في الواجهةقانون المال و الأعمالمقالات قانونية

موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية الدكتور علي بن سعيد بن احمد البرعمي

موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية

The Position of Jurisprudence and Arab Courts on the Standard of Document Examination in Documentary Credit Cases

الدكتور علي بن سعيد بن احمد البرعمي

دكتور في القانون الخاص – سلطنة عمان

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 61 الخاص بشهر دجنبر 2025 
رابط تسجيل الاصدار في DOI

 

https://doi.org/10.63585/COPW7495

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

 

موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية

The Position of Jurisprudence and Arab Courts on the Standard of Document Examination in Documentary Credit Cases

الدكتور علي بن سعيد بن احمد البرعمي

دكتور في القانون الخاص – سلطنة عمان

الملخص

هدفت الدراسة إلى تحديد موقف الفقه من معيار فحص الاعتمادات المستندية، وبيان موقف الفقه من طبيعة الالتزام بفحص المستندات (التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية) وتحديد موقف القضاء العربي من معيار فحص المستندات، وقد تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين الأول بينا فيه موقف الفقه من معيار فحص المستندات والثاني بينا فيه موقف القضاء العربي من فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية، واهم النتائج التي توصلت الدراسة إليها أنه اســتقر الفقــه القانونــي علــى معاييــر عــدة لفحــص المســتندات، وهــي: معيــار التطابــق الدقيــق، معيــار التطابــق المعقــول، معيــار التطابــق المــزدوج، ويعــد معيــار التطابــق الدقيـق أفضلهـا، وذلـك لأنـه يحقـق التـوازن بيـن أطـراف عقـد الاعتمـاد ويتوافـق مـع المبـادئ الأساسـية للاعتمـاد المسـتندي، وتطبيقـه يـؤدي إلـى تنفيـذ التزامـات الأطـراف ومـن ثـم اسـتقرار التعاملات الدوليـة. وأهم ما جاء في التوصيات أهميــة أن يتــم تحديــد المعيــار الواجــب اتباعــه مــن قبــل البنــك فــي عمليــه الفحــص والتدقيــق بشــكل واضــح وأكثــر تشــديداً على البنك.

الكلمات المفتاحية: الاعتماد المستندي، القواعد والأصول والأعراف الموحدة، البنك المستفيد، البنك الآمر.

Abstract

The study aimed to identify the juristic position on the standard for examining documentary credits, to clarify the juristic view regarding the nature of the obligation to examine documents (whether it is an obligation to achieve a result or to exercise due diligence), and to determine the position of Arab courts on the standard of document examination. The study was divided into two sections: the first addressed the juristic position on the standards for examining documents, and the second examined the position of Arab courts on document examination in documentary credit cases.

The most important findings of the study indicate that legal scholarship has settled on several standards for examining documents, namely: the strict compliance standard, the reasonable compliance standard, and the dual compliance standard. The strict compliance standard is considered the most favorable because it achieves a balance between the parties to the credit contract, aligns with the fundamental principles of documentary credits, and its application leads to the fulfillment of the parties’ obligations and, consequently, the stability of international transactions.

Among the key recommendations is the importance of clearly defining the standard that banks must follow during the examination and verification process, with an emphasis on imposing stricter requirements on banks.

Keywords: Documentary credit, Uniform Customs and Practice (UCP), beneficiary bank, issuing bank.

المقدمة:

يعد التزام البنك بتسلم وفحص المستندات الركيزة الأساس في نظام الاعتماد المستندي، بل وأخطرها على الإطلاق، إذ بتقرير قبولها أو رفضها تنتج عنه آثار قانونية تشمل جميع أطراف الاعتماد المستندي، فمن ناحية البائع (المستفيد) إذا ما تقدم بالمستندات المطلوبة في الاعتماد استحق الوفاء بقيمة الاعتماد، دون النظر إلى علاقته بالمشتري، وبالنسبة للمشتري، فمن خلال هذه المستندات يتأكد من تنفيذ البائع لالتزاماته الناشئة عن عقد البيع المبرم بينهما، وبالتالي حصوله على مستندات تمثل البضاعة التي تعاقد على شرائها.

ومن ناحية البنك فإن مصلحته في هذا الفحص لا تقتصر على التزامه في مواجهة عمليه (الآمر) بموجب عقد فتح الاعتماد، بل أن مصلحته هو أجدر بأن تحمى فإن أوفى بالاعتماد نظير مستندات غير مطابقة، كان مسؤولاً أمام عميله الذي يحق له رفض هذه المستندات، فضلاً عن تمكينه من مطالبة عميله بما قد أداه إلى المستفيد، الذي قدم مستندات مطابقة لشروط الاعتماد، إضافة إلى أهمية هذه المستندات بما تمثله من حقوق على البضائع الممثلة بها، إذ تمثل هذه المستندات حيازة البضاعة والحقوق الأخرى المتعلقة بها بحيث تصبح هذه المستندات هي الضمان الذي يحتاجه البنك إن تعذر عليه مطالبة عميله باسترداد ما قد قام بدفعه إلى المستفيد، إذ تكون حينئذٍ هي وسيلته الوحيدة لتعويض ما دفعه إلى البائع (المستفيد).

أهمية البحث:

تتمثل أهمية البحث في انه تعد عملية استلام المصرف للمستندات التي طلبها العميل من البائع المستفيد وفحصها للتأكد من مطابقتها لتعليمات العميل من أخطر الالتزامات المصرف وأدقها وحولها تدور أكثرية المشاكل في الواقع العملي، حيث أن هذه العملية تعد الوسيلة الوحيدة للتأكد من سلامة البضاعة محل الاعتماد وذلك لتعذر معاينة البضاعة، لأن المصرف لا تقدم إليه البضاعة لكي يقوم بفحصها ومعاينتها وإنها مجرد مستندات تمثل هذه البضاعة، ولذلك فإن هذه المستندات ودقة فحصها من قبل المصرف تمثل الضمان الأساسي للعميل الآمر تجاه المستفيد، ومع أن سلامة المستندات ليست دليلا قاطعا على تنفيذ المستفيد لالتزاماته إلا أنها تقدم قرينة على هذا التنفيذ استناد إلى ظاهر المستند.

مشكلة البحث:

للمستندات في عقد الاعتماد أهمية قصوى، إذ يتوقف تنفيذ التزام البنك قبل المستفيد على مطابقة هذه المستندات لما ورد في العقد من بيانات وشروط وأهم هذه المستندات سند الشحن، وثيقة التأمين وأخيراً تأتي الفاتورة، هذه هي المستندات الرئيسية التي تقدم في كل اعتماد مستندي إلى جانبها يمكن إن تطلب مستندات أخرى إضافية تختلف بظروف كل صفقة، لذلك اختلفت الفقه والقضاء في مدى إلزامية فحص هذه المستندات، وعليه يمكن صياغة مشكلة البحث في السؤال الرئيس بــ: “ما موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية؟”.

أسئلة البحث:

  1. ما هو موقف الفقه من معيار فحص الاعتمادات المستندية؟
  2. ما هو موقف الفقه من طبيعة الالتزام بفحص المستندات (التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية)؟
  3. ما هو موقف القضاء العربي من معيار فحص المستندات؟

أهداف البحث:

  1. تحديد موقف الفقه من معيار فحص الاعتمادات المستندية.
  2. بيان موقف الفقه من طبيعة الالتزام بفحص المستندات (التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية).
  3. تحديد موقف القضاء العربي من معيار فحص المستندات.

منهجية البحث:

بناء على مشكلة الدراسة وأهدافها سيتم استخدام مناهج البحث العلمي الآتية:

  1. المنهج الوصفي: وذلك من خلال الرجوع إلى الكتب والدراسات فيما يتعلق بتحديد موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية.
  2. المنهج التحليلي: وذلك من خلال تحليل نصوص القواعد والأصول والأعراف الموحدة النشرة (500) و(600) وبيان ما استقر عليه الفقه القانوني بخصوص معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية.

المبحث الأول

موقف الفقه من معيار فحص المستندات

إن التزام البنك بفحص المستندات حظي باهتمام كبير من جانب القواعد الناظمة للاعتمادات المستندية، لأنها أساسية في توفير الثقة ولاطمئنان في التعامل بالاعتماد المستندي، وقد ذهب بعض الفقه القانوني إلى القول بأن كل مستند له دور تجاري أو قانوني فلا يقبل المصرف المستند المقدم إليه ما لم يكن كافياً لأداء هذا الدور الذي طلب من أجله، ومن ثم فإذا خلا المستند من بيان يفقده دلالته على ما أعد له أو تضمن بياناً يقعده عن أداء المقصود منه وجب على المصرف رفضه.

اســتقر الفقــه القانونــي علــى معاييــر عــدة لفحــص المســتندات، وهــي: معيــار التطابــق الدقيــق، معيــار التطابــق المعقــول، معيــار التطابــق المــزدوج، ويعــد معيــار التطابــق الدقيـق أفضلهـا، وذلـك لأنـه يحقـق التـوازن بيـن أطـراف عقـد الاعتمـاد ويتوافـق مـع المبـادئ الأساسـية للاعتمـاد المسـتندي، وتطبيقـه يـؤدي إلـى تنفيـذ التزامـات الأطـراف ومـن ثـم اسـتقرار التعاملات الدوليـة.

ومن خلال هذا المبحث سنقوم بتوضيح طبيعة الالتزام بفحص المستندات، وموقف الفقه من النطاق الزمني والموضوعي لفحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية، وذلك وفق التفصيل الآتي:

المطلب الأول: موقف الفقه من طبيعة الالتزام بفحص المستندات (التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية)

تباينت الآراء الفقهية حول تحديد طبيعة التزام المصرف بفحص المستندات: ما إذا كان التزاما بتحقيق نتيجة، أو ببذل عناية، فالبعض يرى أنه التزام بتحقيق نتيجة، إذ إن المصرف ملزم بتسليم العميل الآمر مستندات خالية من كل عيب، في حين يرى آخرون أنه التزام ببذل عناية ولكنها عناية من درجة عالية هي عناية الرجل الحريص – لا الرجل العادي – في فحصه للمستندات، وبالتالي أية مخالفة في المستندات لشروط وتعليمات العميل الآمر ترد إلى عدم إيلاء عملية الفحص العناية الكافية من قبل المصرف، وهذا يتفق مع أن مسؤولية المصرف تنعقد بإخلاله بالتزاماته تجاه عميله بقبول مستندات غير مطابقة لشروط الاعتماد([1]).

لكن من خلال الرجوع إلى القواعد والأصول والأعراف الموحدة نجد أن التزام المصرف بفحص المستندات ومطابقتها هو التزام ببذل عناية، وما يدعم هذا الرأي ما نصت عليه المادة (14/أ) من الأصول والأعراف الموحدة والتي أوجبت على المصرف فحص التقديم استناداً إلى المستندات وحدها. كما قصرت المادة الخامسة تعامل المصارف على المستندات دون البضائع التي تتعلق بها تلك المستندات.

ومفاد ذلك حصر مسؤولية المصرف في الفحص الظاهري للمستندات دون أن تمتد المسؤولية إلى التأكد من مطابقتها للوقائع وحقائق ما تشير إليه أو تمثله، كما أن حصر عملية الفحص في المطابقة الظاهرية للمستندات يجعل من التزام المصرف التزاماً ببذل عناية، إذ إنه لا يسأل عن صحتها من الناحية الموضوعية متى تحققت مطابقتها لعقد فتح الاعتماد، غير أن العناية هنا هي عناية الرجل الحريص، فالمصارف تتمتع بخبرة ومعرفة في عمليات الاعتمادات المستندية، ولديها القدرة على تحديد وتمييز ما يمكن قبوله من المستندات وما ينبغي رفضه منها، إضافة إلى وجوب تقيد المصرف بأوامر وتعليمات العميل الآمر في فحص ومطابقة المستندات، وذلك لا يعني أن يِّسلم عميله مستندات خالية من العيوب، فدور المصرف لا يتجاوز التحقق من أن بيانات مستند ما عندما تقرأ في سياق الاعتماد، ومع المستند نفسه ومع المعيار الدولي للأصول المصرفية، لا تتعارض مع بيانات أخرى في المستند ذاته أو في مستند آخر أو مع الاعتماد، ليتم بناءً عليه رفض المستند أو قبوله من دون ضمان خلوه من العيوب الخفية عن الفحص الظاهري، فعدم تحقق النتيجة المرجوة من فحص المستندات لا يقتضي مسؤولية المصرف ما دام قد بذل العناية اللازمة في فحصه ومطابقته للمستندات، فالأصول والأعراف الموحدة قررت إعفاء المصارف عند تنفيذها المنوط بها من عملية الاعتماد المستندي من الحالات التي تخرج عن حدود الفحص الظاهري للمستندات شريطة عدم وقوع خطأ أو إهمال عند الوفاء بالتزام فحص المستندات([2]).

والمستندات محل الفحص يحددها العميل الآمر في عقد الاعتماد، ويجب أن يتضمنها خطاب الاعتماد، ومتى كانت الشروط والتعليمات المتعلقة بالمستندات المطلوبة كاملة وواضحة، والتزم المستفيد من الاعتماد بتقديمها، فعلى المصرف ألا يقبل وبالتالي لا يفحص ويطابق سواها، فالتزام المصرف بالفحص يرد على المستندات المحددة من قبل الآمر بفتح الاعتماد، والتي تم إخطار المستفيد بها لتقديمها للمصرف، سواء أكانت مستندات أساسية يقوم عليها الاعتماد المستندي متمثلة في وثيقة (بوليصة) الشحن، والفاتورة التجارية، ووثيقة التأمين، أم كانت مستندات إضافية يقتضيها نوع البضاعة المتفق عليها في عقد البيع، أو تطلبها السلطات الحكومية للدول التي تمر بها البضاعة حتى تصل إلى ميناء الوصول، أو لكونها مستندات تتضمن وصفاً لجودة البضاعة وتميزها، والتي يشترط العميل الآمر توافرها ضمن المستندات التي تخضع للفحص، كشهادة المنشأ، والشهادة الصحية، وشهادة فحص البضاعة ومعاينتها، وبيان التعبئة. عدا ذلك، على المصرف تجاهل أي مستند يتم تقديمه من دون أن ينص عليه في الاعتماد([3]).

إذا لم يحدد خطاب الاعتماد المستندات المطلوبة، وإن كان غير متصور من الناحية العملية، فالمستقر عليه في الفقه أن تكون المستندات المطلوبة والمقدمة هي المستندات الأساسية، لكونها الحد الأدنى الذي يدل على تنفيذ البائع التزامه، وتمثل البضاعة وما يترتب عليها من حقوق([4]).

ويراعى في التزام المصرف بمطابقة المستندات التامة لشروط عقد فتح الاعتماد ما تضمنته الأصول والأعراف الموحدة من استثناءات، كالتفاوت البسيط في مبلغ الاعتماد والكمية وأسعار الوحدة، وذلك بنسبة لا تتجاوز 5% زيادةً أو نقصاناً عن كمية البضائع المسموحة، والمستقر عليه في الفقه أن .ونحن نتفق مع ضرورة عدم تشدد ً المصرف في رفض المستندات التي تتضمن اختصارات دولية متعارفا عليها، فبعض المصطلحات شاع استخدام اختصاراتها في التجارة بما لا يمكن معه الاحتجاج بعدم معرفتها. ويلاحظ أن الأصول والأعراف الموحدة لم تتعرض إلى موقف المصرف من الأخطاء الإملائية أو الطباعية في المستندات محل الفحص، تبعا لذلك فإن ضرورة التطابق التام يوجب على المصرف رفض المستند لمجرد تضمنه تلك الأخطاء، ولكن من جهة أخرى قد تكون غير مؤثرة بالنظر إلى أهمية البيانات أو المستندات الوارد بها الخطأ، مما يجعل من رفضها تشددا في الفحص والمطابقة من شأنه الإضرار بأطراف عملية الاعتماد في هذا الشأن([5]).

المطلب الثاني: موقف الفقه من النطاق الزمني والموضوعي لفحص المستندات

والتزام المصرف بفحص المستندات ومطابقتها يحكمه نطاق زمني، وآخر موضوعي، ويكون ضمن حدود إطار معين، فال يشمل بعض الحالات المتعلقة بفحص المستندات أو الناتجة عنها، فيكون فحص المستندات خلال نطاق زمني محدد وضمن نطاق موضوعي معين([6]).

فمن حيث النطاق الزمني فقد حددت الأصول والأعراف الموحدة مدة زمنية محددة ينبغي على المصرف خلالها الانتهاء من فحص المستندات للوقوف على مدى مطابقتها لشروط فتح الاعتماد، فللمصرف مدة أقصاها خمسة أيام عمل مصرفي تلي يوم التقديم لتحديد ما إذا كان التقديم مطابقا، مع مراعاة أن هذه المدة لا تتأثر بوقوعها في أو بعد تاريخ التقديم، بأي تاريخ انتهاء أو بآخر يوم للتقديم، فإن وقع تاريخ الانتهاء أو آخر يوم للتقديم في غير أيام العمل للمصرف وفق ما ورد في المادة (14/ب) من الأصول والأعراف الموحدة، فإن تاريخ الانتهاء أو آخر يوم للتقديم – حسب الحال – يمدد إلى أول يوم عمل لاحق وفق ما ورد في المادة (29/أ) من الأصول والأعراف الموحدة، ومفاد ذلك أن المدة التي على المصرف فحص المستندات خلالها محددة بخمسة أيام عمل مصرفي تلي يوم تقديم المستندات وفق ما ورد في المادة (14/ب) من الأصول والأعراف الموحدة، ولا يحسب من ضمنها أيام العطل، فعدم فحص المصرف للمستندات، أو عدم إبداء رأيه بشأنها، خلال المدة المحددة يعد قبولاً منه بها ويحول دون رفضها.

ويعكس تقليص مدة الفحص من سبعة أيام طبقا للنشرة السابقة (500) إلى خمسة أيام وفقا للنشرة الحالية (600)، اهتمام الأصول والأعراف الموحدة بحماية حقوق الأطراف المختلفة، وحرصها على تسوية مراكزهم المالية والقانونية. واستقر الفقه القانوني أن هذا التقليص في المدة لا يّشكل أية صعوبة للمصارف، نظرا لاكتسابها الخبرة والمعرفة اللازمتين في مجال الاعتمادات المستندية بما يمكنها من إنجاز الفحص والمطابقة خلال المدة المحددة، بالإضافة إلى حصر دورها في فحص المستندات في التقيد بشروط الاعتماد وباتباع المعيار الدولي للأصول المصرفية لفحص مستندات الاعتماد المستندي.

أما من حيث النطاق الموضوعي لفحص المستندات فإنه يكون فحص المصرف للمستندات طبقاً لأسس ومبادئ تّشكل في مجملها النطاق الموضوعي لعملية الفحص وهي([7]):

  1. الفحص يرد على المستندات دون ما سواها، فقد حصرت المادة 5 من الأعراف الموحدة تعامل المصارف في المستندات، فلا تتعامل بما تتعلق به المستندات، وقصرت المادة (14/أ) عملية الفحص على المستندات، وفي التزامه المترتب على نتيجة الفحص، حظرت المادة (4/أ) على المصرف أن يكون خاضعا لأي ادعاء أو حجج من العميل الآمر، ففحص ومضاهاة المصرف للمستندات مناطه التقيد بشروط الاعتماد، فلا يأخذ المصرف شروط عقد البيع بعين الاعتبار، ولا يلتفت إلى العادات التجارية أو أوامر السلطة، ولا ظروف البائع، ولا يخضع لإملاءات عميله الآمر، بل إنه يتجرد حتى من الاستنتاج أو التفسير والتأويل لتلك الشروط.
  2. الفحص يكون لظاهر المستندات فقد قضت المادة (14/أ) من الأصول والأعراف الموحدة بأن فحص المستندات يكون لتحديد ما إذا كانت تشكل في ظاهرها تقديماً مطابقاً أم لا. ومفاد ذلك أن عبارة تشكل في ظاهرها تعني أن فحص المستندات يكون من خلال البيانات المدونة عليها بعيدا عن التقدير أو التفسير، ومن دون تحري عن حقيقتها، أو مطابقتها لحقيقة البضاعة التي تمثلها، فالفحص بهذا المفهوم يجعل من ظاهر المستندات المحدد الوحيد والفيصل للحكم الموضوعي على مدى مطابقة المستندات للشروط المتفق عليها. ويرد الفحص بهذا المفهوم على ظاهر المستندات، وفي حدود الممكن من الدقة والعناية، بما يحقق الغاية منه المتمثلة في عدم تعارض المستندات بعضها مع بعض، والتأكد من تطابقها مع ما جاء في عقد فتح الاعتماد، المسطر بشروطه في خطاب الاعتماد.
  3. التقيد بمبدأ الحرفية في تنفيذ تعليمات العميل الآمر: يقصد بالتقيد الحرفي أن التزام المصرف في فحص المستندات يكون حرفياً فيلتزم بحدود شروط وتعليمات العميل الآمر، من دون إضافة أو حذف أو تفسير، حيث يخضع المصرف في فحصه للمستندات لالتزام بالتنفيذ الحرفي لشروط الاعتماد، فيتعين التقيد بمطابقة عدد ونوع المستندات المقدمة إليه مع الشروط، فتنعدم بمبدأ الحرفية سلطة المصرف التقديرية أو التفسيرية، فنقص أو اختلاف نوع المستندات يستوجب رفضها، وليس للمصرف إحلال مستند مكان آخر، أو الاستعاضة عن مستند بآخر بحجة أنه يؤدي الغرض ذاته، فتقدير المصلحة والإفادة من مستند ما تعود لصاحب الشأن فيها وهو العميل الآمر، وليس للمصرف أن يعمل على التوفيق بين مصلحة مقدم المستندات المستفيد من الاعتماد ومصلحة طالب المستندات (العميل الآمر) بتقدير أهمية وجدوى المستندات المطلوبة والمقدمة إليه، فدور المصرف يقتصر على فحص المستندات في ذاتها بمنأى عن أية عناصر خارجة عنها إذا اشترط الاعتماد مثلاً أن يتضمن سند الشحن وصفاً أو عبارة معينة للبضاعة، فليس من شأن المصرف تقييم ذلك أو البحث عن قيمته القانونية أو أهميته العملية. كما تنعدم سلطة المصرف في إكمال أي نقص في بيانات المستندات، أو في تفسير عباراته، أو في الاستناد لأمر خارجي لتقدير مدى صلاحية المستندات، عدا تعليمات وأوامر الآمر بفتح الاعتماد، لذا فإن تطبيق المصرف لهذه القاعدة يفرض عليه التأكد من وضوح ودقة تعليمات وأوامر العميل الآمر في عقد فتح الاعتماد، لتفادي الفهم الخطأ أو التنفيذ الخطأ. وتطبيق المصرف لقاعدة التنفيذ الحرفي يتطلب أن تكون الشروط والتعليمات المتعلقة بالمستندات واضحة ومحددة وال لبس فيها وال تحتمل التأويل، وهذا ما يقتضي أن يتأكد منه المصرف، فتحديد المستندات المطلوبة والشروط الواجب مراعاتها بشأن كل مستند تتحدد به المسؤولية عن فحصها ومطابقتها([8]).

ويراعى ألا يفهم من ذلك أن التقيد بحرفية تعليمات وأوامر العميل الآمر مطلق، إذ يرد على قاعدة التقيد الحرفي بعض الاستثناءات. تضمنت الأصول والأعراف الموحدة بعض الاستثناءات التي يراعي فيها المصرف عدم التقيد بحرفية شروط الاعتماد، وهذه الاستثناءات وردت في الفقرات (هـ، ز، ح، ي) من المادة (14) والمادة (20/ج)، والمادة (30/ب) من الأصول والأعراف الموحدة وهي على النحو الآتي:

  1. يتم تجاهل الشروط التي لا يحدد الاعتماد المستند المعني بها والواجب تطبيقها عليه، فما لم يحدد الاعتماد المستند المعني بشروط معينة، فعلى المصرف اعتبار تلك الشروط كأن لم تكن.
  2. يسمح بنسبة تفاوت لا تتجاوز 5% زيادة في كمية البضائع أو نقصانا منها ما دام الاعتماد لم ينص على أعداد محددة من وحدات التعبئة أو البنود المنفردة، وشريطة ألا تتجاوز قيمة المسحوبات الإجمالية قيمة الاعتماد.
  3. الإشارة في وثيقة الشحن إلى أن تغيير الناقلة سوف أو من الممكن أن يحصل، حتى لو منع الاعتماد ذلك، ما دامت الوثيقة ذاتها تغطي كامل عملية النقل، شريطة أن يكون قد تم شحن البضائع كما هو مثبت في وثيقة الشحن.
  4. أن يكون وصف البضائع بصيغة عامة في المستندات، عدا الفاتورة التجارية، شريطة ألا يتعارض مع وصفها في الاعتماد، وبالتالي ليس للمصرف التمسك بحرفية وصف البضاعة الوارد في الاعتماد إلا في حالة الفاتورة التجارية دون سواها من المستندات.
  5. ليس من الضروري – عدا البلد المنصوص عليه في الاعتماد – أن تكون عناوين المستفيد وطالب الإصدار في أي مستند مطلوب هي العناوين ذاتها المبينة في الاعتماد أو في أي مستند آخر، كما على المصرف تجاهل تفاصيل الاتصال (تلفاكس، هاتف، بريد إلكتروني وما شابه) المنصوص عليها كجزء من عناوين المستفيد وطالب الإصدار.

المبحث الثاني

موقف القضاء العربي من معيار فحص المستندات

إن موضوع التزام المصرف مصدر الاعتماد بفحص المستندات هو قيام المصرف بعملية الفحص ذاتها، أي أن موضوع هذا الالتزام هو القيام بعمل (فحص المستندات)، والمقصود بكلمة فحص في التزام المصرف مصدر الاعتماد هو النظر الدقيق في التفصيلات، والتدقيق في الشيء منه، أو إمعان النظر في تفاصيله، أي الفحص العميق لا السطحي([9]).

فالهدف من فحص المستندات هو اطمئنان المصرف وتأكده بأن المستندات مطابقة لما هو مطلوب في الاعتماد ولا يكون من شأن الفحص أن يؤدي إلى هذا التأكد إلا إذا كان دقيقاً من قبل المصرف القائم بالفحص، ولكي يتحقق فحص المستندات وهو موضوع التزام المصرف مصدر الاعتماد المستندي، لابد من التأكد من سلامة المستندات ومن ثم التأكد من مطابقة المستندات لشروط الاعتماد، وعليه ومن خلال هذا المبحث سنقوم بشرح موقف القضاء العربي من معيار فحص الاعتمادات المستندية، وذلك وفق التقسيم الآتي:

المطلب الأول: موقف القضاء من التأكد من سلامة المستندات

عرفت محكمة التمييز الأردنية الاعتماد المستندي بأنه: “تعهد صادر عن البنك بناءً على طلب الآخر (المشتري) يلتزم البنك بمقتضاه بدفع ثمن البضاعة إلى المستفيد (البائع) وفق شروط معينة ويفتح تنفيذ لالتزام المشتري بدفع الثمن”([10])، كما عرفته في قرار آخر ” الاعتماد المستندي هو تعهد صادر عن البنك بناءً على طلب الآمر (المشتري) يلتزم البنك بمقتضاه بدفع ثمن البضاعة للمستفيد (البائع) وفق شروط معينة، ويفتح تنفيذاً لالتزام المشتري بدفع الثمن[11]

في نظام الاعتماد المستندي تتعامل جميع الأطراف المعنية بالمستندات وليس بالبضاعة، إذ يستمد الاعتماد المستندي تميته من أن المستندات فقط هي الأداة الوحيدة التي يقوم عليها التعامل بين ذوي الشأن في الاعتماد، فالمستفيد لا يقدم البضاعة ذاتها إلى المصرف مصدر الاعتماد، وليس له مطالبته بالبضاعة دون المستندات ولا معها، وليس لأحد أن ينظر في البضاعة لتحديد حقوقه والتزاماته، ذلك أن المستندات هي التي ينبغي النظر فيها وفحصها([12]).

وتعد هذه المستندات جوهر الاعتماد المستندي فالمصرف مصدر الاعتماد يقوم بتسليم المستندات من المستفيد للقيام بفحصها للتثبت من توافر الشروط المتطلبة في خطاب الاعتماد، ويقوم بدفع ثمن هذه المستندات أو التعهد بدفعها حسب الشروط المتفق عليها، ثم يقوم بتسليم المستندات للعميل الآمر لتمكينه من تسلم البضاعة بموجبها([13]).

وتعتبر المستندات حجر الزاوية في بناء الاعتماد المستندي من خلال الدور المزدوج الذي تقوم به، فبواسطة المستندات يستطيع العميل الآمر أن يطالب بتسليمه البضاع المرسلة إليه، وعلى هذا الأساس فإن المستندات تنقل الحيازة والحيازة هنا حيازة حكمية لا فعلية، إذ أن المستند يمثل البضاعة بحيث يحل محلها خلال الوقت الذي توجد فيه في يد الغير، ذلك من أجل تداولها والتعامل فيها([14]).

كما أن وظيفة المستندات تحقق الضمان للعميل الآمر، فعن طريق هذه المستندات يثبت المستفيد عن قيامه بتنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد الأساسي وذلك فيما يتعلق بالبضاعة من حيث كميتها ونوعها، وتاريخ ومكان شحنها، وغير ذلك من البيانات الضرورية، فقد قضت دائرة النقص المدني بالمحكمة الاتحادية العليا في دولة الأمارات العربية في الطعن رقم 227 لسنة (12) قضائية عليا في جلسة 20/10/1991 بأنه من المقرر فقهاً وقضاءً: “أن للمستندات في معاملات فتح الحساب المستندي أهمية كبرى كدليل على تنفيذ البائع لالتزامه، ولأنها تمثل البضاعة ذاتها وتخول حائزها حقاً في استلام البضاعة مما يحوزها مادياً وعلى البنك التزام جوهري قبل دفع الثمن بفحص المستندات المقدمة من البائع والتحقق من توافرها للشروط المحررة في خطاب الاعتماد حتى تنتفي مسؤوليته قبل العميل”([15]).

أي ينبغي أن يحتوي المستند حتى يمكن اعتباره قادراً على أداء وظيفة البيانات التي يتضمنها عادةً نوع هذا المستند فشهادة الوزن تحدد الوزن الإجمالي للبضاعة أو وزن كل وحدة على حدة حسب حالة التعبئة كما أن شهادة المنشأ يجب أن تحدد موطن إنتاج البضاعة.

وهذا لابد من الإشارة إلى موقف القضاء المصري بقوله: “أن المصرف المصدر لا يملك اللجوء إلى العادات التجارية ما دام أمامه تعليمات صريحة وواضحة من عميله بخصوص ما يجب أن يحتويه المستند فهو ملزم بالتقيد بها، إلا إذا شاب هذه التعليمات لبس أو غموض جاز له اللجوء للعادات التجارية متى كانت هذه العادات قد ذاعت واستقرت في العمل المصرفي ولا يشكل اللجوء إليها أية أضرار بأطراف الاعتماد الآخرين، وإنما يكون اللجوء لإزالة لبس أو غموض في التعليمات لا أكثر من ذلك”([16]).

وفي الحقيقة أن التأكد من سلامة المستندات هي للتحقق من المستند في ذاته، إلا أن هذا لوحده لا يحقق الغاية من فحص المستندات، وإنما لابد من التحقق فيما بين المستندات ببعضها ببعض ومطابقتها للشروط الواردة في فتح الاعتماد، وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: موقف القضاء العربي من معيار فحص المستندات

يجب على المصارف أن تفحص المستندات المنصوص عليها في الاعتماد بعناية معقولة للتأكد من أنها وفي ظاهرها تطابق أو لا تطابق شروط الاعتماد، ودون أن يكون لها –أي البنوك- أدنى سلطة في التقدير أو التفسير أو التقييم ويحكم نشاطها في ذلك قاعدة التنفيذ الحرفي لتعليمات الآمر ولهذا يجب تحري الدقة في تحرير خطاب الاعتماد بحيث يكون أشبه بترديد لعقد فتح الاعتماد المبرم بين المشتري (الآمر) والبنك المصدر للاعتماد، وفي هذا قررت محكمة التمييز الأردنية بقرارها “أن البنك الذي ينشئ الاعتماد هو الذي يدقق المستندات التي يقدمها المستفيد ويتأكد من مطابقتها لخطاب الاعتماد ولا يقبل هذه المستندات إلا إذا كان بينها وبين شروط الخطاب تطابق كامل”([17]).

ويثار التساؤل حول ضياع المستندات أو تأخرها في البريد قبل تقديمها فما هو موقف البنك؟ أجابت على ذلك محكمة التمييز الأردنية في قرارها بقولها: “أن الشرط الوارد في اتفاقية فتح الاعتماد والمتعلقة بإعفاء البنك من أية مسؤولية ناجمة عن خطأ قد ينشأ عن تفسير التحارير أو المستندات أو عن تأخر ضياع البرقيات…الخ لا يتناول المسؤولية المترتبة عن مخالفة شروط الاعتماد الصريحة كشرط وصول البضاعة ضمن المدة المتفق عليها”([18]).

وفي بعض الأحيان قد لا يستخدم المستفيد عند إعداد مستنداته المفردات اللغوية ذاتها الواردة في الاعتماد، بل يستخدم مختصرات لها أو مصطلحات مرادفة تعطي المعنى ذاته، فإذا كان إدراك مدلول المختصر أو المصطلح المرادف المستخدم من المستفيد لا يتطلب معرفة أو خبرة خاصة بالتجارة المعينة، فالأصل أن البنك ملزم بالوفاء، ولا يستطيع رفض المستندات لعدم المطابقة وفي ذلك أكدته محكمة التمييز الأردنية بأن من الفوائد التي يحققها هذا المعيار دعم وتأكيد مبدأ استقلال الاعتماد المستندي عن عقد البيع وما يعكسه هذا الاستقلال من آثار تتعلق بكيفية واستقلال كل مستند وتأديته لوظيفته التي خصص من أجلها، إضافة إلى تجنيب البنك مخاطر تقدير أو تقييم الخلاف بين المستندات وشروط الاعتماد بحيث يقتصر التزامه على مطابقة المستندات لما هو مطلوب في الاعتماد فقط، دون أي سلطة له في التقدير أو التقييم أو التفسير، إذ هو غير معني بمعاينتها وتقدير أهميتها في ميدان التجارة تبعاً لاختلاف نوع البيع، فمحور التزامه هو التأكد من مطابقتها ظاهرياً لشروط الاعتماد([19]).

كما يحظر على البنك أن يأخذ في اعتباره أية ظروف أو عوامل خارجة عن المستندات بما في ذلك الرجوع إلى الأعراف أو المصطلحات الخاصة بتجارة معينة، وفي ذلك جاء قرار محكمة النقض المصرية “أن البنك لا يعد وكيلاً عن المشتري في الوفاء إلى البائع بقيمة الاعتماد كما لا يعد ضامناً أو كفيلاً بل يعتبر التزامه مستقلاً عن العقد القائم بين البائع والمشتري ويكون ملزماً بالوفاء بالاعتماد متى كانت المستندات المقدمة مطابقة لما تضمنه خطاب الاعتماد ودون أن يكون له أدنى سلطة في التقدير أو التفسير أو الاستنتاج”([20]).

كما أن محكمة النقض المصرية أكدت على أن مطابقة المستندات من حيث كونها أصولية ومنتظمة هو شرط مفترض في الاعتماد دون الحاجة إلى النص عليه فجاء في قرار لها بقولها “أن التزام البنك بهذه المطابقة يجب أن يكون في حدود ما يستلزمه الاعتماد ما دام أن لديه تعليمات صريحة وواضحة من عميله الآمر، وأن التزام البنك في فص أصولية المستند لا يمتد إلى التحقق من مطابقة المستند مع ما هو متطلب في الوسط التجاري، وإنما يقتصر التزامه على التحقق من مطابقة هذه المستندات مع الأشكال المألوفة والمستخدمة عامةً….” ([21]).

أما بشأن موقف القضاء العربي من فحص المستندات التي تتعارض فيما بينها، نجد أن القضاء المصري أكد على أنه: “صحة رفض البنك دفع قيمة الاعتماد بناءً على ما اكتشفه من مخالفة بيانات الشهادة الزراعية الصحية لبيانات البضاعة في باقي المستندات من حيث عدد الصناديق المعبأة ووزن كل صندوق وأن تلك الشهادة تحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ الشحن مما شكك البنك في سلامتها”([22]).

وما يجب التنويه له اختلاف مفهوم تناقض المستندات عن نقص المستندات، فالتناقض يعني التضارب في البيانات الواردة في المستند، وبالتالي وجود اختلالات فيما بين هذه المستندات، بينما النقص يعني قصر المعلومات عن الوصول إلى الوصف الكامل بالرغم من صحتها. فمثلاً لو تطلب خطاب الاعتماد تقديم مستندات تبين أن البضاعة المشحونة هي (زيت صويا هولندي) وذكر في الشحن أن البضاعة هي (زيت صويا) فقط، فهذا نقص في البيانات لا تناقض، لكن في كلتا الحالتين ينبغي على المصرف رفض المستندات.

وفيما يخص موقف الفقه من قائمة فحص سند الشحن البحري فإنه يحتوي سند الشحن البحري على بيانات يتعين على المصرف مصدر الاعتماد التأكد من مطابقتها لشروط الاعتماد ونصوصه، وهذه البيانات تختلف من سند شحن لآخر وذلك حسب فتح الاعتماد، فعلى سبيل المثال يعتبر بيان تحديد البضاعة المشحونة من أهم بيانات مستند الشحن البحري، لذلك تضمنته المادة (200) من قانون التجارة البحرية الأردني، وكلك المادة (15/1) من اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع (اتفاقية هامبورج 1078).

وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية في أحد قراراتها على أن: “دعوى مطالبة مستوردة البضاعة بضمان ما لحقها من ضرر بسبب تأخير وصول البضاعة وتغيير وسيلة النقل يحكمها بوليصة الشحن باعتبارها الشكل الذي تم فيه إفراغ إرادتي الطرفين، وعليه فإذا لم تحدد البوليصة موعداً لوصول البضاعة كما أنها سمحت للناقل بنقل البضاعة كلياً أو جزئياً على الباخرة المسماة في البوليصة أو بواسطة باخرة دون إشعار الشاحن يجعل من مطالبته المستوردة غير مستندة إلى أساس قانوني سليم”([23]).

والجدير بالذكر أن المصرف المصدر خلال قيامه بعملية فحص سند الشحن البحري يتعين عليه التأكد من اسم السفينة وجنسيتها وحمولتها ومطابقة هذا البيان لما ورد في الاعتماد، كما أن تكون المرحلة مغطاة بسند شحن واحد.

الخاتمة

وفي خاتمة هذا البحث الذي تناولنا من خلال موقف الفقه والقضاء العربي من معيار فحص المستندات في قضايا الاعتمادات المستندية، والذي تم من خلاله بحث موقف الفقه في مبحث وموقف القضاء العربي في مبحث ثاني، وتأسيساً على ما سبق توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات والتي يمكن تلخيص أهمها على النحو الآتي:

أولاً: النتائج

  1. يُعد الاعتماد المستندي من العمليات البنكية التي يستخدمها التجار في التجارة الدولية، ولعله من أهم الطرق وأكثرها شيوعاً، نتيجة اشتراك طرف ثالث في العملية التجارية وهو البنك.
  2. تعمل الاعتمادات المستندية على التوفيق بين مصالح أطراف التجارة الدولية، وتوفير الضمانة الكافية لكل طرف.
  3. لعبت الأصول والأعراف الموحدة دوراً كبيراً في تأطير تلك الاعتمادات مما حدا ببعض التشريعات إلى تضمينها قوانينها الوطنية، أو الاعتماد عليها لتقنين الاعتماد المستندي، لكونها انعكاسا حقيقياً للتعاملات والتجارب التجارية والمصرفية على مر السنين، إذ إنها تعد أكثر القواعد الخاصة نجاحا والتي تم تطويرها للمجال التجاري.
  4. أولت عملية فحص المستندات الأهمية اللازمة، نظرا لأن فحص المصرف ومطابقته للمستندات يضمن حماية مصالح العميل الآمر، ويعطي بنتيجته الإيجابية الحق للمستفيد في تحصيل قيمة الاعتماد، وتبرأ به ذمة المصرف في مواجهة الاثنين.
  5. على الرغم من إن اختلاف الفقه في تعيين معيار الدولية فقد ذهب في ذلك الى وضع معايير متعددة كالمعيار الاقتصادي والمعيار القانوني والمختلط فقد وجدنا إن عقد الاعتماد المستندي يجد صفته الدولية من خلال جميع المعايير التي استخدمها الفقه، وحيث قررنا اعتماد المعيار الثالث باعتباره من أهم المعايير استخداما في فقه القانون الدولي الخاص قررنا تطبيقه على عقد الاعتماد المستندي لنصل الى حقيقة اعتباره من العقود الدولية
  6. اســتقر الفقــه القانونــي علــى معاييــر عــدة لفحــص المســتندات، وهــي: معيــار التطابــق الدقيــق، معيــار التطابــق المعقــول، معيــار التطابــق المــزدوج، ويعــد معيــار التطابــق الدقيـق أفضلهـا، وذلـك لأنـه يحقـق التـوازن بيـن أطـراف عقـد الاعتمـاد ويتوافـق مـع المبـادئ الأساسـية للاعتمـاد المسـتندي، وتطبيقـه يـؤدي إلـى تنفيـذ التزامـات الأطـراف ومـن ثـم اسـتقرار التعاملات الدوليـة.

ثانياً: التوصيات

  1. ضرورة أن يضع البنك سياسة ائتمانية واضحة يتم إلزام مدراء الائتمان بها للتخفيف من مخاطر الاعتمادات المستندية عند التعامل مع العملاء الجدد.
  2. يوصي الباحث المشرع الأردني بمجاراة التقدم في العمل المصرفي وتطوره وتلبيه بسن التشريعات مواكبة لنصوص الأصول والأحكام الموحدة للاعتمادات المستندية نشرة 600.
  3. أهميــة أن يتــم تحديــد المعيــار الواجــب اتباعــه مــن قبــل البنــك فــي عمليــه الفحــص والتدقيــق بشــكل واضــح وأكثــر تشــديداً على البنك.
  4. أهميـة إجـراء تعديـل علـى نشـرة 600 والتشـريعات محـل المقارنـة بوضـع أحـكام تبيـن موقـف البنـك مـن الغـش والتزويـر وأثـره علـى التزامـات الأطراف فـي العقـد، وأن يتـم وضــع أحــكام خاصــة بالغــش والمســؤولية التــي تترتــب علــى المســتفيد جــراء تقديمــه لمسـتندات مـزوره بقصـد التحايـل علـى البنـك.

لائحة المراجع والمصادر

  • إبراهيم، علي الأمير، التزام البنك بفحص المستندات بالنسبة للاعتمادات المستندية في عقود التجارة الدولية ومسؤوليته، القاهرة، دار النهضة العربية، 2011.
  • حسين، بختيار صابر بايز، مسؤولية المصرف في الاعتماد المستندي والمخاطر التي تواجهه، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2009.
  • الربيعي، عبد جمعة موسى، الاحكام القانونية للاعتمادات المستندية والكفالات المصرفية، مطبعة الزمان، بغداد، 2008.
  • زيادات، أحمد نوري، تغليب مصلحة البائع على مصلحة المشتري في عملية الاعتماد المستندي، مجلة دراسات، المجلد التاسع والعشرون، العدد الأول، الجامعة الأردنية، عمان، 2002.
  • زيادات، أحمد نوري، تغليب مصلحة البائع على مصلحة المشتري في عملية الاعتماد المستندي، مجلة دراسات، المجلد التاسع والعشرون، العدد الأول، الجامعة الأردني، عمان، 2002.
  • السعيد، سماح، العلاقة التعاقدية بين اطراف عقد الاعتماد المستندي، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 2017.
  • الصغير، حسام الدين عبد الغني، تطوير قواعد فحص المستندات في القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية وموقف قانون التجارة المصري، المؤتمر العلمي الثالث للقانونين المصرين: الجوانب القانونية للعمليات المصرفية، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، بحوث المؤتمرات، 2012.
  • الصغير، حسام عبد الغني، الجديد في الأصول والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندي 500 و600، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ط2، 2013.
  • عبد العزيز، فاعور مازن، الاعتماد المستندية والتجارة الإلكترونية في ظل القواعد والأعراف الدولية والتشريع الداخلي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006.
  • القضاة، منذر عبدالكريم، الاعتمادات المستندية = Documentary credits: مدى التزام البنوك الاردنية في مطابقة المستندات لشروط الاعتمادات المستندية وموقف الفقه الاسلامي منها. مجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، ع 46 2014.
  1. ) الصغير، حسام عبد الغني، الجديد في الأصول والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندي 500 و600، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ط2، 2013، ص107 وما بعدها.
  2. ) زيادات، أحمد نوري، تغليب مصلحة البائع على مصلحة المشتري في عملية الاعتماد المستندي، مجلة دراسات، المجلد التاسع والعشرون، العدد الأول، الجامعة الأردني، عمان، 2002، ص57.
  3. ) القضاة، منذر عبدالكريم، الاعتمادات المستندية = Documentary credits: مدى التزام البنوك الاردنية في مطابقة المستندات لشروط الاعتمادات المستندية وموقف الفقه الاسلامي منها. مجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، ع 46 2014، ص711 – 740.
  4. ) زيادات، أحمد نوري، مرجع سابق، ص59.
  5. ) عبد العزيز، فاعور مازن، الاعتماد المستندية والتجارة الإلكترونية في ظل القواعد والأعراف الدولية والتشريع الداخلي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص118.
  6. ) زيادات، أحمد نوري، تغليب مصلحة البائع على مصلحة المشتري في عملية الاعتماد المستندي، مجلة دراسات، المجلد التاسع والعشرون، العدد الأول، الجامعة الأردني، عمان، 2002، ص57.
  7. ) الصغير، حسام عبد الغني، مرجع سابق، ص110.
  8. ) الربيعي، عبد جمعة موسى، الاحكام القانونية للاعتمادات المستندية والكفالات المصرفية، مطبعة الزمان، بغداد، 2008، ص28.
  9. ) السعيد، سماح، العلاقة التعاقدية بين اطراف عقد الاعتماد المستندي، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 2017، ص30.
  10. ) محكمة التمييز الأردنية، تمييز حقوق أردني رقم 152/75 مجلة نقابة المحاميين الأردنيين سنة 1976ـ ص377.
  11. ) تمييز حقوق 152/ 2008 تاريخ 30/ 7/ 2008 مجلة نقابة المحامين الأردنيين، ص140.
  12. ) إبراهيم،علي الأمير، التزام البنك بفحص المستندات بالنسبة للاعتمادات المستندية في عقود التجارة الدولية ومسؤوليته، القاهرة، دار النهضة العربية، 2011، ص86.
  13. ) حسين، بختيار صابر بايز، مسؤولية المصرف في الاعتماد المستندي والمخاطر التي تواجهه، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2009، ص19.
  14. ) الصغير، حسام الدين عبد الغني، تطوير قواعد فحص المستندات في القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية وموقف قانون التجارة المصري، المؤتمر العلمي الثالث للقانونين المصرين: الجوانب القانونية للعمليات المصرفية، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، بحوث المؤتمرات، 2012، ص1-24.
  15. ) إبراهيم، علي الأمير، مرجع سابق، ص82.
  16. ) الطعن رقم 1225 لسنة 54 القضائية، جلسة 9 من يوليه سنة 1990، أحكام النقض – المكتب الفني – مدني ، الجزء الثاني – السنة 41 -، ص409
  17. ) تمييز حقوق قرار رقم 316/88، مجلة نقابة المحامين، لسنة1999، ص2092)
  18. ) محكمة التمييز الأردنية في قرارها (رقم 312/77) مجلة نقابة المحاميين، لسنة1989، ص119)
  19. ) محكمة التمييز الأردنية في قرارها (رقم 112/99) مجلة نقابة المحاميين، لسنة1991، ص320.
  20. ) قرار محكمة النقض المصرية الطعن رقم 443 لسنة 45 جلسة 27/2/1984، مكتب فنى ( سنة ٦٠ – قاعدة ١٢٧ – صفحة ٧٥٧
  21. ) قرار محكمة النقض المصرية محكمة النقض المصرية، قرار نقض 554، 1994، مكتب فنى ( سنة 62 – قاعدة 122 – صفحة 365.
  22. ) حكم لمحكمة النقض المصرية لسنة 1976 ورد لدى: إبراهيم، مرجع سابق، ص181.
  23. ) قرار تمييز حقوق رقم 1182/2001 مجلة نقابة المحامين الأردنيين، سنة 2001م، ص1684.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى