القانون العقاريفي الواجهةمقالات قانونية

العدالة المجالية في سياسة التعمير

ماستر التدبير الإداري والمالي العمومي

مادة : التعمير واعداد المجال وتقييم السياسات العمومية

السنة الجامعية 2025-2026

عرض تحت عنوان

العدالة المجالية في سياسة التعمير

 من إعداد الطلبة
لبنى الرشيدي

بثينة بوحشلاف

سلمى هشمي علوي

امين اليرتاوي
:  تحت اشراف
د. مصطفى المريني

مقدمة

يعد موضوع العدالة المجالية أحد أبرز الانشغالات المعاصرة داخل السياسات العمومية، نظرا لارتباطه المباشر بقدرة الدولة على تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المجالات، والحد من الفوارق الترابية التي تعمقت بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية. وفي هذا السياق، تبرز سياسة التعمير بوصفها أداة مركزية لتوجيه استعمالات الأرض، وتوزيع التجهيزات، وتحديد اختيارات التنمية الحضرية والقروية، مما يجعلها أحد أهم المداخل لضمان عدالة في توزيع الموارد والخدمات.[1]

تتأسس الإشكالات الترابية اليوم على تحولات ديمغرافية عميقة، وتزايد ضغوط الهجرة الداخلية، واتساع الفوارق بين المراكز الحضرية الكبرى والمناطق القروية والهامشية، هذه التحولات تجعل من العدالة المجالية محورا أساسيا في التخطيط الترابي، إذ لم تعد السياسات التقليدية القائمة على منطق النمو الاقتصادي كافية لضمان توازن مجالي، بل أصبح ضروريا اعتماد مقاربات جديدة تدمج بعدي الإنصاف المجالي والاستدامة داخل وثائق التعمير.

تتقاطع العدالة المجالية مع أهداف الوثائق التعميرية المختلفة، مثل تصاميم التهيئة وتصاميم التنمية الجهوية والبرامج المندمجة، التي تسعى إلى إعادة توزيع المشاريع والتجهيزات بطريقة منصفة. غير أن واقع الممارسة يكشف استمرار اختلالات بنيوية تتمثل في تركيز الاستثمارات في محاور حضرية جاذبة، مقابل تهميش مناطق واسعة تفتقر لأبسط التجهيزات، مما يطرح ضرورة مساءلة قدرة سياسة التعمير على تجاوز هذه الاختلالات.

عرفت السياسة العمرانية بالمغرب، منذ فترة ما بعد الاستقلال، تركيزا نسبيا على المجالات الحضرية الكبرى، في إطار نموذج تنموي قائم على المركزية، مما ساهم في تعميق الفوارق المجالية. ومع بداية الألفية الثالثة، خاصة منذ خطاب جلالة الملك محمد السادس سنة 2001 حول العالم القروي، ثم إطلاق الجهوية المتقدمة ودستور 2011، برز تحول تدريجي نحو مقاربة ترابية أكثر إنصافا.[2]

وقد تعزز هذا التحول من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج التأهيل الحضري والقروي، وصولا إلى الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة، التي تمثل مرحلة متقدمة في مسار إعادة بناء السياسة الترابية للدولة على أسس العدالة المجالية والحكامة الترابية.

تكتسي العدالة المجالية أهمية خاصة، بالنظر إلى استمرار التفاوتات المجالية بين الجهات، وبين الوسطين الحضري والقروي، وبين المناطق الساحلية والمجالات الجبلية والداخلية. وقد دفع هذا الوضع الدولة المغربية إلى تبني مقاربة ترابية جديدة في التخطيط والتعمير، ترتكز على الجهوية المتقدمة، وتفعيل البرامج الترابية المندمجة، وربط الاستثمار العمومي بالحاجيات الفعلية لكل مجال.

في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش 29 يوليوز 2025، أكد جلالته بشكل صريح أن التنمية لا يمكن أن تكون حقيقية إذا لم تشمل جميع جهات المملكة، ورفض منطق “المغرب الذي يسير بسرعتين”، داعيا إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية قادر على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، خصوصا في المناطق الهشة، فالعدالة المجالية أصبحت عنصرا مركزيا ، إذ تعد رافعة لسياسات التنمية المحلية التي تتجاوز المشاريع القطاعية.

الإطار المفاهيمي

يستدعي تناول هذا الموضوع ضبط مجموعة من المفاهيم الأساسية، من بينها:

  • العدالة المجالية: العدالة المجالية هي مبدأ يقوم على التوزيع المنصف للموارد، والخدمات، والبنيات التحتية، وفرص التنمية بين مختلف المجالات الترابية سواء كانت حضرية أو قروية، مركزية أو هامشية ، بما يضمن تكافؤ الفرص الترابية وتمكين جميع السكان من الاستفادة العادلة من ثمار التنمية، إنها عدالة لا تتعلق بالأفراد فقط، بل بالمجالات، أي بالأحياء، المدن، الجهات، والأقاليم، حتى لا تبقى التنمية حبيسة مراكز حضرية قوية، في مقابل تهميش مناطق أخرى.[3]
  • المجال:​يعرف المجال بأنه النسيج الترابي المتعدد الأبعاد الذي يعاد تشكيله باستمرار من خلال تفاعلات القوة والسياسات والاستثمار، وهو ليس مجرد سطح جغرافي، بل هو وعاء للموارد والخدمات والفرص، يتم توزيعه وتخصيصه بقرار سياسي.[4]
  • التعمير: مجموع الأدوات القانونية والتقنية التي تنظم استعمال الأرض وتوجه التنمية الحضرية والقروية.
  • سياسة التعمير: هي الأداة السياساتية والتنظيمية للدولة والجماعات الترابية التي تهدف إلى توجيه وتخطيط وتنظيم استعمال الأراضي وإعداد وتنمية المجالات الحضرية والقروية، التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية، والضرورات الاجتماعية، والمحافظة البيئية، وذلك عبر وثائق تخطيطية ملزمة مثل تصاميم التهيئة ومخططات التنمية الجهوية[5].
  • التوازن الترابي: يقصد به قدرة السياسات العمومية على تحقيق توزيع متناغم للأنشطة الاقتصادية أي الحد من التفاوتات البنيوية بين المجالات الترابية، سواء من حيث البنيات التحتية، أو التجهيزات العمومية، أو فرص الاستثمار.
  • الحق في المجال: الحق في المجال ويعني حق جميع المواطنين في الولوج العادل إلى المجال الحضري ومكوناته السكن اللائق، النقل، الفضاءات العمومية، الخدمات الأساسية.

الإشكالية

أمام استمرار الفوارق الترابية واتساع الهوة بين المجالات، تطرح اشكالية محورية وهي :

إلى أي حد استطاعت سياسة التعمير الإسهام فعليا في تحقيق العدالة المجالية والحد من الاختلالات الترابية؟

الأسئلة الفرعية

لتفكيك الإشكالية المركزية، يمكن طرح الأسئلة الفرعية التالية:

ما هي تجليات العدالة المجالية داخل منظومة التعمير؟

ما هي الاختلالات التي تبرز داخل توزيع المشاريع والتجهيزات الترابية؟

ما مدى قدرة وثائق التعمير على توجيه التنمية نحو مجالات مهمشة؟

للإجابة عن الإشكالية والاسئلة الفرعية سنعتمد التصميم التالي :

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والتخطيطي للعدالة المجالية في سياسة التعمير

المطلب الاول: الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية

المطلب الثاني: التخطيط الترابي كآلية لتحقيق العدالة المجالية

المبحث الثاني: سياسة التعمير ودورها في تحقيق التنمية المجالية: حدود الفعالية ورهانات الإصلاح

المطلب الاول: واقع سياسية التعمير في حماية المجال

المطلب الثاني: سياسة التعمير ودورها في ارساء التنمية المجالية: بين المقاربات والرهانات

المبحث الأول: الاطار المفاهيمي والتخطيطي للعدالة المجالية في سياسة التعمير

يهدف هذا المبحث إلى تسليط الضوء على العدالة المجالية في سياسة التعمير من خلال تناول أسسها النظرية وأبعادها التخطيطية، وذلك عبر التطرق إلى الإطار المفاهيمي الذي يؤطر هذا المفهوم، ثم إبراز الكيفية التي يتم بها تنزيله عمليا ضمن منظومة التخطيط العمراني. كما سيتم التركيز على دور وثائق التعمير في توجيه استعمال المجال والحد من الفوارق الترابية، بما يبرز مكانة التعمير كأداة لتحقيق التوازن والإنصاف بين مختلف المجالات.

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية وأهدافها في تحقيق التوازن العمراني

تعد العدالة المجالية من المفاهيم الأساسية في التخطيط العمراني المعاصر، لما لها من دور محوري في تحقيق التوازن بين مختلف المجالات الترابية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وانطلاقا من ذلك يهدف هذا المطلب إلى توضيح الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية من خلال ضبط مفاهيمها الأساسية، ثم إبراز أهدافها في تحقيق التوازن العمراني، خاصة عبر التوزيع المتوازن للمرافق والخدمات، وتعزيز التكامل بين المجال الحضري والقروي، وحماية الموارد الطبيعية والبيئية.

الفقرة الأولى: الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية

للإحالطة بمفهوم العدالة المجالية، سنعرج على تعريف بعض المفاهيم والمصطلحات التي لها دلالتها العلمية والعملية ذات الصلة.

إذ يعتبر مفهوم “المجال” espace من المفاهيم الأساسية في الجغرافيا: فالمجال الجغرافي هو الرقعة من الأرض التي تستعملها مجموعة بشرية ما لتوفير الغذاء والسكن ومختلف الوظائف الأخرى، حيث يمكن اعتبار المجال منظومة علاقات متكونة من عناصر طبيعية وأخرى اقتصادية وبشرية، توجد بينها تفاعلات عديدة من جهة، ونتاج اجتماعي بما أنه حصيلة تدخلات الفاعلين من جهة ثانية .[6]

ويرتبط مفهوم المجال ارتباطا وثيقا بمفهومين أساسيين، يتمثل الأول في التراب أو المجال الترابي Territoire، والذي يعرفه جاك ليفي بأنه المجال الذي تتملكه جماعة بشرية بشكل واع، حيث لا ينظر إلى التراب كحيز مادي فقط، بل كعنصر من عناصر الهوية الجماعية والانتماء. فالعلاقة بين الجماعة وترابها تشبه العلاقة بين الطبقة الاجتماعية وشعورها بالانتماء الطبقي، إذ يصبح التراب جزءا من كيان الجماعة، تدافع عنه وتعتبره إطارا لوجودها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.[7]

أما المفهوم الثاني فيتعلق بالتهيئة الترابية Aménagement du territoire، والتي يقصد بها مجموع الاختيارات والتوجهات والتدابير التي تعتمدها الدولة، على المستوى الوطني أو الجهوي، بهدف تنظيم استعمال المجال والتراب بشكل عقلاني. وتهدف التهيئة الترابية إلى تحقيق التناسق والتوازن في توزيع المشاريع الكبرى، والبنيات التحتية، والتجهيزات العمومية، وكذا التجمعات السكنية، بما يضمن تنمية منسجمة بين مختلف المجالات الترابية.[8]

ويعد تقسيم التراب الوطني في هذا الإطار وسيلة لتجميع الموارد والبنيات وتنظيمها، غير أن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في التدخل كلما دعت الضرورة إلى ضمان العدالة المجالية، ويظل هذا التدخل مشروعا، شريطة ألا يشكل مساسا بمبدأ استقلالية الجماعات الترابية، وهو ما تسعى العديد من الدول إلى تكريسه من خلال إرساء أساس دستوري يوفق بين متطلبات العدالة المجالية ومبدأ اللامركزية الترابية.[9]

انطلاقا من هذه المفاهيم، يتضح أن العدالة المجالية لا يمكن فهمها بمعزل عن التفاعل بين المجال بوصفه نتاجا اجتماعيا، والتراب باعتباره مجالا متملكا يحمل أبعاد الهوية والانتماء، والتهيئة الترابية كأداة عمومية لتنظيم هذا المجال. فالعدالة المجالية تشكل نتيجة لسياسات واعية في تدبير المجال، تقوم على تحقيق التوازن في توزيع الموارد والتجهيزات بين مختلف المجالات الترابية، مع احترام خصوصياتها وضمان تكافؤ الفرص بين ساكنتها.

وبالتالي يمكن القول أن مفهوم العدالة المجالية يشكل أحد الركائز الأساسية لتخطيط العمران والتنمية الترابية، ويجمع بين البعد المكاني والاجتماعي للتنمية، فهو يشير إلى ضرورة توزيع الموارد والخدمات والبنى التحتية والمرافق العامة بطريقة عادلة ومتوازنة بين مختلف المجالات الترابية، مع مراعاة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المدن الكبرى والمتوسطة والصغرى، وبين المجال الحضري والقروي.[10] بهذا المعنى، لا تقتصر العدالة المجالية على بعد مكاني مجرد، بل تشمل البعد الاجتماعي، حيث تهدف إلى تقليص التفاوت بين السكان والفئات الاجتماعية المختلفة وتحقيق التوازن في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وبذالك أصبح مفهوم العدالة المجالية أداة معيارية لتوجيه السياسة العمرانية والتنمية الترابية، استنادا إلى التأسيس الدستوري لمبادئ العدالة المجالية في دستور 2011، الذي نص في الفصل 136 على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن بين الجهات، وهو ما يؤكد أهمية التضامن المجالي والتكامل بين مختلف المجالات الترابية، كما ركز الفصل 142 على إرساء آليات للتضامن بين الجهات بهدف تحقيق التنمية البشرية المتكاملة والحد من الفوارق المجالية والاجتماعية، ويجعل هذا التأسيس العدالة المجالية معيارا لتقييم السياسات العمومية ومؤشرا رئيسيا لتوجيه التخطيط العمراني في المدن والمجالات الريفية على حد سواء.[11]

وتتجاوز العدالة المجالية الجانب التشريعي لتصبح إطارا تحليليا واستراتيجيا للتخطيط العمراني، فهي تربط بين التخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية والحماية البيئية، بحيث تهدف إلى توزيع الموارد بشكل عادل وتكامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، على سبيل المثال يمكن للعدالة المجالية أن تحدد مواقع المرافق العامة والخدمات الأساسية بما يضمن عدم تركيزها في مناطق معينة على حساب مناطق أخرى، كما تساهم في تحسين التوازن بين النمو الحضري والمجالات القروية، ومنع الإقصاء المكاني والاجتماعي[12].

كما أن العدالة المجالية ترتبط ارتباطا وثيقا بحوكمة التخطيط العمراني، حيث يفترض أن يشارك مختلف الفاعلين المحليين، من سلطات عمومية وجماعات ترابية وساكنة، في عملية التخطيط العمراني، ويضمن هذا التشارك شمولية القرارات واستدامتها، ويساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية،[13] ويتيح هذا النهج أيضا ربط المبادرات العمرانية بالتنمية المستدامة، بما يحقق توازنا بين التنمية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الموارد البيئية.

من الناحية النظرية، تتخد العدالة المجالية أبعادا متعددة:

  • البعد المكاني: يهتم بتوزيع الخدمات والموارد والمرافق على مختلف المجالات الترابية بشكل متوازن.
  • البعد الاجتماعي: يركز على ضمان تكافؤ الفرص وتقليص التفاوتات بين الفئات الاجتماعية المختلفة، خصوصا في المناطق المهمشة والهشة.
  • البعد الاقتصادي: يسعى إلى توزيع الاستثمارات والبنيات التحتية بطريقة تدعم التنمية المحلية المتوازنة بين الجهات.
  • البعد البيئي: يراعي حماية الموارد الطبيعية والفضاءات الخضراء ضمن التخطيط العمراني، بما يحقق تنمية مستدامة للأجيال القادمة . [14]

ويظهر تطبيق هذا الإطار في المغرب من خلال سياسات إعداد التراب الوطني وتصاميم التهيئة العمرانية، والتي تهدف إلى إعادة توجيه التنمية العمرانية نحو الإدماج الاجتماعي والمجالي، وتوزيع المرافق والخدمات بشكل متوازن، مع الحفاظ على الموارد البيئية وضمان التنمية المستدامة لكل الجهات والمجالات الترابية.

الفقرة الثانية: أهداف العدالة المجالية في تحقيق التوازن العمراني

تسعى العدالة المجالية في التخطيط العمراني إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الجوهرية التي تترجم مبادئ الإنصاف والتوازن على الأرض، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. توزيع متوازن للوظائف العمرانية والمرافق

يقصد بتوزيع الوظائف العمرانية والمرافق الحرص على ألا تتركز الخدمات والتجهيزات العمومية في مناطق دون أخرى، بل يتم توفيرها بشكل متقارب وعادل داخل المجال الحضري. فالمدينة العادلة مجاليا هي التي تمكن جميع سكانها، مهما اختلفت أحياؤهم أو أوضاعهم الاجتماعية، من الولوج إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم، الصحة، النقل، الفضاءات الخضراء، والمرافق الثقافية، دون تمييز أو إقصاء مكاني. [15]

وتكمن أهمية هذا التوزيع المتوازن في كونه يحد من الفوارق بين الأحياء الراقية والأحياء الهامشية، كما يقلص التفاوتات بين المدن الكبرى والمدن المتوسطة والصغرى، فعندما تحرم بعض المناطق من التجهيزات الأساسية، تصبح أقل جاذبية للسكان والاستثمار، مما يؤدي إلى تهميشها اجتماعيا واقتصاديا، في حين يساهم التوزيع العادل للمرافق في تحسين ظروف العيش وتعزيز التكافؤ الاجتماعي بين المواطنين. [16]

ويجد هذا المبدأ أساسه القانوني في القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير خاصة في المواد 28- 18[17] الذي نص على إعداد تصاميم التهيئة باعتبارها أداة رئيسية لتنظيم المجال الحضري. فهذه التصاميم لا تقتصر على تنظيم البناء فقط، بل تهدف إلى تحديد استعمالات الأراضي وتوزيع المرافق العمومية والتجهيزات الجماعية بشكل متوازن داخل المدينة، كما تأخذ بعين الاعتبار حماية البيئة والموارد الطبيعية، بما يضمن تنمية عمرانية منسجمة ومستدامة.

وتظهر أهمية تصاميم التهيئة في كونها تساعد السلطات العمومية على توجيه الاستثمار العمومي نحو المناطق التي تعاني خصاصا في التجهيزات، مثل الأحياء الهامشية أو المناطق الحضرية حديثة التوسع، وبهذا تصبح العدالة المجالية أداة عملية لتصحيح الاختلالات المجالية، وليس مجرد مبدأ نظري.

وقد أكد عدد من الباحثين المغاربة أن تحقيق توزيع عادل للمرافق والخدمات يشكل شرطا أساسيا لتحقيق العدالة المجالية داخل المدن، لأنه يضمن الولوج المتكافئ إلى الحقوق الاجتماعية الأساسية، ويعزز الإحساس بالانتماء إلى المدينة، ويحد من مظاهر التفاوت والتهميش المكاني[18].

وبالتالي، فإن العدالة المجالية في توزيع الوظائف العمرانية والمرافق تساهم بشكل مباشر في تحقيق التوازن العمراني، من خلال خلق مدن أكثر إنصافا وتماسكا، تستجيب لحاجيات جميع السكان، وتضمن تنمية حضرية عادلة ومستدامة.

2. تعزيز التكامل بين المجال الحضري والقروي

تعد العدالة المجالية أداة أساسية لتحقيق التكامل بين المجال الحضري والمجال القروي، من خلال تجاوز المقاربات التقليدية التي تنظر إلى المدينة والقرية كمجالين منفصلين، واعتماد رؤية ترابية شمولية تعتبرهما مكوّنين متكاملين داخل نفس النسق التنموي. فالتنمية العمرانية العادلة لا تقتصر على تحسين أوضاع المدن فقط، بل تمتد لتشمل ربطها بالمناطق القروية المحيطة بها، وضمان استفادة ساكنتها من ثمار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. [19]

ويعتمد هذا التكامل على تقوية الروابط الوظيفية بين الحواضر والقرى، خاصة عبر تطوير البنية التحتية الأساسية، مثل شبكات الطرق، النقل العمومي، الماء الصالح للشرب، الكهرباء، والخدمات الاجتماعية (الصحة، التعليم). فتمكين سكان المناطق القروية من الولوج إلى هذه الخدمات يسهم في تحسين ظروف عيشهم، ويحد من الفوارق المجالية التي ظلت تاريخيا لصالح المدن الكبرى، كما يقلص من الهجرة القروية غير المتحكم فيها نحو المراكز الحضرية.[20]

وقد أكدت عدة تقارير دولية أن تحقيق التكامل بين الحواضر والقرى يشكل ركيزة لتحقيق العدالة المجالية، لأنه يسمح بتوزيع أكثر توازنا للموارد والاستثمارات، ويعزز التنمية المحلية بالمناطق القروية، بدل تركيزها في المدن وحدها[21].

وبرز هذا التوجه من خلال الميثاق الوطني لإعداد التراب، الذي دعا إلى اعتماد رؤية مندمجة للتنمية الترابية، تقوم على تحقيق التوازن بين المجالات، وتقليص الفوارق المجالية، وربط المدن بمحيطها القروي في إطار وحدات ترابية متكاملة[22]. وقد شدد الميثاق على ضرورة توجيه الاستثمارات العمومية نحو المناطق الأقل استفادة، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق العدالة المجالية بين مختلف المجالات الترابية.

كما يعد برنامج “مدن بدون صفيح” مثالا عمليا على تجسيد هذا التكامل، حيث استهدف إدماج الأحياء الهامشية، التي غالبا ما تكون نتاجا للهجرة القروية، داخل النسيج الحضري المنظم. فقد عمل البرنامج على توفير السكن اللائق، وربط هذه الأحياء بشبكات الماء والكهرباء والتطهير، وإنجاز تجهيزات اجتماعية لفائدة الساكنة. وأسهم ذلك في تحسين ظروف العيش، وتعزيز الاندماج الاجتماعي والمجالي، وتقليص مظاهر الإقصاء والتهميش داخل المدن.

وإلى جانب ذلك، ساهمت برامج إعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز في تقوية الروابط بين المجالين الحضري والقروي، من خلال تحويل مناطق هامشية ذات طابع شبه قروي إلى مجالات حضرية مهيكلة، تتوفر على الحد الأدنى من الخدمات والمرافق، مما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق عدالة مجالية قائمة على الإدماج وليس الإقصاء.[23]

وبالتالي، فإن تعزيز التكامل بين المجال الحضري والقروي يشكل أحد الأهداف المركزية للعدالة المجالية، لأنه يساهم في معالجة الفوارق المجالية ، وتحقيق توزيع أكثر إنصافا للموارد والخدمات، وبناء تنمية ترابية متوازنة ومستدامة، تستجيب لحاجيات جميع السكان دون تمييز مكاني.

3. حماية الموارد الطبيعية والبيئية

تشكل حماية الموارد الطبيعية والبيئية أحد الأبعاد الأساسية للعدالة المجالية، حيث تهدف هذه الأخيرة إلى توجيه التخطيط العمراني بشكل يحقق التوازن بين حاجيات التنمية من جهة، ومتطلبات الحفاظ على البيئة من جهة أخرى[24]. فالعدالة المجالية لا تقتصر على توزيع عادل للمرافق والخدمات، بل تمتد لتشمل التوزيع المنصف للموارد البيئية، وضمان حق جميع السكان في بيئة سليمة ومتوازنة.

ويبرز دور العدالة المجالية في هذا المجال من خلال الحد من التوسع العمراني العشوائي الذي يؤدي إلى استنزاف الأراضي الفلاحية، وتدهور الفضاءات الطبيعية، والضغط على الموارد المائية، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الساحلية. فغياب التخطيط العادل غالبا ما يجعل المناطق الهشة تتحمل العبء الأكبر للتدهور البيئي، في حين تستفيد مناطق أخرى من مزايا التنمية دون تحمل آثارها السلبية.

ومن خلال اعتماد معايير العدالة المجالية، يسعى التخطيط العمراني إلى إدماج البعد البيئي ضمن السياسات العمرانية، وذلك عبر:

  • حماية الأراضي الفلاحية والمناطق الطبيعية من الزحف العمراني
  • تخصيص فضاءات خضراء داخل المدن لضمان جودة الحياة
  • توجيه التوسع العمراني نحو مجالات قادرة على استيعاب النمو السكاني دون الإضرار بالتوازن البيئي.

و تم تكريس هذا التوجه من خلال إدماج الاعتبارات البيئية في وثائق التعمير، خاصة تصاميم التهيئة، التي أصبحت تراعي حماية الموارد الطبيعية والفضاءات الحساسة[25]، وتخضع المشاريع الكبرى لدراسات التأثير على البيئة. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان انسجام السياسات العمرانية مع مبادئ التنمية المستدامة.

المطلب الثاني: التخطيط الترابي كآلية لتحقيق العدالة المجالية

يعد التخطيط الترابي أحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي تعتمدها الدول لتحقيق تنمية منصفة بين المجالات، لما يوفره من رؤية شمولية لتنظيم استعمالات الأرض، وتوجيه التعمير، وتلبية الحاجيات المجالية بشكل متوازن، وفي المغرب تزايد حضور التخطيط الترابي داخل سياسات التعمير كأداة لضمان العدالة المجالية وتجاوز اختلالات التركز العمراني.

الفقرة الأولى: دور برامج التنمية الجهوية في الحد من الفوارق المجالية

تلعب برامج التنمية الجهوية دورا محوريا في تقليص الفوارق المجالية باعتبارها آليات تخطيطية واستراتيجية تندرج ضمن ورش الجهوية المتقدمة وسياسة التعمير، فهي تهدف إلى إعادة توزيع فرص التنمية بشكل منصف بين مختلف المجالات الترابية، وخاصة بين المناطق الحضرية والجبلية والقروية والهامشية التي عانت تاريخيا من ضعف الاستثمار العمومي وتفاوت العرض الترابي.[26]

برنامج التنمية الجهوية هو وثيقة تخطيطية وتنفيذية تعتمدها الجهة لمدة ست سنوات، وتعد الإطار المرجعي لجميع تدخلاتها التنموية, لا يقتصر البرنامج على لائحة مشاريع، بل يشكل رؤية شمولية تستند إلى تشخيص ترابي دقيق، وتترجم اختيارات الجهة الاقتصادية والاجتماعية والمجالية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ يهدف البرنامج إلى ضمان انسجام تدخلات الجهة مع السياسات العمومية الوطنية، وإلى تحقيق تنمية متوازنة داخل المجال الجهوي، مع إيلاء عناية خاصة بالمجالات القروية والمناطق الهشة.[27]

إذ يرتكز برنامج التنمية الجهوية على دستور2011 الذي أقر الجهوية المتقدمة كمبدأ لتنظيم الدولة، وعلى القانون التنظيمي المتعلق بالجهات 111.14 الذي أسند للجهة اختصاص إعداد وتنفيذ هذا البرنامج، والذي أعاد تعريف وظائف الجهة كفاعل تنموي أساسي وليس مجرد وحدة إدارية ويحدد هذا الإطار القانوني:

  • إلزامية إعداد البرنامج خلال السنة الأولى من انتداب مجلس الجهة, تشخيص دقيق لحاجيات الساكنة واختلالات المجال ومؤهلاته الاقتصادية والاجتماعية.
  • ضرورة انسجامه مع وثائق التخطيط الترابي والسياسات العمومية للدولة.

كما تخضع عملية الإعداد والتنفيذ لمجموعة من المراسيم والدوريات التي توضح المساطر، وآليات التتبع والتقييم.

فقد نص القانون السالف الذكر في المادة 83 على أن الجهة تضطلع بمسؤولية “إعداد وتتبع وتقييم برنامج التنمية الجهوية” بوصفه الوثيقة المرجعية التي تحدد، في أفق ست سنوات، التوجهات الاستراتيجية للتنمية داخل المجال الجهوي.

ويشكل هذا الالتزام القانوني مدخلا مباشرا للحد من الفوارق المجالية، إذ يجعل من رصد الاختلالات الترابية مرحلة إلزامية في بناء البرنامج، بما يفرض على الجهة إدراج المشاريع الموجهة للمجالات الهشة ضمن أولوياتها. كما يرسخ القانون مبدأ “التمييز الإيجابي” بشكل غير مباشر من خلال اشتراطه أن يأخذ البرنامج بعين الاعتبار المناطق التي تعاني خصاصا بنيويا في التجهيزات والبنيات الاجتماعية.

أما على مستوى الحكامة فيضع القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات آليات تعاقدية وتنسيقية لتعزيز فعالية البرنامج، أبرزها:

  • العقود بين الدولة والجهة، والتي تعد أداة قانونية لضمان تعبئة الموارد المالية الضرورية لتنفيذ المشاريع المهيكلة، وخاصة في المجالات التي تحتاج دعما إضافيا.
  • انسجام برنامج التنمية الجهوية مع توجهات سياسة إعداد التراب الوطني ووثائق التعمير، ما يجعل البرنامج حلقة وصل قانونية ملزمة بين التخطيط الاستراتيجي الترابي والتخطيط المجالي العمراني.

وبمقتضى القانون ذاته، تلزم الجهة بإخضاع البرنامج لآليات التتبع والتقييم بشكل دوري، وهو ما يعزز مبدأ الشفافية والمساءلة الترابية، ويسمح بقياس أثر التدخلات على تقليص الفوارق المجالية كما يعطي القانون أهمية كبيرة للبعد التشاركي بإلزام الجهة بالتشاور مع الفاعلين المحليين والمؤسساتيين والاقتصاديين، مما يضمن وضع برنامج يعكس احتياجات المجالات المهمشة.

كما يتقاطع البرنامج مع مقتضيات القانون 12.90 المتعلق بالتعمير والقانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية، والتي تفرض على وثائق التهيئة مراعاة التوازن بين المجالات ويؤدي هذا التداخل بين المنظومة القانونية الترابية والعمرانية إلى تكريس توزيع ترابي أكثر عدالة للمشاريع والتجهيزات.

  • مراحل إعداد برنامج التنمية الجهوية

يعد برنامج التنمية الجهوية وثيقة استراتيجية تنفيذية تجسد اختيارات الجهة التنموية على المدى المتوسط، ويعد وفق مقاربة تشاركية ومندمجة، انسجاما مع مقتضيات القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، ويمكن حصر مراحله الأساسية فيما يلي:[28]

  • مرحلة التشخيص الترابي الشامل

تشكل هذه المرحلة الأساس المنهجي لإعداد البرنامج، وتهدف إلى تحليل الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والبيئية للجهة. ثم تشخيص الفوارق المجالية داخل الجهة بين الحواضر والبوادي، وبين الأقاليم والعمالات بالإضافة الى إبراز الإمكانات والمؤهلات الترابية، مقابل الإكراهات البنيوية العجز في البنيات التحتية، ضعف التجهيزات، الهشاشة

وذالك من خلال اعتماد مؤشرات كمية ونوعية ، الولوج إلى الخدمات، التغطية المجالية، فرص الشغل. هذا التشخيص ينسجم مع توجهات التصميم الجهوي لإعداد التراب ووثائق التعمير.

  • مرحلة تحديد الرؤية الاستراتيجية والأهداف

في ضوء نتائج التشخيص، يتم بلورة رؤية تنموية جهوية واضحة ومشتركة، تحديد أهداف استراتيجية كبرى، من قبيل ، تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات العمومية، ثم دعم التوازن بين المجالين الحضري والقروي، وترتيب الأولويات وفق معايير النجاعة، الاستعجالية، والإنصاف الترابي.

  • مرحلة إعداد البرامج والمشاريع

تتجسد هذه المرحلة في الانتقال من مستوى التصور الاستراتيجي إلى مستوى الفعل العملي، من خلال بلورة الرؤية والأهداف العامة في شكل برامج ومشاريع ملموسة ذات بعد قطاعي ومجالي، ويشمل ذلك إعداد برامج تدخل في مجالات حيوية كالتجهيز والنقل والسكن والتهيئة الحضرية والتنمية القروية، بما يستجيب لحاجيات المجال ويعزز التوازن الترابي، كما يتم التركيز على إطلاق مشاريع مهيكلة ذات أثر مجالي قوي، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق الأقل استفادة، بهدف تقليص الفوارق المجالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الاستثمارات العمومية.

وفي هذا الإطار، يتم تحديد الكلفة التقديرية لكل برنامج أو مشروع، وضبط آجال الإنجاز، وتحديد مختلف المتدخلين والمؤسسات المعنية، بما يضمن وضوح الرؤية وفعالية التنفيذ. كما تحرص هذه المرحلة على ضمان الانسجام والتكامل مع وثائق التعمير، لاسيما تصاميم التهيئة ، ومع السياسات العمومية الوطنية والبرامج الحكومية، بما يكفل وحدة الاختيارات التنموية وتناسقها داخل المجال الترابي.

  • مرحلة التشاور والشراكة

تعد هذه المرحلة تجسيدا لمبدأ الديمقراطية التشاركية، وتشمل:

إشراك المصالح اللاممركزة للدولة.

التشاور مع الجماعات الترابية داخل الجهة.

إشراك الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمجتمع المدني.

إبرام اتفاقيات شراكة وتمويل الدولة، المؤسسات العمومية، القطاع الخاص.

  • مرحلة المصادقة

تمر هذه المرحلة عبر:

عرض مشروع برنامج التنمية الجهوية على مجلس الجهة للمناقشة والتصويت.

إحالته على سلطة الوصاية للتأشير عليه طبقا للمساطر القانونية.

اكتساب البرنامج طابع الإلزام والتعاقد, ثم تليها مرحلة التنفيذ والتتبع والتقييم وهي مرحلة حاسمة لضمان فعالية البرنامج، وتشمل:

  • تنفيذ المشاريع وفق البرمجة الزمنية والمالية.
  • تتبع دوري لمستوى الإنجاز والاعتمادات المرصودة.
  • تقييم مرحلي ونهائي لقياس الأثر المجالي والاجتماعي.
  • إدخال التعديلات الضرورية لضمان تحقيق أهداف العدالة المجالية.

أما على مستوى السياسات الوطنية، فقد جاء في الخطاب الملكي لعيد العرش 29 يوليوز 2025 ليؤكد ضرورة تقليص التفاوتات المجالية كأولوية استراتيجية، وهو توجيه ذو قوة دستورية مؤسساتية يترجم عبر برامج التنمية الجهوية باعتبارها الآلية العملية للتنزيل. كما نص دستور 2011 في الفصل 31 على الحق في الخدمات الأساسية، مما يجعل معالجة الفوارق المجالية التزاما قانونيا على الدولة والجهات معا.[29]

وبذلك، فإن الإطار القانوني المنظم لبرامج التنمية الجهوية لا يمنحها فقط طابعا تدبيريا، بل يجعلها أداة قانونية ملزمة لتحقيق العدالة المجالية عبر:

  • فرض التشخيص الترابي الإجباري لتحديد الفوارق.
  • إلزام الجهة بالتخطيط وفق رؤية تنموية منسجمة مع وثائق التعمير.
  • تعبئة الموارد المالية عبر آليات تعاقدية لدعم المجالات المهمشة.
  • التقييم والمساءلة لضمان الأثر الفعلي على التوازن المجالي

الفقرة الثانية: دور التصميم الجهوي لإعداد التراب في التوزيع العادل للمجالات

التصميم الجهوي لإعداد التراب الوطني هو وثيقة استراتيجية استشرافية تعد على مستوى الجهة، تهدف إلى تنظيم المجال الجهوي وتوجيه اختيارات التنمية المجالية على المدى المتوسط والبعيد، في انسجام مع التوجهات الوطنية لإعداد التراب. ويعد أداة مرجعية لتأطير السياسات العمومية الترابية، برامج التنمية الجهوية وثائق التعمير والاستثمارات العمومية والخاصة داخل المجال الجهوي.[30]

ويروم التصميم الجهوي تحقيق جملة من الأهداف، أهمها تنظيم المجال الجهوي وتحديد وظائف المجالات حضرية، قروية، صناعية، فلاحية، تقليص الفوارق المجالية داخل الجهة، تثمين المؤهلات الترابية لكل إقليم أو عمالة، تحقيق تنمية مجالية متوازنة ومستدامة، ضمان الانسجام بين السياسات القطاعية المختلفة

يعد التصميم الجهوي في إطار حكامة تشاركية متعددة المتدخلين، ويتقاسم مسؤوليته:[31]

  • مجلس الجهة صاحب المبادرة في إعداد التصميم يتولى المصادقة عليه يضمن إدماجه في برنامج التنمية الجهوية
  • الدولة خصوصا وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، وزارة الداخلية، القطاعات الوزارية المعنية (التجهيز، الفلاحة، الطاقة، البيئة…) وتتولى المواكبة التقنية وضمان الانسجام مع التوجهات الوطنية
  • الوكالات الحضرية عبر تقديم المعطيات المجالية والعمرانية، وضمان التقاطع مع وثائق التعمير
  • الفاعلون الترابيون الجماعات الترابية, المجتمع المدني إلى جانب الفاعلون الاقتصاديون في إطار المقاربة التشاركية[32]

يلعب التصميم الجهوي دورا محوريا في تحقيق العدالة المجالية من خلال:

  • تشخيص الفوارق المجالية داخل الجهة ورصد التفاوت بين المركز والهامش
  • إبراز اختلالات الولوج إلى التجهيزات، الخدمات، البنيات التحتية، إعادة توجيه الاستثمارات العمومية تحديد المجالات ذات الأولوية التنموية، توجيه الاستثمار نحو المناطق الأقل حظا وكسر منطق التركيز في الأقطاب الحضرية الكبرى
  • هيكلة المجال الجهوي بشكل متوازن عبر إحداث أقطاب تنموية ثانوية، دعم المدن المتوسطة، تثمين المجال القروي
  • ضمان تكافؤ الولوج إلى الخدمات توزيع عادل للتجهيزات الصحية والتعليمية تحسين الربط الطرقي والنقل، تقليص العزلة المجالية
  • إدماج البعد الاجتماعي والبيئي، محاربة الإقصاء المجالي، مراعاة الهشاشة المجالية وضمان تنمية مستدامة تراعي الموارد الطبيعية[33]

يمكن القول أن التصميم الجهوي لإعداد التراب الوطني ليس مجرد وثيقة تقنية، بل هو أداة استراتيجية لتحقيق العدالة المجالية، وإعادة التوازن داخل المجال الجهوي، وضمان تنمية مندمجة قائمة على الإنصاف الترابي.

الفقرة الثالثة: دور الجيل الجديد للبرامج الترابية المندمجة في تكريس العدالة المجالية في سياسة التعمير

يشكل الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة تحولا نوعيا في مقاربة الدولة المغربية للتنمية والتعمير، باعتباره أداة قانونية-تدبيرية تهدف إلى تفعيل مبدأ العدالة المجالية كما أقره دستور 2011، لاسيما في فصوله 136 و142 و143 المتعلقة بالتنمية المتوازنة والتضامن بين الجهات، وقد جاء هذا التوجه منسجما مع خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، الذي أكد فيه جلالته أن التنمية لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا شملت جميع جهات المملكة، ورفض بشكل صريح منطق “المغرب الذي يسير بسرعتين”، داعيا إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية القادرة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، خاصة بالمناطق الهشة، وفي هذا الإطار، عمل قانون المالية لسنة 2026 على إدماج هذه البرامج ضمن الاختيارات الميزانياتية للدولة، من خلال توجيه الاستثمار العمومي نحو المجالات الأقل استفادة، وربط التمويل العمومي بالتشخيص الترابي والحاجيات الفعلية للمجال، بما يعزز وظيفة التعمير كرافعة للتوازن المجالي وليس كأداة تقنية محايدة. كما جاءت الدورية الوزارية رقم 1300 الصادرة بتاريخ 15 غشت 2025 لتؤطر التنزيل الترابي لهذه البرامج، عبر اعتماد مقاربة مندمجة تجمع بين التخطيط العمراني، والتأهيل الترابي، [34]وتوفير البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية، في إطار حكامة تشاركية متعددة المستويات. وبهذا المعنى، لم يعد التعمير في ظل هذه البرامج مجرد تنظيم لاستعمالات الأرض، بل أصبح سياسة عمومية موجهة لتحقيق الإنصاف المجالي، من خلال إعادة توجيه التوسع العمراني والاستثمارات نحو تقليص الفوارق الترابية، وضمان الولوج المتكافئ للسكن اللائق، والتجهيزات، والخدمات الأساسية، بما يكرس العدالة المجالية كمبدأ حاكم لسياسة التعمير والتنمية الترابية.

وتتجلى مساهمة هذه البرامج في تكريس العدالة المجالية من خلال إدماج البعد الاجتماعي والمجالي في التخطيط العمراني، حيث لم يعد تصميم التهيئة أو وثائق التعمير ينظر إليها بمعزل عن البرامج التنموية، بل أضحت مندمجة ضمن رؤية ترابية شاملة، تربط بين السكن، والنقل، والتجهيزات العمومية، والأنشطة الاقتصادية. هذا التكامل يسمح بتقليص الفوارق بين المركز والهامش، وبين العالمين الحضري والقروي، ويحد من التوسع العمراني غير المنظم.

كما أن الجيل الجديد للبرامج الترابية المندمجة يعزز العدالة المجالية عبر ترسيخ مبدأ الالتقائية والنجاعة في تدخل الفاعلين العموميين، لاسيما الجماعات الترابية، والقطاعات الوزارية، والمؤسسات العمومية. فالتنسيق بين هذه الأطراف في إطار تعاقدي واضح يضمن توجيه الموارد المالية والبشرية نحو أولويات ترابية محددة، ويمنع تكرار المشاريع أو تمركزها في مجالات دون أخرى، وهو ما ينعكس إيجابًا على توزيع عادل للتجهيزات والبنيات التحتية.[35]

ومن زاوية الحكامة، تسهم هذه البرامج في إرساء عدالة مجالية أكثر فعالية من خلال تعزيز آليات المشاركة والتشاور المحلي في إعداد وتنفيذ مشاريع التعمير. فإشراك الساكنة والمجتمع المدني في تحديد الحاجيات والأولويات يضفي مشروعية اجتماعية على المشاريع العمرانية، ويضمن استجابتها الفعلية للانتظارات المحلية، بما يحقق تنمية مجالية منصفة ومستدامة.

المبحث الثاني: سياسة التعمير ودورها في تحقيق التنمية المجالية: حدود الفعالية ورهانات الإصلاح

تعد سياسة التعمير من الأدوات الأساسية لتنظيم المجال وضبط استعمالاته، لما لها من دور محوري في حماية الموارد المجالية وتحقيق التنمية المجالية المتوازنة. غير أن الواقع العملي يكشف عن محدودية نجاعتها، حيث ما يزال المجال يعاني من اختلالات متزايدة، من قبيل التوسع العمراني غير المنظم، وضعف حماية الأراضي الفلاحية، وتراجع الاعتبارات البيئية ضمن وثائق التعمير (المطلب الأول)، وفي المقابل، يفترض في سياسة التعمير أن تشكل رافعة لإرساء التنمية المجالية، من خلال اعتماد مقاربات مندمجة تضمن العدالة المجالية وتستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، يهدف هذا البحث إلى تحليل مظاهر ضعف سياسة التعمير في حماية المجال، واستجلاء دورها في تحقيق التنمية المجالية، وذلك من خلال مقاربة نقدية تبرز مختلف المقاربات المعتمدة والرهانات المطروحة (المطلب الثاني)،

المطلب الأول: واقع سياسة التعمير في حماية المجال

على الرغم من توفر بلادنا على منظومة تعميرية قوية، إلا أن واقع المجال الترابي وما أفرزه طيلة هذه السنوات يدل على عكس ذلك، فبدل أن تساهم سياسة التعمير في تنظيم وتأطير المجال الترابي، أضحت عاجزة على حماية المجال بسبب ما آل إليه مجال المراقبة من ضعف، وذلك نظرا لما شهده المجال من تطورات متسارعة ساهمت في توسع عمراني ” عشوائي بالوسط الحضري وجعلته يخضع لقوانين غير تلك المنظمة له، وأثرت بشكل عام سلبا على المنظومة التعميرية ببلادنا. وسنقف في هذا الم عند مكامن الخلل التي تطال سياسة التعمير ببلادنا، والتي يمكن تحديدها في مظاهر قصور سياسة التعمير في حماية المجال (الفقرة الأولى)، ثم الإفرازات التي خلفتها هذه الأخيرة على المجال (الفقرة الثانية).[36]

الفقرة الأولى: حدود فعالية قوانين التعمير في حماية المجال

إن المجال الترابي يدخل بصفة عامة ضمن منطق الاحتواء والمراقبة من طرف الدولة حيث تعمل بشتى وسائلها كي تظل المرجع الأول والأخير في كل ما يتعلق بإنتاج سياسة المجال وهيكلته، بغية إثبات وجودها وتدعيم شرعيتها، وعليه، فإنها بذلك إما أن تصيب في سياستها تلك وإما أن تخفق فيها، مما يؤثر سلبا على المجال. وتتجلى أهم مظاهر هذا القصور من خلال العيوب التشريعية التي خلفتها القاعدة. التعميرية، إلى جانب ضعف ومحدودية آليات المراقبة.[37]

تهدف مختلف التشريعات والقوانين إلى الضبط والتنظيم، بحيث يتعين على الجميع احترام هذه القواعد التشريعية، ويعد قانون التعمير منظومة متكاملة من شأن الإخلال ببعض مكوناتها أن يُفرغها من محتواها، حيث يلاحظ على مستوى الواقع والممارسة العملية وجود عراقيل تتمثل أساسا في عدم احترام القواعد القانونية للتعمير من قبل المتدخلين العموميين والخواص على حد سواء. ومن أبرز العيوب القانونية التي ميرت المنظومة التشريعية لميدان التعمير في مغرب الاستقلال هي كثرة الدوريات والمناشير في هذا المجال، والتي أفرزت ما يعرف اليوم بالتعمير الاستثنائي، والذي أصبح الأصل من حيث التطبيق، مما جعل منه أحد أهم العراقيل التشريعية نظرا لمحدودية مراقبته [38]

لكن واقع المنظومة الرقابية ببلادنا يشهد اختلالات عدة ناجمة عن القانون تارة، ونقص في الإمكانيات والوسائل المادية والبشرية اللازمة للمراقبة تارة أخرى. فإذا كان ميدان التخطيط العمراني مجالا مركزيا بامتياز عبر اضطلاع الإدارة المركزية بسلطات واسعة في هذا الباب، فإن ميدان التدبير العمراني بعد حكرا على الجماعات الترابية الحضرية والقروية، لما حوله لها المشرع من صلاحيات بغية تدبير قطاع التعمير بشكل يتناسب مع متطلبات التنمية المحلية[39]

وسـنتطرق هنـا إلـى الحـدود الجليـة للمنظومـة القانونيـة فـي مجـال التخطيـط العمرانـي، التـي يسـهل علـى الباحـث استجلاؤها، والهـدف مـن ذلـك إبـراز الاختلالات الكبـرى التـي تحـول دون تحقيـق نظـام التعميـر المعتمـد اليـوم َ الأهداف المرجـوة منـه. يتمثـل ذلـك فيمـا يلـي:

  • اسـتمرار ّ العمـل بمبــادئ التعميـر التــي ســادت فــي عهــد الاستعمار: يتبيـن مــن خـلال النظـر فــي النصــوص التشـريعية فـي هـذا المجـال اسـتمرار المنطـق الـذي خضـع لـه التعميـر خـال الفتـرة الاستعمارية، حيـث كان الهــدف أساســا التحكــم فــي المجــال العمرانــي ومراقبتــه. ولــم يعمــل القانــون 90-12 ســوى علــى استنســاخ َّ المبـادئ الأساسية التـي تضمنتهـا النصـوص التشـريعية السـابقة عليـه. ومـا زالـت تصاميـم التهيئـة تعبـر عـن رؤيـة عمرانيـة معياريـة، يغلـب عليهـا هاجـس التقنيـن والتوجيـه، ويحكمهـا منطـق وظيفـي فـي التنطيـق، ممـا يـؤدي إلـى تمايلات مجاليـة تنتـج عنهـا مجموعـة مـن التفاوتـات الاجتماعية.
  • المحيـط العـام القانونـي والسياسـي للقاعـدة القانونيـة: قـد يفضـي المحيـط العـام القانونـي والسياسـي إلـى ظهــور قواعــد قانونيــة ومقاربــات منهجيــة، ولكنــه أيضــا قــد يــؤدي إلــى ردود أفعــال وممارســات منحــازة وظرفيــة. وتخضـع القاعـدة القانونيـة لأسـس نظريـة وتوجيهـات سياسـية. وهـذا مـا يجعـل الخيـار السياسـي المنحـاز ْ إلـى نمـط تعميـر قسـري نتيجـة حتميـة لنصـوص قانونيـة متفرقـة دون خيـط ناظـم يجمـع بينهـا. وفـي المقابـل، ّ فـإن نمـط التعميـر المبنـي َّ علـى التحفيـز والمسـاطر المبسطة وعلـى المقاربـة التشـاركية، هـو وليـد تشـريع ديمقراطـي، يجمـع بيـن الانفتاح، والمرونـة، والتقنيـن، والضبـط.
  • غيــاب الانسجام بيــن توجيهــات وثائــق إعــداد التــراب ووثائــق التعميــر. وفــي غيــاب قانــون متعلــق بإعــداد التــراب، لا توجــد هنــاك تراتبيــة تنتظــم وفقهــا هــذه الوثائــق.
  • هيمنـة الشـكليات، فـي أغلـب الأحيان، علـى حسـاب جوهـر التخطيـط العمرانـي، ممـا قـد يختـزل المسـطرة فـي مجـرد مراحـل يتعيـن اجتيازهـا وإجـراءات يجـب احترامهـا، كغايـات فـي حـد ذاتهـا.
  • عدم كفاية الآليات الكفيلة بتدارك تنافر السياسات القطاعية وتشتت العمل الجماعي
  • التداخــل المؤسساتي: لا شك أن اللامركزية خيار استراتيجي، ولكن يبقــى مــن الضــروري مواكبــة هــذا المسلسـل بجملـة مـن الإجراءات مـن أجـل تحقيـق التـوازن المطلـوب بيـن اللامركزية الترابيـة واللامركزية المرفقيــة واللاتمركز[40]

الفقرة الثانية: انعكاسات سياسة التعمير على المجال في ضوء التنمية الترابية

لقد كان لسياسة قصور تشريع التعمير إفرازات سلبية على المجال تمثلت في بروز مظاهر عمرانية غير منسجمة واتساع سريع لرقعته الجغرافية بنشوب تعمير فوضوي بها. كما أدى كذلك إلى ضعف البنيات المجالية خاصة بالوسط الحضري، بفعل عدة عوامل متداخلة فيما بينها ومتغيرة حسب مراحل نشأة وتطور هذا الأخير ببلادنا. وإذا كانت سياسة التعمير هي ما أفرز ذلك الاتساع السريع وغير المنظم للمجالات الحضرية، فهي كذلك التي أدت إلى العديد من الأشكال العمرانية المخالفة لقوانين التعمير والتي تعبر عن وجود أزمة حصرية حقيقية وسوء تدبير للمجال في غياب سياسة تعميرية معقلنة وشمولية[41]

لقد اكتسح التوسع العمراني غير المنظم على مدى عقود معظم هوامش المجال الحضري.. بإقرار تجمعات سكنية صغيرة بها، شكلت بذلك نواة التعمير غير القانوني بالمجال الحضري وتطورت بشكل تدريجي لتصبح فيما بعد ظاهرة عمرانية تفرض نفسها عليه، وتربك البنية العمرانية والتعميرية، وتشوه جمالية المدن وقد كان للتوسع العمراني غير المنظم أثرا جليا على عدة عوامل تفاعلت فيما بينها ، فمنها ما هو تاريخي وجغرافي متعلق أساسا بالنمو الديموغرافي، ومنها ما هو سوسيو اقتصادي. كما أدى الانفجار الحصري الذي عرفه المغرب إلى تطور سريع لظاهرة التمدن، الشئ الذي أفرز أشكالا متباينة لتنظيم المجال، تمثلت في تعدد مشاكل المدينة التي لم تعد تقتصر على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل أيضا على الانحطاط الحضري، والتطور الفوضوي والتوزيع اللامتكافئ للتجهيزات فالتحولات الحضرية التي عرفها المغرب لم تكن محل دراسة توقعية ومنظمة، مما ساهم بإحداث تشوهات خطيرة بالمدن منذ المراحل الأولى للاستعمار، عبر ظهور نمط تعميري جديد وغير قانوني على هوامشها، اعتقد في البداية أنه مسألة عابرة ومحدودة سرعان ما ستننهي تدريجيا، وتأكد مع مرور الزمن على أنها ظاهرة شديدة التعقيد ومزمنة[42]. فالتعمير غير القانوني أفرز لنا نمطين للسكن، هما السكن العشوائي، والسكن الصفيحي أو ما يعرف بدور الصفيح. وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في هذا الصدد، إلا أن كبريات المدن لازالت تعرف تواجد عدد كبير من دور الصفيح فوق مجالها الترابي، مع اعتراف السلطات المحلية والمجالس المنتخبة بالصعوبات التي تواجهها في القضاء على هذه الأحياء. فبالرغم من وجود ترسانة قانونية قوية تعنى بالتخطيط والتدبير العمراني بالمغرب وآليات مراقبة قبلية وبعدية، خاصة فيما يتعلق بالتعمير العملياتي، إلا أن الضغط المجتمعي وتزايد حاجيات السكان بسبب الهجرة القروية والنمو الديموغرافي السريع بالمدن جعل القواعد القانونية التي تنظم المجال والمشوبة بعدة نواقص، غير قادرة على استيعاب وتلبية القواعد القانونية التي تنظم المجال والمشوبة بعدة نواقص، غير قادرة على استيعاب وتلبية هذه الحاجيات، مما خلق أزمة في تدبير المدن، وأفرز توسعا مختلا وغير منظم للمجال. وميلاد تعمیر غير قانوني متجسد في أحياء عشوائية ودور صفيح تفتقر لأبسط شروط العيش وبما أن سياسة التعمير تعتبر ميدانا لاختبار قدرة الدولة على المستويين المركزي واللامركزي) على تحقيق شروط التنمية المجالية، فإن هذه الأخيرة تعمل جاهدة على تجاوز هذه الأزمات والضغوط بالمراهنة على قطاع التعمير وجعله في خدمة التنمية المجالية عبر مقاربات ومؤثرات مهيكلة حديثة.[43]

فرغم الأدوار التنظيمية التي تضطلع بها قوانين ووثائق التعمير في المغرب، فإن فعاليتها في حماية المجال وتحقيق العدالة المجالية تظل محدودة أمام عمق التفاوتات الترابية البنيوية. فقد أفرزت الديناميات المجالية، منذ بداية الألفية الثالثة، تطورات غير متكافئة على المستوى الجهوي، تعكس اختلالًا واضحًا في توزيع الثروة والتنمية السوسيو-اقتصادية. إذ تستقطب خمس جهات فقط، لا تتجاوز مساحتها %18 من التراب الوطني، أزيد من %70 من السكان، وتساهم بحوالي %58 من الناتج الداخلي الخام، مع تمركز كثيف للأنشطة الاقتصادية يصل إلى %72، في مقابل تهميش واضح للمجالات الشرقية والجنوبية والداخلية. [44]

ويبرز هذا التفاوت المجالي بشكل صارخ في تركّز الإنتاج والاستثمار داخل ثلاث جهات قطبية كبرى (الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، طنجة-تطوان-الحسيمة)، التي لا تمثل سوى %7 من المساحة الوطنية، لكنها تحتضن %44 من السكان وتنتج %58 من الناتج الداخلي الخام، وتستحوذ وحدها على %73 من الاستثمارات العمومية، وأكثر من %40 منها موجهة لجهة الدار البيضاء-سطات.

ويعكس هذا الواقع محدودية تأثير قوانين التعمير، وعلى رأسها القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، في إعادة توجيه التنمية نحو المجالات الأقل استفادة، رغم ما ينص عليه من مبادئ ترمي إلى تحقيق تنمية متوازنة ومجالية منسجمة. فضعف الالتقائية بين وثائق التعمير والسياسات الاستثمارية، واستمرار منطق التركيز المجالي للاستثمارات العمومية والخاصة، جعلا أدوات التخطيط العمراني عاجزة عن كبح دينامية الاستقطاب المجالي. ويتجلى ذلك أيضًا في استمرار ارتفاع مؤشرات الفقر والهشاشة في عدد من الجهات، حيث تسجل ست جهات معدلات فقر تفوق المعدل الوطني (%4,8 سنة 2014)، وتضم وحدها %74 من مجموع السكان الفقراء، كما تعاني سبع جهات من ضعف مؤشر التنمية البشرية، مع تفاوت حاد بين المجالين القروي والحضري في مؤشر التنمية البشرية المتعدد الأبعاد.

وعلى مستوى التنافسية المجالية، ورغم التحسن العام الذي حققه المغرب من حيث جاذبية الاستثمار وتطوير البنيات التحتية، فإن هذا التحسن لم يُترجم إلى دينامية متوازنة بين الجهات. فقد ظلت الأقطاب الحضرية الكبرى تستفيد من جل الاستثمارات والأنشطة الإنتاجية، في حين بقيت الجهات الأخرى، رغم تسجيل بعضها نسب نمو مرتفعة، تعاني هشاشة هيكلية وازدواجية اقتصادية تحد من قدرتها على تحقيق إقلاع تنموي مستدام. ويؤكد هذا الوضع أن قوانين التعمير، رغم أهميتها في تنظيم استعمالات الأرض وحماية المجال من التوسع العشوائي، تظل أدوات تقنية وتنظيمية محدودة الأثر إذا لم تُدمج ضمن رؤية شمولية للتنمية الترابية، قائمة على العدالة المجالية، والتمييز الإيجابي لفائدة المجالات المتأخرة، وربط التخطيط العمراني بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى للدولة.[45]

المطلب الثاني: سياسة التعمير ودورها في إرساء التنمية المجالية: بين المقاربات والرهانات

إن الوقوف على واقع التعمير كوسيلة من وسائل التدبير المجالي ببلادنا يبرز أنه أفرز مجموعة من الإشكالات، وذلك نتيجة اختلاف التصورات وتعدد الاستراتيجيات التي وسمت السياسات العمومية في هذا المجال، في إطار سياقات زمنية ومجالية معينة، وعلى أساس خلفيات إيديولوجية ارتبطت بالوضع السياسي للدولة في كل مرحلة من مراحل تدخلها. وقد أدى ذلك إلى تنامي الوعي لدى السلطات العمومية بضرورة إقرار تدخل فعال، يكون فيه الاهتمام بالتنمية محورا أساسيا، من خلال اعتماد استراتيجية شمولية تراعي التفاوتات المجالية التي تعرفها بلادنا، وتقوم على تدبير ترابي عقلاني يهدف إلى إحداث مجالات إيكولوجية جديدة.

وسيتم التطرق في هذا المطلب إلى إبراز موقع آليات التعمير في استراتيجية التنمية المجالية انطلاقا من منظور التخطيط العمراني (الفقرة الأولى) ، ثم الوقوف على مدى إسهام الجهوية الموسعة، باعتبارها دعامة ترابية وخيارا لامركزياً للدولة، في تجاوز الاختلالات السابقة وإرساء تعمير فاعل في المجال، عبر تحقيق تنمية جهوية تسهم في تحقيق تنمية مستدامة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الدور الاستراتيجي لآليات التعمير في التنمية المجالية

إن واقع التعمير وما أفرزه من مشاكل ساهمت في استفحال الأوضاع على المستوى المجالي هو ما دفع بالسلطات إلى تبني صيغ أكثر فعالية ونجاعة، لإعادة التوازن للمجال ومنحه رونقا، وجعله قادرا على المنافسة التي ترقى به إلى مستوى الأقطاب الدولية الحديثة.

ففي الوقت الذي تبلورت فيه خطابات متعددة حول السياسات المجالية والديمقراطية المحلية والحكامة، لوحظ استمرار عدم دمج هذه المعطيات في سياسة متجانسة للمجال، مما دفع إلى تبني إستراتيجية مجالية براغماتية تعتمد على نظرة نفعية ومستقبلية يساهم فيها التعمير من منظوره التخطيطي بشكل كبير، والتي تم اعتمادها وفق منظورين، من خلال دمج مخططات التعمير في محيطها الوطني والجهوي، وفق ميثاق وطني لإعداد التراب، يعنى فيها أكثر بالبيئة التي أصبحت الجيل الثالث لحقوق الإنسان وأيضا دمج المجال المغربي ضمن محيطيه الإقليمي والدولي باعتماد مقاربة مجالية حديثة ترتكز على إستراتيجية قطاعية تساهم في التنمية من خلال التسويق والذكاء الترابيين وسياسة المدن الجديدة ، بغرض جعل المجال أكثر تنافسية وقدرة على تنمية نفسه بنفسه.

أولا: الاستراتيجية الوطنية للتنمية المجالية

تعرف الإستراتيجية حسب مدرسة هارفارد Harvard ، بالمنهج المؤسس لضرورة حسن تكييف مراكز القوة وجوانب الضعف لجهاز معين مع متطلبات المحيط ومخاطره.

أما عن تدبير المجال ببلادنا والذي اعتبر مسألة سياسية بامتياز، فقد تم تصور هذا الأخير ضمن رؤية تنحو منحى المخططات التي عرفت في زمن الحماية، من أجل تحقيق هدف مزدوج يتمثل في توفير شبكة قوية للتراب، باعتباره شرطا لتنمية المجال من جهة، للتمكن من جهة ثانية من إدارته ومراقبته على المستويين السياسي والاجتماعي.

ولتحقيق ذلك ، فقد تم نهج إستراتيجية متعددة الأساليب، من خلال اعتماد الميثاق الوطني الإعداد التراب، ومقاربة بيئية كفيلة بخلق تناغم بين مختلف الاستراتيجيات المعتمدة في ميدان التعمير[46].

وعليه، فإن سياسة إعداد التراب تهدف إلى مواجهة التقلبات التي تطرأ على جغرافية الشغل، حيث أصبحنا نعيش في عالم تتطور فيه أنماط الإنتاج والخدمات بشكل سريع لا يضمن أحد معه ما إذا كان سينهى عمله في نفس المكان الذي بدأه فيه، وبالتالي، فالترحال يبقى من السمات الأساسية لحركة العمال الذين يجدون أنفسهم مجبرين على التنقل، نظرا للفواق الصارخة التي أصبحت تظهر بين الجهات، بحيث أضحت مطالب الجهات الفقيرة تزداد بدرجة معينة في الدول الغربية قد تهدد وحدتها الوطنية.

ولهذا السبب، فإعداد التراب يظهر كجواب ذكي للمشاكل المطروحة جهويا وذلك بضرورة التوفيق بين التنمية والحاجة للأمن ويتعلق الأمر بتوجيه الشركات التي تنشأ في قطاعات تتوسع إلى المدن والجهات التي تعرف أزمة.

كما يهدف الحوار الوطني لإعداد التراب بالمغرب إلى تأسيس شكل جديد للتشاور والتواصل مع العموم، وجعله شأنا عموميا ، إذ بالحوار تحدد الاختيارات والتوجهات الإستراتيجية بصفة ديموقراطية، كما به يتم التفكير في الوسائل الكفيلة بتنفيذها بغية تحديد إطار عام موجه الإعداد المخطط الوطني وكل الوثائق المتعلقة به.

ولكونه إحدى استراتيجيات التي تتماشي وسياسة التعمير المتبعة التي تهدف لتحقيق التنمية، فإعداد التراب الوطني، يتم من خلال أشخاص ومؤسسات وعبر مجموعة من الأدوات.

كما شكلت الاستثمارات إحدى أبرز المشاكل البيئية، فالصناعة تجلب الصناع، وهو ما يشكل بالنسبة للإفراد والشركات مكانا للاستقرار والعمل، لذا كان من الضروري قبل البدء في أي استثمار كيفما كان نوعه القيام بإجراءات استباقية على المدى البعيد ولو اقتضى الأمر تعديل القرارات القاضية بخلق هذه الاستثمارات.

ولقد شكل النمو الذي عرفته بلادنا خلال السنوات الأخيرة والرامي إلى تلبية حاجيات السكان المتزايدة ضغطا كبيرا على المنظومة البيئية، وقد زاد من حدة هذا الأخير، ظاهرة التغيرات المناخية وندرة وهشاشة الموارد الطبيعية، مما تسبب في تدهور الوسط وتعدد مظاهر التلوث والعوامل المهددة لصحة الإنسان.

والملاحظ أن الانشغال الدولي بالبيئة جاء في سياق العديد من التحولات التي عرفتها بعض المحطات الدولية بدءا باجتماع الأمم المتحدة حول البيئة بستوكهولم في يونيو من سنة 1972،[47] والذي اعتبر حماية البيئة هدفا رئيسيا لفائدة الأجيال الحاضرة والمقبلة.

فانطلاقا من هذا التاريخ، بدأ القانون الدولي للبيئة يشهد تطورا ملحوظا، ويبدو ذلك من خلال قمة الأرض بريو في يونيو من سنة 1992 ، حيث أكدت جميع الدول عن التزامها بحماية البيئة في جميع بقاع العالم.

كما جاء الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى العاشرة لعيد العرش[48] بتاريخ 30 يوليوز 2009 …. أن المغرب، وهو يواجه كسائر البلدان النامية، تحديات تنموية حاسمة وذات أسبقية، فإنه يستحضر ضرورة الحفاظ على المتطلبات البيئية والتزاما منه بذلك نؤكد وجوب انتهاج سياسة متدرجة تأهيلية شاملة، اقتصادا وتوعية …… وفي هذا الصدد، نوجه الحكومة إلى إعداد مشروع ميثاق وطني شامل للبيئة، يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية، ضمن تنمية مستدامة، كما يتوخى صيانة معالمها الحضارية ومآثرها التاريخية، باعتبار البيئة رصيدا مشتركا للأمة. يتعين على السلطات العمومية أن تأخذ بعين الاعتبار، في كل كناش تحملات المشاريع الإنمائية، عنصر المحافظة على البيئة، ليرسم المعالم الكبرى للسياسة البيئية ببلادنا، حيث اعتبر الانشغال البيئي من مسؤولية الجميع، وضرورة قصوى تفرضها تحديات التقلبات المناخية الجديدة والإشكالات المرتبطة بها ، ليفتح الباب أمام ضرورة الشروع في إعداد ميثاق للتنمية والبيئة في آن واحد.

ولقد اهتم المغرب منذ الاستقلال بالبعد البيئي، بل جعله أحد أولويات سياساته العمومية بدءا من تدعيم الإطار القانوني والمؤسساتي، وصولا إلى تحقيق هذا البعد ضمن قوانين التعمير.

ومما سبق، يمكن القول أن الممارسة العملية أبانت على أن الإستراتيجية المعتمدة لتجاوز الاختلالات المجالية لم تكن بالمجدية في عمومها، فالسياسات التي همت تدبير مشاكل المجال ببلادنا كانت دائما ترقيعية، أضف إلى ذلك تباين الرؤى لدى كثير من المسؤولين ممن تعاقبوا على إدارة قطاع التعمير وإعداد التراب، مما أفقد السياسات المتبعة هدفها، وانعكس سلبا على المنظومة البيئية، ودفع في الأخير إلى البحث عن أدوات مجالية حديثة تساهم في خلق تنمية مستدامة.

ثانيا: الإستراتيجيات الحديثة للتنمية المجالية

شهد العالم خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي سلسلة من التحديات السياسية والاجتماعية في ظل أوضاع اقتصادية جديدة من ظهور تكتلات اقتصادية وأدوار جديدة للمنظمات العالمية واشتداد المنافسة.

كما شهدت هذه الفترة ثورة تكنولوجية تمثلت أساسا في التطور السريع لعالم الاتصالات والمعلوميات واتساع مجالاتها ، إضافة إلى ما ترتب عن ذلك من سرعة فائقة في جمع المعلومات وانتقالها، مما ساهم في تحقيق عالمية السوق، وانحسار مفهوم السوق الوطنية أو الإقليمية واستوجب اهتماما بالتسويق بمفهومه العام، والتسويق الترابي كأداة اقتصادية رئيسة لتدبير المجال، كما أدى إلى وضع سياسة للمدن الجديدة على اعتبار أنهما إستراتيجيتين حديثتين بمقاربات ذات صلة وثيقة بالتعمير من حيث تدبير وتنمية المجال.

من ما لاشك فيه أن لكل حقبة زمنية مصطلحاتها ومبادؤها ، فظهور الأفكار التحررية وتنامي الوعي الديمقراطي لدى الشعوب أدى إلى تحول في أدوار الدولة، أصبحت معه ديمقراطية المجتمع هي الأساس، وظهور مصطلحات جديدة كمصطلح الحكامة عوض الحكومة، والمجتمع المدني عوضا عن الشعب، والتوافق بدلا من الاتفاق، والحوار عوضا عن التفاوض، والمحلي / الفرعي بدلا من المركزي، والمواطن عوضا عن الفرد.

وعلى هذا الأساس، حاول المختصون إيجاد المعادلة التي تخلق التوازن بين المجال بثوابته ومتغيراته وأشكال التدخل الترابي في صيغه الحديثة، خاصة عند تناول رجالات الاقتصاد لبعض المفاهيم المستجدة كالذكاء الترابي والتسويق الترابي كإحدى الحلول لأزمة المجال ذات المقاربات الفريدة المرتبطة بسياسة التعمير، والتي كانت بعيدة عن مجال نظر رجالات السياسة والإدارة، خاصة عند الحديث عن التسويق الترابي الذي، وإن كان مصطلحا اقتصاديا بامتياز فإنه انتقل بفضل الضرورة إلى حقل الإدارة الترابية والتدبير المجالي، وأفرز تأثيرات عدة وذلك في محاولة لإيجاد حلول بديلة للتنمية تضمن نجاعة التدخلات المجالية وترفع من تنافسيتها[49] .

وهو ما حدا بالسلطات العمومية إلى ضرورة تدبير أشكال التفاوت المجالي الذي تركه المستعمر والنمو الديموغرافي الهائل الذي شهدته المدن الكبرى وضعف طاقتها الاستيعابية مما دفع إلى خلق مدن جديدة تختلف وظائفها وأدورها حسب الهدف الذي أنشئت من أجله.

فمن خلال ما سبق يتضح لنا جليا الأهمية التي يكتسيها التعمير في استراتيجية التنمية المجالية، بحيث أن جل العمليات الخاصة بكل إستراتيجية على حدة تجعل من قانون التعمير سواء القانون 90-12 المتعلق بالتعمير[50] أو القانون 90-25 المتعلق بالتجزيئات والتقسيمات العقارية[51]، أصل تدخلاتها.

لكن وعلى الرغم من ذلك، لازالت السلطات المكلفة بالقطاع تبحث عن تعمير أكثر تأثيرًا لتحقيق التنمية المجالية.

الفقرة الثانية: نحو تعمير مؤثر في التنمية المجالية

يمكن القول على أن الاستراتيجيات الحديثة التي تبنتها السلطات العمومية ببلادنا، من خلال الاعتماد على التسويق الترابي وسياسة المدن الجديدة والقائمة على مقاربة جديدة للمجال عبر دمج مفهوم الحكامة وتفعيل مضامين قوانين التعمير، كانت كلها محاولة لإيجاد صيغ مناسبة للتدبير العمومي المعقلن والشمولي للمجال الشئ الذي سيطرح آفاقا جديدة لتعمير مؤثر في التنمية المجالية.

ونظرا للعوائق التي لقيته مختلف الإصلاحات التي حاول الغيورون على هذا القطاع إدخالها الإصلاح منظومة التعمير ببلادنا، بدءا من مشروع القانون 04-04 الذي يقضي بسن أحكام تتعلق بالسكنى والتعمير[52]، ومشروع القانون 00.04 المتعلق بتأهيل العمران، وكذا مشروع مدونة التعمير التي حاولت جمع شتات مختلف القوانين الصادرة في هذا الميدان بما فيها مشروع القانونين السالفي الذكر وصولا إلى القانون 66.12،[53] أضحى من الضروري اليوم أكثر من ذي قبل تفعيل مضامين قوانين التعمير الحالية بغية الوصول إلى تعمير قادر على تحقيق التنمية المستدامة.

ولكي يتحقق ذلك لابد من تجاوز مجموعة من المعيقات التي تعتري سياسة التعمير ببلادنا، مع اعتماد الآلية التعاقدية والدعامات الترابية القديمة الجديدة – الجهوية الموسعة، والتي تعتبر بمثابة مؤثرات حديثة لتحقيق التنمية المجالية.

أولا: تجاوز سياسة التعمير للمعيقات المجالية

يطرح موضوع التعمير بالمغرب عدة إشكالات تتعلق بتوزيع الاختصاص بين الدولة والجماعات الترابية وما يترتب عن ذلك من معيقات على المستوى السياسي والقانوني، فهل يعود هذا الاختصاص للسلطات المركزية أم اللامركزية؟ إن صعوبة الإجابة عن هذا السؤال تعزى إلى الدستور المغربي الذي بدوره لم يقم بتحديد هذا الاختصاص، ما انعكس على قانون التعمير نفسه، عكس التشريعات الأجنبية كالتشريع الفرنسي والألماني، وتشريعات بعض البلدان العربية كمصر والأردن وغيرها والتي أوضحت هذا الاختصاص.

ولعل من بين أهم معيقات سياسة التعمير بالمغرب هو تعدد المتدخلين على الصعيدين المركزي واللامركزي من جهة، وتأثير المعطى العقاري على هذه السياسة من جهة ثانية فالعقار يعد من بين أهم الثوابت المجالية التي تقوم عليها سياسة التعمير في كل بلد.

وتجدر الإشارة إلى وجود مستويين للتدخل في ميدان التعمير مركزي ولا مركزي، فعلى المستوى الأول، تأتي الوزارة المعنية بالقطاع كمتدخل أساسي وإلى جانبها المصالح الخارجية التابعة للوزارات المعنية بالقطاع، فيما نجد كل من الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية سواء الوطنية أو المحلية تتدخل على الصعيد اللامركزي.

فالعدد الهائل للمتدخلين على المستويين المركزي واللامركزي لميدان التعمير، يجعل من مهمة التنسيق بين مختلف المتدخلين أمرا ليس سهلا، بالإضافة إلى ذلك المعطى العقاري ووقوفه كعائق أمام السياسة المجالية ببلادنا.

كما أنه لا يخفى على أحد مدى أهمية العقار من النواحي القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فمن شأنه أن يسهل أو يعقد كل المبادرات المتخذة، سواء في القطاع الفلاحي أو السياحي أو الصناعي أو السكني.

ونظرا لأهمية القطاع العقاري، فعلى الدولة أن تتدخل لتحديد إطاره القانوني وتوضيحه وتنظيمه، كما أن تدخلها في المجال العقاري الحضري خاصة يأتي من كونها المسؤول الرئيسي عن مختلف عمليات التعمير، وذلك بدافع تحسين نوعية التعمير والاستجابة لطلب المجتمع المتزايد من السكن، وخلق توازن بين العرض والطلب، باقتناء الأراضي التي يرتقب استعمالها على المديين القصير أو البعيد لإنجاز عمليات التعمير والسكن.

فإذا كانت النصوص التشريعية المنظمة لقطاع التهيئة والتعمير قد جعلت من بين أهدافها الأساسية تحديد المواقع العقارية لإنشاء التجهيزات والمرافق الاجتماعية والإدارية، فالملاحظ أن إخضاع هذه العقارات المسطرة الاقتناء غالبا ما تعترضه بعض المشاكل الناجمة، إما عن طبيعة القطعة الأرضية أو اعتراض الملاكين على عملية البيع، أو عدم استجابة القطعة الأرضية للحاجيات المتوخاة من هذا المرفق أو ذاك على المديين القريب والمتوسط.

غير أن الواقع العقاري بالمغرب يتميز بتعدد الأنظمة العقارية مما يؤثر على سياسة التعمير عبر جدلية ارتباطها بالسياسة العقارية.

وبالرغم من المعيقات السالفة الذكر، فإن بلادنا أصبحت تعتمد على مؤثرات حديثة تساهم في تعمير يسير نحو تحقيق التنمية المجالية.

ثانيا: المؤثرات الحديثة في التنمية المجالية

لقد أبدت السلطات الحكومية استعدادا قويا للنهوض بقطاع التعمير بصفة عامة والسياسة المجالية بوجه خاص، من خلال نهج استراتيجية ترتكز على تشخيص المجال من جهة، مع توفير التأطير المؤسساتي والدعم المالي اللازمين لهذا الغرض من جهة أخرى، كما جعلت المؤسسات المحدثة في هذا الميدان – مجموعة العمران التعرف الدقيق على المجال والوقوف على اختلالاته من بين أولوياتها وذلك بغية تسطير البرامج الملائمة للنهوض به.

ولهذه الغاية، تم تدعيم الإطار القانوني إلى جانب الإطار المؤسساتي من خلال نهج تدبير تعاقدي يشمل جميع المتدخلين في قطاع التعمير، ويعد أحد الأسباب الرئيسة في تدعيم مسلسل اللامركزية، والنهوض بالجهات عبر ورش الجهوية الموسعة باعتبارها دعامة ترابية حديثة للمجال.

كما أدت التحولات التي شهدها العالم بداية التسعينيات إلى تراجع نموذج تدخل الدولة كطريقة لتدبير السياسات العمومية إلى سيادة وهيمنة «العقد»، فالتعاقد الترابي (الإقليمي) يعد بلا شك، طريقة مستحسنة تتضمن مجموعة من الإيجابيات العملية، وذلك بتجاوزه للسياسات الكلاسيكية واعتماده على التفاوض والتنسيق والمساواة بين الأطراف المتعاقدة. فنجاح أسلوب التعاقد بفرنسا، خصوصا في مجال تسيير وتدبير السياسات العامة يرجع إلى الاهتمام بوجود تقارب بين الدولة المركزية، ومختلف مكونات إقليمها الترابي من خلال اللامركزية، الشيء الذي يوضح أن المسيرة التعاقدية قد استقرت بشكل جيد خلال فترة الثمانينات إلى اليوم.

وإذا كان من الواضح أنه لا يوجد بالمغرب إطار تعاقدي شبيه بعقود التصميم الدولة. الجهة المعتمدة بفرنسا بمختلف أنواعها، وأن المسلسل اللامركزي المعتمد في المغرب منذ سنة 1960 والمنظم لمختلف الجماعات الترابية، لم يُؤسس لقيام تعاقد ترابي إقليمي بين مختلف الجماعات الترابية من جهة والدولة من جهة ثانية، على الرغم من وجود تعاقد جيد بين الدولة والمقاولات والمؤسسات العمومية، فإن المشرع ودعما منه للجهات كحد أدني، أبان عن رغبته في تسهيل عمل الجماعات الترابية والى جانبها المؤسسات العمومية في المجال المتعلق بالشراكة والتعاقد.

في حين أن التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، وصعوبة معالجتها مركزيا ، فرضت أبعادا مجالية للتنمية، اقتضت نهجا جديدا في ممارستها والتفكير في الوسائل القانونية لترجمتها على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، أصبحت الجهة الإطار الملائم البلورة إستراتجية بديلة للتنمية المجالية والاقتصادية والاجتماعية، فيما أضحى موضوع الجهوية يحظى باهتمام مختلف الفاعلين السياسيين.

وتعتبر الجهوية نمطا من التعبير عن حاجات ومشاكل وإمكانات مجتمع ما ورؤية هذا الأخير لتدبير هذه الأمور والتحكم فيها، فالجهة إذن كفضاء للعمل وكآلية تدبيرية ومجال الممارسة الديمقراطية المحلية، هي خيارا لا محيد عنه لتحقيق تنمية الجهة التي ترتبط أهميتها بمزاولة هذه الأخيرة اختصاصاتها والضمانات القانونية المتاحة لها في هذا الشأن.

لكن الواقع العملي للممارسة الجهوية بالمغرب عرف نوعا من المحدودية سواء على المستويين القانوني والإداري، الشئ الذي دفع للتفكير في تطوير ودعم آليات خاصة بالجهوية من خلال ورش الجهوية الموسعة.

لقد تنبأت السلطات العمومية لما أضحت منظومة التعمير تعانيه من تأثير المجال عليها بدل تأثره بها ، الشئ الذي استوجب منها التحكم في سياسة تعمير تروم تدبيرا تضبط وتعالج فيه مشاكله عبر إستراتيجية تنموية وأسس لإعداد التراب الوطني.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تم بالموازاة الاعتماد على إستراتيجية قطاعية، ترتكز على مفاهيم متداولة بشكل كبير عند القطاع الخاص، كالتسويق والذكاء الترابيين، مما يعني انفتاح الإدارة على محيطها وتجاوز آليات التدبير العمومي التقليدي، ونهج سياسة المدن الجديدة لتجاوز الأزمة الحضرية التي تعاني منها كبريات المدن المغربية.

لكن هذه السياسة لن ترقى للمستوى المطلوب إلا بتجاوز الإكراهات العملية من إعادة النظر في أدوار الفاعلين والمتدخلين في المنظومة التعميرية، وبحث معوقات التشريع العقاري الذي يعد تجاوزها أساسا في إنجاح معظم المشاريع التنموية، ونهج أسلوب تعاقدي فعال لحل المشاكل المجالية من خلال عقد برنامج محدد المضامين والأدوار والأهداف، ودون تداخل للاختصاصات بين الفاعلين، مما سيمكن الجهة من أن تعمل على تجاوز مشاكل قطاع التعمير بشكل أفضل وتصحح الاختلالات التي شهدها منذ الاستقلال إلى اليوم، فتكون بذلك الإطار الأمثل للحكامة المجالية عبر تحكم أسهل في المجال المحلي[54].

خاتمة

يبرز موضوع العدالة المجالية في ارتباطه بسياسة التعمير كأحد الإشكالات البنيوية الكبرى التي تواجه مسار التنمية بالمغرب، نظرا لما للتعمير من دور حاسم في تنظيم المجال الترابي وتوجيه الاستثمارات العمومية والخاصة، وضمان الولوج المتكافئ إلى التجهيزات والخدمات الأساسية. غير أن الواقع العملي يكشف عن استمرار تفاوتات مجالية عميقة، تعكس محدودية فعالية السياسات التعميرية في تحقيق الإنصاف الترابي، رغم تعدد النصوص القانونية والمؤسسات المتدخلة في هذا المجال.

ويظهر تحليل الممارسة التعميرية أن الإشكال لا يكمن فقط في ضعف الموارد أو الإمكانيات، بل يرتبط أساسا بطبيعة المقاربات المعتمدة في التخطيط، والتي ظلت في كثير من الأحيان رهينة منطق مركزي وتقني، لا يولي الاهتمام الكافي للخصوصيات المجالية ولا لمتطلبات التنمية المتوازنة، كما أن بطء تحيين وثائق التعمير، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وغياب رؤية ترابية مندمجة، ساهمت في إنتاج مجالات غير متجانسة، تتفاوت فيها مستويات التجهيز والبنيات التحتية وفرص التنمية.

وفي هذا السياق، تتأكد محدودية الأثر العملي لسياسة التعمير في تقليص الفوارق المجالية، حين تظل هذه السياسة منفصلة عن باقي السياسات العمومية ذات البعد المجالي، أو عندما تختزل في بعدها التنظيمي دون استحضار أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهو ما يؤدي إلى تكريس أنماط عمرانية غير عادلة، تعمق الفجوة بين المجالات المستفيدة من الاستثمارات العمومية وتلك التي تظل على هامش التنمية.

كما يبرز بوضوح أن تحقيق العدالة المجالية لا يمكن أن يتم دون إرساء حكامة ترابية فعالة في مجال التعمير، تقوم على إعادة توزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين، وتعزيز آليات التنسيق والالتقائية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الشفافية في اتخاذ القرار المجالي. فالحكامة التعميرية ليست مجرد إطار تنظيمي، بل تمثل مدخلا أساسيا لتصحيح الاختلالات المجالية وضمان توجيه عقلاني وعادل للموارد والاستثمارات.

وتزداد أهمية هذا الرهان في ظل تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي يفترض أن يجعل من المجال الترابي فضاء فعليا لصنع القرار التنموي، وليس مجرد مجال لتلقي السياسات العمومية. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرة الجماعات الترابية على الاضطلاع بأدوارها التخطيطية، ومدى توفرها على الوسائل القانونية والمالية والتقنية اللازمة، فضلاً عن اعتماد مقاربة تشاركية تمكن الساكنة والفاعلين المحليين من المساهمة في بلورة الاختيارات التعميرية.

وانطلاقا مما سبق، يتضح أن التعمير لا يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للعدالة المجالية إلا إذا تم إدماجه ضمن رؤية استراتيجية شمولية للتنمية الترابية، تقوم على الإنصاف في توزيع الاستثمارات، والنجاعة في تدبير المجال، والاستدامة في استغلال الموارد، مع تجاوز المقاربات الظرفية أو القطاعية التي أثبتت محدوديتها.

مقترحات وتوصيات:

في ضوء الخلاصات التي تم التوصل إليها، يمكن اقتراح جملة من التوصيات العملية الرامية إلى تعزيز دور التعمير في تحقيق العدالة المجالية:

  • إعادة النظر في مقاربات التخطيط التعميري، من خلال اعتماد تخطيط ترابي مندمج يأخذ بعين الاعتبار الفوارق المجالية والحاجيات الفعلية لكل مجال.
  • تحيين وثائق التعمير بانتظام وربطها بآجال زمنية واضحة، مع ضمان انسجامها مع برامج التنمية الجهوية والمحلية.
  • تعزيز الحكامة التعميرية عبر تقوية آليات الشفافية، وتبسيط المساطر، والحد من تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات.
  • تمكين الجماعات الترابية من اختصاصات فعلية في مجال التعمير، مقرونة بتوفير الموارد المالية والبشرية والتقنية الضرورية.
  • إرساء آليات فعالة للتتبع والتقييم لمدى أثر السياسات التعميرية على تقليص الفوارق المجالية، وربط الدعم والتمويل العمومي بنتائج ملموسة.
  • توسيع المشاركة المواطنة في إعداد وتنفيذ وتتبع وثائق التعمير، باعتبارها مدخلا لتعزيز الديمقراطية الترابية وتحقيق عدالة مجالية أكثر إنصافا.
  • توظيف الرقمنة والتكنولوجيا المجالية في تدبير التعمير، بما يسهم في تحسين جودة القرار، وضمان الولوج إلى المعلومة، والحد من الممارسات غير الشفافة.

وفي الختام، يمكن التأكيد على أن تحقيق العدالة المجالية يظل رهينا بإصلاح عميق لمنظومة التعمير، قوامه الحكامة الجيدة، والتخطيط الاستراتيجي، والانخراط الفعلي لكافة الفاعلين الترابيين، بما يسمح ببناء مجال ترابي متوازن، منصف، وقادر على تحقيق تنمية مستدامة تستجيب لتطلعات مختلف الفئات والمجالات.

المراجع

قوانين

دستور 2011

قانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 ( 17 يونيو1992 )

  • المرسوم 17 ربيع الثاني 1445 (2 نوفمبر 2023)، الجريدة الرسمية عدد 7248. 16 نوفمبر 2023

القانون 25.90 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.67، في 15 ذي الحجة 1412، (17 يونيو 1992) ، المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

القانون 66.12 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.124 صادر في 21 من ذي القعدة 1437 (25 أغسطس 2016) المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء.

الكتب

إدريس بنسعيد، التحولات المجالية بالمغرب الطبعة الأولى 2013

محمد محجوب، الجغرافيا السياسية والتنمية المجالية الطبعة الأولى 2015

عبد الكبير حسني، سياسة المدينة وإشكالات التخطيط الحضري، الطبعة الأولى 2019

عبد اللطيف بنعربي، الحكامة الترابية والتنمية المجالية بالمغرب، منشورات المعرفة، الرباط، 2019.

حسن طارق الدستور المغربي والعدالة المجالية، ضمن مؤلف جماعي حول دستور 2011، مطبعة النجاح الجديدة، 2016.

عبد اللطيف بوعشرين، إعداد التراب الوطني بالمغرب، منشورات عكاظ، 2014 .

عبد العزيز توفيق، إعداد التراب الوطني والتنمية الجهوية بالمغرب الطبعة الأولى 2012

نجيب أقصبي، السياسات العمومية وإشكالية الإنصاف المجالي الطبعة الأولى 2014

إدريس الفاخوري، الجهوية المتقدمة وإشكالية توزيع الاختصاصات الطبعة الأولى2015

محمد بنعليلو، التخطيط الترابي بالمغرب: الإكراهات وآفاق الحكامة المجالية الطبعة الأولى2016

بنعبد الله، محمد نبيل، سياسة التعمير بالمغرب: الإكراهات والآفاق. الرباط: وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير. 2015.

عبد اللطيف أكنوش، الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، 2024

الاطروحات والرسائل

محمد الهادي، العدالة المجالية وإشكالية توزيع الاستثمارات العمومية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام جامعة محمد الخامس، الرباط 2019

عبد الرحيم بوزيان، سياسات إعداد التراب الوطني بين رهانات العدالة المجالية ومتطلبات التنمية، أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام جامعة ابن طفيل 2018

محمد عراش رسالة ماستر: «دور برنامج التنمية الجهوية في تقليص الفوارق المجالية»، رسالة لنيل الماستر في القانون العام جامعة الحسن الثاني. 2022

المقالات

  • جردان إدريس، “العدالة التوزيعية بالجماعات المحلية وإشكالية التضامن والموازنة”، المجلة المغربية للسياسات العمومية، عدد،4 .2009

بنحمو، محمد، العدالة المجالية في التخطيط العمراني بالمغرب، مجلة العلوم الاجتماعية، عدد 2018 .

  • عبد السلام بوغابة ، العدالة المجالية من محاولة الفهم الى إمكانية التطبيق ، مقالة خاصة على موقع كلية الاداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي .
  • محمد الأشهب، العدالة المجالية والتنمية الحضرية بالمغرب، مجلة الحقوق، عدد خاص، 2021.
  • إدريس الفاخوري، التفاوتات المجالية وإشكالات التنمية الحضرية بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 2017.

– عبد الرحيم العلام، السياسات العمومية الترابية ورهان العدالة المجالية، مجلة العلوم القانونية، العدد العاشر، 2020.

  • محمد بودن، الحكامة الترابية والتنمية الجهوية بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، 2019
  • رضوان علمي، التعمير والتنمية المجالية بالمغرب. المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص ، 2019

محمد المولودي، سعيد امهاوش، العدالة المجالية وتحديات التنمية الترابية بالمغرب مختبر التراب، التراث والتاريخ، شعبة الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس العدد : 14

التقارير

  • المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التنمية المستدامة والعدالة المجالية في المغرب، تقرير 2018
  • وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، إعداد التراب والتنمية المستدامة، تقرير 2016
  • الدورية الوزارية رقم 1300 الصادرة عن وزارة الداخلية المغربية بتاريخ 15 غشت 2025 بشأن برامج التنمية الترابية المندمجة.
  • مديرية إعداد التراب الوطني : دليل إعداد المشاريع الترابية المندمجة، لسنة 2025.
  • تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي دراسة التأثيرات المترتبة عن الاستثناءات في مجال التعمير الصادر سنة 2014
  • الأمم المتحدة، إعلان مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة الإنسانية، ستوكهولم، 1972

مراجع باللغة الاجنبية

Lévy, Jacques & Lussault, Michel, Dictionnaire de la géographie et de l’espace des sociétés, Belin, 2003.

Tatouti, Rachid — L’aménagement du territoire et la planification urbaine au Maroc . Journal of Studies in Economics and Management , Volume 03 Number 05 – Juin 2020 .

  • Litman, T., Spatial Justice and Urban Planning, Journal of Urban Planning, 2018. P 66

الفهرس

مقدمة 1

المبحث الأول: الاطار المفاهيمي والتخطيطي للعدالة المجالية في سياسة التعمير 4

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية وأهدافها في تحقيق التوازن العمراني 4

الفقرة الأولى: الإطار المفاهيمي للعدالة المجالية 4

الفقرة الثانية: أهداف العدالة المجالية في تحقيق التوازن العمراني 7

المطلب الثاني: التخطيط الترابي كآلية لتحقيق العدالة المجالية 10

الفقرة الأولى: دور برامج التنمية الجهوية في الحد من الفوارق المجالية 10

الفقرة الثانية: دور التصميم الجهوي لإعداد التراب في التوزيع العادل للمجالات 14

الفقرة الثالثة: دور الجيل الجديد للبرامج الترابية المندمجة في تكريس العدالة المجالية في سياسة التعمير 15

المبحث الثاني: سياسة التعمير ودورها في تحقيق التنمية المجالية: حدود الفعالية ورهانات الإصلاح 17

المطلب الأول: واقع سياسة التعمير في حماية المجال 17

الفقرة الأولى: حدود فعالية قوانين التعمير في حماية المجال 17

الفقرة الثانية: انعكاسات سياسة التعمير على المجال في ضوء التنمية الترابية 18

المطلب الثاني: سياسة التعمير ودورها في إرساء التنمية المجالية: بين المقاربات والرهانات 20

الفقرة الأولى: الدور الاستراتيجي لآليات التعمير في التنمية المجالية 21

الفقرة الثانية: نحو تعمير مؤثر في التنمية المجالية 24

خاتمة 29

المراجع 31

  1. إدريس بنسعيد التحولات المجالية بالمغرب الطبعة الأولى 2013ص 120
  2. محمد محجوب الجغرافيا السياسية والتنمية المجالية الطبعة الأولى 2015ص 45
  3. محمد الهادي العدالة المجالية وإشكالية توزيع الاستثمارات العمومية بالمغرب أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام جامعة محمد الخامس الرباط2019 ص10
  4. عبد الكبير حسني سياسة المدينة وإشكالات التخطيط الحضري الطبعة الأولى2019 ص 80
  5. عبد الرحيم بوزيان سياسات إعداد التراب الوطني بين رهانات العدالة المجالية ومتطلبات التنمية أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام جامعة ابن طفيل 2018 ص15
  6. Lévy, Jacques & Lussault, Michel, Dictionnaire de la géographie et de l’espace des sociétés, Belin, 2003. P 480
  7. Lévy, Jacques & Lussault, Michel مرجع سابق ، ص 481
  8. Tatouti, Rachid — L’aménagement du territoire et la planification urbaine au Maroc . Journal of Studies in Economics and Management , Volume 03 Number 05 – Juin 2020 . P 74
  9. جردان إدريس، “العدالة التوزيعية بالجماعات المحلية وإشكالية التضامن والموازنة”، المجلة المغربية للسياسات العمومية، عدد،4 .2009 ، ص 65
  10. عبد اللطيف بنعربي، الحكامة الترابية والتنمية المجالية بالمغرب، منشورات المعرفة، الرباط، 2019. ص 30
  11. حسن طارق الدستور المغربي والعدالة المجالية، ضمن مؤلف جماعي حول دستور 2011، مطبعة النجاح الجديدة، 2016. ص 120
  12. Litman, T., Spatial Justice and Urban Planning, Journal of Urban Planning, 2018. P 66
  13. بنحمو، محمد، العدالة المجالية في التخطيط العمراني بالمغرب، مجلة العلوم الاجتماعية، عدد 2018 . ص 85
  14. عبد السلام بوغابة ، العدالة المجالية من محاولة الفهم الى إمكانية التطبيق ، مقالة خاصة على موقع كلية الاداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي ، ص 2
  15. محمد الأشهب، العدالة المجالية والتنمية الحضرية بالمغرب، مجلة الحقوق، عدد خاص، 2021. ص 45
  16. إدريس الفاخوري، التفاوتات المجالية وإشكالات التنمية الحضرية بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 2017. ص 22
  17. قانون رقم 12.90 املتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 ( 17 يونيو1992 )
  18. محمد الأشهب، العدالة المجالية والتنمية الحضرية بالمغرب، مرجع سابق ، ص 47
  19. محمد الأشهب، العدالة المجالية والتنمية الحضرية بالمغرب، مرجع سابق ، ص 80
  20. إدريس الفاخوري، التفاوتات المجالية وإشكالات التنمية الحضرية بالمغرب، مرج سابق ص 28
  21. إدريس الفاخوري، التفاوتات المجالية وإشكالات التنمية الحضرية بالمغرب، مرجع سابق ، 30
  22. عبد اللطيف بوعشرين، إعداد التراب الوطني بالمغرب، منشورات عكاظ، 2014 ، ص113
  23. محمد الأشهب، العدالة المجالية والتنمية الحضرية بالمغرب، مرجع سابق ، ص 85
  24. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التنمية المستدامة والعدالة المجالية في المغرب، تقرير 2018
  25. وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، إعداد التراب والتنمية المستدامة، تقرير 2016.( أبرز دمج البعد البيئي ضمن تصاميم التهيئة وارتباطه بالعدالة المجالية.)
  26. عبد الرحيم العلام، السياسات العمومية الترابية ورهان العدالة المجالية، مجلة العلوم القانونية، العدد العاشر، 2020ص30.
  27. محمد بودن، الحكامة الترابية والتنمية الجهوية بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD)، 2019ص12
  28. محمد عراش رسالة ماستر: «دور برنامج التنمية الجهوية في تقليص الفوارق المجالية»، رسالة لنيل الماستر في القانون العام جامعة الحسن الثاني. 2022ص 18
  29. عبد اللطيف أكنوش، الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، 2024. ص27
  30. عبد العزيز توفيق إعداد التراب الوطني والتنمية الجهوية بالمغرب الطبعة الأولى2012ص 45
  31. نجيب أقصبي السياسات العمومية وإشكالية الإنصاف المجالي الطبعة الأولى2014ص98
  32. إدريس الفاخوري الجهوية المتقدمة وإشكالية توزيع الاختصاصات الطبعة الأولى2015ص 101
  33. محمد بنعليلو التخطيط الترابي بالمغرب: الإكراهات وآفاق الحكامة المجالية الطبعة الأولى2016ص 67
  34. الدورية الوزارية رقم 1300 الصادرة عن وزارة الداخلية المغربية بتاريخ 15 غشت 2025 بشأن برامج التنمية الترابية المندمجة.
  35. مديرية إعداد التراب الوطني : دليل إعداد المشاريع الترابية المندمجة، لسنة 2025، ص 8.
  36. العلمي عبد الرحيم إعداد التراب الوطني والتعمير بالمغرب. دار النشر المعرفة الرباط
  37. بنعبد الله، محمد نبيل سياسة التعمير بالمغرب: الإكراهات والآفاق. الرباط: وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير. (2015).
  38. رضوان علمي التعمير والتنمية المجالية بالمغرب. المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص (11)، ص 288
  39. رضوان علمي نفس المرجع ص: 289
  40. تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي دراسة التأثيرات المترتبة عن الاستثناءات في مجال التعمير الصادر سنة 2014 ص :83
  41. بنعبد الله، محمد نبيل سياسة التعمير بالمغرب: الإكراهات والآفاق مرجع سابق
  42. رضوان علمي مرجع سابق ص 290
  43. رضوان علمي مرجع سابق ص 291
  44. محمد المولودي سعيد امهاوش العدالة المجالية وتحديات التنمية الترابية بالمغرب مختبر التراب، الترات والتاريخ، شعبة الجغرافيا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس العدد : 14 ص: 15
  45. محمد المولودي سعيد امهاوش مرجع سابق ص:16
  46. رضوان العلمي، التعمير والتنمية المجالية بالمغرب، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص (11)، سنة 2019، ص 291.
  47. الأمم المتحدة، إعلان مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة الإنسانية، ستوكهولم، 1972.
  48. محمد السادس، الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى العاشرة لعيد العرش، 30 يوليوز 2009، المملكة المغربية.
  49. رضوان العلمي، التعمير والتنمية المجالية بالمغرب، مرجع سابق، ص 294.
  50. القانون 12.90 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31، في 15 ذي الحجة، (17 يونيو 1992) المتعلق بالتعمير
  51. القانون 25.90 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.67، في 15 ذي الحجة 1412، (17 يونيو 1992) ، المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.
  52. مشروع قانون رقم 04.04 المتعلق بالسكنى والتعمير، مشروع قانون غير مصادق عليه، قدم سنة 2004 في إطار إصلاح منظومة التعمير بالمغرب، لم يصدر بشأنه ظهير شريف ولم ينشر بالجريدة الرسمية.
  53. القانون 66.12 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.124 صادر في 21 من ذي القعدة 1437 (25 أغسطس 2016) المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء.
  54. رضوان العلمي، التعمير والتنمية المجالية بالمغرب، مرجع سابق، ص 297، 298.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى