في الواجهةمقالات قانونية

المسؤولية الجنائية عن نقل فيروس كورونا

 

المسؤولية الجنائية عن نقل فيروس كورونا المستجد

هشام أوهيا

باحث في العلوم القانونية

تترتب المسؤولية الجنائية عن العمل أو الامتناع عن العمل الذي جرمه القانون وعاقب عليه في نص من النصوص الجنائية، على اعتبار أن الإمساك عن العمل أو إتيانه يلحق الضرر بالمجتمع ككل، وقد أدلى العديد من الفقهاء بدلوهم في ما يخص مفهوم المسؤولية الجنائية، وقامو بوضع ما يرونه تعريفا جامعا مانعا للمسؤولية[1]، إلا إن معظم التعريفات كانت شديدة التقارب من بعضها البعض .

ويقصد بالمسؤولية الجنائية، تحمل الشخص لتبعات أفعاله الجنائية المجرمة بمقتضى القانون، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعقاب ولا تنفصل عنه، ونظرا لخطورة الأفعال الجرمية ومساسها بالنظام العام فإن العقوبات التي حددها المشرع لذلك غالبا ما تكون صارمة تتراوح بين الغرامات الزجرية، والعقوبات السالبة للحرية، و قد تصل لحد الإعدام في بعض الحالات الخاصة[2]، ويمكن القول أيضا أن  المسؤولية الجنائية هي التزام  شخص بتحمل نتائج أفعاله المجرمة بمقتضى القانون.

ويعتبر الفصل 132[3] من مجموعة القانون الجنائي المغربي قوام وأساس المسؤولية الجنائية حيث أن كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها، فالمشرع أخذ بمبدأ “شخصية المسؤولية الجنائية”، أي أنها ترتبط بشخص الفاعل فقط دون غيره، وهو الذي يتحمل تبعات أفعاله الجرمية، وعليه تطبق العقوبة المقررة لها، إلا أن هذا المبدأ ترد عليه استثناءات تتعلق بالمسؤولية الجنائية على فعل الغير، حيث نص عليها المشرع صراحة في نصوص خاصة.

هذا وقد أثارت المخاطر والأوبئة الفتاكة انشغالات العالم في الآونة الأخيرة، ولعل أبرزها اليوم فيروس كورونا المستجد  covid -19الذي ظهر في الصين لينتشر بعدها في جل بقاع العالم، ولا زالت معظم الدول المتقدمة علميا وتكنولوجيا عاجزة عن إيجاد لقاح مناسب للقضاء عليه، ويبدو أن فترة حضانة فيروس كورونا المستجد وهي الفترة ما بين انتقال الفيروس للشخص حتى ظهور أعراض الإصابة عليه، طويلة نسبيا وقد تختلف من شخص لآخر، إلا أن الأمر المقلق هو إمكانية انتقال هذا الفيروس بالعدوى في فترة الحضانة إلى الغير خلال هذه المدة، ولا تزال معدلات الوفيات بسبب هذا الفيروس في ازدياد مستمر في جل دول العالم، ونظرا لخطورة هذا الفيروس فقد عملت مختلف دول العالم ومنها المغرب على اتخاذ مجموعة  من التدابير والاحترازات الوقائية لمواجهته والحد من انتشاره، ولعل أبرز هذه الإجراءات إصدار مرسومين يتعلق الأول بالإعلان عن حالة الطوارئ[4]، بجل أنحاء المملكة وتقييد الحركة، في حين خصص المرسوم الثاني للأحكام الخاصة بحالة الطوارئ[5]، بالإضافة إلى العزل الصحي للأشخاص الذين ثبت إصابتهم بهذا الفيروس أو المشتبه فيهم بالإصابة به والحجر الصحي لكافة المواطنين والمواطنات وسن عقوبات في حال مخالفة تلك الأحكام.

