اعداد المجلةسلسلة الابحاث الجامعية و الأكاديميةفي الواجهة

سلسلة الأبحاث الجامعية والأكاديمية : العدد 29 فبراير 2020 – المسؤولية الجنائية في جرائم التعمير على ضوء مستجدات قانون 66.12

المقدمة :

يجسد ميدان التعمير المظهر الحقيقي لتقدم الحضارات، إذ يتم من خلاله إبراز قيمة الإنسان إبداعا ورقيا، فمسألة التعمير ظاهرة اجتماعية واقتصادية احتلت الصدارة على المستوى العالمي مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت من بين أهم المشاكل التي تشغل بال القائمين على قضايا الشأن الدولي و الإقليمي. فالمشهد العمراني يعرف نوعا من الفوضى المعمارية حيث لا تخلو مدينة من المدن المغربية من مساكن وأبنية غير منتظمة سواء من حيث وضعها القانوني أو من الناحية البنيوية، مما ينتج عنها أحياء غير مهيكلة ويجعلها مرتعا للفقر والهشاشة ومجالا لارتكاب الجريمة.

إن موضوع التعمير ليس وليد اللحظة إذ ظهر بظهور الإنسان واقتناعه بضرورة العيش في مجموعات واستقراره وتطوير نوعية السكن والإبداع في مواد وطرق البناء، إلى أن أصبحنا نجده يقطن بالبوادي والقرى.

ومصطلح التعمير كان يطلق عليه قديما “العمارة”. ويعتبر مفهومه حديثا بالمغرب إذ لم يرسخ إلا بعد خضوعه لنظام الحماية عبر المقيم العام الفرنسي المهندس ليوطي، ابتداء من سنة 1912 ووضع أول ظهير متعلق  بالتعمير سنة 1914 وبالتحديد في 16 ابريل منه والمتعلق بتحقيق الأبنية والتصاميم الموضوعية لتهيئة المدن وتوسيع نطاقها والحرمات، والبنايات المفروضة على الطرق، حيث أضحى هذا القانون بمثابة الآلية التي تتيح للمستعمر الفرنسي التحكم في مختلف عمليات التعمير بالمغرب.

وبفعل توسع المجال العمراني للمدن وظهور مناطق جديدة خاصة تلك المحيطة بالمدن وارتفاع نسبة التمدن، أدى إلى انتشار البناء العشوائي ومدن الصفيح، وتزايد الإقبال على العقار مما عقد مشاكل التعمير، الشيء الذي عجل بإخراج ظهير 14 يونيو1933، كأول تشريع خاص بالتجزئات العقارية، حيث قام بتحديد العقوبات على مخالفي مقتضياته، وإلزام المحافظة العقارية على مساعدة السلطات الإدارية المكلفة بالرقابة، لكن ما يعاب على هذا القانون أنه لم يحدد تعريفا للتجزئات العقارية. هذا وقد تم تعديله بعدة ظهائر أخرى، كظهير  1934 وظهير 1937، وقد تميزت هذه المرحلة بوجود أزمة على مستوى التخطيط والتدبير. مما دفع بالمستعمر الفرنسي إلى وضع تصميم الدار البيضاء كأول تصميم للتهيئة من نوعه بالعالم، كما تم إحداث مجلس أعلى للتعمير بمقتضى قرار  المقيم العام المؤرخ في 08 أكتوبر 1945 وفي سنة 1955 تم خلق مديرية التعمير التي لازالت لحد وقتنا الراهن تشرف على مجال التعمير، إذ تعتبر مديرية تابعة لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بعدما خرجت من رحم  وزارة الداخلية في بادئ الأمر، كما تم إصدار قانون 1952 الذي عمل على سن مقتضيات التعمير ومخطط التهيئة، وفرض إلزامية رخصة البناء وذلك من أجل تجاوز ثغرات ظهير 1914، وقد استمر تطبيق هذا القانون لمدة أربعة عقود، إلى حين صدور قانون 1992 المتعلق بالتعمير. وقد جاء هذا القانون من أجل تجاوز الإرث الثقيل الذي تكرس خلال السنين الماضية، عبر تشريعات الخمسينات، ومن أهم مستجداته أنه وسع من نطاق التطبيق حيث أصبح يطبق داخل الجماعات الحضرية، المراكز المحددة، المناطق المحيطة بالجماعات الحضرية والمراكز المحددة، والمجموعات العمرانية وذلك حسب المادة 1 منه.

وسبق قانون 12.90 إصدار ظهير 1960 المتعلق بتنظيم التجمعات والتكتلات القروية. كما تم كذلك إصدار  قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات

إن التحولات العمرانية الكبرى التي شهدها المغرب خلال بداية القرن الحالي جعلت من القوانين المعمول بها تقف عاجزة أمام معالجة الأوضاع والإختلالات الحاصلة في مجال التعمير، إذ لم يتم الحد من ازدواجية قطاع التعمير بين القطاع المهيكل والغير المهيكل، بالإضافة إلى عمليات التخطيط الحضري لم يكن لها تأثير كبير على المجال خاصة أن نسبة تطبيق وإنجاز مقتضيات تصاميم التهيئة والتنمية في أغلب الأحيان لا تتجاوز نسبة 10% ،مما يجعلنا نطرح تساؤل حول مدى جدوى هذه القوانين التي تضع اليد على عقارات المواطنين بفرض تخصيصها لمرافق عمومية لمدة عشر سنوات دون إنجاز المرافق على ارض الواقع ودون تعويض المتضرر من عملية الوقف.

وقد حاول المشرع إخراج مدونة التعمير التي تم إعدادها سنة 2004 والمعروفة بمشروع المدونة رقم 04-04 ،والتي اعتبرها البعض مخرجا لمشاكل التعمير، إلا أن المصالح المتضاربة لأصحاب القرار بمجلس البرلمان فرضت معارضة شديدة وعراقيل كبيرة لكي لا يخرج هذا المشروع إلى حيز الوجود، ليتم الحديث مجددا على مشروع قانون لإصلاح قانون 12.90 و25.90 وظهير 1960 والمتمثل في قانون 66.12 حيث جاءت مقتضيات لتعدل وتغير وتتميم القوانين السابقة الذكر حيث تعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء.

أهمية الموضوع:

يكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة من خلال اعتبار ميدان التعمير من الميادين التي تلعب دورا أساسيا في مجال  إعداد التراب وكذا صناعة المدن، هذا كجانب عام، حيث يشكل هذا الميدان مدخلا لكل التحولات المجتمعية.في ظل ما ينتج عنه من تطور اجتماعي واقتصادي وثقافي، وذلك بالسهر على تدبير المجال الذي يعمل على النقص من التناقضات المجالية والحد من الهشاشة وضمان تنمية مستدامة.آما في ما يتعلق بالجانب التشريعي فمستجدات قانون 66.12 تعتبر حديثة العهد إذ صدر في 19 سبتمبر 2016  كما أن مجمل الأبحاث والإصدارات السابقة لم تتطرق إلى هذه المستجدات مما دفعنا إلى الخوض في حيثياته على صعيد زجر ومراقبة المخالفات وإقرانها بالمسؤولية الجنائية.

بالإضافة إلى السياق العام فيعتبر هذا البحث امتدادا واستكمالا لما بدأته في مسيرة البحث العلمي. حيث سبق لي أن أعددت بحثا لنيل الإجازة تحت موضوع “جرائم التعمير وإشكالات التنفيذ” بالكلية المتعددة التخصصات بتازة، واختياري للغوص مجددا في ميدان التعمير نتيجة اشتغالي في هذا الميدان لما يفوق عشر سنوات بالوكالة الحضرية للحسيمة.

صعوبات البحث:

يمكن أن نلخص صعوبات هذا البحث في ضعف الأحكام القضائية في مجال التعمير، حيث أغلب المتابعات تتعلق بمخالفة البناء بدون رخصة في حين أن هناك العديد من المخالفات والجرائم لا يتطرق إليها العمل القضائي، إضافة إلى تشتت القوانين وتفرقها مع وجود العديد من الدوريات في هذا المجال، الشيء الذي يفرض على الباحث الإلمام بهذا الميدان من جميع الجوانب، كما يعتبر هذا الميدان تخصصا تقنيا محضا إذ يصعب على الباحث القانوني التعامل مع المعطيات التقنية.

إشكالية البحث:

لقد حظيت مشكلة انتشار البناء العشوائي والتجزئات غير القانونية، وما لها من تأثير على البيئة وصحة الإنسان وتشويه جمالية المدن، باهتمام بالغ من طرف مختلف المجتمعات، فهذه الدول ومنها المغرب لا زالت تبحث عن أنجع السبل للحد من هذه الظواهر التي ساهمت فيها عوامل متعددة اقتصادية، اجتماعية، سياسية، وتاريخية.

فالمشرع المغربي منح اختصاصات لعدة أجهزة من أجل بسط الرقابة والحد من تفاقم مظاهر الخروج عن القانون، والتعسف في استعمال السلطة وبهذا لعبت الرقابة الإدارية والقضائية بشقيها الإداري والزجري دورا هاما من أجل احترام قانون التعمير ، وإحلال وترسيخ دولة الحق والقانون ،إلا أننا نتساءل عن موقع المسؤولية الجنائية في ميدان التعمير في ظل قانون  66.12 ؟

ومن خلال ما سبق تطرح لنا  الإشكالية  المركزية التي تتمثل فيما يلي: إلى أي حد استطاعت القوانين المؤطرة لعمليات التعمير الحد من الخروقات التي تطال المجال العمراني بالمغرب ؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات التي سنحاول الإجابة عنها في هذا البحث والمتمثلة في ما يلي:

– ما هي الأجهزة الرقابية التي حددها المشرع  من أجل فرض احترام قانون التعمير؟

– ما هي الآليات الرقابية المكلفة بضبط المجال وحمايته؟

– على من تقع المسؤولية الجنائية في جرائم التعمير؟

– ما هو موقع القضاء العادي من زجر مخالفات التعمير؟

– ما هي السلطات التي يتمتع بها القاضي الزجري عند الحكم بالعقوبة؟

– وما هي الجرائم التي قد يسقط فيها المتدخل في ميدان التعمير؟

– وما هي أهم أسباب انتفاء المسؤولية في هذا المجال؟

المناهج المعتمدة :

إن دراسة من هذا القبيل تقتضي منا الاستعانة بمجموعة من المناهج قصد صياغة مقاربة علمية حول المسؤولية الجنائية في جرائم التعمير، وكون المنهج هو مجموع الخطوات الإجرائية التي يعتمدها الباحث قصد البرهنة والتدليل على الحقائق العملية أو النتائج التحليلية، لهذا قمنا بالاستعانة بالمناهج التالية:

  • المنهج التحليلي: من خلال القيام بقراءة تحليلية لمقتضيات النصوص القانونية المنظمة لمجال التعمير، وإعطاء تفسير لها قصد إيجاد مبادئ وقواعد قضائية في هذا المجال.
  • المنهج الوصفي: الذي اعتمده من أجل توضيح مختلف الجهات الإدارية والقضائية المتدخلة في ميدان مراقبة عمليات التعمير، اختصاصاتها والقرارات التي تصدرها نظرا لكون هذا المجال يتميز بالتداخل والتقنية والتعقيد.
  • المنهج التاريخي: وهو الذي أرمي به للوصول إلى المبادئ والقوانين العامة التي تحكم الظواهر المدروسة من خلال البحث في أحداثها الماضية، كيف نشأت؟ وتطورت؟ وما هي العوامل التي حكمت ذلك؟ من أجل فهم الصيرورة التاريخية للظاهرة .
  • المنهج المقارن: الذي استعنت به لدراسة التباين بين الظواهر، وتحديد الظروف التي تتم عبرها، وذلك بمالقارنة بين الظواهر،والنظر في قوانين التعمير الحالية والملغاة وكذا التي ما زالت عبارة عن مشاريع.

خطة البحث:

إن الموضوع الذي نحن بصدد دراسته يقبل البحث من عدة أوجه، على اعتبار المنظومة القانونية المنظمة لعمليات التعمير يتضمن عدة محاور، كما هو الشأن في مراقبة عمليات البناء، أو مراقبة عمليات التجزيء، وفض المنازعات التعميرية، فكل  محور من هذه المحاور جدير بذاته ببحث مستقل.

غير أننا ارتأينا أن نعتمد على خطة تمكننا من التعرض لكل المحاور بكيفية نتحاشى معها الاستطراد في التحليل، ذلك أن البحث في موضوع المسؤولية الجنائية في جرائم التعمير يستوجب في نظرنا القيام بدراسة جميع النصوص القانونية المرتبطة به للتعرف على مدى توفق المشرع المغربي في الحفاظ على مجال منظم ومتوازن، وعليه سنعالج هذا الموضوع من خلال التطرق إلى فصلين:

  • الفصل الأول: الذي عنونته بجرائم التعمير والإجراءات المسطرية المتعلقة به، وتناولت فيه جرائم التعمير بالمبحث الأول، وكذا الإجراءات المسطرية المتعلقة بعملياته في المبحث الثاني.
  • الفصل الثاني: خصصته للمسؤولية الجنائية في جرائم التعمير، عبر التطرق لنطاق المسؤولية الجنائية في جرائم التعمير بالمبحث الأول، أما المبحث الثاني فقد خصصته لصلاحيات القاضي الزجري في منازعات التعمير .

وبالله التوفيق وهو المستعان.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق