإعفاء المدين المعسر استجابة لقوله تعالى :” وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ([99]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة

على هذا النحو المسطر في مباحث هذ الدراسة، إذن، يتضح أن  تنظيم الثروة في ظل هذا النظام الرباني البديع، هو تنظيم محكم، يدل على ما تتميز به نظرة الإسلام إلى المال، على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، من واقعية و شمولية و وسطية و اعتدال، مفهوما واكتسابا وإنفاقا وتداولا.

فهو نظام وسطي بين السيطرة في اقتصاديات الهيمنة، وبين التسيب في اقتصاديات السوق.

و هو نظام يطبعه التوازن بين المصلحة العامة و الحق العام من جهة و مصالح و حقوق الأفراد من جهة ثانية، بما يخدم مصالح الجميع. و التوازن بين النشاط الربحي و غير الربحي، من خلال التلازم بين الوظيفة الاقتصادية للمال و نظيرته الاجتماعية.

و هو النظام الوحيد الذي يمكن أن يؤمن حد الكفاية و يستجيب للحاجيات الاقتصادية الأساسية لكل فرد. و يحقق الأمن و الاستقرار الاجتماعي.

و هذا ما أثبتته بعض تطبيقات هذا النظام، من خلال أساليب والصيغ المصرفية الإسلامية القائمة على المشاركة والمخاطرة جدارتها وجدواها وكذبت مزاعم الأبواق و المثبطين، وأكدت تنبؤات المحللين المتجردين من أمثال الاقتصادي الأمريكي ” سيمونز” الذي قال ذات يوم بأن:”خطر الاضطراب الاقتصادي يمكن تفاديه إلى حد كبير إذا لم يتم اللجوء إلى الاقتراض، وإذا تمت الاستثمارات كلها في شكل تمويل ذاتي وبالمشاركة.”، ومن أمثال الباحثة الإيطالية ” لوريتا نابوليوني” التي قالت بأن:” التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني“، وأن:” المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية.”([100]).

فيكون بذلك البديل الذي يمكن أن يجيب عن الأسئلة الاقتصادية الحقيقة التي يدور حولها الجدل في الساحة العالمية من قبيل: ما البديل المناسب لاقتصاد السوق المحررة من القيود؟ وما الأساليب المناسبة لترويض الرأسمالية وللانتفاع في الوقت ذاته من قواعدها الضرورية لرفع مستوى الرفاهية؟ وما القواعد الضرورية لازدهار الاقتصاد والديمقراطية في آن واحد([101])؟ .

و ليشكل الطريق الآخر و البديل الذي يرنوا إليه العالم دون أن يكون لحد الآن قادرا على رسم صورة دقيقة له،  بعد ما أصابه من ويلات و أزمات النظام الرأسمالي القائم، و بعدما جرب النظام الاشتراكي الفاشل، بشهادة أحد المنظرين الاقتصاديين الألمان الذي كتب بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة، قائلا: “ يتزايد عدد المواطنين الذين يمنون أنفسهم بالتحول إلى نظام آخر، وإن كانوا غير قادرين على رسم صورة دقيقة للنظام الذي ينشدونه، إنهم يحلمون بانتهاج طريق ثالثة تقع بين الرأسمالية والاشتراكية، تضمن لهم حريتهم وتحقق لهم في الوقت ذاته، مساواة أكبر وأمانا واستقرارا أكثر.” ([102]).

و هو ما تنبأ به منذ عقود خلت الاقتصادي الفرنسي جاك أوستري الذي قال : “إن طريق الإنماء الاقتصادي ليس محصورا في النظامين المعروفين، الرأسمالي والاشتراكي، بل هناك مذهب اقتصادي ثالث راجح هو المذهب الاقتصادي الإسلامي، وسيسود عالم المستقبل لأنه طريق للحياة المعاصرة ([103]).

وهو ما يفسر تزايد المطالب الغربية الملحة على المستويين الرسمي و الشعبي، باعتماد النظام المالي الإسلامي. خاصة في الدول التي تأخر فيها إدراج هذا النظام ضمن النسيج المالي و الاقتصادي، كما هو الشأن في فرنسا.حيث دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المالي الإسلامي، للنظام المصرفي في فرنسا، بعد اجتماعات و نقاشات ، خلصت إلى أن هذا النظام، المستمد من الشريعة الإسلامية، يعيش ازدهارا واضحا، وأنه مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ([104]).

و يبرر توالي دعوات النخب، من الأكاديميين و الفاعلين الاقتصاديين و المتدخلين في مجال المال و الأعمال، إلى اعتماد هذا النظام، الذي أثبت مردوديته و نجاعته، فضلا عن فعاليته في مقاومة الأزمة و الحفاظ على الاستقرار.

كما هو حال السيد بوفيس فانسون   Beaufils Vincent، رئيس تحرير مجلة تشالينجز Chalanges ، يكتب في افتتاحية العدد الصادر في عز الأزمة العالمية في سبتمبر2008 موضوعا تحت عنوان: ” البابا أو القرآن“، مما جاء فيها:” أظن أننا بحاجة أكثر إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا،لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري، لأن النقود لا تلد النقود.” ([105]).

و كما هو شأن رئيس تحرير صحيفة ” Le Journal de Finances” الفرنسية، السيد : رولاند لاسكين Roland Laskin  في افتتاحية العدد الصادر في نفس الفترة يطالب بضرورة تطبيق الشريعة في المجال المالي والاقتصادي في مقال افتتاحية الصحيفة تحت عنوان:” هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة.” ([106]).

 

([1]) – شهادة  التقني في المحاسبة : المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية أكادير  1997

– شهادة التكوين التأهيلي في التسيير التجاري :  المدرسة الوطنية للتجارة و التسيير أكادير 2001

– شهادة الدكتوراه في الشريعة تخصص فقه المعاملات:  كلية الشريعة، جامعة القرويين أكادير      2012

– شهادة التأهيل الجامعي في القانون، تخصص القانون الخاص:  كلية الحقوق، جامعة ابن زهر أكادير 2018

– محاسب و منتدب قضائي إقليمي سابق.

([2])سورة العاديات الآية 8

([3]) سورة النساء الآية 5

([4]) مسند الإمام أحمد الحديث 17096. خلافا لبعض الديانات و الفلسفات التي كانت تنظر إلى المال نظرة تحقير و ازدراء. فقد جاء على سبيل المثال في إنجيل لوقا وإنجيل متى على سبيل التمثيل: ” ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال، فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من يدخل الغني في ملكوت الله “.

([5])سورة الضحى الآية 8

([6])سورة الكهف الآية 5

([7])سورة التغابن الآية 15

([8])سورة المنافقون الآية 9

([9])سورة الذاريات الآية19

([10])سورة  القصص الآية 77

([11]) سورة الأنعام الآية 162

([12]) انظر معاجم اللغة: لسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير للفيومي، و مختار الصحاح للرازي، ، و القاموس المحيط للفيروز آبادي، و المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية.

([13])و هو ما أقره مجمع الفقه الإسلامي في قرار له جاء فيه:” إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأولى 1409هـ الموافق 10-15 كانون الأول/ديسمبر 1998م، بعد إطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الحقوق المعنوية ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:

أولا : الاسم التجاري والعنوان التجاري ، والعلامة التجارية ، والتأليف والاختراع أو الابتكار ، هي حقوق خاصة لأصحابها ، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها ، وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً ، فلا يجوز الاعتداء عليها . ثانيا : يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ، ونقل أي منها بعوض مالي ، إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقاً مالياً . ثالثاً : حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها ، ولا يجوز الاعتداء عليها. والله أعلم .”

([14]) ذ: داود الخمار: قواعد في اكتساب المال وإنفاقه في القرآن الكريم. منشورات وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية المغرب. ط1/2012.ص23. ويوضح تعريفه هذا بالقول: ” والمراد بالإمكان: الإمكان المادي، بمعنى الإحراز على الشيء المالي بوسائله. والإمكان الشرعي، بمعنى الإباحة الشرعية للتصرف في الشيء المتصف بالصفة المالية والتعامل به.والمراد بالانتفاع المعتاد:أن يكون متعارفا وذا قيمة مالية. وأن لا يكون اعتياده معارضا للنص الشرعي.”

([15]) سورة النور الآية 33.

([16])سورة الحديد الآية 7.

([17])سورة البقرة الآية29.

([18])سورة الجاثية الآية 13.

([19])سورة إبراهيم الآية 33

([20])سورة النحل الآية 5

([21])سورة الأنعام الآية 141

([22])سورة النحل الآية 14

([23])سورة النحل الآية 5

([24])سورة البقرة الآية 168

([25]) سورة النساء الآية 5

([26])سورة الفجر الآية 20

([27])سورة العاديات الآية 8

([28])  مسند الإمام أحمد /5364، سنن أبي داوود ، كتاب البيوع، باب منع الماء.

([29])سورة الأعراف الآية 157.

([30])صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى

([31]) سورة الأنعام الآية 162

([32])سورة البقرة الآية 198

([33])سورة الجمعة الآية 10

([34]) مسند الإمام أحمد 4/141.