وقد أثار هذا  الفيروس المستجد العديد من التساؤلات والإشكاليات القانونية في شتى المجالات منذ الإعلان عنه، وهو نفس النقاش الذي يحوم حول مسؤولية حامل هذا الفيروس، عن نقله إلى الغير عن طريق المخالطة إما عن قصد أو عن غير قصد نتيجة للتقصير والإهمال  ومعلوم أنه قد تترتب عنه الوفاة.

إشكالية الموضوع:

سأحاول الانطلاق من إشكالية مركزية تكون محور مقالي هذا مفادها:

  • ما مدى ترتب المسؤولية الجنائية عن نقل فيروس كورونا المستجد؟.

إن البحث في هذا الموضوع أكبر من أن يكون مجرد مقال سأتناوله على الشكل التالي:

أأأالمطلب الأول: التكييف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد.

المطلب الثاني: الوصف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد.

 

 

 

 

المطلب الأول: التكييف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد.

منذ البداية أقول على أن ظهور فيروس كورونا المستجد شغل اهتمام كافة الأوساط العالمية لما له من آثار خطيرة على صحة الإنسان وحياته، وعلى المجتمع ككل، وأن الإحصائيات المعلن عنها على مستوى العالم، تؤشر على كارثة إنسانية حقيقة قد تؤدي بأرواح الملايين من البشر إذا لم تتم السيطرة على هذا الفيروس وإيجاد لقاح مناسب له، فمرض فيروس كورونا المستجد مرض معد، يستهدف الجهاز التنفسي للإنسان المصحوب بأعراض مثل السعال وارتفاع درجة حرارة الإنسان، كما يسبب الالتهاب الرئوي في معظم الحالات بالإضافة إلى الوفاة في أقصى الحالات، ومعلوم أن هذا الفيروس ينتقل عن طريق العدوى عن طريق قطرات متناثرة في الهواء لمسافات قصيرة، أو على الأسطح المختلفة عندما يتحدث الشخص المريض الحامل لهذا الفيروس أو يسعل أو يعطس، فينبعث من جهازه التنفسي رذاذ يحمل مسببات العدوى، وهي عبارة عن قطرات مائية صغيرة جدا وهي التي تحمل الفيروس المسبب للمرض علاوة على أن هذا الفيروس ينتقل عن طريق المصافحة أو اللمس لأماكن لمسها الشخص المصاب.

وتثور المسؤولية الجنائية في حالة تعمد الشخص المصاب بفيروس كورونا المستجد نقله إلى الغير، وحقيقة فإن الوصول إلى وصف جرمي محدد قد يكون من الصعوبة بما كان، كما أن البحث في القصد الجنائي يزداد تعقيدا خاصة وأن هذا الفيروس لم يثبت بأنه فيروس قاتل (يمكن الشفاء منه)، ولهذا فإن التكييف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد ليس من السهولة بما كان، ولذلك فإن التكييف سيتم بناء على القواعد العامة في التجريم والعقاب.

ولا تتوقف المسؤولية الجنائية عند النقل العمدي لفيروس كورونا المستجد، إذ من الممكن أن تتم العدوى كذلك عن طريق الخطأ، كما إذا كان الشخص مصابا بالمرض ولم يتخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لوقاية غيره من العدوى، وقد يكون هذا الشخص أقرب المقربين له، زوجه أو أبنائه.

فنقل فيروس كورونا المستجد إلى الغير يعتبر جريمة مستجمعة لكافة أركانها القانونية حسب ما سيتم تناوله في المطلب الثاني.

 

 

 

 

 

المطلب الثاني: الوصف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد.

وبما أن التكييف القانوني لنقل فيروس كورونا المستجد قادنا إلى القول أنه جريمة يمكن المعاقبة عليها، فإنه وبالرجوع إلى مجموعة القانون الجنائي المغربي لا نجد أي نص صريح في هذا القانون يجرم أو يعاقب على نقل هذا الفيروس إلى الغير، إلا أنه يمكن أن تنطبق أوصاف بعض الجرائم العمدية على نقل فيروس كورونا المستجد إلى الغير، (الفقرة الأولى)، أو الجرائم غير العمدية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : نقل فيروس كورونا المستجد  إلى الغير عمدا.

منذ البداية أقول أن جريمة القتل، من الجرائم المعروفة قديما، وهي من أبشع الكبائر في جميع الديانات، ولقد تشددت جميع الشرائع في معاقبة الفاعل، حيث وإن اختلفت نظراتهم لهذه الجريمة، من حيث تحديد صورها ونوع العقوبات التي توقع على مرتكبيها[6].

أولا: نقل المرض إلى الغير بقصد قتله.

بالرجوع إلى الفقرة الأولى من الفصل 392[7]، من مجموعة القانون الجنائي المغربي، نجده قد عرف القاتل وليس القتل العمد، وخصص له عقوبة شديدة تصل إلى الإعدام إذا اقترنت بظرف من ظروف التشديد[8].

وهنا أقول أنه يتطلب لتحمل المسؤولية الجنائية  المترتبة عن نقل فيروس كورونا المستجد  ووصفها كجريمة قتل عمد نقل الجاني فيروس كورونا للضحية و يكون ھو السبب في إزھاق روحها، ولا يھم شكل أو وسيلة النقل، وفي نازلة الحال  يعني بالضرورة توفر ثلاثة عناصر تقليدية في الركن المادي للجريمة بصفة عامة، وتتمثل في نقل فيروس كورونا إلى الغير ويؤدي ذلك إلى نتيجة حتمية، ھي وفاة المجني عليه، وقيام العلاقة السببية بين فعل النقل والوفاة، (أي أن يكون نقل الفيروس عمدا إلى الغير هو السبب في وفاته).

والعلاقة السببية قد تكون واضحة لا يثور بشأنھا أي جدل، كما في الحالات التي يستعمل فيھا الجاني الوسائل المميتة عادة ويترتب عنھا الموت فورا كقتل الضحية عن طريق الخنق أو الإغراق أو الصعق الكھربائي أو بالطعنات أو الضربات النافدة إلى القلب أو المخ…الخ، ولكنه وفي نازلة الحال قد تكون ھذه العلاقة غير ظاھرة إما بسبب اشتراك أسباب أجنبية مع نشاط الجاني في موت المنتقل إليه هذا الفيروس، وھذه الأسباب التي قد تكون سابقة على فعل الاعتداء: (كتقدم الضحية في السن على اعتبار أن أغلب الوفيات التي سجلت في العالم كانت في فئة المسنين نظرا لضعف مناعتهم، أو معاناة الضحية من مرض مزمن…)  أو لاحقة له مثل :(التداوي أو الخطأ فيه، أو أخذ جرعات زائدة من دواء معين،  أو عدم الامتثال للأوامر المرسومة من قبل الطاقم الطبي في إطار العزل الطبي)، وإما بسبب طبيعة نشاط الجاني نفسه كما لو اقتصر على التأثير المعنوي على نفس الضحية، أو كانت الوسيلة المستعملة في الاعتداء غير كافية لإحداث الموت حسب العادي من الأحوال، ولم يثبت في نفس الوقت وجود أسباب أجنبية ساعدت على الوفاة[9] .

وليكتمل تكييف نقل فيروس كورونا المستجد على أنه جريمة قتل عمد لا بد من توفر الركن الثاني في جريمة القتل العمد، وھو القصد الجنائي بمعنى:  أن تتجه إرادة الناقل  إلى إتيان النشاط الصادر منه عن بينة واختيار، متوخيا بذلك  النتيجة الإجرامية المقصودة من ذلك النقل و التي ھي إزھاق روح المنقول إليه الفيروس، فمن يقوم بنقل فيروس كورونا إلى الغير بقصد قتله تقوم مسؤوليته جنائيا ويعد مرتكبا لجناية القتل العمد سواء حصلت الوفاة أم لا، دون اعتداد بوقت حصول الوفاة لأن الفاصل الزمني بين الفعل والنتيجة في جريمة القتل لا يؤثر على قيام الجريمة أو مسؤولية مرتكبها متى قام الدليل على توافر رابطة السببية بين الفعل الجرمي والنتيجة الإجرامية.

فجناية القتل العمد لا تقوم قانونا ولا يعاقب عليھا إلا إذا ارتكبت عن قصد وعمدا  (الفصل133ق.ج)،  إذن فالقصد الجنائي ھو قوام الركن المعنوي في جريمة القتل العمد وبانتفائه تنتفي الجريمة بھذا الوصف، فبواسطته يمكن التمييز بين حالات القتل العمد الفصل (392ق.ج). والقتل الخطأ الفصل (432ق.ج.)؛ والإيذاء المفضي إلى الموت (الفصل403 ق.ج). حيث أن الفعل الذي يفضي إلى إزھاق الروح يتأثر بمدى اتجاه إرادة الفاعل إلى  إحداث النتيجة الإجرامية  أم لا.

ثانيا: محاولة نقل فيروس كورونا المستجد بنية القتل.

بتفحصنا للفصل 114[10] من مجموعة القانون الجنائي المغربي نجد المشرع ، عاقب على محاولة ارتكاب جناية، بأعمال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكابها سواء تحققت النتيجة المرجوة من ذلك أم لا، واشترط في الجنح نصا خاصا للمعاقبة على محاولة ارتكابها، وبما أن التكييف القانوني دفعنا إلى القول أنه يمكن قيام المسؤولية الجنائية عن نقل فيروس كورونا المستجد إلى الغير بنية قتله، فيمكن تصور المحاولة في هذه الحالة بحيث إذا توفرت لدى الجاني نية القتل ولو لم تحصل النتيجة الإجرامية لأسباب خارجة عن إرادته، فيمكن مسائلته إذا ثبت أن الشخص المصاب بفيروس كورونا المستجد كان قاصدا قتل ضحيته عن طريق نقل الفيروس إليه، ولم تحصل النتيجة الإجرامية لأسباب خارجة عن إرادته طبقا لمقتضيات الفصل 114 من مجموعة القانون الجنائي المغربي[11](كتماثل المريض للشفاء، …).

ثالثا: نقل فيروس كورونا المستجد كإعطاء مواد ضارة أفضت إلى الموت.

باستقرائنا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 314 من مجموعة القانون الجنائي نجدها تنص على أنه:” يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، من سبب لغيره مرضا أو عجزا عن الأشغال الشخصية، بإعطائه عمدا، وبأية وسيلة كانت، بدون قصد القتل، مواد تضر بالصحة[12]….”.

وهنا أقول بأن المواد الضارة هي كل مادة من شأنها أن تحدث خللا في وظيفة الجسم، وبما أن فيروس كورونا المستجد يستهدف الجهاز التنفسي بهدف القضاء عليه وتدميره، ويحدث خللا في عضو من أعضاء الجسم، فحقيقة يمكن تطبيق هذا النص على اعتبار نقل فيروس كورونا المستجد من قبيل إعطاء مواد ضارة قد تؤدي للوفاة، وسواء تحققت النتيجة أم لا.

الفقرة الثانية: نقل فيروس كورونا كجريمة قتل خطأ.

كما هو معلوم فإن الفقه في مجمله يتفق على كون الجريمة هي مصدر المسؤولية الجنائية، إلا أن تحديد العناصر المطلوبة في الجريمة كأساس للمسؤولية الجنائية محل خلاف، وذلك بهدف التوسع في نظرية الجريمة، بحيث يكفي القول بوجود جريمة من الناحية القانونية صدور تصرف من شأنه النيل من المصلحة محل الحماية المقررة من قبل المشرع، أو تعريضها للخطر .

وتعتبر جريمة القتل الخطأ من الجرائم المادية لا الشكلية حيث تمثل النتيجة الإجرامية ورابطة السببية أهمية كبيرة في البناء القانوني لهذه الجريمة، فما لم تحدث الوفاة فلا قيام للمسؤولية الجنائية عن القتل غير العمد إذا لا تتصور المحاولة في نطاق هذه الجريمة، وإن كان ذلك لا يحول دون قيام مسؤولية الفاعل عن جريمة القتل الخطأ إذا توافرت عناصرها حسب ما هو وارد في الفصل 432 ق ج[13]، فمن غير الممكن أن يشرع إنسان في قتل لا يقصد أصلا إحداثه حتى يقال أنه شرع في تحقيقه، وكذا فإن المشاركة في هذه الجريمة غير متصور لأنه لا يمكن أن ينسب إلى إنسان الاتفاق أو التحضير أو المساعدة على حدث غير متوقع أصلا منه ، فجرائم القتل الخطأ من الجرائم التي يعاقب المشرع الجنائي مرتكبيها وإن انعدم في نفوسهم القصد ولم يكونوا يريدون إحداث ما حصل من نتائج سلبية، ويؤسس المشرع العقاب في مثل هذه الحالات على ارتكاب الفاعل الخطأ مما سبب في حصول النتيجة الإجرامية.

فالحكمة من التجريم والعقاب تكمن في الحرص على أرواح الناس، والرغبة في حماية سلامتهم وصحتهم، فلا ينالهم سوء ولا أذى ولو كان هذا الأذى ناجما عن خطأ لا عن قصد

فقولنا أن نقل فيروس كورونا إلى الغير المتوفى يعتبر جريمة قتل خطأ يقوم العقاب عليها باعتبارها جريمة غير عمدية قوامها الخطأ الجنائي، ارتكب بعدم التبصر، أو عدم الاحتياط، أو عدم الانتباه، أو الإهمال أو عدم مراعاة النظم والقوانين، على أساس تحقق العنصر المادي لجريمة القتل الخطأ بتوفر عناصره الثلاثة: صدور نشاط من الجاني المتمثل في انتقال  فيروس كورونا المستجد إلى الضحية نتيجة عدم التزامه بإجراءات العزل الطبي المفروض على المصابين بفيروس كورونا المستجد من قبل السلطات المختصة، أو نشر رذاذه في أماكن عامة أو أي سبب آخر وأن تكون الإصابة عن طريق النقل هي السبب المباشر في حدوث الوفاة[14].

وعلاوة على ذلك يجب تحقق الركن المعنوي لهذه الجريمة المبني أساسا على سلوك خاطئ من طرف الفاعل الناقل لهذا الفيروس، دون استهداف تحقيق النتيجة الإجرامية التي ترتبت عن هذا النقل، وبالرجوع إلى الفصل 432 من مجموعة القانون الجنائي نجد بأن المشرع المغربي عاقب في الحالة العادية على هذه الجريمة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة مالية من 250 درهم، إلى 1000 درهم، وبذلك فإن العقوبة المقررة   لهذه الجريمة تجمع بين الحبس والغرامة دون أن يترك للقاضي حرية الاختيار بينهما، مع إمكانية تخفيفها طبقا للفصل 149 من ق.ج[15].

 

 

خاتمة:

وصفوة الختام أقول بأن المسؤولية الجنائية هي تلك الرابطة التي تقوم بين الواقعة الإجرامية التي تعد جريمة في نظر القانون من جهة، والمتهم بتلك الواقعة من جهة أخرى، .ولعل موضوع المسؤولية الجنائية عن نقل فيروس كورونا المستجد  سيكون محل اهتمام الفقه الجنائي وسيسيل مداد الباحثين في المجال القانوني.

وبناء على كل ما سبق فالأساس في قيام المسؤولية الجنائية عموما مبني على حرية الاختيار والإدراك، فالإنسان متى كان حرا في إتيان السلوك الإجرامي من عدمه أصبح محل قيام مساءلته جنائيا.

هذا بالإضافة إلى الإدراك  فالشخص إذا اختلطت عليه الأمور فاستوى لديه المباح بالمحظور، و فقد بذلك عناصر التركيبية الذهنية في إتيان أصل الفكرة محل الدراسة كانت الغاية من عقابه دون جدوى، ذلك أن هذه الغاية تكمن في الردع و الإصلاح، فإذا أنزلنا الجزاء عليه كنا بصدد الانتقام منه و ليس بتحقيق هذا الردع و الإصلاح.

و قد تتعدد هذه الظروف التي تحل على إرادة الشخص فتفقده حرية الاختيار والإدراك  فتكون بصدد موانع المسؤولية الجنائية، وهذه الموانع عددها المشرع المغربي في العاهات العقلية وصغر السن بالنسبة للمنصوص عليهم بصورة صريحة، وفي نص قانوني إضافة إلى ما لم يرد بشأنه نص خاص.

في انتظار ما سيسفر عنه الاجتهاد القضائي بهذا الخصوص، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 

 

 

 

 

 

 

انتهى بحمد الله

[1] – سامي النصراوي” النظرية العامة للقانون الجنائي المغربي في الجريمة والمسؤولية الجنائية” . الجزء الأول.

الطبعة الثالثة  1991، ص: 120.

[2] – عبد القادر العرعاري، مصادر الالتزامات الكتاب الثاني- المسؤولية المدنية، مطبعة الأمنية، الرباط ، الطبعة الرابعة 2015 ، ص 15.

[3]– ينص الفصل 132 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنه:” كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن:- الجرائم التي يرتكبها. -…….”.

[4] – وذلك بمقتضى مرسوم رقم 2.20.293 صادر في 29 رجب 1441 (24 مارس 2020)، المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني بمواجهة تفشي فيروس كورونا – كوفيد 19، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر 29 رجب 1441 (24 مارس 2020)، ص:1783.

[5] – وذلك بمقتضى مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الصادر في 28 رجب 1441 (23 مارس 2020)، المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر 29 رجب 1441 (24 مارس 2020)، ص: 1782

[6] – جلال تروت، جرائم الاعتداء على الأشخاص ، نظرية القسم الخاص، عدم ذكر المطبعة والطبعة، ص 304.

[7] – تنص الفقرة الأولى من الفصل 392 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنه:”كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا، ويعاقب بالسجن المؤبد…”.

[8] – عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، مطبعة النجاح الجديدة الطبعة السادسة، 1434 ، 2013، ص 229.

[9] – ولقد كانت دراسة السببية ولاسيما في حالة تعددھا مبحثا لاجتھادات فقھية ھامة وتتلخص هذه الاتجاھات الفقھية السائدة في ھذا الخصوص في ثلاث اتجاھات: (نظرية السبب المباشر، -نظرية السببية المناسبة أو الملائمة، نظرية  تعادل الأسباب…).

[10] – ينص الفصل 114 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنه:” كل محاولة ارتكاب جناية بدت بالشروع في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها، تهدف مباشرة إلى ارتكابها، إذا لم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها، تعتبر كالجناية التامة ويعاقب عليها بهذه الصفة.

[11] – انظر الفصل 114 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[12] – انظر الفصل 314 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

[13] – ينص الفصل 432 من القانون الجنائي على أنه : من ارتكب، بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته النظم أو القوانين، قتلا غير عمدي، أو تسبب فيه عن غير قصد، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلى ألف درهم.

[14] – للتوسع أكثر انظر الحسين بلوش ، المختصر في شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، عدم ذكر المطبعة طبعة 2015، ص 51.

[15] – عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، مطبعة النجاح الجديدة الطبعة السادسة، 1434 ، 2013، ص 286.- هذا وقد شدد المشرع العقاب على القتل الخطأ في الفصل 434 من ق.ج، حيث جاء فيه، “تضاعف العقوبات المقررة في الفصلين السابقين 432-433، إذا كان الجاني قد ارتكب الجنحة وهو في حالة سكر أو كان قد حاول التخلص من المسؤولية الجنائية أو المدنية التي قد يتعرض لها، وذلك بفراره عقب وقوع الحادث أو تغيير حالة مكان الجريمة أو بأية وسيلة أخرى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى