الرقمنة و الذكاء الاصطناعيفي الواجهةقانون الشغلمقالات قانونية

التحديات القانونية للأجراء الرقميين دراسة تطبيقية حول المنصات عبد السلام برحو

التحديات القانونية للأجراء الرقميين

دراسة تطبيقية حول المنصات

عبد السلام برحو

دكتور في القانون الخاص

رئيس تحرير مجلة عالم القانون للدراسات

والأبحاث القانونية والقضائية

مقدمة

شهد العالم في السنوات الأخيرة ثورة رقمية ساهمت في إحداث تغيير جذري في أساليب العمل، وطرق الإنتاج، والتفاعل بين الأفراد والمجتمعات، وفي قلب هذه الثورة الرقمية، برزت المنصات الرقمية كأحد أهم مظاهر هذا التحول، إذ أصبحت تمثل الوسيلة الأساسية للعمل التجاري، والتواصل في العصر الحديث.

ويعكس انتشار المنصات الرقمية تحولا في كيفية تفاعل الناس مع محيطهم، فالهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الكمبيوتر أصبحت منصات أساسية لتشغيل هذه التطبيقات، مما أتاح وصول هذه المنصات إلى شريحة واسعة من المستخدمين في مختلف أنحاء العالم بما فيها المغرب الذي شهد ارتفاعا ملموسا في استخدام المنصات الرقمية بمختلف أشكالها.

كما يشكل الإنترنت (World Wide Web) نقطة تحول تاريخية، فقد أطلق عليه مصطلحات مثل “الثورة الصناعية الثالثة”، “الباراديغم الجديد”، و”العصر الرقمي الجديد”، ولا تفتقر اللغة إلى التعبيرات لوصف هذه (الثورة/التطور)، ففي كتاب عصر الآلة الثاني (The Second Machine Age)، يوضح إريك برينجولفسون وأندرو مكافي سرعة الاختراعات التي تعاقبت منذ الثورة الصناعية الأولى، حتى نهاية السبعينيات، كان العالم المعلوماتي يوازي الشركة التي بني عليها قانون العمل، فقد كانت هناك منظمة هرمية مغلقة على ذاتها، قاعدتها تتألف من جماعة متجانسة (الطاقم)، ويمثلها عدة جهات أمام القمة التي يشغلها صاحب العمل، المسؤول عن سير عمل الشركة، وكان الكمبيوتر في تلك الفترة يعتبر آلة ضخمة متصلة بالمستخدمين عبر محددات، أحيانا ضمن شبكة داخلية، وكان كل عامل يعمل على نفس الجهاز، الذي كان يمكنه استخدام موارده ضمن الحدود المفروضة عليه[1].

أما حاليا في العصر الرقمي، فالأمور تغيرت، بحيث أن التنظيم الهرمي أصبح أقل مركزية، مع تمكين الأفراد من استخدام تقنيات مرنة ومتقدمة، فالتكنولوجيا الحديثة مثل الحوسبة السحابية، الشبكات المفتوحة، والذكاء الاصطناعي غيرت شكل العمل، مما أدى إلى ظهور نموذج تنظيمي أكثر انفتاحا وديناميكية.

وإذا كان ظهور هذه المنصات قد ساهم في خلق مناصب جديدة للشغل والتقليص من معدلات البطالة في صفوف الشباب بالإضافة إلى ما يوفره من مرونة للشركات في الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور، إلا أنه في المقابل أدى إلى تفكيك المفهوم التقليدي للمقاولة وظهور أنماط جديدة لعقد الشغل بعيدة عن التبعية المباشرة، فأصبحنا نتحدث عن المقاولة الرقمية والأجير الرقمي وهو ما أفرز تحديات اجتماعية واقتصادية تخص هذه الفئة من الأجراء الرقميين ومدى تمتعهم بالحماية القانونية والضمانات التي يتيحها قانون الشغل للأجراء العاملين في إطار النمط التقليدي.

وقد كان هذا السبب دافعا أساسيا نحو محاولة توفير حماية قانونية لهؤلاء الأجراء عبر المواثيق الدولية التي أصدرتها منظمة العمل الدولية في هذا الإطار، بحيث نجد منها التوصية 198 حول العلاقة الشغلية الصادرة سنة 2006، والتي تهدف إلى وضع معايير لتحديد وجود أو غياب العلاقة الشغلية في الحالات التي لا تكون فيها حقوق وواجبات الأطراف المعنية واضحة، كلما تعلق الأمر بأشكال شغلية لانمطية، كما تسعى إلى معالجة الحالات التي يتم فيها إخفاء العلاقة الشغلية أو التي يكون فيها نقص أو قصور في الإطار القانوني أو في تفسيره وتطبيقه.

أما على المستوى الوطني فنشهد غياب نصوص تشريعية لتنظيم الأجراء الرقميين وغياب اجتهادات قضائية لسد هذا الفراغ، وهو ما يزيد من حجم الإشكاليات المتعلقة بطبيعة العلاقة الشغلية في هذه المنصات الرقمية في ظل احتكام الطرفين الى إطار تعاقدي مختلف عن العقود التقليدية التي تخضع لمقتضيات قانون الشغل المغربي[2].

فالمادة السادسة من مدونة الشغل تنص على أن الأجير هو كل شخص، التزم ببذل نشاطه المهني، تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين، لقاء أجر، أيا كان نوعه، وطريقة أدائه، كما تعرف المشغل بكونه كل شخص طبيعي أو اعتباري، خاصا كان أو عاما، يستأجر خدمات شخص ذاتي، واحدا أو أكثر.

وهي المادة التي يعتمدها القضاء المغربي في تحديد قيام علاقة الشغل من عدمها مما يجعلها تطرح إشكاليات حول خضوع الأجراء الرقميين لأحكام مدونة الشغل بالنظر إلى طبيعة العقد وعدم توافق نص المادة مع خصائص هذا العمل الذي يتم غالبا عن بعد وفي غياب التبعية المباشرة للمشغل الرقمي.

من هنا تتضح أهمية البحث على مستويات مختلفة:

على المستوى العلمي: تتجلى في معالجته لإشكالية الأجراء الرقميين ومدى تمتعهم بالحماية القانونية، خاصة بعد الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وتزايد العقود التي تبرمها للقيام بعمل معين أو تقديم الخدمات كتسليم الوجبات ونقل الركاب والتأمين والصحة والترجمة وعمليات البيع والشراء وحتى الأعمال الفنية، خاصة مع ما تتوفر عليه من بنية تحتية رقمية متطورة مكنتها من لعب دور الوسيط بسهولة، وكل هذا في ظل غياب نظام قانوني مؤطر، مما يعني أن البحث العلمي في هذا المجال له أهمية كبيرة

على المستوى العملي: رغم الأدوار المتزايدة لهذه المنصات الرقمية والعقود التي تبرمها يخلو قانون الشغل المغربي من نصوص قانونية تنظم هذه الأنماط الجديدة من التعاقد وتفرض على المشغل الرقمي احترام حقوق الأجراء الرقميين حتى لا تتحول فرص التشغيل هذه إلى مجرد شكل من أشكال الاستغلال الجماعي، لكن غياب التأطير القانوني لهذا النوع من العمل ذي الطبيعة الخاصة يطرح نزاعات كثيرة على مستوى الواقع.

مثلت الاعتبارات السابقة جوهر اشكالية البحث، والتي تتمثل فيما يلي:

ما هي التحديات القانونية التي تواجه الأجراء العاملين عبر المنصات الرقمية؟

والتي سنحاول مناقشتها من خلال اتباع المنهج الوصفي التحليلي وذلك من خلال التصميم التالي: الإطار العام المنظم للأجير الرقمي في (المطلب الأول) والتحديات القانونية للأجراء الرقميين في (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الإطار العام المنظم للأجير الرقمي من خلال المنصات الرقمية

مع التطور السريع للاقتصاد الرقمي، تأخرت التشريعات الوطنية في مسايرة مفاهيم العمل الجديدة بما فيها العمل الرقمي، مما أدى إلى غياب مفهوم قانوني واضح للأجراء الرقميين الشيء الذي قد يجعلهم خارج نطاق الحماية القانونية الممنوحة للأجراء التقليديين، وقد كان هذا هو السبب الذي دفعنا لمحاولة بيان الإطار العام المنظم للأجير الرقمي في مقام أول من خلال تحديد ماهيته وتمييزه عن غيره من الأجراء في (الفقرة الأولى)، وبيان ماهية المنصات الرقمية في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ماهية الأجير الرقمي وتمييزه عن غيره من الأجراء

أولا: ماهية الأجير الرقمي

كما سبقت الإشارة يمكن القول أن مفهوم الأجير الرقمي هو مفهوم مستجد، فبالرجوع إلى قانون الشغل: يعد أجيرا كل شخص إلتزم ببدل نشاطه المهني تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين لقاء آخر أيا كان نوعه طريقة أدائه”[3].

فمصطلح الأجير سبقت الإشارة له، أما بخصوص مصطلح الرقمي فالمقصود بها المعلومات الصوتية والكتابات والفيديوهات التي يتم تخزينها في الشبكة الالكترونية أو في ذاكرة جهاز الحاسوب مما يساعد على نقل هذه المعطيات والبيانات عبر الشبكة العنكبوتية، إذن فالأجير الرقمي يعمل ضمن علاقة تعاقدية مع صاحب عمل محدد في مجالات تعتمد على التكنولوجيات الرقمية، وعرفت منظمة العمل الدولية الأجراء الرقمين بأنهم العاملون الذين يعتمدون على منصات رقمية لتقديم خدمات أو منتجات عبر وسيط إلكترونى .

وتؤكد المنظمة أن تصنيف الأجراء الرقميين يعتبر معقدا ويختلف باختلاف القوانين المنطقة له مما يؤدي إلى تفاوت الحقوق والواجبات، ويعتبر الأجير الرقمي شخص ذاتي يتمتع بالشخصية القانونية الصالحة لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.

إلا أن غياب مفهوم قانوني واضح للأجراء الرقميين يتركهم خارج مفهوم نطاق الحماية القانونية الممنوحة للأجراء التقليديين، وفي معظم الحالات يتم تصنيف الاجراء الرقميين على أنهم عمال مستقلون وليسوا موظفين مما يحرمهم من الحد الأدنى للأجور والاجازات مدفوعة الاجر وكدا الضمان الاجتماعي والحق في التقاعد.

ورغم كل هذه التعاريف البسيطة إلا أنه قد يلتبس مفهوم الأجير الرقمي مع بعض المفاهيم المشابهة، وهو ما ستتم الإشارة إليه في النقطة القادمة.

ثانيا: تمييز الأجير الرقمي عن باقي الأجراء والعمال

كما سبقت الإشارة فالأجير الرقمي لديه عقد عمل رسمي يحدد إلتزامات العمل والحقوق ويرتكز في عمله على استخدام التقنيات الرقمية (مثل البرمجة، تحليل البيانات، تصميم المواقع) ويشتغل في منصات الوساطة في سوق العمل، أما بالنسبة للعامل عن بعد فهو شخص يعمل من خارج مقر العمل التقليدي ولا يرتبط عمله بالضرورة بالتكنولوجيا الرقمية فيمكن أن يكون في مجالات غير رقمية، ويرتكز عمله على أداء المهام عن بعد باستخدام أدوات إتصال مثل البريد الإلكتروني أو الاجتماعات الافتراضية بالإضافة إلى أنه يشمل كل أنواع العمال رقميين وغير رقميين.

من خلال ما سبق يتضح أن العامل عن بعد أو الأجير المشتغل عن بعد هو الذي يشتغل في مكان بعيد عن المقر الرئيسي أو موقع العمل المعتاد مع اتصاله بمشغله بوسائل الاتصال الحديثة.

هذا بالنسبة للعامل عن البعد أما بالنسبة للعامل الرقمي فهو ذلك الشخص الذي يعتمد بالكامل على التكنولوجيا الرقمية لإنجاز مهامه، لكنه لا يكون مرتبطا بعلاقة تعاقدية ويكون مستقلا أو يعمل على مشاريع مؤقتة أو حسب الطلب.

إذن من خلال ما سبق يتضح أن هناك عدة فروق بين كل من الأجير الرقمي والعامل عن بعد والعامل الرقمي سواء من حيث طبيعة العمل أو مكان العمل أو العلاقة التعاقدية.

بالإضافة إلى أن الأجير الرقمي يمكن اعتباره موظف بدوام ثابت في مجال رقمي بخلاف العامل عن بعد الذي يعمل في أي مجال ومن أي مكان كان أما العامل الرقمي فهو مستقل ويعتمد بشكل كامل على المهارات الرقمية والكفاءة الشخصية.

الفقرة الثانية: ماهية المنصات الرقمية

أسفرت التكنولوجيا على ظهور بيئة جديدة أكثر تطور وسرعة، وقد كانت الأزمات ورقة الضغط الرابحة نحو التحول إلى العالم الرقمي وجائحة كورونا كانت أبرزها، حيث أنتجت هذه الازمة الحاجة الماسة نحو التحول الرقمي وادخال التقنيات الرقمية في جل القطاعات العادة منها والخاصة، وتعتبر المصنفات الرقمية أحد أبرز نتائج التحول الرقمي.

فالمنصات الرقمية ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي أنظمة اقتصادية واجتماعية متكاملة تهدف إلى تحسين تجربة التبادل بين الأطراف المختلفة في السوق، مما يجعلها أحد أهم ركائز الاقتصاد الرقمي الحديث، ولفهم أوسع للمنصات الرقمية لا بد من التطرق إلى مفهومها (اولا) ثم بيان أنواعها (ثانيا).

أولا: مفهوم المنصات الرقمية

يمكن تعريف المنصات الرقمية بأنها نموذج أعمال قائم على استخدام الوسائل التكنولوجية في مزاولة الأنشطة المالية غير المصرفية وفي عرض المنتجات والخدمات المرتبطة بها على الأشخاص الراغبين في الحصول عليها، ويسمح بتبادل البيانات والمعلومات اللازمة لإتمام هذه التعاملات[4]، أو هي عبارة عن أعمال تجارية عبر الانترنت تسهل التفاعلات التجارية بين مجموعتين مختلفتين على الأقل أحدهما عادة من الموردين والأخرى في المستهلكين[5].

وتجدر الإشارة أن المشرع المغربي لم يعرف المنصات الرقمية في مدونة الشغل المغربية وباقي القوانين الأخرى، خلاف للمشرع الفرنسي الذي يعرفها في المادة 111 – 7 من قانون حماية المستهلك[6] والتي تنص على ان المنصة الرقمية هي أي شخص طبيعي أو اعتباري يقدم بصفة مهنية بطريقة مدفوعة أو غير مدفوعة خدمة اتصال عبر الانترنت للجمهور عن طريق تصنيف والاحالة أو الاشارة عن طريق خوارزميات الكمبيوتر لمحتوى معين أو السلع أو الخدمات المقدمة أو المعروضة على الانترنت من قبل أطراف ثالثة، أو اجتماع عدة اطراف بهدف بيع سلعة وتقديم خدمة أو تبادل أو مشاركة تقاسم السلع أو الخدمات.

كما عرف المشرع الفرنسي المنصة الرقمية من خلال الفصل 242 مكرر من المدونة العامة للضرائب لسنة 2015 بأن المنصة الرقمية هي كل مقاولة كيفما كان مكان تأسيسها بصفتها مدبرا لمنصة الربط بين أشخاص عن بعد بطريق الكترونية، وذلة بهدف بيع سلعة أو تقديم خدمة أو تبادل أو تقاسم سلعة أو خدمة[7].

يمكن القول إذن أن المنصة الرقمية هي مساحة افتراضية تخصص لتسهيل التبادل بين: مقدمي العروض (الشركات أو الأفراد)، والباحثين عن هذه العروض (العملاء أو المستخدمين)، إلى جانب ذلك، تعتبر المنصة مكانا يربط ليس فقط العرض والطلب، بل يشمل: العملاء، الشركاء، المنافسين، المجتمعات، مقدمي الخدمات.

ويقصد بالعمل الذي يتم عن طريق المنصات بأنه كل عمل ينجر عبر وساطة منصات رقمية في قطاعات ذات نطاق واسع، يؤخذ فيه أشكالا متنوعة وذلك مقابل الحصول على أجر[8].

ثانيا: أنواع المنصات الرقمية

تسعى الشركات بشكل متزايد لتواجدها على الإنترنت من خلال المنصات الرقمية، هذا التوجه يهدف إلى تحقيق عدة أهداف: تعزيز السمعة وزيادة الوعي بالعلامة التجارية، بيع المنتجات أو الخدمات، بناء علاقات قوية مع العملاء وتحقيق ولائهم، دعم النمو والتوسع…

تتنوع المنصات الرقمية حسب نموذج العمل الذي تستخدمه والخدمات التي تقدمها إلى عدة أنواع نذكر منها[9]:

  • منصات التواصل الاجتماعي: مثل فيسبوك التي تستخدم نموذج العمل الاعلاني.
  • منصات مخازن التطبيقات: مثل منحة جوجل بلاي (google play) التي تستخدم نموذج الاصل التجارة الرقمي.
  • منصات مشاركة الوسائط: مثل منصة يوتيوب you tube التي تستخدم نموذج أعمال الاشتراك.
  • المنصات الخدماتية: مثل منحة أوبر uber لخدمات التوصيل التي تستخدم نموذج أعمال الدفع حسب الاستخدام.
  • منصة التسوق مثل منصة أمازون Amazon التي تستخدم نموذج أعمال التجارة الإلكترونية.

وتعتبر منصات العمل الرقمية جزءا مميزا من الاقتصاد الرقمي، وهي تسمح للأفراد أو عملاء قطاع الأعمال بالاضطلاع بالعديد من الأنشطة والأعمال المسندة إليهم من بينها ترتيب الرحلات أو طلب الطعام أو العثور على أخصائيين مستقلين لتطوير المواقع الإلكترونية أو ترجمة الوثائق وهي تعمل من خلال ربط قطاعات الأعمال والعملاء بالعمال، على إحداث تحول في إجراءات العمل مع ما يترتب على ذلك من آثار جسيمة في مستقبل العمل.

ويمكن تصنيف منصات العمل الرقمية في فئتين رئيسيتين، هما: المنصات الإلكترونية القائمة على الويب والمنصات القائمة على الموقع، ويؤدي العمال المهام أو الأعمال المسندة إليهم على المنصات الإلكترونية القائمة على الويب على شبكة الإنترنت أو عن بعد، وقد تشمل هذه المهام الاضطلاع بخدمات الترجمة والخدمات القانونية والمالية وبراءات الاختراع والتصميم وتطوير برامج الحواسيب على منصات العمل المستقل والمنصات القائمة على النتائج تسوية مشاكل البرمجة المعقدة أو مشاكل تحليل البيانات في غضون فترة زمنية محددة على منصات البرمجة التنافسية استكمال المهام قصيرة الأمد من قبيل التعليق على الصور أو تلطيف المحتوى أو نسخ مقطع فيديو على منصات المهام الدقيقة، ويُؤدي العمال المهام على المنصات القائمة على الموقع شخصيا في مواقع مادية محددة، وتشمل خدمات سيارات الأجرة والتوصيل والخدمات المنزلية (مثل سمكري أو كهربائي والعمل المنزلي وتوفير الرعاية)[10].

فمنصات العمل الرقمية أصبحت محركا رئيسيا لتحولات اقتصادية واجتماعية هائلة في العالم، بحيث أن هذه المنصات، التي تعمل كوسيط بين مقدمي الخدمات أو المنتجات والعملاء، تؤثر بشكل مباشر على كيفية إنجاز الأعمال، تنظيم الأسواق، وتوفير فرص جديدة، فيما يلي أهم الأدوار التي تلعبها هذه المنصات في تحويل العالم:

منصات العمل الرقمية مثل Upwork، Freelancer، وAmazon تربط أصحاب الأعمال بالعملاء أو العاملين على مستوى عالمي، فقد ألغت القيود الجغرافية ووفرت فرصا للجميع للعمل في أسواق دولية دون الحاجة إلى التنقل أو الهجرة، المنصات مثل Uber وAirbnb تعتمد على مفهوم الاقتصاد التشاركي، حيث يمكن للأفراد استثمار ممتلكاتهم أو مهاراتهم لخلق دخل إضافي، وهذا النموذج يشجع على الاستدامة والاستغلال الأمثل للموارد. تقدم منصات مثل LinkedIn وGlassdoor قنوات للبحث عن وظائف وتعزيز المهارات المهنية، منصات مثل Fiverr وTaskRabbit توفر فرص عمل مؤقتة أو مرنة للعاملين المستقلين (Freelancers).

يتضح إذن أن منصات العمل الرقمية ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي قنوات قوية تعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية عالميا، وذلك من خلال تحسين الوصول إلى الموارد، تعزيز الشفافية، ودعم ريادة الأعمال، تحدث هذه المنصات تحولا عميقا في كيفية عمل العالم، مما يجعلها عنصرا أساسيا في العصر الرقمي.

المطلب الثاني: التحديات القانونية للأجراء الرقميين

لا شك أن التغييرات التي أحدثها التحول الرقمي في طبيعة العقود التي تجمع الأجراء ومشغليهم قد ساهم في ظهور تحديات جديدة تخص المتعاقدين عبر المنصات الرقمية وهو ما يتطلب منا (أولا) تحديد طبيعة العلاقة التعاقدية في المنصات الرقمية قبل الحديث عن التحديات القانونية للأجراء الرقميين (ثانيا).

الفقرة الأولى: طبيعة العلاقة التعاقدية بين العامل والمنصة الرقمية

يعتبر العمل أساس الاكتفاء الذاتي للإنسان، ليس لكسب قوت العيش فحسب، بل لتعمير الأرض وبنائها، وليس من الإسراف القول بأن العلاقة بين العامل ورب العمل يجب أن يحكمها مبدأ العدالة الاجتماعية كأساس لجميع الالتزامات المتبادلة، حيث تعتبر عقود العمل من أهم العقود القانونية التي ازدادت أهميتها بتطور الحقوق الاجتماعية القانونية للأفراد، ويظهر تاريخيا بالنظر في الفلسفة الحاكمة لعقود العمل أنه عقد وجد ليحفظ حقوق كل من العامل ورب العمل والتزاماتهما معا[11].

ولهذا وجد ما يسمى بالعلاقة التبعية بين الأجير والمشغل في عقد الشغل، فمن باب أولى يجب على عقد العمل بين الأجير الرقمي والمشغل مراعاة ضمان الوفاء بهذه الالتزامات وحفظ هذه الحقوق من خلال علاقة تعاقدية كذلك لكنها حتما ستكون ذات طبيعة خاصة سنعمل على بيانها.

وبالرجوع إلى مدونة الشغل المغربية نجد المادة السادسة تعتمد بوضوح مبدأ التبعية للمشغل في تمييز الأجير عن غيره، ويمكن تعريف علاقة التبعية بأنها امتثال الأجير أثناء أو بمناسبة أدائه لشغله لإشراف وتوجيه وسلطة المشغل الذي يؤدي ذلك الأجير الشغل لحسابه.

فهي إذن تعني من جهة حق المشغل في إصدار الأوامر والتعليمات والمراقبة وممارسة سلطته التأديبية عند الاقتضاء، ومن جهة مقابلة عدم تعسفه في استعمال تلك الحقوق بما يمس الحقوق الطبيعية والحريات الفردية والجماعية للأجراء التابعين له[12].

لكن التطور التكنولوجي الذي حصل للمقاولات من الشكل التقليدي للشكل الرقمي، جعل مفهوم علاقة التبعية يتطور بشكل لم تعد معه إمكانية توافر شروطها متاحة، بحيث إن بعض الأجراء لا يوجدون تحت الاشراف والرقابة المباشرة لمشغليهم، لكن مع ذلك تبقى الرابطة العقدية التي تربطهم بمشغليهم عقد شغل؛ فبالرغم من أن التنظيم التقليدي لعقد العمل لم يعد يتلائم مع معطيات هذا العصر، لكون أن عصر التكنولوجيا والمعلوميات أحدث تغيير عميقا في مفهوم الزمان والمكان في عقد العمل، إذ أصبح تنفيذ عقد العمل بشكل اسهل حيث يمكن للعامل ان ينجز عمله وهو في منزله، أو في واسطة النقل، وبعيدا عن الإشراف المباشر لصاحب العمل، الذي يمكن أن يكون في قارة من القارات والعامل في قارة أخرى، الأمر الذي ترتب عليه الحاجة إلى البحث عن معالجات قانونية تتلاءم مع طبيعتها، وهذا ما جعل علاقة التبعية تصبح وكأنها رقابة معنوية أو سلطة افتراضية تمارس من طرف المشغل على الأجير عبر المنصات الرقمية دون إلزامية الوجود المادي.

بل أكثر من ذلك أن التطور الحاصل في مجال وسائل الاتصال الحديثة ضيق من رقعة حرية الأجير، ليصبح في تبعية مستمرة لمشغله ولو كان ذلك خارج أوقات العمل، فالهاتف النقال، وشبكات التواصل عبر الصورة، والرسائل الالكترونية، كثفت من علاقة التبعية، طالما أن الأجير يظل في ارتباط دائم ومستمر مع المقاولة وإن كان ذلك خارج أوقات العمل بل أيضا خلال العطلة الاسبوعية أو العطلة السنوية[13].

وهو ما يضعنا أمام إشكالية حقيقية بخصوص التبعية القانونية في العمل عبر المنصات الرقمية ومدى اعتبار العامل بمنصة أوبر ” Uber” أو كلوفو “Glovo” مثلا مرتبط بعلاقة تبعية.

وبالتالي فالقضاء يلعب دورا هاما وفاعلا في تكييف التعاقد بين عمال المنصات الرقمية وأصحاب العمل تكييفا سليما وفق المعطيات القانونية لقانون الشغل والذي يجعل رابطة التبعية هي الأساس فيه وليس ما يضفيه المتعاقدان من وصف على العلاقة للتحايل على تطبيق قواعد قانون الشغل، والتي بلا شك تحمل صاحب العمل التزامات إضافية تتمثل في توافر حد أدنى من الأجور، واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لحماية العمال من المخاطر، والتأمين على العمال في حالات الإصابة الناتجة عن العمل، أو العجز أو الشيخوخة، وهي بالتالي التزامات يسعى أصحاب الأعمال للتهرب منها، ولكننا نجد أن القضاء لم يسايرهم ووقف أمامهم بأحكامه الصارمة عقبة في سبيل تلاعبهم بالأنظمة القانونية المقررة الحماية العمال وتحقيق التوازن في العلاقات التعاقدية.

وهنا نجد قرار محكمة النقض الفرنسية لسنة 2020 في قضية شركة أوبر[14]، قد شكل توجها جديدا لمفهوم التبعية، حيث كيفت محكمة النقض علاقة العامل بالمنصة الرقمية علاقة عمل لتوفر عناصر التبعية، وبما أن علاقة التبعية تتوافر أو تنتفي بوجود ثلاث عناصر هي:

1- قيام العامل بأداء العمل تحت سلطة صاحب العمل الذي يملك سلطة إصدار الأوامر والتوجيهات.

2- سلطة الرقابة والاشراف على تنفيذ العمل.

3- سلطة توقيع الجزاء في حالة ارتكاب مخالفة.

وهي العناصر التي اعتمدتها محكمة النقض الفرنسية للقول بثبوت عقد العمل وعلاقة التبعية بين الشركة والسائق.

لهذه الأسباب مجتمعة أكدت محكمة النقض الفرنسية أن ظروف وملابسات تنفيذ السائق لخدمة نقل الركاب بواسطة المنصة أو التطبيق تؤكد أن عناصر عقد العمل وعلاقة التبعية القانونية تظهر بوضوح بين الشركة والسائق.

حيث إن لمنصة أوبر سلطة التوجيه والتي تمارسها من خلال تحديد مسار الرحلة، تحديد الأسعار، تحديد السلوكيات المسموح بها وغير المسموح بها من السائق أثناء الرحلة، عدم السماح له بقبول إكراميات من الركاب.

كما أن للمنصة سلطة الرقابة التي تظهر من خلال تمتعها بسلطة تعديل وتغيير الأسعار، تلقي طلبات النقل من قبل الركاب واقتراحها على السائقين تحديد الموقع الجغرافي للسيارة والسائق.

كما أن للمنصة سلطة توقيع الجزاء والتي تظهر من خلال: قدرة الشركة على غلق أو تعليق حساب السائق في حالة الرفض المتكرر لطلبات الرحلات أو قيامه بسلوك غير مقبول.

الفقرة الثانية: التحديات القانونية للأجراء الرقميين

أدى انتشار المنصات الرقمية إلى ظهور تحديات تتعلق بفئة الأجراء الرقميين ومدى توفرهم على الضمانات التي يخولها القانون، وسنعرض لأبرزها في هذه الفقرة:

1- غياب تأطير قانوني لعمال المنصات الرقمية

يتم تنظيم نماذج العمل التقليدي من خلال أنظمة قانونية وطنية واضحة تم إعدادها على مدى سنوات عدة، وبما أن التحول الرقمي يغير اساس العمل والالتزامات المتبادلة التي تنظمه قد أصبحت هذه التنظيمات القانونية غير مناسبة أو غير قابلة للتطبيق، ما يؤدي إلى وجود فراغ قانوني ينتج عنه عراقيل كثيرة على مستوى الواقع.

فعمل المنصات الرقمية يتجاوز الحدود الجغرافية، في حين أن قوانين العمل المعتمدة ما زالت خاصة بكل بلد أو ولاية، وهو ما يطرح التساؤل حول الضمانات القانونية التي يتم تطبيقها في حال انتهاك حقوق الأجراء، هل يتم تطبيق قانون الدولة التي تتواجد فيها الشركة المالكة للمنصة، أم قانون الدولة التي يتواجد فيها الأجراء؟[15]

كما يحتاج أصحاب العمل أيضا إلى توضيح شروط التوظيف أثناء العمل عن بعد، بما في ذلك الأسئلة المتعلقة بالرواتب وإعانات العمال والبدلات التي ستتم مراجعتها وقد تحتاج إلى تعديل، والتأمين، والآثار القانونية المتعلقة بالمعدات والبرمجيات المستخدمة[16].

يضاف إلى ذلك عوامل أخرى ترتبط بالقوانين التي تنظم بعض القطاعات كالنقل وما تطرحه من فراغ قانوني يتعلق بتقنين النقل عبر التطبيقات الذكية كتطبيق” أوبر” الذي يستخدم على نطاق واسع في المغرب في غياب أي قانون تنظيمي.

بل إن وزير النقل واللوجستيك السيد محمد عبد الجليل صرح يوم الخميس 28 مارس 2024 أن تقنين النقل عبر التطبيقات الذكية رهين بتوافق المتدخلين في النقل الجماعي على دخول هذا النوع من النقل إلى السوق[17].

2- عدم وجود قوانين واضحة لحماية الحياة الخاصة للأجراء الرقميين

تعد حماية الحياة الخاصة للأجراء من أهم الحقوق التي تحظى باهتمام متزايد في سياق التحولات التكنولوجية المتسارعة، ولكن مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية في مختلف مجالات الحياة العملية، في ظل هذا التطور، أصبح الأجراء الرقميون معرضون بشكل متزايد للمخاطر المتعلقة بحماية بياناتهم الشخصية والمهنية، ويشمل ذلك تهديدات تتعلق بالتجميع غير المشروع للمعلومات، والتتبع الرقمي، والتعرض للهجمات السيبرانية التي تستهدف سرقة أو التلاعب بالبيانات الحساسة.

ونفس الإشكال يطرح بخصوص حماية الأجير في مواجهة الجذاذات الإسمية وهي عبارة عن آلية متطورة تعمل على معالجة المعطيات الشخصية للأجراء بحيث تتضمن مجموعة من المعلومات والبيانات التي يتم تجميعها من قبل المؤسسة عن طريق الحاسوب الآلي[18].

فتسجيل حساب على موقع “كلوفو” Glovo أو “أوبر” Uber مثلا يتطلب أن يقوم السائق بفتح حساب يتضمن مجموعة من البيانات الشخصية كرخصة القيادة، التأمين على السيارة، صورة من بطاقة الهوية أو جواز السفر نسخة من السجل العدلي، بطاقة ائتمان.. وهي بيانات قد تؤدي قرصنتها إلى عواقب وخيمة كتزوير الهويات والقيام بعمليات احتيال مالي وحتى استغلالها في تهديدات أمنية.

وهو ما دفع المشرع المغربي لإحداث اللجنة الوطنية لمراقبة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بموجب المادة 27 من القانون 09-08[19] التي تنص على أنه تحدث لدى الوزير الاول لجنة وطنية لمراقبة وحماية المعطيات الشخصية تكلف بأعمال احكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه والسهر على التقيد به.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لم يشترط المشرع المغربي أن يكون اعضاء هذه اللجنة ضمن قطاع معين بل سمح أن يكون أعضاء هذه اللجنة من القطاعين العام والخاص كذلك، وهو الامر الذي يسمح بجلب أفضل وأجود الكفاءات المتخصصة في هذا الميدان وهذا ما سيعكس إيجابا على تحقيق راحة وطمأنينة الاجراء حول معطياتهم الشخصية وبالتالي حياتهم الخاصة[20].

3– ضعف الحماية الاجتماعية للأجير الرقمي:

إن الحماية الاجتماعية حق دستوري وليست إحسانا، ورافعة للتنمية الاقتصادية لإعادة توزيع الثروة ودعم التماسك الاجتماعي، لكن الواقع يؤكد عدم استفادة الأجير الرقمي من حماية اجتماعية إلا في حدود ضيقة.

حيث نشهد غياب التأمين على البطالة في النشاطات التي تمارس من خلال الأرضيات الرقمية وخاصة حالة انخفاض حجم النشاط أو توقفه على المنصة الرقمية، لا يستفيد هؤلاء من منحة البطالة، بالرغم من كونها الفئة الأكثر عرضة لهذا الخطر الاجتماعي.

بالإضافة إلى غياب التأمين عن حوادث العمل والمرض المهني حيث يقوم العامل بالتأمين على حوادث العمل بمفرده، كما يدفع اشتراكات التأمين ضد المرض ويستفيد من تعويض بعنوان التأمينات الاجتماعية.

كما نشهد غياب شروط السلامة والصحة في مكان العمل الذي يعد من الحقوق الأساسية للإنسان والتي استقرت في المواثيق الدولية والدساتير والتشريعات الوطنية منذ نشأة منظمة الصحة العالمية سنة 1946، وهذا الحق أكد عليه أيضا دستور 2011 في فصله 31 لأهميته لكل فرد من أفراد المجتمع[21].

يضاف إلى كل هذا حرمان الأجير الرقمي من حقوقه النقابية والحق في الإضراب وهو ما يجعله عرضة لكل أنماط الاستغلال، خاصة مع صعوبة قيام مفتش الشغل بالدور الرقابي والذي أناط به المشرع مراقبة تطبيق المقتضيات التشريعية والتنظيمية الخاصة بالشغل التابع، ومدى توافق ظروف الشغل مع ما تتضمنه من أحكام مع الالتزام بزيارة المؤسسات الخاضعة لمدونة الشغل[22].

4- غياب تحديد قانوني لساعات عمل الأجراء العاملين عبر المنصات الرقمية:

في ظل غياب تأطير قانوني للعمل عبر المنصات الرقمية، فقد كان من المنطقي أن يحصل اختلاف في تحديد ساعات العمل بين المنصات الرقمية، فكلما اختلفت طبيعة العمل أو نوع المنصة أو الدولة أو غيرها من المعايير كلما اختلفت الساعات، وهذا ما قد يؤدي لضياع حقوق الأجراء في ساعات العمل.

فحسب منظمة العمل الدولية فإنه: يعمل العاملون على المنصات الإلكترونية القائمة على الويب 27 ساعة في المتوسط في الأسبوع العادي، بما في ذلك العمل بأجر والعمل من دون أجر، حيث يقضون قرابة ثلث وقتهم، أو ثماني ساعات في أداء عمل غير مدفوع الأجر. ولدى زهاء نصفهم وظائف أخرى مدفوعة الأجر، ويعملون 28 ساعة في المتوسط في الأسبوع في هذه الوظائف بالإضافة إلى عملهم على المنصات، وهو ما يعادل أسبوع عمل طويل ويواجه بعض العاملين على المنصات الإلكترونية القائمة على الويب جداول عمل غير متوقعة وساعات عمل غير اعتيادية، لا سيما في البلدان النامية، إذ غالباً ما يكون مقر إقامة العملاء في البلدان المتقدمة، وهو ما قد تكون له آثار سلبية في تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية. وعلى المنصات القائمة على الموقع، يعمل معظم العاملين في قطاعي سيارات الأجرة والتوصيل بكثافة عالية ولساعات طويلة، بما متوسطه 65 ساعة في الأسبوع في قطاع سيارات الأجرة و59 ساعة في الأسبوع في قطاع التوصيل. وعلى منصات سيارات الأجرة والتوصيل القائمة على التطبيقات، ذكرت نسبة عالية من المجيبين (79) و74 في المائة على التوالي أنهم يعانون من درجة معينة من الإجهاد بسبب عملهم، الذي يرتبط في كثير من الأحيان باختناق حركة المرور والأجور غير الكافية ونقص الطلبيات أو العملاء وساعات العمل الطويلة وخطر التعرض للإصابات المتعلقة بالعمل والضغط من أجل قيادة السيارة بسرعة[23].

5- عدم الاستفادة من العطلة المؤدى عنها: تتمثل ضعف الحماية الاجتماعية للأجير الرقمي في كونه لا يستفيد من الأجر في العطلة، فهو إذ لم يؤدي العمل المنوط به فإنه لا يحصل على الأجر. غير أنه في المقابل يكون الأجير حرا في اختياره عدد أيام العطل.

6-غياب الاستفادة من التكوين المهني: لا يستفيد الأجراء الرقمين من التكوين المهني إلا إذ كانوا قد أدوا من حسابهم الخاص وقد ذهب القانون الفرنسي إلى منح الأجير عند ما لا يبلغ رقم أعماله لا حدا معينا أن حق طلب دفع الاشتراكات من أجل تكوينه المهني من أصحاب الأرضية التي يعمل فيها من خلالها يمنح لهذه الفئة الحق في الاستفادة من التكوين المهني المستمر وشهادة المصادقة على الخبرة.

خاتمة

اتضح لنا من هذه الدراسة بأنه في ضوء التطورات التكنولوجية الحالية، التي فرضت التحول الرقمي من خلال ادخال التقنيات الرقمية في جميع المجالات والأنشطة بما فيها المجال التسويقي، فقد أصبح العثور على أسلوب تسويقي إبداعي أحد الشواغل الرئيسية لأي مؤسسة خدماتية خاصة، مما أدى لظهور أنماط حديثة من علاقات العمل يبقى أبرزها: “عقد العمل عبر المنصات الرقمية”.

ورغم المزايا التي يوفرها العمل الرقمي، إلا أنه لا يخلو من تحديات تؤثر سلبا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي، فمن أبرز الآثار السلبية لهذا التطور التقني أنه يهدد بتقليص دور الموارد البشرية، مما يؤدي إلى تراجع فرص الشغل، ومع تزايد التحول الرقمي في مختلف القطاعات، أصبحت البطالة ظاهرة مقلقة تتفاقم بشكل متزايد.

إضافة إلى ذلك، تبقى الحماية القانونية المخصصة للأجراء الرقميين غير كافية، رغم وجود تشريعات مثل القانون 08.09 الخاص بحماية المعطيات الشخصية، إلا أن هذا القانون لا يغطي بشكل كامل حماية حياة الأفراد وخصوصياتهم، مما يفتح المجال أمام انتهاكات تتراوح بين استغلال الصور والمعلومات الشخصية وصولا إلى الابتزاز.

كما أن مدونة الشغل الحالية تفتقر إلى تنظيم واضح لموضوع مراقبة الأجير أثناء أدائه لعمله، بما في ذلك تصويره أو تسجيل مكالماته، ما يكشف عن ثغرات قانونية كبيرة في مواجهة تطورات سوق العمل الرقمي.

وعليه، بات من الضروري تحديث مدونة الشغل لتتوافق مع التحولات التكنولوجية السريعة، وإدراج أحكام واضحة تكفل حماية حقوق الأجراء في هذا المجال، بحيث يجب أن تشمل هذه التعديلات إطارا قانونيا متينا يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بما يواكب التوجهات العالمية نحو الرقمنة.

  1. Yann-Maël Yml Larher, Les relations numériques de travail, Thèse de doctorat en droit social, Université Paris II- Panthéon-Assas, 2017, page 10.
  2. الظهير الشريف رقم 1.03.194 المؤرخ ب 14 من رجب 1424 (11 سبتمبر 2003) الصادر بتنفيذ القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل، الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 13 شوال 1424 (8 ديسمبر 2003)، ص 3969.
  3. المادة 6 من القانون رقم 65.99.
  4. احمد حمادي، المنصات الرقمية: الإطار النظري، مقال منشور بتاريخ 18 فبراير 2024 بالموقع الالكتروني: https://www.idsc.gov.eg/Article/details/9021 تم الاطلاع عليه بتاريخ 14/12/2025 على الساعة 19:45.
  5. المرجع نفسه.
  6. L’article L111-7 du code de la consommation dont la dernière version est en vigueur depuis le 9 octobre 2016 (Loi n°2016-1321 du 7 octobre 2016 – art.49 (V)) définit la plateforme numérique comme suit :

    « I.-Est qualifiée d’opérateur de plateforme en ligne toute personne physique ou morale proposant, à titre professionnel, de manière rémunérée ou non, un service de communication au public en ligne reposant sur :

    1° Le classement ou le référencement, au moyen d’algorithmes informatiques, de contenus, de biens ou de services proposés ou mis en ligne par des tiers ;

    2° Ou la mise en relation de plusieurs parties en vue de la vente d’un bien, de la fourniture d’un service ou de l’échange ou du partage d’un contenu, d’un bien ou d’un service. »

  7. Définition juridique : qu’est-ce qu’une plateforme numérique ? article publié sur internet : https://momentech.fr/definition-juridique-plateforme-numerique/ consulté le 14/12/2025 à 20H :59.
  8. نجلاء توفيق نادية محمد مصطفى تحزمار، التكييف القانوني للعمل عن بعد دراسة مقارنة، مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات الإنسانية 2018، ص 24.
  9. سماح عبد الفتاح عطية عفيفي، الحماية القانونية لعمال المنصات الرقمية، مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 37، سنة 2022، الصفحة 974.
  10. التقرير الرائد لمنظمة العمل الدولية، بعنوان: لمحة عامة عالمية عن العمالة والشؤون الاجتماعية دور منصات العمل الرقمية في تحويل عالم العمل، موجز تنفيذي صادر بتاريخ 23 فبراير 2021، الصفحة 2.
  11. بشاير يوسف عبد العزيز الماجد، عقد العمل عن بعد بين فلسفة الخصوصية والحماية لحق العامل ورب العمل في ظل جائحة كورونا، المجلة الدولية للقانون، المجلد التاسع، العدد الرابع، 2020، عدد خاص حول (القانون وفيروس كورونا المستجد “كوفيد- 19 “)، الصفحة 129.
  12. محمد الشرقاني علاقة الشغل بين تشريع الشغل ومشروع مدونة الشغل، مطبعة سجلماسة، مكناس، طبعة 2014، ص 116.
  13. محمد القري اليوسفي، محمد الشرقاني، نبيل الكط، مائة سؤال وسؤال حول الفئات المستفيدة من التشريعات المنظمة لعلاقات الشغل ص 10،
  14. Cour de cassation, Chambre sociale, n°374 du 4 mars 2020, 19- 13.316, Publié au bulletin, consulté sur le site internet : https://www.legifrance.gouv.fr/juri/id/JURITEXT000042025162 le 15/12/2025 à 15:12.
  15. سماح عبد الفتاح عطية عفيفي، مرجع سابق، الصفحة 986.
  16. منظمة العمل الدولية، العمل عن بعد في ظل جائحة كوفيد وما بعدها، المعهد العربي للصحة والسلامة المهنية، دمشق الطبعة العربية، 2020، ص 32.
  17. كلمة السيد وزير النقل واللوجستيك خلال لقاء صحفي عقب مجلس الحكومة يوم الخميس 28 مارس 2024 منشور على الموقع الرسمي للوزارة www.transport.gov.ma تم الإطلاع عليه بتاريخ: 15/12/2025 على الساعة 17:33.
  18. محمد بومديان، حقوق الأجراء الرقمية المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 174، سنة 2024، ص 56.
  19. ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 22 من صفر 1430 (18 فبراير (2009) بتنفيذ القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، 552 الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 27 صفر 1430 (23 فبراير (2009)، ص 552.
  20. عبد الحق بولنوار، مراقبة الأجير بوسائل التكنولوجيا الحديثة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، السنة الجامعية 2022- 2021، ص 262.
  21. محمد بومديان، عقد بيع الأدوية عبر الأنترنيت، مقال منشور بالمجلة الالكترونية للأبحاث القانونية العدد 11، سنة 2023 ص 59
  22. عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، طبعة 2004، ص 136.
  23. التقرير الرائد لمنظمة العمل الدولية، مرجع سابق، الصفحة 9.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى