نحو مراجعة التوجه القضائي بإسناد الاختصاص لقضاء الموضوع في طلبات رفع الحجز الضريبي في ضوء الأثر الواقف للطعن بالنقض – محند بوكوطيس

نحو مراجعة التوجه القضائي بإسناد الاختصاص لقضاء الموضوع في طلبات رفع الحجز الضريبي في ضوء الأثر الواقف للطعن بالنقض
د. محند بوكوطيس
دكتور في العلوم القانونية والسياسية
محام بهيئة الدار البيضاء.
استقر بشكل مجمل القضاء الإداري وعلى مستوى أعلى هيئة قضائية، على أن طلبات رفع الحجز التي تباشر في نطاق إجراءات تحصيل الضرائب (طلبات رفع الحجز على الحساب البنكي وعلى الأموال المودعة لدى الغير العائدة للمدين عن طريق الإشعار للغير الحائز، طلبات رفع الحجز على الرسوم العقارية، طلبات التشطيب على الرهون…)، لا تندرج من حيث الأصل، ضمن اختصاص القضاء الاستعجالي، خلافا لما هو عليه الأمر على مستوى القضاء المدني (بمفهومه العام)، هذا التوجه القضائي الذي يشكل تراجعا عن الموقف القضائي للقضاء الإداري في البداية، الذي كان يعتبر أن طلبات رفع الحجز والتشطيب على الرهون وبما أنها مرتبطة بإجراءات التحصيل الجبري للدين الضريبي، فتبقى من اختصاص القضاء الاستعجالي باعتبارها طلبات وقتية، تطبق عليها الشروط التي استقر عليها الاجتهاد القضائي لقبولها (توفر شرطي الاستعجال وجدية المنازعة).
وبنى التراجع على هذا التوجه، كون الفصل في الطلب رفع الحجز، يقتضي التعرض لمشروعية إجراء الحجز، أو التحقق من أساس المديونية الضريبية، ومن ثم، فإن العبرة حسب هذا التوجه القضائي ليست بمجرد اتصال الطلب بإجراء من إجراءات التحصيل الجبري، وإنما بآثاره القانونية، وبما إذا كان البت فيه يتقضي حسم مسألة تمس أصل الحق، وأن البت يفترض بالضرورة أن تتصدى المحكمة للأساس القانوني الذي قام عليه، وأن تتحقق من مدى توافر شروطه ومن سلامة المديونية الضريبية، مما يدخل في صميم المنازعة الموضوعية، ولا ينسجم مع الوظيفة الأصلية للقضاء الاستعجالي باعتباره قضاء وقتيا لا يفصل في أصل الحق، مما ينعقد معه الاختصاص لقضاء الموضوع. مع تمييز هذا التوجه القضائي بين الطلب الرامي إلى إيقاف إجراء من إجراءات التحصيل الجبري كتدبير وقتي، وبين الطلب الرامي لرفع الحجز الضريبي، فالأول يندرج ضمن اختصاص القضاء الاستعجالي، في حين أن الثاني، يتخد طبيعة موضوعية تقتضي عرضه على قضاء الموضوع.
ورغم ما ينطوي عليه هذا الموقف القضائي من قوة في التأصيل ووجاهة في منطقه القانوني، فإنه أصبح بحاجة إلى إعادة النظر في ضوء مستجد تشريعي جوهري، يتمثل في إقرار المشرع لقاعدة وقف التنفيذ في المادة الإدارية بمجرد سلوك طريق الطعن بالنقض (مقتضيات المادة 383 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية)، بما من شأنه أن يعيد ترتيب الأثر التنفيذي للقرارت القضائية الصادرة في المادة الإدارية المطعون فيها بالنقض، ويستوجب بالتالي إعادة تقييم الأساس الذي أقيم التوجه القضائي القاضي بإخراج طلبات رفع الحجز لضريبي من اختصاص القضاء الاستعجالي.
ولنفترض مثلا حالة إيقاع حجز غير مشروع عن طريق الإشعار للغير الحائز على حساب بنكي، فرفعه يتطلب حسب التوجه القضائي المستقر عليه، تقديم دعوى في الموضوع، وأن صدور قرار قضائي برفع الحجز (لأي سبب من أسباب الطعن)، يقتضي تنفيذه استغراق جميع الطعون (الطعن بالاستئناف، الطعن بالنقض)، مما يتطلب معه زمن قضائي ليس بالهين، وهو ما لا يتلاءم مع طبيعة وآثار المرتبتة عن الحجز، الذي ينطوي على تدخل مباشر في الذمة المالية، وقد يؤدي إلى تعطيل الانتفاع بالأموال المحجوزة، وتعطيل العمليات المالية الجارية للشخص المحجوز عليه، بما في ذلك الوفاء بالتزاماته تجاه الغير أو الوفاء بأجور مستخدميه، وتنفيذ التزاماته التجارية والمهنية، خاصة أنه من الناحية العملية وفي تأويل غير قانوني، تلجأ البنوك إلى إيقاف الحساب البنكي ككل، وليس فقط تجميد أو تحويل المبلغ المالي المحجوز عليه للجهة الحاجزة. وهو ما قد ينشئ ضررا أو أضرار يتعذر أو يصعب تداركها بعد صدور قرار نهائي برفع الحجز بعد سنوات من التقاضي.
ومن هذه الزاوية، يجب إعادة النظر في التوجه القضائي الذي يصف طلب رفع الحجز بكونه منازعة موضوعية، وما دام أن الطلب لا يستهدف حسم أصل المديونية أو إبطال الدين الضريبي، وإنما لتفادي الآثار المترتبة عن إجراء التحصيل الجبري عن طريق الحجز، واتخاذ تدبير مؤقت لرفع الحجز كلما توفر عنصري الاستعجال والجدية، كحماية استعجالية مستقلة عن النزاع الموضوعي، لحين فصل قضاء الموضوع في النزاع.
وتزداد وجاهة هذا الموقف، عندما يتم الإدارك بأن استمرار الحجز خلال كامل مراحل التقاضي، قد يجعل الحماية القضائية النهائية، رغم صدورها لفائدة الملزم، متأخرة عن تحقيق الغاية التي قصد منها اللجوء إلى القضاء، مادام أن الحكم الموضوعي برفع الحجز قابلا للطعن بالنقض ذي الأثر الموقف للتنفيذ.
وبالتالي فإن نقد الاتجاه القضائي الذي يعتبر أن اختصاص النظر في طلبات رفع الحجز الضريبي تندرج ضمن قضاء الموضوع، لا ينصب على مناقشة اختصاص هذا الأخير بالمنازعة الأصلية، وإنما على التمييز بين صورتين مختلفتين من الطلبات: الطلبات التي يرمي فيها المدعي الحصول على حكم نهائي يقرر عدم مشروعية الحجز ويرتب عليه آثاره النهائية، وهذه تظل من اختصاص قضاء الموضوع، والطلبات التي لا يرمي فيها المدعي سوى رفع آثار الحجز بصفة مؤقتة، لحين حسن المنازعة الموضوعية، طالما أن الحجز إجراء من إجراءات التحصيل الجبري (المادة 39 من مدونة تحصيل الديون العمومية)، وطالما أن جدية المنازعة قائمة. وهذه الصورة الأخيرة تبقى منسجمة مع وظيفة القضاء الاستعجالي، اعتبار طلب رفع الحجز وسيلة مؤقتة لحماية الذمة المالية من آثار إجراء تنفيذي قد يكون من شأن استمراره وقوع أضرار بليغة يصعب تداركها لاحقا.
ومن ثم، فإن المستجد التشريعي المتعلق بالأثر الواقف للطعن بالنقض في المادة الإدارية يعزز إعادة النظر في التوجه القضائي المستقر عليه، لأن إغلاق باب القضاء الاستعجالي أمام الملزم في مواجهة الحجز التنفيذي قد يؤدي إلى نتيجة مفادها أن الحماية من آثار إجراء تنفيذي مباشر لا تتحقق إلا بعد استنفاد مسار قضائي قد يمتد إلى مرحلة ما بعد النقض. في حين أن طبيعة القضاء الاستعجالي تقوم أصلا على توفير حماية قضائية سريعة ووقتية في مواجهة الضرر الذي لا يحتمل انتظار الخصومة الموضوعية. ولذلك يمكن الدفاع عن اتجاه قضائي أكثر توازنا، لا ينقل المنازعة الموضوعية إلى القضاء الاستعجالي، وإنما يتيح له التدخل مؤقتا في إجراءات الحجز الضريي بما في ذلك رفع الحجز، متى ثبت الاستعجال وكانت المنازعة جدية، مع إبقاء الحسم النهائي لمشروعية الحجز، وأساس المديونية من اختصاص قضاء الموضوع.