([35]) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل و عمله بيده.

([36]) موطأ الإمام مالك، كتاب الأقضية، باب القضاء في عمارة الموات.

([37]) صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل الغرس و الزرع.

([38]) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع و الغرس إذا أكل منه.

([39]) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف

([40]) سورة الذاريات الآية 58.

([41]) سورة هود الآية 6

([42]) سورة النحل الآية 53.

([43]) سورة هود الآية 6

([44])سورة لقمان الآية 34.

([45]) سورة النحل الآية 71.

([46]) سورة النساء الآية 32.

([47]) صحيح البخاري ، كتاب البيوع، باب السهولة و السماحة في الشراء و البيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف.

([48]) سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة.

([49])سورة البقرة الآية 275

([50])سورة البقرة الآية 275

([51])سورة البقرة الآية 275

([52]) سورة المائدة الآية 90.

([53]) انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر و مصنفات الفقه الإسلامي.

([54]) صحيح مسلم : كتاب البيوع ، باب بطلان بيع الحصاة و البيع الذي فيه غرر.

([55]) سنن ابن ماجة: كتاب التجارات، باب الخيار.

([56]) سورة النساء الآية 29.

([57])صحيح مسلم : كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم: من غش فليس مني.

([58]) صحيح مسلم ،كتاب الحج باب:تحريم ظلم المسلم وخذله….

([59]) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لاترجعوا بعدي كفارا

([60]) سورة النساء الآية 29.

([61]) سنن أبي داوود، كتاب الإجارة، باب قي الرجل يبيع ما ليس عنده.

([62]) سورة الأعراف الآية 32.

([63]) سنن الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

([64])سورة الأعراف الآية 31

([65])سورة الحديد الآية 24

([66]) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب قول الله تعالى:” قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق”.

([67])صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض.

([68]) سورة النساء، الآية 37.

([69]) سورة آل عمران الآية 180.

([70]) صحيح مسلم : كتاب الزكاة، باب في المنفق و الممسك.

([71]) سورة الفرقان الآية 67

([72]) سورة الإسراء الآية 29

([73]) سورة التوبة الآية 34.

([74]) موطأ الإمام مالك: كتاب الزكاة، باب زكاة أموال اليتامى و الجارة لهم فيها.

([75])صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض.

([76])انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر و مصنفات الفقه الإسلامي.

([77]) سورة المائدة الآية 1

([78]) البقرة الآية 282.

([79])البقرة الآية 282.

([80])انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر و مصنفات الفقه الإسلامي.

([81])سورة النور الآية 33

([82]) سنن ابن ماجة، كتاب التجارات ، باب الحكرة و الجلب.

([83])  صحيح مسلم: كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار قي الأقوات.

([84])انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر و مصنفات الفقه الإسلامي.

([85]) سورة البقرة الآية 43.

([86])سورة التوبة الآية 103

([87])سورة الذاريات الآية 29

([88])سورة الحشر الآية 07

([89])سورة القصص الآية 77

([90])سورة البقرة الآية 219

([91])سورة الإسراء الآية 26

([92])انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر و مصنفات الفقه الإسلامي.

([93]) سورة الحجرات الآية 10

([94])  صحيح البخاري كتاب الأدب باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

([95]) صحيح مسلم : كتاب الوصية باب ما يلحق المسلم بعد وفاته.

([96]) سنن ابن ماجة: المقدمة، باب معلم الناس الخير.

([97]) سنن ابن ماجة : كتاب الصدقة، باب القرض.

([98]) تمام الحديث كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ((ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه))؛  صحيح مسلم.

([99]) سورة البقرة الآية 280

([100]) الأزمة المالية العالمية ” رؤية إسلامية”، د: أشرف محمد دويبة، ص 107.

([101]) اوليرش شيفر: انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق السوق المحررة من القيود. تعريب د عدنان عباس علي. منشورات كتاب عالم المعرفة العدد 371 يناير 2010،ص30

([102])اوليرش شيفر: انهيار الرأسمالية: م س، ص 30.

([103]) انظر: مفهوم الاقتصاد في الإسلام: د. محمود الخالدي، ص: 29.

([104])الأزمة المالية العالمية ” رؤية إسلامية”، د: أشرف محمد دويبة، ص 140.

([105])  انظر موقع المجلة على شبكة الانترنيت، العدد الصادر بتاريخ 2008/09/11

([106])انظر موقع المجلة على شبكة الانترنيت، العدد الصادر بتاريخ : 2008/09/28

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق