في الواجهةمقالات قانونية

الحماية الجزائية للأموات في الشريعة الإسلامية وقانون الجزاء العماني “دراسة مقارنة” -الدكتور :  محمد عقيل محي الدين بن سيف

 

 

الحماية الجزائية للأموات في الشريعة الإسلامية وقانون الجزاء العماني “دراسة مقارنة”
Criminal Protection of the Deceased in Islamic Sharia and the Omani Penal Code: A Comparative Study
الدكتور :  محمد عقيل محي الدين بن سيف
استاذ مساعد كلية الحقوق -جامعة ظفار
الملخص:
تعد ظاهرة الاعتداء على حرمة الأموات ظاهرة قديمة متجددة في كل عصر، وتعد سلوكا جنائياً مجرماً، ومعاقباً عليه في الشريعة والقانون، إذ هو سلوك غير أخلاقي، ومخالف لعاداتنا وأعرافنا العربية والإسلامية لما فيه من انتهاك لحرمة الانسان الذي كرّمه الله تعالى، سواء كان حياً أو ميتا، ولذا لابد من منع مثل هذه التصرفات المشينة من خلال القبض على هؤلاء المجرمين وتطبيق العقوبة المناسبة عليهم كما ورد في نصوص قانون الجزاء العماني وفقاً لأحكام الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه الفقهية.
الكلمات المفتاحية: الحماية الجنائية، حرمة الميّت، الفقه الإسلامي، قانون الجزاء العماني.
Abstract:
The phenomenon of assaulting the sanctity of the dead is an ancient phenomenon that is renewed in every era, and is considered criminal behavior that is criminal and punishable in Sharia and law, as it is immoral behavior and contrary to our Arab and Islamic customs and customs because it violates the sanctity of the human being whom God Almighty has honored, whether he is alive or not. Dead, and therefore such shameful behavior must be prevented by arresting these criminals and applying the appropriate punishment to them as stated in the texts of the Omani Penal Code in accordance with the provisions of Islamic jurisprudence in its various schools of jurisprudence.
Keywords: criminal protection, sanctity of the dead, Islamic jurisprudence, Omani Penal Code.
مقدمة:
في عام 2022م ، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بأصوات الاستياء والغضب؛ لتداول مقطع مرئي يظهر دخول عدد من سياح محافظة ظفار  ، وقيامهم بالتعدي على حرمة الأموات، والمقابر؛ مطالبين الجهات المعنية بالإسراع في القبض عليهم ، وتطبيق العقوبة ضدهم  ، ولا شك أنَّ ذلك التصرف المشين مخالف لشريعتنا الإسلامية ، وأعرافنا العمانية ، التي تستوجب حرمة الميت ، والتخلق بأخلاق الإسلام مع القبور والمدافن.
مشكلة البحث:
جاءت هذه الدراسة لتعالج إشكالیة التعدي على حرمة الأموات من خلال البحث في ماهیة أركان جریمة التعدي على حرمة الأموات؟ وما مدى فعالیة الحمایة الجزائية لحرمة المیت في الفقه الإسلامي والقانون العماني؟
أهداف البحث:
1 – إیضاح عظمة الفقه الإسلامي ومدى اهتمامه بالموتى وتحریم الاعتداء علیهم.
2 – إظهار أن حقوق الإنسان وكرامته لا تنتهي بمجرد انفصاله عن الدنیا واستحالة جثته
3 – بیان الحكم الشرعي والموقف القانوني من المسائل المتعلقة بالاعتداءات على الموتى.
4 – تحقیق الفائدة العلمیة المرجوة من دراسة هذه القضایا وتلك الأحكام نظرا لما تشتمل علیه من مسائل وقواعد وأصول یستفید الباحث من دراستها وبیانها.
أهمية البحث:
تبرز أهمية هذه الدراسة البحثية من خلال موضوعها من خلال عدة جوانب منها:
1- إظهار أن حقوق الإنسان وكرامته لا تنتهي بمجرد انفصاله عن الدنیا واستحالة جثته.
2 – بیان خطورة الاعتداء على المیت وأثرها السیئ في الأمة وسبل معالجتها.
3 – النظر في المسائل الفقهیة المتعلقة بالمیت لإظهار التوافق والاختلاف بین الفقهاء، وبیان الحكم الشرعي فيها.
 4 – بیان ما للأجساد من حرمة وكرامة فلا یجوز العبث بأجساد البشر تقریرا لكرامة بني آدم وحفاظا على أرواحهم و أبدانهم
5 –  تحقیق الفائدة العلمیة المرجوة من دراسة هذه القضایا وتلك الأحكام نظرا لما تشتمل علیه من مسائل وقواعد وأصول یستفید الباحث من دراستها وبیانها.
منهجية البحث:
تم إتباع المنهج الوصفي والمنهج الاستقرائي والمنهج المقارن في موضوع هذا البحث، فتم وصف الانتهاكات والتجاوزات الواقعة على حرمة المیت، سواء الماسة بجثته أو الماسة بقبره، وتم استقراء المصادر والمراجع الفقهیة والقانونیة المتعلقة بالموضوع، مع القيام بالمقارنة بین أحكام الفقه الإسلامي والقانون العماني.
خطة البحث:
لأجل ذلك تأتي هذه الورقة لاستجلاء موقف الشريعة الإسلامية في حماية الأموات من الناحية الجنائية والعقابية ، واستطلاع رأي المشرع العماني في هذه المسألة. وقد وضعت لذلك خطة بحث مكونة من مبحثين ، كالآتي:
المبحث الأول :الإطار المفاهيمي، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحماية الجنائية.
المطلب الثاني: تعريف حرمة الأموات.
المبحث الثاني : الموقف الشرعي والقانوني، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: موقف الشريعة الإسلامية.
المطلب الثاني: موقف القانون.
المبحث الأول
الإطار المفاهيمي
المطلب الأول: تعريف الحماية الجزائية:
1- تعريف الحماية الجزائية في اللغة:
الحماية الجزائية عبارة مركبة من كلمتين : الحماية ، الجزائية ، ولذا ينبغي بيان كل لفظة منها على حدة :
أ – الحماية : لغة من الفعل ( حمى ) فيقال حمى الشيء فلاناً، حمياً وحماية ، أي: منعه ودفع عنه ويقال حماه من الشيء وحماه الشيء  . فالحماية : احتياط يتجاوب مع من يحميه أو ما يحميه. يقال: حمى الشيء يحميه حِمايةً بالكسرٍ: أي منعه ، ومنه وقاية الشخص أو أمواله من المخاطر ، وضمان أمنه ، وسلامته عن طريق وسائل قانونية، أو مادية ، تدل كذلك على عمل الحماية ، ونظامها على حد سواء ( تدبير ، نظام ) وكلمة الوقاية مرادفه لها ، والخلاصة أنَّ الحماية للشيء هي بمعنى: المنع والحفظ .
ب-الجزائية : نسبة إلى الجناية المأخوذة من الفعل ( جنى ) : جنى الذنب عليه جناية : جرّه واكتسبه ، والجناية تعني الذنب ، والجرم ، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة ، ويقال جنى فلان على نفسه إذا جرّ جريرة وتجنى عليه ، وجاني : أدعى عليه جناية، فهي بمعنى العقوبة المستحقة على الجاني .
2- تعريف الحماية الجزائية اصطلاحاً:
أ-التعريف القانوني:
تعتمد الحماية الجزائية أحد أنواع الحماية القانونية ، وأهمها ، وأخطرها تأثيراً على حياة الإنسان ، وحرياته ، ووسيلتها في ذلك القانون الجزائي ، لذلك فوظيفة القانون الجزائي إذن وظيفة حمائية تتمثل بحماية القيم ، والمصالح ، والحقوق التي تبلغ من الأهمية ما يبرَر عدم الاكتفاء بالحماية المقررة لها بموجب فروع القانون الأخرى .
ويقصد بالحماية الجزائية : “القواعـد القانونيـة الموضـوعية والإجرائيـة التي تعتمد عليها السلطة لإقرار الحقوق ، وفرض العقوبات عليها” .
وعرفت الحماية الجزائية في القانون المصري أيضاً بأنَّها: ما يكفله القانون الجزائي بشقيه ( قانون العقوبات ، وقانون الإجراءات الجزائية ) من قواعد وإجراءات لحماية مختلف حقوق الإنسان عن طريق ما يقرره من عقوبات في حالة وقوع ثمة اعتداء ، أو انتهاك عليها) .
ويعرفها البعض: أن يوفر قانون العقوبات الحماية لجميع الحقوق ، أو المصالح المحمية من جميع الأفعال غير المشروعة التي تؤدي إلى النيل منها بما يقرره لها من عقوبات .
وتتخذ الحماية الجزائية في ظل قوانين العقوبات صورتين ، وذلك باعتبار نوع المصلحة محل الحماية ، وذلك كما سيأتي:
الصورة الأولى: الحماية الجزائية للمراكز الشخصية:
تتحقق هذه الصورة عندما يتولى المشرع الجنائي حماية المراكز القانونية الشخصية ، أي عندما تطبق القواعد القانونية في حالة تغلب عليها الصفة الفردية ، فمثلاً في جريمة السرقة يعاقب المشرع الجنائي على الاعتداء على ملكية الغير باعتبارها مركزاً قانونياً فردياً يعتدي عليه السارق.
الصورة الثانية: الحماية الجنائية للمراكز الموضوعية:
وذلك عندما يسبغ المشرع حمايته على المراكز القانونية الموضوعية بتطبيق القاعدة القانونية بصفة عامة تحقيقاً للصالح العام ، ففي جريمة الزنا يتولى المشرع بالحماية الزواج باعتباره مركزاً قانونياً موضوعياً يتمتع بصفة العموم .
ب-التعريف الشرعي للحماية الجزائية:
تطلق الحماية الجزائية في الفقه الإسلامي على الجناية بصفة عامة ، والجناية في الشريعة لها معنيان ؛ معنى عام ومعنى خاص ، فالجناية شرعاً: اسم لفعل محرم حل بمال أو نفس . فكل فعل محرم من الشرع “سواء كان في صورته الإيجابية كارتكاب ما نهى عنه الشرع، أو في صورته السلبية كعدم الإتيان بما وجب الإتيان به” يصدر عن الإنسان يسمى جناية . فالجناية بالمعنى العام تعني الاعتداء على الدين أو العقل أو البدن أو العرض أو المال. وأما بمعناها الخاص فهي الاعتداء على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا أو كفارة، وهو الجزاء .
ولا شك أن الاهتمام بفقه الجنايات في الشريعة له ما يبرره ، فعلمه دقيق ، وحاجة الناس إليه كبيرة ، مثلما قال صاحب ميمية الدما  :
وبعد فالعلم بأحكام الدما … هو الأدق والأجل والأهم
لكثرة الضرورة التي له … تدعو وللبلوى التي به تعم
المطلب الثاني: تعريف حرمة الأموات:
أولاً: تعريف حرمة الميت لغة:
الميت في اللغة من الموت ، قيل: ميّت في الأصل مَويِت، مثل سيّد وسَويِد، فأدغمت الواو في الياء ونقلت الياء، ويخفف ويقال مَيت .
وقال بعضهم: ميت كان تصحيحه مَيْوِت على فَيْعِل، ثم أدغموا الواو في الياء ، وقال الزجاج: الميت أصله الميت بالتشديد، إلا أنه يخفف فيقال: مَيْت وميّت، والمعنى واحد ، وفرق بعضهم بينهما فقال: يقال للميت: ميّت بالتشديد، والميْت ما قد مات، وتعقب: بأنه ميّت بالتشديد يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال جل وعلا: {إِنَّكَ مَيِّت ٌوَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } [الزمر:30] .
وبالتالي فأصل الموت يدور حول عدة معاني منها:
ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: “الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة، وإنما قلنا: أصله ذهاب القوة، لما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ، فإن كنتم لابد آكليها فأميتوها طبخا” .
ويطلق الموت على السكون، قال ابن منظور: وقيل: الموت في كلام العرب يُطلق على السكون، يقال: ماتت الريح، أي: سكنت .
ثانياً: تعريف الموت شرعا:
هو مفارقة الروح للجسد، هذه هي حقیقته عند الفقهاء، وتكاد كلماتهم تتوارد على هذا، ولم يتم الوقوف على خلافه في كلامهم من أنها مفارقة الروح البدن، بل هو حقیقة  شرعیة لا یعلم فیها خلاف .
ثالثا: الألفاظ ذات الصلة:
من أجل التعرف وفهم حرمة الأموات وحمايتهم جنائيا ، لابد من إيضاح بعض الألفاظ ذات الصلة بحرمة الميت ، وذلك كالآتي:
1-الانتهاك: الانتهاك لغةً من الفعل نهك ، ونهك الشيء ، وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل وقد انتهكها ، وفي حديث ابن عباس: أن قوما قالوا فأكثروا ، وزنوا وانتهكوا ، بالغوا في خرق محارم الشرع وإتيانها .
2-التدنيس: يعني التدنيس الوسخ ، ودنس يدنس دنساً فهو دنس أي توسخ ، وتدنس اتسخ ، والجمع أدناس ، ودنّس الرجل عرضها إذا فعل ما يشينه .
3-الهدم: يعني الهدم من باب ضرب فانهدم وتهدم ، والهدم نقيض البناء ، هدمه يهدمه هدماً ، وهدمه فانهدم ، وتهدم ، وهدّموا بيوتهم شدد للكثرة ، وقيل سمي القبر هدما ، لأنه يحفر ترابه ، ثم يرد اليه .
4-الإتلاف: يعني الاتلاف الهلاك والعطب في كل شيء ، وتلف يتلف تلفاً فهو تلفٌ ، هلك غيره ، ورجل متلف ومتلاف يتلف ماله .
5-التشويه: يعني التشويه من شوه ، ورجل أشوه قبيح الوجه ، وشاهت الوجوه قبحت ، وشاه يشوه شوهاً وشوهةً وشوهاً فيهما ، والشوهة البعد ، والمشوه القبيح العقل  .
المبحث الثاني
الموقف الشرعي والقانوني
المطلب الأول: موقف الشريعة الإسلامية:
أولاً: حرمة الميت في الشريعة
أكدت الشريعة الإسلامية مبدأ حرمة الميت ، ووجوب تكريمه وعدم إهانته ، فإذا كان جسم الإنسان له حرمة حال حياته ، فإن له أيضا حرمة بعد مماته ، لأن الآدمي محترم حياً وميتاً في الفقه الإسلامي كله ، ولا يوجد رأي ولو شاذ بخلاف ذلك في سائر المذاهب الإسلامية.
فالأصل شرعاً، أن للميت حرمة كحرمته حياً، مما يقتضي عدم المساس بحرمة الميت بأي شكل من الأشكال ، مراعاة للأحكام الشرعية التي تحرم هذا المساس ولمشاعر الأحياء من أقاربه وذويه.
وقد ورد في هذا الشأن، الحديث النبوي الشريف: (إن كسر عظم الميت ككسره حيا)  ،  فهو يدل دلالة واضحة على تحريم كسر عظام الميت، وعلى حظر إتلافه أو إحراقه، وضرورة تكريمه وعدم إهانته ؛ الأمر الذي اقتضى شرعا حرمة نبش القبور، والتمثيل بالجثث، وهشم عظام الموتى إلا لضرورة شرعية أو لمصلحة راجحة، لما روي عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا  ، ولما روى البيهقي عن الشعبي: النباش سارق ، ولما روى أيضا عن الإمام مالك “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المختفي “يعني نباش القبور”وهو ما يستفاد منه أن حرمة المؤمن باقية كما كانت في حياته.
عن عائشة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: كسر عظم الميت ككسره حيا ، وعن جابر قال: “خرجنا مع جنازة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى إذا جئنا القبر إذا هو لم يفرع، فجلس النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على شفير القبر ، وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظما ساقا أو عضدا ، فذهب ليكسرها فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا، ولكن دسه في جانب القبر” .
وعلى هذا الأساس حرم الإسلام التعدي على الميت قبل دفنه وبعد دفنه في قبره بأي شكل من أشكل التعدي ، بل بأبسط من ذلك ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توطأ القبور، فعن عمر بن حزام قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على قبر فقال عليه الصلاة والسلام: “لا تؤذ صاحب القبر أو لا تؤذوه” ، وكذا يحرم شرعاً الجلوس على القبور، لما روى مسلم من الحديث، عنه صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور فلأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) .
فإذا كان يحرم أن يتعدى على تراب القبر، وأن ذلك يؤذي صاحب القبر، فإن تحريم بدنه من باب أولى، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته) .
ثانياً: الحكم الفقهي للتعدي على الميت:
اختلف الفقهاء في الحكم الشرعي بالنسبة لمن تعدى على الميت كما يأتي:
الرأي الاول: عدم القصاص:
يرى أن الاعتداء على المیت لا یوجب قصاصا فیما دون النفس لإجماع الفقهاء على أن القصاص في النفس من شروطه أن یقع على آدمي حي، والإنسان المیت لا تقع علیه جریمة القتل لأنه لیس حیا ، لكن يلزم من ينتهك حرمة الميت بضمان حق أهل الميت في حرمته ، لأنه تعدى على مشاعرهم .
  وهذا قول المذاهب السنية ، ويتفق مذهب الإباضية معهم في عدم القصاص ، ويزيد بأن على منتهك حرمة الميت عليه الدية ، ففي كتاب المصنف للكندي :
قال أبو معاوية: عن أبي عبد الله أنه من قطع رأس ميت خطأ؛ أنه لا شيء عليه، ولا على عاقلته. قال أبو معاوية: وقد قيل: إن قطعه عمدا أن عليه الدية مائة من الإبل. وإن قطع شيئا من أعضائه؛ فعليه دية كل عضو في ماله دية العمد ، وكذلك اليهودي الميت والنصراني؛ دية ما قطع منها ، وكذلك إن كانت امرأة؛ فعليه دية ما قطع منها حية مســلمة ، أو يهودية ، أو نصرانية ، ولا قصاص في ذلك الميت.
ومن قطع رأس ميت أوعضوا من أعضائه؛ قال أبو محمد: كان عليه دية ذلك العضو ودية الميت ، لأنه أرش الجرح ، ودية الإنسان ، فإن قيل: وهذا يسمى قاتلا؟ قيل له: القتل من ضرب رجلاً قاصدا، فآلمه حتى خرجت روحه؛ فهذا يسمى قاتلاً له ، وهذا عليه أرش الجرح ودية العضو ، ولا قصاص عليه؛ لأنه غير قاتل ، وإنما أوجب الدية في قطع رأس الميت ، وأرش الجرح المذكور بدلالة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : “حرمة موتانا كحرمة أحيائنا” ، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): “كسر عظام الميت ككسر عظام الحي” ، وقال: ” كل شيء من الميت مثل الحي من الجروح وقطع الأعضاء” .
الرأي الثاني : وجوب القصاص:
ذهب ابن حزم من الظاهرية إلى وجوب القصاص فیما دون النفس على من اعتدى على المیت بالكسر أو الجرح أو الضرب أو قام باستئصال عضو من جثته دون مسوغ شرعي  ، وذلك لعدم تعلق أحكام القصاص بالحي فقط .
ولا شك أنَّ الراجح هو الرأي الأول ؛ إذ القصاص لا يكون إلا على حي ، ولا يمنع عدم القصاص من عقوبة منتهك حرمة الميت ولو بالدية أو بالأرش كما يقول الجمهور ومنهم الأباضية ، فالمهم المبدأ وهو تجريم منتهك حرمة الميت ، ومن ثَمَّ عقوبته بالعقوبة المناسبة ، وهذا الرأي هو الذي جنح إليه المشرع العماني.
المطلب الثاني: الموقف القانوني:
جاء في الباب الرابع في الجرائم التي تمس الدين والعائلة ، في الفصل الأول في الجرائم التي تمس الدين ، وتحت عنوان:  في انتهاك حرمة المدافن أو الجنازات ، نص المشرع الجزائي العماني في المادة 210 : يعاقب بالسجن من عشرة أيام إلى سنة أو بغرامة من عشرة ريالات إلى مائة كل من:
1- أقدم على انتهاك حرمة مدافن الموتى.
2- أزعج القائمين بمراسم جنازات الموتى ، أو انتهك حرمة الميت.
ولقيام جريمة انتهاك حرمة الميت ، لا بد من توفر ركنها المادي والمعنوي معا :
1- الركن المادي:
یشترط فیه أن یكون الفعل من شأنه امتهان حرمة الميت ، ویقوم على ثلاثة عناصر وهي:
أ‌- السلوك المجرم:
هو إتیان فعل یمس بحرمة الميت سواء كان الميت في القبر ، أو في غیره من أماكن الدفن ، وأياً كان فعل الانتهاك بنبش القبر ، أو ضرب الجثة ، أو إخفائها ، أو إتلافها ، أو تدنيسها ، أو تشويهها ، أو نحو ذلك.
ب‌- نتیجة الاعتداء:
النتیجة الجرمیة هي التي تؤدي إلى تغیير في الشكل الخارجي ، فبالنسبة لجریمة انتهاك حرمة الميت العامة نجد أن كل الأفعال تشترك في نتیجة جرمیة واحدة، وهي انتهاك حرمة الميت في أي مكان كان ، أي أنَّ النتیجة التي یجرمها القانون هي المساس بحرمة الميت بغض النظر عن مكانه.
جـ -علاقة السببیة:
یجب أن تتوافر رابطة السببیة بین السلوك المجرم ، والنتيجة المتحققة ، فإذا انتفت رابطة السببیة انتفت المسؤولیة والجريمة ، وتكون النتیجة المتمثلة في انتهاك حرمة الميت قائمة عندما ترتبط بالسلوك المتمثل في انتهاك حرمة القبر ، أو المدفن، أو القیام بدفن جثة ، أو إخراجها خفیة ، أو تدنيسها ، أو تشويهها ، أو إتلافها ، ونحو ذلك من الأفعال التي يقوم بها الجاني.
2- الركن المعنوي:
كأي جريمة أخرى لابد من تحقق الركن المعنوي فيها ، وإلا فلا جريمة ، وجریمة انتهاك حرمة الميت لا بد في تحققها من كونها جریمة عمدیة ، أي لا بد من توفر القصد الجنائي فیها ، ووفقا للقواعد العامة یقوم القصد الجنائي على عنصرین هما: العلم والإرادة ، بمعنى أنه یجب أن یكون الجاني على علم بأن الفعل الذي یقوم به مكون لجریمة یعاقب علیها القانون ، وأن تتجة إرادته إلى الاعتداء على حرمة الميت ، وأن تكون إرادته حرة عند القیام بالجریمة ، أي خالیة من أي عیب ، أو إكراه، لأنه لا مسؤولیة على مكره.
الخاتمة:
وفي الختام فقد خلص البحث إلى نتائج وتوصيات أهمها وأبرزها ما يأتي:
أن الموت مفارقة الروح للجسد ، والميت من فارقت روحه جسده، وقد ضعت الشريعة الإسلامية ، والقانون العماني جملة من التشريعات والأحكام لاتنهاك حرمة الميت ، واعتبرت التعدي على الأموات من الجرائم التي تسم حقوقه كما لو كان حيا، فقررت العقوبـات التعزيرية المناسبة لذلك ، وهي السجن أو الغرامة، كما رأينا في المادة رقم (210) من قانون الجزاء العماني.
وحيث إن مثل هذه الجراتم لها عقوبات قد يجهل كثير من الناس عواقبها ظناً منهم أن لاعتبار لحرمة الاموات ، فإننا نوصي بتوسيع المجال التشريعي فيما يتعلق بحماية حقوق الأموات ، والحفاظ على كرامتهم من التعدي على هذه الحقوق من قبل المستهترين والجهال، كما نوصي بنشر هذه القوانين والأحكام في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق الاجتماعية عبر المجلات والندوات والخطب والمحاضرات لنشر التوعية بهذا الأمر وأهميته، وذلك منعا من وقوع الناس في مثل هذه الجرائم التي لا يقدر بعضهم خطورتها وجسامتها شرعا وقانون.
المراجع :
1 – إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات، وآخرون، المعجم الوسيط، دار الدعوة، تركيا، بدون سنة طبع.
2 – ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، المصنف، دار الفكر، بيروت، سنة 1994م.
3 – ابن حزم ، علي بن أحمد الأندلسي، المحلى بالآثار، دار الفكر، بيروت، ط1.
4 – ابن عابدين ، محمد أمين ، حاشية رد المحتار على الدر المختار ، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط2 ، 1966م.
5 – ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، القاهرة ، 1399هـ.
6 – ابن قدامة ، عبد الله بن أحمد، المغنى ، مكتبة القاهرة، ط1، سنة 1968م.
7 – ابن منظور، أحمد مكرم ، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط 3، سنة 2004.
8 – أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، المكتبة العصرية، بيروت.
9 – ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، دار إحياء الكتب العربية، البابي الحلبي، بيروت.
10 – أحمد، أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد، مؤسسة الرسالة، ط1، سنة 2001م.
11 – أحمد عبد الحميد الدسوقي، الحماية الموضوعية والإجرائية لحقوق الإنسان في مرحلة ما قبل المحاكمة ، ط1 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، سنة 2007م.
12 – الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط:1 ، سنة 2001م.
13 – البخاري، محمد بن إسماعيل، المسند الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، دار ابن كثير، دمشق، ط:1، سنة 2002م.
14 – صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، سنة 1991م.
15 – البهوتي ، منصور بن يونس، كشف القناع عن متن الإقناع، دار الفكر، بيروت، ط سنة 1968م.
16 – جيرار كورتو، معجم المصطلحات القانونية، ط2، مجد للدراسات والنشر، بيروت، 2009م.
17 – حسن علي الشاذلي ، الجنايات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون، دار الكتاب الجامعي ، مصر ، ط2.
18 – خلفان بن جميل العماني ، جلاء العمى شرح ميمية الدما ، معهد القضاء الشرعي، مسقط ، عمان ، ط2 ، 1992م.
19 – خيري أحمد الكباش ، الحماية الجنائية لحقوق الإنسان ، دراسة مقارنة ، دار الجامعيين ، سنة 2002م.
20 – الرازي ، محمد بن أبي بكر ، مختار الصحاح ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1967م.
21 – الزيلعي، عبد الله بن يوسف، نصب الراية، مؤسسة الريان للطباعة والنشر، بيروت، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، السعودية، ط1، سنة 1997م.
22 – سعید بن مبارك دخیل الأكلبي، الموت الدماغي والآثار المختلف فیها المترتبة علیه، مجلة كلیة الدراسات الإسلامیة والعربیة، جامعة الأزهر، الاسكندرية، مصر.
23 – السيوطي ، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن ، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود ، دار ابن حزم ، بيروت، ط1 ، سنة 2012.
24 – عبد الحكيم ذنون الغزال ، الحماية الجنائية للحريات الفردية ، منشأة المعارف ، الإسكندرية، 2007م.
25 – عبد العزيز محمد ، الحماية الجنائية للجنين ، دار النهضة ، القاهرة ، سنة 1998م.
26 – عبد الكريم بن محمد اللاحم ، فقه الجنايات والحدود ، دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض ، السعودية ، ط1 ، سنة 2011م.
27 – العز بن عبدالسلام ، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط سنة 1991م.
28 – عهود الجرادية ، وهج الخليج ، مقال بعنوان: بعد انتهاكهم حرمة المقابر.. مغردون يطلقون حملة استياء من بعض سُيَّاح ظفار، الرابط : https://www.wa-gulf.com/996366
29 – عودة، عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، طبعة منشورات الحلبي، سنة 2009م.
30 – الفراهيدي، الخليل بن أحمد ، العين، دار ومكتبة هلال ، القاهرة.
31 – الكندي ، أبو بكر بن أحمد بن عبد الله، المصنف في الأديان والأحكام، طبعة وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى