في الواجهةمقالات قانونية

سلطة القاضي المدني في تفسير وتأويل عقد البيع

 

 

سلطة القاضي المدني في تفسير وتأويل عقد البيع

من إعداد الطلبة :

أيوب لعزيري

زهير مدروح

طلبة بحاثين في ماستر القانون المدني بجامعة الحسن الثاني بالدرالبيضاء

 

 

 

مقدمة :

يعتبر العقد من التصرفات القانونية التي تصدر بتوافق إرادتين على إحداث أثر قانوني ، فهو المصدر الأول للالتزامات ، لأنه يشكل الجزء الأكبر من نظرية الالتزام ، و يشمل القواعد العامة التي تحكم كل العقود المسماة و غير المسماة . وللعقد أهمية كبرى على المستوى الشخصي ، و كذلك على المستوى الإقتصادي و الإجتماعي . فهو وسيلة لتبادل المنافع ، عن طريق تحقيقه لمجموعة من الفوائد المادية التي يجنيها كل من طرفي العلاقة التعاقدية ، بحيث أنه إذا انتفت هذه الفوائد لم تعد للعقد القوة التنفيدية التي يكرسها له القانون ، ومن بين هذه العقود المهمة نجد عقد البيع ، هذا الاخير الذي حضي عبر التاريخ بالاهمية القصوى من كل المجتمعات وذلك بسبب احتياج الناس إليه في حياتهم العملية، وأيضاً لأنه يهم أي شخص سواء كان صغيراً مميزا  أم ذا أهلية كاملة، وما دليل ذلك أنه  قدمه رجال الفقه الإسلامي في الشرح على عقد الزواج  وقالوا المعللين لذلك، بأن الناس في حاجة إليه،  بل إن كثيراً منهم يبدؤون به ويتوسعون في شرح أحكامه وبيان قواعده، ويعدونه أصلاً في عقود المعاوضات المالية، ويقيسون عليه غيره من العقود، وتذكره معظم القوانين والمدونات في مقدمة العقود المسماة.

ويعتبر عقد البيع من أقدم العقود في التعامل، وذلك لأنه يعتبر طريقة التعامل بين الناس ولأنه يتم من خلال هذا العقد لتبادل المصالح والأموال فيما بينهم، فهي علاقة متبالة بين أطراف العقد حيث يقدم كل واحد إلى الآخر ما يحتاج إليه ليحصل هو على ما يحتاجه منه.

ولما كان لعقد البيع هذه الاهمية الكبيرة ، ما لبث أن يشوبه غموض بين أطرافه ، ويتجلى هذا الغموض في عبارات العقد التي يمكن إما أن تحتمل معاني متعددة تثير الشك حول مدلولها ، أو من خلال بنود العقد الغامضة والمبهمة والتي تحتاج إلى التفسير والتأويل، كما أن التفسير يكون له محل في عقد البيع إذا كانت العبارة واضحة في ذاتها إلا أن إرادة الأطراف اتجهت إلى معنى أخر غير المعنى الوارد بالعقد ، وهو ما يؤدي إلى نشوء نزاع بين أطراف العقد وخصوصا إذا ادعى أحدهم التطبيق الحرفي لما جاء فيه كالهبة مثلا ، بينما الطرف الأخر ينازع على أن الأمر يتعلق بعقد بيع .

إن الذي يجب التنبيه به أن التفسير لا يتعلق فقط بحالات العقد الكتابي والذي ضمنه عاقده إما على محرر كتابي أو الكتروني ، فالتفسير يتعدى ذلك ويشمل العقد الذي يكفي فيه تطابق إرادتين خاليتين من عيوب الرضا ليقوم العقد أو ما يطلق عليه بالعقد الشفوي ، فهذا الأخير يمكن أن يشمله النزاع أيضا كأن يدعي المدعي أن العقد المبرم مع الخصم محله مجرد وعد ببيع منقول بينما يدعي الطرف الأخر أنه عقد بيع تام اشتمل على كامل عناصره .

إن القاضي في جميع هذه الحالات التي تتار أمامه يجد نفسه أمام عقد غامض ومبهم يحتاج الى التفسير والتأويل ، وهو الشيء الذي عمل المشرع المدني المغربي على توقعه من خلال تضمينه لمجموعة من القواعد التي خولها للقاضي المدني من اجل اعتمادها في بحته عن فك شفرة العقد الغامض ، أو عند البحث عن القصد الحقيقي للمتعاقدين ، وهي المنصوص عليها في الفصول 462 إلى 472 من ظهير الالتزامات والعقود .وتعد هذه القواعد شاملة لجميع العقود دون استثناء والتي من بينها عقد البيع عكس المشرع الفرنسي الذي ضمن بالإضافة الى القواعد العامة للتفسير  قواعد خاصة بتفسير عقد البيع نص عليها في بموجب المادتين 1162 و 1602 من القانون المدني الفرنسي .

وعليه يمكن التساؤل وطرح إشكالية محورية حول هذا الموضوع تتمثل  في مدى السلطات المخولة للقاضي المدني لتفسير وتأويل عقد البيع في ظهير الالتزامات والعقود ؟

وهي الإشكالية التي سنعمل على الإجابة عليها وفق التصميم الأتي :

المبحث الأول : الأحكام العامة لتفسير وتأويل عقد البيع

المبحث الثاني : قواعد تفسير وتأويل عقد البيع وموقف محكمة النقض منها

المبحث الأول : الأحكام العامة لتفسير وتأويل عقد البيع

نظم المشرع المغربي أحكام التفسير والتأويل في الفصول من 461 إلى 477 وجعلها عامة تسري على جميع العقود ، والتي على رأسها عقد البيع . وعند وجود مبرر للتأويل تناط هذه المهمة بالقاضي الذي عليه البحث ما أمكن عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين مسترشدا في ذلك بالظروف أو العوامل الداخلية والخارجية لإبرام العقد . لذلك سنتحدث عن حالات تأويل عقد البيع والآليات التي يلجأ إليها القاضي في ذلك (المطلب الثاني)، لكن قبل ذلك وجب التطرق لماهية تفسير وتأويل عقد البيع (المطلب الأول).

المطلب الأول : ماهية تفسير وتأويل عقد البيع

لإدراك ماهية التفسير والتأويل في عقد البيع يجب التطرق لتعريفهما (الفقرة الأولى) الشيء الذي سيسهل فهم وظيفتهما (الفقرة الثانية) حيث أن إدراك القاضي لقصد المتعاقدين من خلال التفسير والتأويل سيمكنه من تكييف العقد تكييفا سليما من أجل ترتيب الآثار القانونية المناسبة.

الفقرة الأولى : معنى تفسير وتأويل عقد البيع

لبيان المقصود من عبارتي التفسير والتأويل في عقد البيع سنعرض لكل من المعنى اللغوي والإصطلاحي لهما .

أولا : معنى تفسير عقد البيع

التفسير في اللغة ، كشف المراد عن اللفظ المُشكَل. وهو يطابق معنى التأويل أي رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر . والفَسُر : البيان ، فَسَر الشيئ يفسِره ، أبانه ، والفَسرُ : كشف المغطى ، واستفسرته كذا أي سألته أن يفسره لي[1].

أما في الإصطلاح الفقهي فقد تعددت تعاريف تفسير العقد . فمثلا عرفه عبد الحكيم فوده بأنه : ” تلك العملية التي يقوم بها المفسر ، بسبب ما اعترى العقد من غموض ، للوقوف على الإرادة الحقيقية المشتركة للطرفين المتعاقدين ، مستندا في ذلك إلى صلب العقد ، والعناصر الخارجة عنه المرتبطة به”[2]. كما عرفه الأستاذ عبد الحق صافي بأنه : ” تحديد معنى ومضمون الإلتزامات العقدية المختلفة في تأويلها بين العاقدين “[3]. أيضا عرفه الدكتور عبد القادر العرعاري بأنه : ” تلك العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي من أجل الوقوف على الإرادة الحقيقية للمتعاقدين “[4].

ثانيا : معنى تأويل عقد البيع

في اللغة ، تفيد مادة ” أول ” في كل استعمالاتها اللغوية معنى الرجوع ، والعود . جاء في اللسان : (الأول : الرجوع : آل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع ، وأول إليه الشيء : رجعه ، وآلت عن الشيء : ارتددت … والإيل والأيل : من الوحش ، وقيل هو الوعل . وقال أبو عبيد في قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله)[5] قال : التأويل المرجع والمصير ، مأخود من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه ، وأولته : صيرته إليه …[6]

أما معنى التأويل في اصطلاح العلماء فله ثلاثة معان :

الأول : أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام ، وإن وافق ظاهره ، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة.

الثاني : أن يراد بالتأويل ( التفسير) ، وهذا هو اصطلاح الكثير من المفسرين ، ولهذا قال مجاهد (إمام أهل التفسير) : إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ، فإن أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه ، وهذا ما يعلمه الراسخون .

الثالث : أن يراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ، إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك ، وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفا لما يدل عليه اللفظ ويبينه .[7] وهذا المعنى هو ما يتعلق بموضوع دراستنا حيث أن القاضي يتدخل ليعطي للعقد معنى غير المعنى الذي يدل عليه اللفظ.

الفقرة الثانية : وظيفة تفسير وتأويل عقد البيع

تظهر أهمية التفسيرفي حالة قيام نزاع حول العقد، والمفروض أنه ليس بالضرورة من شأن عرض العقد على القضاء بأنه معيب، ذلك أن العقد وسيلة لتأمين المعاملات و الإتفاقات وعلى القاضي الوصول إلى النية المشتركة للأطراف ولا يغيب عن الأذهان أن عملية التفسير مرتبطة بالإجراءات القضائية . وفي هذا المجال تطرح مجموعة من الأسئلة : لماذا يقوم القاضي بتفسير العقد ؟ هل يستطيع القاضي تفسير العقد في كل الأحوال ؟ كيف يمارس القاضي هذه السلطة ؟

يفسر العقد إذا كانت عباراته غامضة وغير واضحة ، فوجود مثل هذه العبارات سبب لتفسير العقد بحيث يمكن أن يكون للعبارة المستعملة معاني عدة . وأنه يصعب الكشف عن المعنى الحقيقي لها أو أن العبارة لا معنى لها .

لذلك نجد القوانين تنظم كيفية معالجة هذه الوضعيات ، وإن كان قانون الإلتزامات والعقود عندنا لم يتفصل في هذه المسألة ، فإن قوانين أخرى كالقانون الفرنسي والكندي والألماني على سبيل المثال ، تعرضوا للموضوع بشكل مستفيض و أوضح . فمثلا القانون المدني الفرنسي في المواد من 1156 إلى 1164 يبسط قواعد التفسير ويسنده في ذلك قضاء محكمة النقض الغزير مند زمن طويل [8].

وبالرجوع إلى أحكام القضاء الفرنسي فالمسألة أثيرت مند القرار الشهير الصادر بتاريخ 15/04/1872 والذي جاء فيه : ” لا يسمح للقاضي عندما تكون عبارات الإتفاق دقيقة تشويه الإلتزامات الناتجة عنه وتغيير الإشتراطات التي يحتويها “[9].

المطلب الثاني : حالات وآليات تفسير وتأويل عقد البيع

بعد أن نص المشرع في الفصل 461 من قانون الإلتزامات والعقود على أنه إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها ، قد يحدث أن تكون الألفاظ والعبارات المستعملة في العقد غير واضحة أو يعتريها بعض النقص الشيء الذي يحول دون ظهور الإرادة الحقيقية للمتعاقدين وما يمكن أن يترتب عن ذلك من إلزام الأطراف بالتزامات لم تكن هي المقصودة عند إبرام العقد لذلك  جاء المشرع في الفصل 462 ليحدد 3 حالات يكون فيها التأويل ممكنا مع العلم أن ذلك مقرون بالبحث عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين . وسنعمل على تقسيم هذا المطلب إلى ثلاث فقرتين ، نخصص الفقرة الأولى لحالات التأويل المذكورة في الفصل 462 ، على أن نتطرق في الفقرة الثانية لآليات تدخل القضاء في التأويل والتفسير .

الفقرة الأولى : حالات تفسير العقد حسب الفصل 462

يتعلق الأمر بثلاث حالات سنحاول التطرق لكل واحدة منها على حدة

أولا : إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح الذي قصد عند تحرير العقد

كما لو كان القصد هو إبرام عقد بيع غير أن العاقدان يعبران عنه بالإيجار . وينطبق هذا المثال على بائع المحصول الناتج عن الأرض والمهيأ للجني والذي لا يعبر عنه بالبيع وإنما بالإيجار للأرض خلال مدة معينة واستغلال محصولها والإنتفاع به . أو أن يبرم شخص عقد كراء شقة لمدة محددة نظير أقساط شهرية ، وعند نهايتها وسداد كل الأقساط يتملك الشقة . فالعقد ليس كراء خالصا وإنما كراء مفضي إلى تملك العقار . أو أن يعقد شخص بيعا يمكنه من أن يكتري أموالا معينة (تكون في الغالب تجهيزات أو أدوات ) لقاء أجرة دورية ، وذلك مع حقه في أن يختار عند نهاية الكراء إما تملكها مقابل ثمن معين أو إعادة استئجارها أو إنهاء العقد وإعادتها إلى صاحبها ، فالعقد ليس بيعا خالصا وإنما هو من قبيل ” الإئتمان الإيجاري ” . أو أن يهب شخص مالا له ، ولا يعبر عنه بالهبة وإنما بالبيع مع أن الثمن المسجل تافه لايتناسب مطلقا مع القيمة الحقيقية للمبيع … والملاحظ هنا أن مبرر الغموض في كافة هذه الفروض قد يعود إلى قصد التهرب من الوفاء بالضرائب والرسوم، وقد يعود إلى مجرد خطأ  فقط [10].

ثانيا : إذا كانت الألفاظ المستعملة غير واضحة بنفسها أو كانت لا تعبر تعبيرا كاملا عن قصد صاحبها

كما لو جاء في العقد أن أحد العاقدين تخلى للآخر عن ماله وسلمه له دون تحديد ما إذا كان المقصود من ذلك إعارة أو هبة أو بيع …

وللإشارة فمرجع هذه الحالة هو الغموض في ذات اللفظ ، واللفظ الغامض هو اللفظ غير البين الدلالة ، ويعود سبب الغموض إلى أحد الأوجه الأربعة : التشابه والإجمال والإشكال والخفاء . فاللفظ المتشابه على حد تعبير الباجي هو: (…الذي يحتاج في فهم المراد به إلى تفكير وتأمل . ومعنى وصفنا له بأنه متشابه أن يحتمل معاني مختلفة يتشابه تعلقها باللفظ. ولذلك احتاج تمييز المراد منها باللفظ إلى فكر وتأمل يتميز به المراد من غيره)[11]. وهو يذكر في المجمل (ما لا يفهم المراد به من لفظه ، ويفتقر في بيانه إلى غيره . ومعنى المجمل أن يكون اللفظ يتناول جملة المعنى دون تفصيله ، وورد على صفة تقع تحتها صفات وأجناس متغايرة…)[12]. والمشكل كما جاء عند علي حسب الله هو : “ما خفيت دلالته على معناه لذاته، ويمكن إزالة خفائه بالبحث والتأمل …”[13]. أيضا يقول في الخفي : “هو ما كان في ذاته ظاهر الدلالة على معناه ، ولكن عرض له شيء من الخفاء بسبب غير لفظه ، كأن يكون لبعض أفراده اسم خاص أو وصف يميزه عن غيره فيوقع ذلك شبهة في دخول هذا البعض في عموم معنى اللفظ ، ويتوقف زوال الشبهة على شيء آخر”[14].

ثالثا : إذا كان الغموض ناشئا عن مقارنة بنود العقد المختلفة بحيث تثير المقارنة الشك حول مدلول تلك البنود

كأن تدل أحد مقتضيات عقد معين على نشوء هبة في حين تؤكد مقتضيات أخرى على أن المقصود هو ابرام بيع أو مقايضة …، أو بتعبير آخر يقع الإضطراب بين بنود الوثيقة حينما يعبر بند من بنودها على معنى من المعاني ويعبر بند آخر على معنى مخالف له أو مثير للإشكال فيه[15].

الفقرة الثانية : عوامل تدخل القاضي في تأويل عقد البيع

يستعين القاضي في تفسيره للعبارات والألفاظ المستخدمة من طرف المتعاقدين للتعبير عن إرادتهما، على عوامل داخلية (أولا) ، وأخرى خارجية (ثانيا) .

أولا : العوامل الداخلية لتفسير عقد البيع

تتجلى عوامل التفسير الداخلية في العبارات والألفاظ التي استخدمها أطراف العقد للتعبير عن إرادتهما وهذا مفاده أن القاضي يتعين عليه مراعاة نص العقد ذاته آخدا بعين الإعتبار جميع الظروف والملابسات التي صاحبت اللفظ ، ذلك أن بنود العقد ترتبط ببعضها البعض لذلك كان من الضروري مراعاتها جملة وتفصيلا من أجل الوقوف على ما غمض من العقد بفعل التناقض الحاصل بين هذه البنود طبقا لما هو منصوص عليه في الفصل 464 من قانون الإلتزامات والعقود ، وقد يصطدم القاضي بوجود غموض حول مدلول العقد عند مراعاته لمجموع بنوده ، ذلك أنه قد يحصل أن تكون بعض البنود واضحة المعنى إذا أخذت بمفردها، وتصبح غامضة إذا تمت مقابلتها مع بقية بنود العقد ففي هذه الحالة يتعين على القاضي العمل بمقتضيات الفصل 465 من قانون الإلتزامات والعقود الذي ينص على أنه إذا أمكن حمل عبارة بند معين على معنيين كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله على المعنى الذي يجرده من كل أثر وذلك أخدا بالقاعدة الفقهية الأصولية القائلة بأن ” إعمال الكلام خير من إهماله” على إعتبار أن النص يجب أن يحمل على الوجه الذي يرتب أثرا قانونيا ، وهذا أمر طبيعي ذلك أنه من غير المعقول أن يدرج المتعاقدين في عقدهما بندا لا يرتب أي أثر قانوني[16]وهو ماسنتطرق اليه بالتفصيل في المبحث الثاني

ثانيا : العوامل الخارجية لتفسير العقد

أحيانا يجد القاضي نفسه عاجزا عن استجلاء ما يعتري العقد من غموض وابهام بالرغم من اعتماده على العوامل المرتبطة بصلب العقد محل النزاع ، الأمر الذي يجعله ملزما بتجاوز العوامل الداخلية والبحث عن عوامل خارجية عن العقد، وعموما فالعوامل الخارجية نوعان: عوامل ذاتية ، وعوامل موضوعية.

1 – العوامل الذاتية

وتتعلق بحالة المتعاقدين وقت العقد فالمتعاقد المتعلم ليس كالمتعاقد الأمي ، كما أن التاجر المتخصص في تجارة معينة ليس كالمستهلك العادي . ويمكن للقاضي الرجوع إلى العادات الشخصية خاصة ما يتعلق منها باللغة على أساس أن بعض الأشخاص يستعملون ألفاظا معينة للتعبير عن مدلول معين ، كل ذلك من أجل الوصول إلى القصد الحقيقي للمتعاقد.

2 – العوامل الموضوعية

هذه العوامل متعددة نذكر من بينها [17]:

شهادة الشهود

قد يعطي العقد للتصرف القانوني الذي يتضمنه وصفا معينا لكن القضاء لا يقتنع بذلك لأنه يجد فيه عناصر عقد آخر أو أن هذه العناصر لا توضح النية المشتركة للمتعاقدين ، فالقاضي في هذه الحالة يلجأ لشهادة الشهود الذين حضروا لمراحل إبرام العقد ويستمع لأقوالهم من أجل إعطاء الوصف الصحيح الذي قصده المتعاقدان ، وعندما يستعين القاضي بالشهادة لتأويل العقد لا يشكل ذلك استثناء لقاعدة عدم جواز إثبات ما يخالف أو يجاوز الدليل الكتابي إلا بالكتابة ، ذلك أن المخالفة أو المجاوزة ، لا تتحقق إلا بالنسبة لمعنى واضح تشتمل عليه عبارة العقد المكتوبة ، فإذا كانت هذه العبارة غامضة بحيث لا يستشف منها معنى محدد فإن الشهادة في هذه الحالة لا تتعارض مع النص المكتوب ، بل هي على العكس من ذلك تؤكد المعنى الذي يشتمل عليه العقد المكتوب متوافقا مع النية المشتركة للمتعاقدين.

العرف:

إذا شاب أحد بنود العقد غموض عند تنفيذها، وثار نزاع حول تأويله من قبل الأطراف فعلى القاضي عند تأويله لهذا العقد تمهيدا لتنفيذه أن يأخذ بعين الإعتبار ما اعتاده الناس وألفوه في تعاملهم ، إذ من المنطقي في الأفعال التي توطد فيها الناس وعرفوها أن يفترض في المتعاقدين أنهما عالمان بهذا العرف وارتضياه فيما بينهما وإلا لصرحا بمخالفته فإذا كانت عبارات العقد قد اعتراها إبهام وغموض وجب تأويلها في ضوء العرف الجاري بين المتعاقدين. وظهير الإلتزامات والعقود تضمن العديد من الفصول التي تحيل على العرف كالفصل 242 المتعلق بتنفيد الإلتزام ، والفصل 500 المتعلق بالتسليم في البيع والفصل 695 المتعلق بالكراء …

ففي مثل هذه الحالات وغيرها من الحالات الأخرى يمكن الإعتماد على العرف كضابط للتأويل، حيث يضع قواعد آمرة، كما يضع أيضا قواعد مكملة. سواء كانت مؤولة أو مكملة لإرادة المتعاقدين، وتطبق هذه القواعد على الأفراد علموا بها أو لم يعلموا، أشاروا إليها في اتفاقهم أو لم يشيروا . يكفي ألا يتفقوا على استبعادها صراحة أو ينظموا اتفاقاتهم على نحو مخالف.

هذا وهناك عوامل موضوعية أخرى تساعد القاضي في تفسيره للعقد والوصول إلى قصد المتعاقدين كمبدأ حسن النية، والتنفيذ الآحق للعقد … يأخد بها القاضي لاستجلاء غموض العقد

المبحث التاني : قواعد تفسير وتأويل عقد البيع وموقف القضاء منها

حدد المشرع المغربي في الفصول من 461 الى 473 من قانون الالتزامات والعقود مجموعة من القواعد التي يجب على القاضي اتباعها من أجل استجلاء مضمون العقد ، ذلك أن للتفسير هدفين متميزين ومختلفين بحسب ما إذا كان التعبير واضحا  أم غامضا ، فإذا كان التعبير واضحا فإن على القاضي أن يأخذ بالعقد محل النزاع كما هي مستفادة بصورة عادية وموضوعية من ظاهر ألفاظه ، أما إذا كان التعبير غامضا فإن القاضي ملزم بمقتضى الفقرة الأخيرة من الفصل 462 بأن يحدد آثار العقد بالاستناد الى النية المشتركة للمتعاقدين . كما أنه يطرح التساؤل حول مدى ارتباط هذه القواعد بالنظام العام بمعنى هل القاضي  يأخذ بها بشكل إلزامي أم أنها تعتبر مجرد قواعد مكملة ومساعدة ، وكذلك عن موقف محكمة النقض من هذه القواعد ، وهكذا نتطرق في المطلب الاول  لقواعد تفسير وتأويل عقد البيع على أن نتطرق في المطلب الثاني لمدى ارتباط هذه القواعد  بالنظام العام وموقف محكمة النقض منها

المطلب الاول : قواعد تفسير وتأويل عقد البيع

إنه تجدر الملاحظة بداية كما سبق أن بينا ، أن المشرع المغربي لم يخصص قواعد معينة لتفسير عقد البيع، بل أفرد قواعد عامة تهم جميع العقود وهي المنصوص عليها في الفصول من 461 الى 473 من ق ا ع ، نتطرق في الفقرة الاولى لسلطة القاضي في تفسير العبارات الواضحة على أن نتطرق في الفقرة الثانية لسلطة القاضي بشأن تفسير العبارات الغامضة

الفقرة الاولى : سلطة القاضي بشأن تفسير العبارات الواضحة

من المبادئ المسلم بما في التقنيات المدنية ذات الطابع الليبرالي أن العقود تقوم مقام القانون بالنسبة إلى أطرافها , وهذا المبدأ ما هو إلا تطبيق صريح لمبدأ سلطان الإرادة و العقد شريعة المتعاقدين،وبذلك فإنه يمنع على القاضي مراجعة أو التدخل في مراجعة مضمون العقد احتراما لإرادة الإطراف ما دامت أنها غير مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة ، و مادات عبارات العقد غير مبهمة وواضحة[18] . وهكذا نجد انه وفي ظل مبدأ سلطان الإرادة فإنه لا يجوز للقاضي تفسير عبارات العقد كلما كان هذا الأخير يحمل في طياته عبارات واضحة الدلالة و تدل على المعنى المشترك للمتعاقدين . وقد ورد في مقتضيات الفصل 461 من ق ا ع ” إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها ” من هنا يتضح بأن المشرع  المغربي قد اقفل باب التفسير  للقاضي بصريح عبارات النص و ذلك كلما كانت ألفاظه صريحة. لكن ما المقصود من عبارة الوضوح التي تمنع وتقيد القاضي من الالتجاء لعملية التفسير من اجل التعرف على إرادة الطرفين  ؟

لقد تعددت و انقسمت الآراء بين الفقه حول هذه المسألة ، فهناك من الاتجاهات من عارضت فكرة تفسير العقد الواضح الدلالة ، واتجاه آخر أيد تفسير عبارات العقد الواضحة

أولا : الإتجاه المعارض لتفسير بنود العقد الواضحة

يرى هذا الاتجاه بان القاضي لا يجوز له القيام بتفسير العقد متى كان يحمل في ذاته وضوح و تحديد منافيا للجهالة . فمتى كانت شروط العقد الواضحة في ذاتها التزم القاضي بالمعنى الظاهر له دون أن ينحرف عنه ، ذلك أن تفسير التعبير  في العقد كتفسير النصوص القانونية [19] ويستند أصحاب هذا الاتجاه على المبدأ المنصوص عليه في الفصل 461 من ق.ل.ع الذي ينص على انه ” إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحت عن قصد صاحبها ”  . كما أن قرارات محكمة النقض تؤكد ذلك ومنها التي نصت على أن  ” سلطة تفسير العقد تعتبر من اختصاص قضاة الموضوع ولا يمكن لهم تحت ستار التفسير تحريف معنى أو مدى الشروط الواضحة والمحددة ”[20]

و بالإضافة إلى ذلك فقد استند أصحاب هذا الاتجاه المعارض على الفصل 230 من ق.ل.ع الذي جاء فيه ” الالتزامات التعاقدية المنشاة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئها و لا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون ” .

و هكذا فإن القاضي سلطته تبقى محدودة في تفسير و تأويل عبارات العقد الواضحة مادام أنه لا يوجد من المتعاقدين من هو إرادته معيبة  وأيضا مادامت العبارات متوافقة مع الإرادة . فإذا كانت عبارة العقد واضحة في دلالتها ما كانت في حاجة إلى التفسير ، ويجب على القاضي أن يأخذ بالمعنى الظاهر له دون أن ينحرف عنه ، ذلك أن تفسير التعبير الواضح في العقد  كتفسير النصوص القانونية [21]

ثانيا : الاتجاه المؤيد لتفسير بنود العقد الواضحة

إن هذا التفسير يكون له محل عندما لا تتطابق العبارة مع الإرادة , حيت يكون القاضي في هذه الحالة ملزم بتفسير العقد لكي يتسم بالتوازن المفترض بين الأطراف . فإذا وجد القاضي نفسه إزاء عقد غامض اضطر إلى تفسيره . و وجب عليه التحري عن إرادة المتعاقدين الحقيقة و الاعتداد بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ و المباني[22]

و هكذا فإنه كلما كانت عبارة العقد واضحة الدلالة و لكنها متعارضة مع الإرادة التي يتوخاها أحد المتعاقدين فإن وضوحها لا يجب أن يكون مستند يحول دون تفسيرها بل يجب البحث عن الإرادة الحقيقية التي يقصد الوصول إليها المتعاقد ، وهذا ما أكد عليه المشرع المغربي في الفقرة الأخيرة من الفصل 462 من ق ا ع الذي ينص على أنه ” عندما يكون للتأويل موجب ، يلزم البحث عن قصد المتعاقدين ، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ، ولا عند تركيب الجمل ”

يستشف من هذا الرأي انه في جميع الأحوال متى كان العقد لا يعبر على الإرادة التي يتوخاها المتعاقدين يمكن للقاضي اللجوء إلى التأويل و تفسير مضامينه وذلك من أجل الوصول إلى الإرادة الحقيقية للاطراف . كما أن القول بعدم تأويل العقد في حالة وضوح عباراته يقضي إلى التطبيق الآلي للعقد ويزيد أكثر في استفحال عدم ملائمة القانون المغربي لواقعه الاجتماعي ، ويطيل بقاء الفقه والقضاء محتجين عن المساهمة في معالجة المشاكل الاجتماعية المعقدة والمتعددة [23]

الفقرة الثانية : سلطة القاضي بشأن تفسير العبارات الغامضة

حدد المشرع المغربي في الفصل 462 من ظهير الالتزامات والعقود كما بينا سابقا ثلاث حالات يخول فيها للمفسر بأن يتجاوز ألفاظ العقد وإن كانت واضحة للبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين . وقد جاء في الفصل 462 ما يلي” يكون التأويل في الحالات التالية :

  • إذا كانت الألفاظ المستعملة لا يتأتى التوفيق بينها وبين الغرض الواضح الذي قصد عند تحرير العقد
  • إذا كانت الألفاظ المستعملة غير واضحة بنفسها أو كانت لا تعبر تعبيرا کاملا عن قصد صاحبها .
  • إذا كان الغموض ناشئا من مقارنة بنود العقد المختلفة بحيث تثير المقارنة الشك حول تلك البنود

وعندما يكون للتأويل موجب یلزم البحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل ”

وتظهر من خلال هذا الفصل الحالات التي يكون فيها العقد غامضا والتي يجيز فيها المشرع للقاضي المدني بأن يتجاوز التعبير للبحث عن قصد المتعاقدين .

والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو أنه ، إذا كان استجلاء ما يكتنف العقد من غموض يكون بالبحث عن قصد المتعاقدين ، فكيف إذن يستطيع القاضي الوقوف على هذا القصد ؟ وما هي الآليات التي يمكنه استعمالها من أجل هذا الغرض ؟

لقد وضع المشرع المغربي مجموعة من القواعد القانونية الغرض منها مساعدة القاضي في بحثه عن النية المشتركة للمتعاقدين ، وهي المنصوص عليها في الفصول من 463 إلى 473 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي تتضمن مجموعة من المبادئ التي تصلح لكي تكون قواعد يتبعها القاضي في التفسير .

وفيما يلي نتطرق لهذه القواعد بالتتابع كما وردت في ظهير الالتزامات والعقود :

أولا : جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 462 من ظهير الالتزامات والعقود ما نصه  ”وعندما يكون للتأويل موجب ، يلزم البحث عن قصد المتعاقدين ، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل ”. وهذا يعني أن التفسير يكون بالمقاصد والمعاني وليس بالألفاظ والمباني ، بحيث إن القاضي عند استجلائه لنية المتعاقدين المشتركة عليه البحث عن القصد المراد من العقد ولا يمكنه الاكتفاء بالوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ وقد جاء في قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ فاتح دجنبر 1982 ورد فيه :

” حقا فإن الغموض الناشئ عن المقارنة بين بنود العقد المتعلقة بتحديد الشيء المبيع لا يؤدي إلى تجرید العقد من كل أثر فإعمال العقد خير من إهماله ( الفصل 465 ) وهذا الإعمال للعقد يقتضي من المحكمة أن تقوم بتأويله وتبحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل[24]

ثانيا : جاء في الفصل 465 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي ما يلي : ( إذا أمكن حمل عبارة وبند على معنيين كان حمله على المعنى الذي يعطيه بعض الأثر أولى من حمله على المعنى الذي يجرده عن كل أثر )

ومرد هذا الفصل إلى القاعدة الفقهية المأثورة ” إعمال الكلام أولى من إهماله ” ، وتعني هذه القاعدة أن العبارة إذا احتملت معنيين وكان أحد هذين المعنيين هو الذي ينتج أثرا قانونيا حملت العبارة على هذا المعنى ، فمثلا إذا وقع النص في عقد الإيجار على أنه مؤبد وحملت هذه العبارة على معناها الظاهر كان عقد الإيجار باطلا لضرورة توقيته بمدة معينة[25]

وقد جاء في القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ دجنبر 1982  ما يلي :

” حيث يعيب الطاعن عن القرار بخرق القانون لكونه أدلى بعقد البيع الذي يتضمن أن المطلوب باع له 3750 مترا مربعا من العقار المحفظ بالرسم العقاري وأن هذه المساحة تمثل ربع مساحة العقار فمن حقه أن يطالب بتنفيذ التزام البائع وبتسجيل البيع على الرسم العقاري ، وأنه لا يوجد في القانون ما يمنع مثل هذا  البيع وأن المحكمة لما رفضت دعواه تكون قد خرقت القانون .

حقا فإن الغموض الناشئ عن المقارنة بين بنود العقد المتعلقة بتحديد الشيء المبيع لا يؤدي إلى تجريد العقد من كل أثر فإعمال العقد خير من إهماله ( الفصل 465 ) وهذا الإعمال للعقد يقضي من المحكمة أن تقوم بتأويله وتبحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند تركيب الجمل ( الفصل 462 ) وأن الحكمة لما جردت العقد من كل أثر والحال أنه يمكن التوفيق بين هذه البنود عن طريق التأويل تكون قد خرقت المقتضيات المذكورة وعرضت قرارها للنقض[26]

ثالتا : جاء في الفصل 466 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي ما نصه : ( يلزم فهم الألفاظ المستعملة حسب معناها الحقيقي ومدلولها المعتاد في مكان إبرام العقد ، إلا إذا ثبت أنه قصد استعمالها في معنى خاص ، وإذا كان للفظ معنی اصطلاحی ، افترض أنه استعمل فيه }

ويرجع أصل هذا الفصل إلى القاعدة الفقهية ” الأصل في الكلام الحقيقة ” وتعني هذه القاعدة أنه إذا كان للفظ عدة معان في العديد من الأماكن فإن حمله على معنى المكان الذي أبرم فيه العقد أولى من حمله على مكان آخر[27]

 رابعا : جاء في الفصل 467 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي ما نصه : (  التنازل عن الحق يجب أن يكون له مفهوم ضيق ، ولا يكون له إلا المدى الذي يظهر بوضوح من الألفاظ المستعملة من أجراه ، ولا يسوغ التوسع فيه عن طريق التأويل ، والعقود التي يثور الشك حول مدلولها لا تصلح أساسا لاستنتاج التنازل  ) .

من خلال هذا النص يتبين أن مفهوم التنازل عن الحق الوارد في الفصل 467 من ظهير الالتزامات والعقود  يحمل على الضيق بحسب اللفظ المستعمل في العقد ما لم يتسع بالنص الصريح ، وهذا ما حدا بالمشرع المغربي إلى النص في الفصل 468 من ظهير الالتزامات والعقود على ما يلي :  ( إذا كانت لشخص واحد من أجل سبب واحد ، دعویان ، فإن اختياره إحداهما لا يمكن أن يحمل على تنازله عن الاخرى ) . فالعبرة في التنازل بنطاقه المحدود ولا يمكن التوسع فيه

خامسا : جاء في الفصل 469 من ظهير الالتزامات والعقود ما يلي : ( عندما تذكر في العقد حالة التطبيق الالتزام ، فينبغي أن لا يفهم من ذلك أنه قد قصد تحديد مجاله بها ، دون غيرها من بقية الحالات التي لم تذكر ) ويرجع هذا الفصل إلى القاعدة الفقهية ” تخصيص حالة بالذكر لا يجعلها تنفرد بالحكم ” أو ” ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله ” . ومثل ذلك ” إذا باع شخص أرضا زراعية وكان من توابعها مواشي خصت بالذكر صراحة في عقد البيع ، فليس هذا معناه أن حالة تطبيق الالتزام تنحصر في المواشي المخصصة بالذكر فقط ، بل إن تطبيق الالتزام يمتد إلى ما يوجد في الأرض الزراعية من مبان وأشجار ، كما يمتد أيضا إلى ما يوجد في هذه الأرض من الزرع الذي لا ينبث والثمار التي لم تنعقد ، كما يقضي بذلك الفصل 571 من ق ا ع[28]

سادسا : ينص الفصل 470 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي ما نصه :( إذا ذكر ، في الالتزام ، المبلغ أو الوزن أو المقدار على وجه التقريب بعبارتي ” ما يقارب و تقریبا ” وغيرهما من العبارات المماثلة ، وجب الأخذ بالتسامح الذي تقضي به عادات التجارة أو عرف المكان  ) .

ويجد هذا الفصل أصله في القاعدة الفقهية ” العادة والعرف محکمان ” وأصله كما ذكر الإمام السيوطي  قوله صلى الله عليه وسلم : ” ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن “[29]

وتفسير العقد إذن يتم طبقا لما يقتضيه العرف أو العادات الجاري بها العمل ، فإذا كان محل الالتزام غير محدد في العقد بحيث ذكر في العقد أن المبلغ أو الوزن أو المقدار جاء على وجه التقريب ، فالقاضي في هذه الحالة وعملا بالفصل 470 من ظهير الالتزامات والعقود يرجع إلى العرف والعادة المعمول بها وخاصة في الميدان التجاري .

وتجدر الإشارة  أن العمل التجاري زاخر بمجموعة من العادات والأعراف وهي عبارة عن قواعد مكملة للقاعدة القانونية ، وهذا ما حدا بالمشرع المغربي إلى تغليب ما يكتب بالحروف على ما يكتب بالأرقام إلى أن يثبت العكس ، وقد تم النص على ذلك في الفصل 471 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي حيث جاء فيه : ( إذا كتب المبلغ أو المقدار بالحروف وبالأرقام ، وجب عند الاختلاف الاعتداد بالمبلغ المكتوب بالحروف ما لم يثبت بوضوح الجانب الذي اعتراه الغلط  )

سابعا : جاء في الفصل 473 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي :  ( عند الشك يؤول الالتزام بالمعنى الأكثر فائدة للملتزم )  .

وينبني هذا الفصل على قاعدة أصولية فقهية مشهورة وهي ” الأصل في الشك عدم الفعل ” ، وتعني أنه من شك هل فعل شيئا أو لا ؟ فالأصل أنه لم يفعل [30]

فالشك يفسر لصالح المدين ويدخل في هذه  القاعدة قاعدة أخرى وهي ” من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل لأنه المتيقن ، للهم إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين “[31] .

وهكذا يتضح أن المغربي أقحم فكرة العدالة في تفسير العقود وذلك حماية للطرف المدين في العقد ولعل هذه الحماية يبررها المبدأ القائل ” الأصل براءة الذمة ” . وتبعا لذلك إذا قام الشك حول أحد بنود العقد فإن الشك يفسر بما يتلاءم مع مصلحة الطرف المدين ، أما الدائن فما عليه إلا أن يتحمل وزر عدم احتياطه في اختيار التعبير الذي يترجم بدقة نواياه ومقاصده [32] وهذا ما ذهب إليه المشرع الفرنسي فوثيقة عقد البيع الغامضة والمبهمة تفسر دائما ضد البائع ، سواء كان دائنا أو مدينا ،لان البائع هو الذي حررها [33]

إلا أن هذه القاعدة لا تطبق في العقد المبرم بين المستهلك والمهني في إطار عقود الاستهلاك ، حيث نص المشرع المغربي في المادة 9 من القانون رقم 31.08 القاضي بتحدید تدابير حماية المستهلك على أنه : ” فيما يتعلق بالعقود التي يحرر جميع أو بعض شروطها المقترحة على المستهلك كتابة ، يجب تقديم هذه الشروط وتحريرها بصورة واضحة ومفهومة . وفي حالة الشك حول مدلول أحد الشروط ، يرجح التأويل الأكثر فائدة بالنسبة إلى المستهلك ” . وبخصوص الشروط التعسفية نجد المشرع المغربي قد منح القاضي في العقد الاستهلاكي ومنه عقد البيع الاستهلاكي سلطة واسعة في تقدير تعسف الشروط المدرجة في العقد المبرم بين المهني والمستهلك ، حيث إن تقدير القاضي الطابع التعسفي لشرط من الشروط يتم وفقا لجميع الظروف المحيطة بإبرام العقد وإلى جميع الشروط الأخرى الواردة فيه ، وكذلك إلى الشروط الواردة في عقد آخر عندما يكون إبرام أو تنفيذ العقدين المذكورين مرتبطين بعضهما ببعض من الوجهة القانونية [34]

المطلب الثاني : مدى ارتباط قواعد التفسير والتأويل بالنظام العام

يعتبر عقد البيع من العقود التي حظيت بإهتمام بالغ من قبل التشريع المغربي والتشريعات المقارنة نظرا لإهميته ومكانته في المجتمع وتعامل الافراد ، وقد نص المشرع المغربي على قواعد التفسير والتأويل التي تهم منها عقد البيع ،  في الفصول 462 الى 472 من ق ا ع ، وقد أثارت هذه الفصول العديد من التساؤلات أهمها فيما إذا كانت هذه الاخيرة تعتبر من النظام العام أم لا ، وهكذا نتطرق في الفقرة الاولى لموقف التشريع المغربي والتشريع المقارن على أن نتطرق في الفقرة الثانية لموقف محكمة النقض من تفسير وتأويل عقد البيع

الفقرة الاولى : موقف التشريع المغربي والتشريع المقارن من قواعد تفسير وتأويل عقد البيع

يثار في أذهان البعض مدى إلزامية قواعد التفسير والتأويل بالنسبة للقاضي المدني ، وهو الأمر الذي اختلف فيه العديد من الفقه سواء الوطني أو الأجنبي ، نطرق في ما يلي لمواقف بعض التشريعات الأجنبية على أن نعرج في الأخير عن موقف التشريع المغربي

أولا : موقف التشريع الفرنسي

بالرجوع  للتشريع الفرنسي يتضح  أن قواعد التفسير المنصوص عليها في الفصل 1165 وما يليه من القانون المدني هي مجرد نصائح وضعها المشرع الفرنسي ليستأنس بها قاضي الموضوع دون أن تفرض عليه ، وهو ما يتضح من قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ في 16 فبراير 1892  الذي جاء فيه ما يلي ” إن المشرع في المادة 1156 وما يليها وضع نصائح عامة للقضاة لمساعدتهم في تفسير العقود بدون أن تفرض عليهم … ” [35]وفي قرار آخر مؤرخ في : 10 ماي 1948 ، تذهب محكمة النقض الفرنسية إلى ترسيخ الفكرة السابقة  وهي اعتبار القواعد المنصوص عليها في الفصل 1156 وما يليه  مجرد نصائح يستأنس بها القاضي[36] كما يمكن الاستئناس برأي الفقه الذي بدوره يعتبر قواعد التفسير المنصوص عليها في القانون المدني الفرنسي قواعد تنعدم فيها الصفة الإلزامية وفي هذا السياق ، يذهب الفقيه جاك جيستان J.GHESTIN [37] إلى أنه ابتداء من سنة 1908 اعتبرت القواعد المنصوص عليها في المواد 1157 و 1158 و 1161 من القانون المدني الفرنسي مجرد نصائح أعطيت للقضاة في مادة تفسير العقود ، واستشهد الفقيه المذكور بمجموعة من قرارات محكمة النقض الفرنسية ، منها قرار مؤرخ في 1 فبراير 1962 ، وقرار آخر في 17 أكتوبر 1961 ، وهي كلها قرارات تصب في هذا المنحى . ويذهب الإخوة مازو [38] إلى أنه إذا اعتبرنا قواعد تفسير العقود قواعد إلزامية للقضاة ، فلا بد من ذكر الملاحظة التالية ، وهي أن محكمة النقض حينما تريد أن تنقض قرارا لا يمكنها أن تعيب على قضاة الموضوع استنتاجهم لإرادة الأفراد من خلال ظروف الحال ، لأن المسألة مسألة واقع ، ولكن يمكن لمحكمة النقض أن تبطل في كل مرة قرارات محاكم الموضوع ، حينما تلاحظ أن القضاة لم يحترموا قواعد التفسير المنصوص عليها في القانون المدني ، لأنه في هذه الحالة هناك انتهاك للقانون ، والمسألة هنا مسألة قانونية وليست مسألة واقعية .

 ثانيا : موقف المشرع المصري

يمكن تلخيص موقف القانون المصري في ما قاله جانب من الفقه وهو يعلق على المادة 150 من القانون المدني المصري : ” ….. إن ما ذكره النص بعد ذلك من الاستهداء في تعرف النية المشتركة للمتعاقدين بطبيعة التعامل وما ينبغي أن يتوفر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات فهذه قواعد ليست ملزمة وإنما يستأنس بها القاضي وهو حر في ألا يتبعها إذا رأى أن إتباعها لا يجدي ولا يؤدي به إلى التعرف على نية المتعاقدين وهو إذا جهر بذلك لا ينقض حكمه “[39]

هذا وبالرجوع إلى المادة 150 من القانون المدني المصري في فقرتها الثانية والتي تنص على ما يلي ” أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ و الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات ”

نلاحظ أن المشرع المصري يسر للقاضي مهمة البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين ، بحيث وضع تحت تصرفه معايير وقواعد يؤدي تطبيقها إلى استقرار المعاملات ، وجدير بالذكر أن استدلال القاضي على الإرادة الباطنة باستخدام هذه المعايير يعد من مسائل الواقع المتروكة لتقديره دون رقابة من محكمة النقض ، إلا عندما يعدل عن المعنى الواضح دون ذکر مبررات هذا العدول[40]

ويلاحظ أن ذكر هذه العوامل ليس واردا على سبيل الحصر وإنما على سبيل المثال ، بحيث يجوز للقاضي أن يبحث في غير هذه العوامل[41]

وقد قرر الفقه في مصر وعلى رأسه عبد الرزاق أحمد السنهوري ، بأن قواعد التفسير المنصوص عليها في القانون المدني لا تتعلق بالنظام العام ، وإنما هي مجرد نصائح يستأنس بها قاضي الموضوع وهي قواعد غير ملزمة .. وهكذا الفقه المصري في نفس الاتجاه الذي سار في نظيره الفرنسي

 ثالثا: موقف المشرع المغربي

يرى أستاذنا محمد الكشبور أن ” المشرع وهو بصدد وضع النصوص المتعلقة بالتفسير لم يقصد على ما نعتقد أكثر من مساعدة قاضي الموضوع ورسم الطريق أمامه في مسألة لا يجادل أحد في موضوعيتها ”[42]

وهذا الاعتقاد هو السائد لدى أغلب الفقه الفرنسي وكذا اجتهاد محكمة النقض الفرنسية – كما بينا سابقا إلا أن الملاحظ أن محكمة النقض المغربية قد سلكت موقفا مخالفا لموقف محكمة النقض الفرنسية ، وإذ نستشهد بالقرار الصادر عن الغرفة المدنية القسم الأول بتاريخ 1 دجنبر 1982 الذي استند في إبطاله لقرار محكمة الاستئناف المطعون فيه باللجوء إلى مقتضيات الفصل 462 وما بعده من ظهير الالتزامات والعقود ، حيث يعيب على القرار المطعون فيه خرقه هذه النصوص القانونية ، وينص هذا القرار على ما يلي” بناء على المواد 462 وما بعدها من ظهير الالتزامات والعقود فإن الغموض الناشئ بين المقارنة بين بنود العقد لا يؤدي إلى تجريده من كل أثر فإعمال العقد خير من إهماله – يقتضي إعمال العقد أن تقوم المحكمة بتأويله وتبحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف على المعنى الحرفي للألفاظ ولا عند  تركيب الجمل – إن الحكمة لما جردت العقد من كل أثر والحال أنه يمكن التوفيق بين بنوده عن طريق التأويل تكون قد خرقت القانون وعرضت قراراها للنقض ”[43]

ويتضح من خلال هذا القرار أن تفسير قاضي الموضوع يظل خاضعا لرقابة محكمة النقض  وذلك حتى في الأحوال التي يكتنف فيها العقد محل النزاع غموض ، إذ يتعين على قاضي الموضوع أن يحسن تفسير العقد عن طريق التطبيق السليم للقواعد القانونية التي ينص عليها المشرع المغربي في الفصل 462 وما بعده من ظهير الالتزامات والعقود . وهذا يستتبع أن هذه القواعد القانونية لا تشكل بالنسبة لمحكمة النقض مجرد نصائح غير ملزمة يسديها المشرع للقاضي و تساعده في الكشف عن النوايا الحقيقية للمتعاقدين ، بل قواعد ملزمة يشكل سوء تطبيقها خرقا للقانون يوجب النقض، وموقف محكمة النقض المغربية بذلك يخالف موقف محكمة النفض الفرنسية وكذا أغلب الفقه الفرنسي والتي تعتبر معهما المواد 1156 وما بعدها من القانون المدني الفرنسي مجرد نصائح أو نوامیس يستأنس بها قاضي المدني  للبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين

الفقرة الثانية : موقف محكمة النقض من تفسير  وتأويل عقد البيع

من المعروف أن محكمة النقض لا تشكل درجة ثالثة من درجات التقاضي وبذلك فإن رقابتها لا تشمل سوى تطبيق القانون دون أن تتعداه ، الا أن هذه السلطة ليست على إطلاقها بل يحد منها  رقابة محكمة النقض للتكييف القانوني للعقد وكذا ما يسمى بالرقابة على تحريف العقد ، نتطرق في أولا لموقف محكمة النقض من تفسير عقد البيع الواضح ثم ثانيا لرقابة محكمة النقض لتفسير وتأويل عقد البيع الغامض

أولا : موقف محكمة النقض من تفسير وتأويل عقد البيع الواضح

بالرجوع إلى الفصل 461 من ظهير الالتزامات والعقود ، نلاحظ على أن المشرع رسخ قاعدة قانونية متفقا عليها في جميع التشريعات المقارنة ، وهي أن العقد الواضح لا يفسر بل ينفذ ، وهو الأمر الذي أكدته محكمة النقض في قراراتها المتعددة نذكر منها القرار الذي جاء فيه أنه ”     بتطبيق الفصل 461 من قانون الالتزامات و العقود فإنه ليس من حق القضاة أن يفسروا اتفاق الأطراف عندما تكون عبارات العقد واضحة و متفقة مع الهدف الأكبر من العقد ، و أن مقارنة شروطه لا تثير أي شك في معناه ”[44] فمتى كانت ألفاظ العقد معبرة عن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين امتنع على القاضي تفسير العقد  أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب المقررة قانونا تطبيقا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليها في الفصل  230 من قانون الالتزامات والعقود، و تفسير القاضي للعقد رغم تطابق ألفاظه مع ما اتجهت إليه إرادة عاقديه يعد تحريف[45]

وفي حالة كانت العبارة لا تتوافق مع الإرادة  فقد أجمعت معظم التشريعات المقارنة [46]ومنها التشريع المغربي[47] على ضرورة البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين [48]دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ. وتقدير قاضي الموضوع لضرورة تفسير عقد من عدمه هي من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة المحكمة الأعلى درجة، بخلاف التفسير في ذاته الذي يعتبر مسألة من مسائل الواقع[49] . حيث ورد قرار لمحكمة النقض المصرية [50]جاء  فيه ” حاجة التعبير إلى تفسير أو عدم حاجته إلى ذلك من المسائل القانونية التي تخضع فيها المحاكم لرقابة محكمة النقض ، أما  التفسير نفسه فمسألة تدخل في سلطة محكمة الموضوع وهي تستهدي في هذا التفسير فيما يبدو منها أنها أحاطت بعبارة العقد ” و بهذا يبقى لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تفسير صيغ العقود و المشارطات المختلف عليها ، بما تراه أو بمقصود العاقدين و لا يجوز لها أن تعقد بما تفيده عبارة معينة دون غيرها من  عبارات المحرر ، بل يجب عليها أن تأخذ بما تفيده العبارات مكتملة[51] ، إلا أن قضاة الموضوع و إن كانوا لا رقابة عليهم من طرف محكمة النقض في تفسير العقد الواضح إذا كانت ألفاظه لا تتوافق و القصد الحقيقي و المشترك لعاقديه بإعمال قواعد التفسير المتاحة ، فإنهم يخضعون لمراقبة المحكمة المذكورة من حيث التعليل[52] ، و في هذا ورد قرار محكمة النقض المصرية[53] الآتي: ” إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه و إن كان لمحكمة الموضوع سلطة تفسير العقود و الشروط للتعرف على مقصود المتعاقدين إلا أن ذلك مشروط بأن لا تخرج في تفسيرها عما تحتمله عبارات تلك العقود أو تجاوز المعنى الظاهر لها ، و أنه على القاضي إذا ما أراد حمل عبارة المتعاقدين على معنى مغاير لظاهرها ، أن يبين في حكمه الأسباب المقبولة التي تبرر ذلك ”

وتجدر الإشارة إلى أن القضاء وإن استقر- في أغلب الدول- على اعتبار العقود النموذجية هي من العقود الواضحة التي لا تحتاج إلى تفسير ،فإنه منح لقاضي الموضوع سلطة في تفسيرها لصالح الطرف المذعن [54]عند عدم تعبير ألفاظها عن قصد المتعاقدين منها، وسلطة قاضي الموضوع في تفسير هذا النوع من العقود لا يخضع فيه لرقابة محكمة مادام لم يخرج في تفسيره عن المعنى الذي تحتمله عباراتها [55]

ثانيا : موقف محكمة النقض من تفسير وتأويل عقد البيع الغامض

بخصوص العقد غير الواضح أو العقد الغامض فإنه يعتبر المرتع المناسب لإعمال قواعد التفسير التي وقع الحديث عنها سابقا للوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين . وسلطة القاضي في تفسير العقد الغامض سلطة واسعة لا رقابة لمحكمة النقض عليها ، على اعتبار أن القاضي وفي سبيل الوصول إلى نية الأطراف المشتركة يستعمل قواعد التفسير التي سبق وأن قررنا أنها قواعد إرشادية وضعت لفائدة قضاة الموضوع لمساعدتهم في البحث عن القصد الحقيقي للأطراف ، كما يستعين بإجراءات التحقيق من بحث وخبرة ومعاينة وغير ذلك ، وهذه كلها مسائل مادية وواقعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها[56]

أضف إلى ذلك أن النية المشتركة يستخلصها القاضي عن طريق معايير موضوعية تمكنه من الكشف عنها ، فلا هو يأخذ بالإرادة الظاهرة المحضة ، ولا هو يأخذ بالإرادة الباطنة المحضة ، وإنما بالإرادة الباطنة التي يستطيع التعرف عليها[57]

وفي هذا الصدد في جاء قرار محكمة النقض صادر بتاريخ 20 أبريل 1966 ما يلي :  ”يتعرض للنقض الحكم الصادر عن قضاة الاستئناف الذين لم يكن في وسعهم أن يرتبوا أي مفعول على الاتفاق المبرم بين الخصوم ”[58]

ويظهر جليا إذن أن العبارات الواضحة ومسألة تطبيقها تخضع لرقابة محكمة النقض في حين أن العبارات الغامضة تدخل في صميم المسائل الموضوعية الواقعية التي تدخل في السلطة المباشرة لقاضي الموضوع ولا رقابة إذن على هذه السلطة من قبل محكمة النقض. ويعود سبب عدم بسط رقابة محكمة النقض على تفسير العقود الغامضة في نظر الأستاذ محمد الكشبور إلى أن التفسير في هذه الحالة ( حالة غموض العقد ) يقتضي تقصي النية الحقيقية أو المفترضة للأطراف والوقوف على ظروف التعاقد وظروف التعامل وما تقضي به قواعد حسن النية وعادات التجار فيما بينهم ، وقد يستدعي الامر الاستعانة بإجراءات التحقيق كالمعاينة والخبرة ، فالمسألة إذن مسألة واقع لأن قاضي الموضوع يبحث في عالم النية والضمير ليقتنع في النهاية بأن إرادة الأطراف قد اتجهت إلى تحقيق غرض معين[59]

 

خاتمة :

تعد مؤسسة تفسير العقود من أهم المؤسسات التي عنيت بإهتمام بالغ  وعميق من قبل الفقه الحديث ، وذلك راجع بالاساس الى التطور والتحول في العقود في السنوات الاخيرة والطفرة النوعية التي عرفتها خصوصا العقود الالكترونية وما صاحبته من مشاكل في إبرامها، فتعدد أمناط العقود وشيوعها أدى الى تزايد وارتفاع حالات النزاعات الناشئة عنها بسبب ما قد يصيب العقد من غموض وعدم الوضوح ، وهو الامر الذي يحتم على القاضي المدني أن يدخل كمفسر لفك هذا الغموض الذي قد يصيب إما التعبير الغامض في العقد أو إن كان واضح يصيب إرادة أطرافه ، وقد رأينا بأن المشرع المغربي قد حدد مجموعة من القواعد المتعلقة بالتفسير والتي يسترشد بها القاضي في عملية التفسير رغم ما صاحب ذلك توجه مغاير لمحكمة النقض التي إعتبرتها  قواعد ملزمة للقاضي يؤدي عدم إعمالها إلى نقض الحكم أو القرار

إن تعدد هذه القواعد وما سمح به المشرع للقاضي بتجاوزها بالبحث عن النية الكامنة للاطراف ، يدل بما لا يدع مجالا للشك الى سعي المشرع الى حماية الطرف الضعيف في العقد ، الذي قد يستغل من خلال إبرام عقد  توضع به بنود أو تعبيرات تكون غامضة ، تحمل المدين بأكثر مما التزم به ، ودليلنا في ذلك الفصل  473 من ظهير الالتزامات والعقود الذي خول كفة الملتزم المدين على كفة  الدائن باعتبار أن هذا الأخير يكون في الغالب هو صاحب التعبيرات الغامضة ، وأيضا ما جاء به المشرع في المادة التاسعة من قانون حماية المستهلك الذي نص على أن الشك في حالة الغموض يفسر لصالح المستهلك

ورغم ذلك تبقى قواعد تفسير وتأويل العقود قواعد قاصرة ، ما دام أن سلطة القاضي تبقى محدودة النطاق في التفسير والتأويل دون امكانية خروجه عن العقد الواضح ، فالنظرية العامة للعقد والمنظمة لقواعد التفسير والتأويل العقود ومنها عقد البيع تقوم في مجملها على مبدأ المساواة القانونية التي أصبحت متجاوزة ، لأنه وفي كثير من الحالات و إن كانت هناك مساواة قانونية فهي غير ذلك من الناحية الاقتصادية و التقنية ، فلا يمكن القبول دائما بأن المشتري عند التعاقد كل الشروط المقبولة من طرفه تكون عادلة انطلاقا من فرضية أن كل إرادة غير معيبة بعيوب الرضا تعتبر صحيحة دون النظر الى انعدام التكافئ الاقتصادي والتقني لان اختلال التوازن العقدي في هذه الحالة لا يمس الارادة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]_ ابن امنظور ، لسان العرب ، المجلد الخامس ، دار صادر ، لبنان ، الطبعة السادسة ، 1997 ، ص.55.

[2]_ عبد الحكيم فوده ، تفسير العقد في القانون المدني المصري والمقارن ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، 1985 ، ص.11.

[3]_ عبد الحق صافي ، الوجيز في القانون المدني ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، 2016 ، ص.242.

[4]_ عبد القادر العرعاري ، مصادر الإلتزامات ، الكتاب الأول ، نظرية االعقد ، مطبعة الأمنية ، الطبعة الثالثة ، 2013 ، ص.204.

[5]_ سورة آل عمران ، الآية 7 .

[6]_ ابن امنظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ص.32.

[7]_ أحمد ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، المجلد 4 ، ص.70.

[8]_ رشيد بردان ، القاضي وتفسير العقد ، مجلة القانون والمجتمع والسلطة ، مجلد 7 ، العدد 1 ، 2018 ، الجزائر ، ص.11.

[9]_ قرار صادر عن الغرفة المدنية بمحكمة النقض الفرنسية عدد 23713 بتاريخ 15/04/1872 .

[10]_ عبد الرحمان بلعكيد ، وثيقة البيع بين النظر والعمل ، مطبعة النجاح الجديدة ، 1995 ، ص.431.

[11]_ الباجي ، الحدود في الأصول ، تحقيق نزيه حماد ، الزعبى للطباعة والنشر ، بيروت ، 1973 ، ص.47.

[12]_ الباجي ، المرجع نفسه ، ص.45.

[13]_ علي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي ، دار المعارف ، القاهرة ، 1985 ، ص.263.

[14]_ علي حسب الله ، المرجع نفسه ، ص.263.

[15]_ عبد الرحمان بلعكيد ، وثيقة البيع بين العمل والنظر ، مرجع سابق ، ص.432.

[16]_ نور الدين الناصيري ، دور القاضي في تفسير العقد على ضوء قانون الإلتزامات والعقود المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون المدني، جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء ، 1998/1999 ، ص.77.

[17]_ عبد الحكيم العدري ، قواعد تأويل العقد في قانون الإلتزامات والعقود المغربي ، مقال منشور بالموقع الإلكتروني : مجلة مغرب القانون ، www.maroclaw.com ، تمت الزيارة يوم 27/11/2020 مع الساعة 23:30 .

[18]  عبدالحق الصافي :الوجيز في القانون المدني ، المصادر الارادية للالتزام (العقد والارادة المنفردة )  ، الجزء الاول ، مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء ،ص 242

[19]  ادريس العبدلاوي . شرح القانون المدني ، النظرية العامة للالتزام ، الطبعة الاولى 1996 ص 594

[20]  أورده بوشتى الزياني .الحماية القضائية من الشروط التعسفية .رسالة لنيل  دبلوم الدراسات المعمقة في القانون الخاص ، جامعة محمد الأول ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة ، سنة 1999 ص 22

[21]  ادريس العبدلاوي ، مرجع سابق ص 594

[22]  مأمون الكزبري . نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ، المجلد الاول ، ص 238

[23]  محمد الشليح : تأويل العقود في ق ا ع المغربي . أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، جامعة محمد الخامس الرباط اكدال ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، السنة 96-95 ص 518

[24]  قرار 752 مجموعة قرارات محكمة النقض ، المادة المدنية سنة 1991-1983 ص 16

[25]  محمد الشليح ” سلطان الارادة في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ” ، رسالة لنيل دبلوم  الدراسات العليا ، الرباط ، السنة 1983 ص 251

[26]  قرار 752 مجموعة قرارات محكمة النقض في المادة المدنية ، السنوات 91-83 ص 16

[27] السيوطي  : الاشباه والنظائر ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الاولى ، ص ­64

 

[28]  محمد الشليح . سلطان الارادة  في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ، مرجع سابق ص 89

[29]  الامام السيوطي  : الاشباه والنظائر ، مرجع سابق، ص ­63

[30]  الامام السيوطي : المرجع اعلاه ص 55

[31]  الامام السيوطي ، الاشباه والنظائر ، مرجع سابق ص55

[32]  حسن الفكهاني : التعليق على قانون الالتزامات والعقود ، مرجع سابق  ، ص  152

[33]  Denis berthains ; droit des obligations ,hachette superirur,edition ,2000 ,p64

[34]  المادة 16 من القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك

[35]  فرار منشور في كتاب ، دروس في القانون المدني ” ، للإخوة مازو مطبعة montchrestien السنة 78 ص 323

[36]  فرار منشور في كتاب ، دروس في القانون المدني ” ، للإخوة مازو ص 323

[37] GHESTIN, « Traite de droit civil -les effets du contrat », édition 1996 , DELTA .L.G.D.J- Page 38

[38]  الاخوة مازو  ” دروس في القانون المدني ” مرجع سابق ص 324

[39]  عبدالرزاق احمد السنهوري .الوسيط في شرح القانون المدني ، مصادر الالتزام ، مطبعة النهضة المصرية ، القاهرة ، السنة 1964 ص 636

[40]  عبد الحكم فوده . تفسير العقد في القانون المدني المصري  والمقارن . منشأة المعارف ، الاسكندرية ، طبعة 1985 ص 225

[41]  سليمان مرقص . الوافي في شرح القانون المدني في الالتزامات – نظرية العقد ” ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ، دار الكتب القانونية ، مصر ، طبعة 1987 ص 492

[42]  محمد الكشبور . رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية . أطروحة دكتوراه الدولة في القانون الخاص

[43]  مجلة قضاء المجلس الاعلى ، العدد 31 السنة 8 ماي 1983 ، القرار 752 ، الملف 92853

[44]  قرار منشور في  FP.blanc .OP.CIT.N11.P374   .

[45]  أمينة رضوان .حدود سلطة القاضي في تفسير العقد .مقال منشور بمجلة  القانون والاعمال الدولية الالكتروني .رابط الموقع https://www.droitetentreprise.com/?p=18716

تاريخ التصفح 26-11-2020 على الساعة 21:52

 

[46]  من هذه التشريعات نذكر :

– الفقرة الثانية من المادة 150 من القانون المدني المصري: (…أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي الألفاظ)

– الفقرة الثانية من المادة 111 من القانون المدني الجزائري :(… أما إذا كان هناك محل لتأويل العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ )

– الفقرة الثانية من المادة 239 من القانون المدني الأردني :(…أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ)

[47] ينص الفصل 462 من ق.ل.ع في فقرته الأخيرة: ( … و عندما يكون للتأويل موجب ، يلزم البحث عن قصد المتعاقدين ، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ و لا عند تركيب الجمل)

[48]  إن الوقائع التي يعتمد عليها القاضي لاستجلاء الإرادة الحقيقية و المشتركة للمتعاقدين، يجب أن تكون ثابتة من مصادر موجودة و غير مناقضة للثابت في الدعوى. حيث إنه إذا أورد القاضي مصدرا وهميا لا وجود له ، أو أنه موجود لكنه يناقض وقائع أخرى ثابتة أو غير متناقضة و أنه مع ذلك يستحيل عقلا و منطقا استخلاص الواقعة منها ، كان حكمه مخالفا لقواعد الإثبات القانونية و تعرض للنقض .

أورده مينة رضوان .حدود سلطة القاضي في تفسير العقد https://www.droitetentreprise.com/?p=18716

[49]  أمينة رضوان .نفس الموقع اعلاه

[50] حكم أورده أمينة رضوان : نقض مدني بتاريخ 01/06/1973 – طعن رقم 243 – س 37  قضائية – منشور بموسوعة الأحكام العربية على الموقع السابق. https://www.droitetentreprise.com/?p=18716

 

[51]  قرار رقم 6645  _ س 72 ق _ منشور بموسوعة الأحكام العربية www.mohemoon-ju.com

اوردته امينة رضوان : . https://www.droitetentreprise.com/?p=18716

[52]  أمينة رضوان : نفس الموقع السابق

[53]  قرار محكمة النقض المصرية ع 13264 لسنة 67 ق. منشور بموسوعة الأحكام العربية – على الموقع السابق .

[54] وذلك سواء كان مدينا أو دائنا

أمينة رضوان : نفس الموقع السابق

[55] للإطلاع على سلطة محكمتي النقض الفرنسية و المصرية في الرقابة على تفسير هذا النوع من العقود انظر:

ذ. سعيد عبد السلام – سلطة محكمة النقض في الرقابة على تفسير عقود الإذعان – ط1996 – الولاء للطبع و التوزيع – ص 22 و ما يليها.

[56]   محمد الكشبور . رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع ، مرجع سابق ، ص222

[57]  عبدالرزاق احمد السنهوري .الوسيط في شرح القانون المدني .مرجع سابق ص 613

[58]  مجلة القضاء والقانون ، العدد 85 _ 87 ، 20 أبريل 1966 ص 289

[59]  محمد الكشبور . رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع ، مرجع سابق ص 157

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: