
إنجاز: عبد الصمد نيت أكني
الموضوعية: إطلاق أم تنسيب
إنجاز: عبد الصمد نيت أكني
بسم الله الرحمان الرحيم
معلوم أن كل باحث يبذل ما في وسعه لأن يكون بحثه علميا يستوفي ما تعورف عليه في البحث العلمي من مناهج وشرائط تنأى بالفعل البحثي عن الاعتباطية في جمع المعلومات، ودرسها، وعرضها.
إلا أن السعي إلى غاية العلمية هاته سيظل نسبيا ما دام الباحث يتأثر في فعله البحثي بمؤثرات خارجية قد تحول بينه وبين التقيد اليوتوپــي بشروط البحث العلمي، وأدبياته.
وتعد الذاتية من هذه المؤثرات إن لم تكن أبرزها، ومعناها: إقحام الـذات في الموضوع بدل دراسة هذا الأخير دراسة تتغيّا ما هو كائن بعيدا عن استصحاب أي أحكام مسبقة، أو ميولات مؤدلجة، أو إسقاطات متعسفة.
وكل باحث يعي أهمية تنزيه البحث عن أي مظهر ذاتي، ولكن الفعل البحثي قد يتسلل إليه شيء من ذلك دون شعور، ويدرِك هذا التسرب من مارس البحث العلمي، وخبر قواعده، ونخـع بحدود التفرقة بين المعرفي والإيديولوجي.
إن تقويم البحث من جهة خلوه من الذاتية هو من مهمات القارئ وليس الكاتب؛ لأن هذا الأخير يحجبه حسن الظن بنفسه عن درك ما في بحثه من ثغرات ذاتية، وإن حاول التدقيق فيه، وإعادة النظر فيما ينبغي إصلاحه، وتصحيح مساره.
ومهما يكن من أمر؛ فالموضوعية باعتبارها من أبرز أسس البحث العلمي محالٌ تحققها وتمثلها بإطــلاق في جميع البحوث؛ لأسباب، منها:
- الأول: وضع الموضوع في بعض العلوم مؤثر في مدى قابليته لتنزيل الموضوعية المطلقة فيه، كتلك العلوم التي يَدرُس الإنسان فيها الإنسان؛ “لذلك ينعدم إمكان قيام معرفة موضوعية بظواهر المجتمع والإنسان نظير تلك التي نلفيها في علوم الطبيعة” (1).
- الثاني: للباحث اختيارات مسبقة تتحكم فيه دون شعور عند إرادة البحث في موضوع ما، فلا وجود لباحث خلو من فكر مسبق تَكَوَّن لديه بمرافقة دائمة لما أنتجه العقل الإنساني في مختلف الحقول المعرفية، وبخاصة في مجال الموضوع المدروس ذي الصلة بالظواهر الإنسانية والاجتماعية.
- الثالث: جعلُ الموضوعية معيار وجود العلمية من عدمها في البحث تقديسٌ للموضوعية، واحتكار للعلمية بمعيار وثنـي يستحيل الوفاء له مطلقا، وإن ساغ الخضوع له نسبيا، فإطلاق الموضوعية حكم ذاتي ناتج عن تصنيم هذا المبدأ، ليُفرد بطقوس صارمة، لنيل جزاء العلمية فيما بعد.
لا يعني هذا أن الباحث يستغني عن أساس الموضوعية في بحثه، وإنما القصد هو تجاوزُ هذه القداسة التي حظيت بها الموضوعية إلى حد التوثين، وتقريرُ نسبيتها بنسبية الساعي إلى تمثلها في فعله البحثي، فالتجرد مطلوب، ولكنه بالنسبة إلى حال الطالب، لا بالنسبة إلى ما تمليه النزعة الشمولية التي تسعى إلى فرض أسس العلم التجريبي الأمپيريقي على باقي العلوم الإنسانية، والاجتماعية، إنها نزعة إيديولوجية “تفصح عن نفسها في شكل دعوة علموية” (2)، “إنها اللحظة التي يجري فيها تحويل العلم إلى إيديولوجيا، إلى معتقد (dogme) يشاكل سائر المعتقدات التي ينتحلها الناس لأنفسهم” (3).
لكي يكون الباحث في فعله البحثي موضوعيا يحاول -ما أمكن- النظر في الموضوع المدروس كأنه بريء وخال من أي حكم إلى أن تثبت إدانته بسلطة المعرفة، فإن بدا له أو لغيره -فيما بعد- شيء من الذاتية؛ فإن قَلَّتْ؛ فالنادر لا حكم له، وإن كثرت؛ فالأقل تبع للأكثر، وللأكثر حكم الكل، وأما النظر إلى الموضوعية بِحَدِّيةٍ فتحكُّمٌ محض، وتحجير لواسع، وبخاصة في العلوم الإنسانية، والاجتماعية.
فإن قلتَ: إن تنسيب الموضوعية تقديسٌ كإطلاق الموضوعية تماما، قلتُ: قياس مع فارق، فالتنسيب لا يمنع العمل بالموضوعية كما تقدم، أما مبدأ الإطلاق فيمنع قبول بحث فيه ذرة من ذاتية؛ فهو -إذن- مبدأ ميّت ومميت.
حينما تُحتكر صفة العلمية بشرائط وثنية كالموضوعية المطلقة، فاعلم أن الداعي إليها لا تخفى عقيدته التوتاليتارية التي تؤمن بضرورة تذويب جميع الحقول المعرفية في كُـلٍّ أحادي تستنجد بالعلم التجريبي، وتنطق باسمه، وهي عقيدة عنفية رأيُها الوثني إن خولف يقع المخالِف تحت طائلة قانونها الشمولي القاضي بحكم نهائي ينفي صفة العلمية من قوله، ومِن قول كل مَن حاد عنها.
صحيح أنه “لا خلاص إلا في الاستقلال” (4) بتعبير أبي حامد الغزّالي، ولكن ينبغي رعي الشرط الواقعي عند تنزيل مصداقه في العلوم الإنسانية، والاجتماعية، فالمستقِل إنسان، والإنسان شعور، وفي كبح الشعور عند بحث الموضوع محلُّ النزاع، فالمثالي لا يصغي إلى المستقل وخصوصيته؛ فأتى بمقولة الموضوعية المطلقة، ونادى بتعميمها، والواقعي ينطلق من حال هذا المستقل وطبيعة تفاعلاته مع الموضوع، فلم ينكر الموضوعية بإطلاق، ولم يقل بإطلاقها، ولم يناد بكليانيتها، فقد يكون تحييد الذات بإطلاق مستساغا في البحث التجريبي الأمپيريقي بنسب كبيرة، وقد يكون مشكلا في البحوث الأخرى التي تتميز موضوعاتها بقابلية تأثّرِها بالذات من وجه ما؛ فيكون الفعل البحثي مشوبا بعوائق معرفية، تختلط فيه المعرفة العامية بالمعرفة العلمية بالمعنى الباشلاري، وبعبارة أخرى، “مساحة الموضوعية في العلم الطبيعي أوسع من مساحتها في العلم الإنساني، والاجتماعي، بيان ذلك أن موضوع العلم الأول (=الطبيعة) مستقل وخارجي عن الذات الدارسة، وهامش تدخل هذه في موضوعها ضئيل جدا. أما في العلوم الاجتماعية، والإنسانية فموضوع الدراسة (الإنسان) هو عينه الذات الدارسة، مما يتعذر معه تحقق الاستقلالية التي هي شرط لازب للموضوعية، أي لما يشكل أساسا مكينا لكل يقين علمي” (5).
إن تنزيه الفعل البحثي عن أي منزع إيديولوجي أمر مطلوب حتى تكون النتائج أقرب إلى الواقع الحقيقي للموضوع المدروس، وإلا كانت النتائج على وفق ما يريده الباحث، لا على ما عليه واقع الموضوع، فالتضليل الواعي، واللاوعي، والمصلحة المتغيّاة في البحث لا تنتج إلا ذاتية الباحث، بحيث لا تطابق ذات الكون، وإنما “تطابق ذات الإنسان في الكون” (6)، وبالتالي لا تقدم معرفة قابلة لإعادة النظر فيها نقدا، وتقويما، وتصحيحا، لعدم خلوص نية الباحث من نزعاته المصلحية، والتسويغية، والتزييفية؛ وذلك “لعدم طلبه الحق بطريق النظر” (7) أو كما عبر أبو حامد الغزّالي.
وفي الوقت الذي نتحفظ فيه عن هذه النزعات الإيديولوجية أو”الفكرانية” (8) بلغة طه عبد الرحمان ليس من الإنصاف اتخاذُ موقف كليّاني يعلي من شأن الموضوعية إلى حد التصنيم بمعناها المطلق المتداول في العلوم الطبيعية، وليس من الإنصاف كذلك المناداة بل السعي العملي إلى محاولة تبيئتها في العلوم الإنسانية، والاجتماعية، كما صنع من قبل أوغست كونت –صاحب التحقيب الثلاثي لتطور التفكير الإنساني- حينما بنى علم الاجتماع على منطق العلوم الطبيعية، وأطلق عليه اسم الفيزياء الاجتماعية، “يكون للظواهر الإنسانية بمنزلة علم الفيزياء بالنسبة للظواهر الطبيعية” (9).
هذا واللافت للنظر أن مصطلح الإيديولوجيا ومصطلح المعرفة؛ كليهما -زيادة على جدليتهما- يشترك في خاصية إمكانية التحول، فيسوغ اتصاف فعل بحثي ما لباحث ما بمدلول هذين المصطلحين، ومعنى ذلك أنه أحيانا قد تجد الباحث في بحث معين يمجّ الإيديولوجيا، وهو متلبس بها في بعض جزئيات بحثه دون شعور، وقد تجد الباحث نفسه في البحث نفسه يصدّر بحثه بمقدمة منهجية يؤكد فيها على تحريه الموضوعية المطلقة، والحالُ أنه عنها بعيد، وفي أحسن الأحوال يكون قريبا من الموضوعية النسبية.
ولهذا فيصعب إيجاد عمل خالص من الأدلجة لصالح المعرفة، أو إيجاد عمل مستوف للشرط المعرفي على حساب الإيديولوجي، فالحكم -إذن- على عمل ما متعلق بكل مفردة مفردة من ذلك العمل، وعلى حسب طبيعتها تُنزَّل الأوصاف، وتستبان الحقائق، وفي هذا السياق يقول محمد عابد الجابري: “إن في كل إيديولوجيا جانبا معرفيا (الموضوعي)، وجانبا إيديولوجيا (الذاتي)، الجانب الأول يعبر عادة عن الواقع الاجتماعي السياسي الثقافي؛ بمعنى أنه نتيجة تحليل لهذا الواقع، على هذه الدرجة أو تلك من الموضوعية والروح العلمية، أما الجانب الثاني فهو يعبر عن المصالح، والرغبات، والتطلعات” (10).
إن توجس الباحث من الوقوع في الأدلجة أمر صحي؛ لأنه يجعله في وضعية المراقب لأفكاره، فينتقي منها ما يراه أبعد عن أي لوثة إيديولوجية وأقرب إلى الموضوعية النسبية، والجزمُ بخلو فعله البحثي من الأدلجة وبتنزيله الحرفي للموضوعية المطلقة مجرد كلام لا يغني عن تتبع نتائج بحثه، وإخضاعها للنقد وفق ثنائية الإيديولوجي والمعرفي، للوقوف عند حقيقة هذه النتائج على ما هي عليه في الواقع، لا في ذهنية الباحث.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهـوامش:
1)- عبد الإلاه بلقزيز، الثقافة المعرفة والإيديولوجيا، (ص: 109)، دار الساقي، ط: 1/ 2024م.
2)- عبد الإلاه بلقزيز، الثقافة المعرفة والإيديولوجيا، (ص: 107).
3)- عبد الإلاه بلقزيز، الثقافة المعرفة والإيديولوجيا، (ص: 108).
4)- أبوحامد الغزّالي، ميزان العمل، (ص: 409)، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف مصر، ط: 1/ 1964م.
5)- عبد الإلاه بلقزيز، الثقافة المعرفة والإيديولوجيا، (ص: 25).
6)- عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، (ص: 10)، المركز الثقافي العربي، ط: 8/ 2012م.
7)- أبوحامد الغزّالي، ميزان العمل، (ص: 409)، بتصرف يسير.
8)- معرفة أسباب تفضيل طه عبد الرحمان مصطلح الفكرانية على مصطلح الإيديولوجيا ينظر كتابه: تجديد المنهج في تقويم التراث، (ص: 24-25)، المركز الثقافي العربي، ط: 2.
9)- محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، (ص: 42)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 1/ 1997م.
10)- محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر دراسة تحليلية نقدية، (ص: 200)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 5/ 1994م.





