في الواجهةمقالات قانونية

السياسة الجنائية المغربية في مكافحة جرائم الأحداث الجانحة الباحث : سعد بدر القدميري

 

السياسة الجنائية المغربية في مكافحة جرائم الأحداث الجانحة

The Moroccan Criminal Policy in Combating Juvenile Delinquency

الباحث : سعد بدر القدميري

باحث بسلك الدكتوراه – مختبر الأبحاث والدراسات القانونية والاجتماعية والقضائية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة شعيب الدكالي بالجديدة

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

 

 

السياسة الجنائية المغربية في مكافحة جرائم الأحداث الجانحة

The Moroccan Criminal Policy in Combating Juvenile Delinquency

الباحث : سعد بدر القدميري

باحث بسلك الدكتوراه – مختبر الأبحاث والدراسات القانونية والاجتماعية والقضائية

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة شعيب الدكالي بالجديدة

ملخص:

يشكل جنوح الأحداث إحدى الظواهر الإجرامية الخطيرة في كافة المجتمعات، إذ يمتد آثاره على جل مناحي المجالات: الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية.. لذلك سعى المنتظم الدولي إلى الحد منه ومعالجته عبر العديد من المواثيق والاتفاقيات التي من خلالها حثت مختلف الدول على التوقيع عليها والعمل بها.

ويولي المشرع المغربي عناية خاصة لمسؤولية الأحداث الجانحين، لا على المستوى الموضوعي، ولا على المستوى الإجرائي، من خلال تكريسه مجموعة من المقتضيات الخاصة بهم، لعل من أبرزها: دستور المملكة لسنة 2011، إضافة إلى مجموعة القانون الجنائي، وكذا القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية؛ حيث يقوم النظام القانوني لإجرام الأحداث على مبدأ تفريد المعاملة، إذ يُميز بين الحدث غير المميز (أقل من 12 سنة) الذي لا يساءل جنائيًا، والحدث المميز (من 12 إلى 18 سنة) الذي يخضع لتدابير الحماية أو التهذيب أو لعقوبات مخففة بحسب سنه ودرجة خطورة فعله، وذلك في انسجام تام مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية، لاسيما اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989.

Abstract:

Juvenile delinquency constitutes one of the serious criminal phenomena across all societies, as its effects extend to nearly all areas: economic, social, and political.. Therefore, the international community has sought to limit and address it through numerous charters and conventions, which have urged various countries to sign and implement them.

The Moroccan legislator gives special attention to the responsibility of juvenile delinquents, both at the substantive and procedural levels, through the establishment of a set of provisions specifically tailored for them. Among the most notable of these are: the 2011 Constitution of the Kingdom, the Penal Code, and Law No. 22.01 related to the Code of Criminal Procedure. The legal framework governing juvenile delinquency is based on the principle of individualized treatment, distinguishing between the non-discerning minor (under 12 years old), who bears no criminal responsibility, and the discerning minor (aged between 12 and 18), who is subject to protective or educational measures, or reduced penalties depending on age and the severity of the offense. This approach is fully consistent with international conventions ratified by the Kingdom of Morocco, particularly the 1989 Convention on the Rights of the Child.

مقدمة:

أخذت ظاهرة جنوح الأحداث في الآونة الأخيرة أبعادا توصف بالخطيرة، نظرا لما أصبحنا نسمعه أو نشاهده سواء في حياتنا اليومية أو ما تتداوله وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي من جرائم غالبا ما يكون أحد طرفيها أو كلاهما حدثا.

وبالنظر لأهمية هذه الفئة في المجتمع، فقد كان ولازال موضوع جنوح الأحداث مجالا لبحوث ودراسات مستفيضة سواء على المستوى الوطني أو الدولي. إذ لما كان الغرض من العقوبة بالنسبة للأحداث في ظل السياسة الجنائية الحديثة هو هدف إصلاحي، الغاية منه معالجة واستئصال أسباب الجنوح لحماية الحدث من الانحراف، فإن ذلك لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالجانب الوقائي والموضوعي والإجرائي والتطبيقي لكل ما يتعلق بسياسة التجريم والعقاب الخاصة بهذه الفئة، وهذا ما تسعى المواثيق والإعلانات الدولية إلى تحقيقه.

فموضوع عدالة الأحداث في علاقته مع السياسة الجنائية له أهمية كبيرة تجعل منه مطلبا ملحا؛ على اعتبار أن عدالة الأحداث تتسم بطبيعة متغيرة ومتحولة بحسب السياقات الزمنية، وبالتالي فإنها تأخذ طبيعتها حسب المرحلة التاريخية؛ من تطور وظائف الدولة من جهة، وانتشار قيم أخرى مؤثرة في بناء الفكر الجنائي -كما هو عليه الحال في إشاعة ثقافة حقوق الإنسان-، والتي تجد هوية لها على مستوى القوانين الجنائية -المملكة المغربية نموذجا-، سيما على مستوى الوثيقة الدستورية[1] ومجموعة القانون الجنائي[2] وقانون المسطرة الجنائية[3]..، باعتبارها أحد تجليات السياسة الجنائية للأحداث ومظهرها العام.

وقد مرت عدالة الأحداث الجنائية عبر محطات تاريخية متعددة، تأرجحت بين الانعدام والضعف والقوة عبر مسار تاريخي حافل بالصراعات، بهدف إرساء دعائم لهذه الفئة، تتوفر فيها كافة ضمانات المحاكمة العادلة، كما استقر عليها الفكر الحقوقي والدستوري والجنائي الحديث.

فعدالة الأحداث تتحقق من خلال وجود سلطة قضائية مستقلة ونزيهة قادرة على النهوض بأعبائها بكل حياد ومسؤولية، والتي لا تتأتى إلا بإشاعة مناخ قانوني، يكفل ضمانات المحاكمة العادلة التي يجب أن تحظى بسمو تشريعي على مستوى الوثيقة الدستورية، إلى جانب فصول مجموعة القانون الجنائي ومواد قانون المسطرة الجنائية.

ومن ثم، فإن السياسة الجنائية للأحداث تتجاوز كونها آلية في تنظيم مجال التجريم والعقاب -كما يظن البعض- لأنها أضحت في الوقت الحالي أهم وظيفة للدولة، لكون الحدث كلما أحس بالأمن والاستقرار الذي توفره له المنظومة الجنائية، كلما أضحى إنسانا فاعلا وفعالا في تعاطيه مع الجماعة التي يتعايش معها. وكلما تقلصت أسباب الاطمئنان في توفير الحماية للمراكز القانونية للمخاطبين بالقاعدة الجنائية، كلما انتشرت الفوضى ودب اليأس وتراجعت المبادرات الجادة، وعمت الجريمة بكل أشكالها.

وللإحاطة بموضوع “السياسة الجنائية المغربية في مكافحة جرائم الأحداث الجانحة” سوف نتطرق إليه في هذه المقالة العلمية المتواضعة بدراسة وتحليل شقيه الموضوعي والإجرائي، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى الوقوف عند إشكالية محورية تتعلق بمدى توفق المشرع الجنائي المغربي في نهج سياسة جنائية فعالة من أجل مكافحة جرائم الأحداث؟

ولتسليط الضوء على تجاذبات الموضوع قيد الدراسة، نطرح بعض التساؤلات الفرعية نذكر منها:

  • ما المقصود بالحدث الجانح؟
  • هل خصه المشرع المغربي بمقتضيات خاصة ابتداء من مرحلة البحث التمهيدي وصولا إلى مرحلة ما بعد تطبيق العقوبة؟ أم أنه اعتبره كغيره من مرتكبي الجرائم؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية المحورية، ارتأينا الاعتماد على التقسيم الثنائي، وذلك من خلال دراسة القواعد الموضوعية المقررة للحدث الجانح في (المبحث الأول)، على أن نرى القواعد الإجرائية المقررة للحدث الجانح في (المبحث الثاني).

المبحث الأول: القواعد الموضوعية المقررة للحدث الجانح

لقد وضع المشرع المغربي مجموعة من القواعد الموضوعية لحماية الحدث، سواء فيما يتعلق بقواعد المسؤولية الجنائية (المطلب الأول)، أو فيما يخص العقوبات والتدابير المقررة للحدث (المطلب الثاني).

المطلب الأول: قواعد المسؤولية الجنائية للحدث

سنحاول في هذا المطلب أن نتعرض لتعريف الحدث الجانح (الفقرة الأولى)، ثم إلى قواعد المسؤولية الجنائية للحدث (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف الحدث الجانح

إن تعريف الحدث يختلف من نظام قانوني لآخر، ومن علم إلى آخر، بل وحتى في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم ذكر بألفاظ متعددة منها: الطفل، الصبي، الغلام..

ففي القرآن الكريم قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا}[4]، وقوله تعالى كذلك: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[5]، وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}[6]، وقوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إليه قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}[7]، وقوله تعالى كذلك: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}[8].

وورد في السنة النبوية الشريفة في عدة أحاديث منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “رفع القلم عن ثلاث- النائم حتى يستيقظ والطفل حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق”. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: “يا غلام إحفظ الله يحفظك”.

وعرف ابن القيم الغلام بأنه “هو الذي قارب البلوغ”، وعرفه المارودي بأنه “الصغير الذي لم يبلغ الحلم”[9].

وقد ثبت من الشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والدلالات اللغوية، وأقوال الفقهاء، أن ألفاظ الطفل والصبي والصغير والغلام والحدث مترادفة، وتحمل معنى واحد، وهو صغير السن الذي لم يبلغ الحلم، فعند البلوغ تنتهي هذه الصفة ويأخذ الشخص لفظا مختلفا عن هذه الألفاظ[10].

أما الحدث الجانح[11] فيراد به في علم الاجتماع الشخص الذي يقوم بفعل غير اجتماعي، ويكون مغايرا لما ينتظره المجتمع وما ينص عليه في القانون. أما علماء النفس فيعرفون الحدث الجانح أنه ذلك الطفل لذي يعبر عن مشاعره بطريقة يؤذي بها نفسه أو غيره، وهو بسلوكه هذا يخبرنا أنه في حاجة ماسة إلى المساعدة[12].

وقد عرفت اللجنة التشريعية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة التي انعقدت في القاهرة سنة 1953 الحدث المنحرف بأنه: “شخص في حدود سن معينة يمثل أمام هيئة قضائية أو أي سلطة أخرى بسبب ارتكابه جريمة، ليتلقى رعاية من شأنها أن تيسر إعادة تكييفه الاجتماعي”.

وعرفت المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 الحدث بأنه: “كل من لم يبلغ ثمان عشرة سنة شمسية كاملة”.

وهذا يعني أن الحدث الجانح من الناحية القانونية يراد به، كل شخص ذكرا كان أم أنثى لم يبلغ من العمر السن المحدد لبلوغ سن الرشد الجنائي بحسب القانون الجاري به العمل.

الفقرة الثانية: قواعد المسؤولية الجنائية

لا يكفي أن تتحقق كافة أركان الجريمة كما نص عليها القانون ليعاقب فاعلها؛ وإنما يتعين التأكد من توفر الجاني على أهلية تسمح له بتحمل المسؤولية الجنائية، وبتعبير آخر فإن المسؤولية تشكل صلة وصل بين الجريمة والجزاء.

ومن المعلوم أن أساس المسؤولية الجنائية، هو من المواضيع التي شغلت اهتمام ليس فقط رجال القانون وحدهم، وإنما عني بها الفلاسفة ورجال الدين في مختلف العصور باعتبارها مشكلة فلسفية وأخلاقية ودينية، ترتبط ارتباطا وثيقا بالتساؤل الأزلي والأبدي عن مدى حرية الإنسان في الاختيار، بمعنى هل هو مسير أو مخير؟

ومن أجل الإجابة عن الإشكال أعلاه، ألفينا أن هناك مواقف فقهية مختلفة، وانقسمت إلى ثلاثة مذاهب وهي:

– مذهب حرية الاختيار: وحسب هذا المذهب فالجاني يسأل عن جريمته، لأن في وسعه أن يدرك ما تنطوي عليه من خطر، وفي وسعه كذلك ألا يقدم عليها متى كان مكتمل المدارك العقلية. فالجاني لدى أنصار هذا المذهب حر في أن يختار بين الطريق المطابق للقانون والطريق المخالف له، وكان يجب عليه أن يختار الأول؛ فإذا ما اختار، فهو مسؤول عن اختياره، أما إذا انعدمت حرية توجيه الإرادة؛ بأن كان الفاعل مكرها أو غير مدرك لما يفعله، كأن كان نائما أو مجنونا أو صغيرا.. انعدم الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه المسؤولية الجنائية[13].

– مذهب الجبرية: ويطلق عليه بالمذهب الوضعي، نسبة للمدارس الوضعية، وخلاصته؛ أن المجرم لا يأتي الجريمة مختارا، وإنما يأتيها مدفوعا إليها بعوامل ترجع إلى التكوين البدني والذهني للجاني، وعوامل خارجية تتعلق بالبيئة الخارجية[14].

– مذهب توفيقي: يرى أغلب الفقهاء التوفيق بين المذهبين -الأول والثاني-، فكل منهما ينطوي على جانب من الحقيقة، وكل منهما يعيبه التطرف في الرأي، فليس من الصواب القول بأن الإنسان يتمتع في تصرفاته بعوامل عديدة متباينة تضيق من نطاق حريته، وليس من الصواب كذلك القول بخضوع الإنسان في صورة سلبية خالصة لقوانين السببية الحتمية[15]، فالحقيقة وسط بين القولين؛ أي أن الإنسان يتمتع بحرية مقيدة[16].

وقد تبنى المشرع المغربي المذهب الأخير، حيث اعتد من جهة بمبادئ المدرسة التقليدية في القانون الجنائي، بدليل استلزامه التمييز والعقل في الفصل 132 من مجموعة القانون الجنائي، كما نص على الإعفاء من العقاب متى لم يكن مرتكب الفعل الجرمي مدركا لفعله، كحالة المختل عقليا في الفصل 134 من مجموعة القانون الجنائي، وتقرير انعدام المسؤولية الجنائية بالنسبة للصغير غير المميز في الفصل 138 من مجموعة القانون الجنائي، أو اعتبارها مسؤولية ناقصة لضعف الإدراك حسب الفصلين 135 و139 من مجموعة القانون الجنائي.

ومن جهة أخرى، أخذ بشكل محدود بالمدرسة الوضعية بشأن مختلي العقل، وتدابير التهذيب بخصوص الأحداث الجانحين في الفصلين 76 و138 من مجموعة القانون الجنائي.

يتضح مما سبق، أن الشخص لا يسأل جنائيا إلا إذا ارتكب فعلا مجرما قانونا، وأن يكون هذا الشخص متمتعا بالأهلية الجنائية، وتعني هذه الأخيرة صلاحية الشخص لأن يكون محلا للمسؤولية الجنائية من أجل تحمل العقاب الناتج عن جريمته[17]. فكما قد يرتكب الراشد فعلا مجرما ومعاقب عليه قانونا، فالحدث هو الآخر قد يأتي سلوكا إجراميا معاقب عليه في التشريع الجنائي، لكنه لا يعامل بالتساوي مع المجرم الراشد في إدراكه ووعيه بالفعل المحظور ودرجة خطورته.

والملاحظ، أن جل التشريعات الجنائية أفردت قواعدا خاصة واستثنائية ضمن قواعد المسؤولية الجنائية، لمعالجة ومكافحة جرائم الأحداث، وهذه القواعد تخرج نسبيا عن نطاق التجريد والعمومية التي تعتبر إحدى السمات الأساسية للقوانين الجنائية[18].

وهذا التوجه، أخذت به جل التشريعات الجنائية، منها التشريع الجنائي المغربي الذي رفع سن الرشد الجنائي إلى 18 سنة، معتمدا في تحديد هذه المسؤولية على مبدأ التدرج بين مرحلة انعدام المسؤولية الجنائية للأحداث دون سن اثنى عشرة سنة[19]، ونقصانها بعدها إلى حدود ثمان عشرة سنة ميلادية كاملة[20].

ويعتبر السن قرينة قاطعة في جل التشريعات الجنائية، وذلك في الاستدلال على انعدام التمييز[21] أو نقصانه أو اكتماله، بغض النظر عن مستوى الفهم لدى الحدث وملكاته الذهنية وذكائه، أو بنيته الجسمانية التي قد توحي ظاهريا بإدراكه وتمييزه[22].

المطلب الثاني: العقوبات والتدابير المقررة للحدث

اتجهت أغلب التشريعات الجنائية إلى اعتماد أحكام خاصة بالأحداث، تخضعهم بمقتضاها لمعاملة خاصة يكون هدفها النهائي إصلاحهم وتقويم سلوكهم، بمراعاة مبادئ المحاكمة العادلة. ومن ضمن أبرز مقتضيات المعاملة الخاصة للأحداث الجانحين: أن يتعامل معهم أثناء التحقيق والمحاكمة وتطبيق المقررات القضائية، أشخاص يمتلكون خبرات خاصة تؤهلهم للتعامل السليم مع الحدث الجانح[23].

هكذا، فقد بادر المشرع المغربي إلى استخدام قانون المسطرة الجنائية كآلية لتنظيم جنوح الأحداث؛ ولعل هذا ما يلائم نظرة المجتمع التي لا تبلغ في استهجانها واستنكارها لهذه الجرائم، الدرجة التي تصل إليها بالنسبة لجرائم الرشداء، وهو ما يفسر نظرة المشرعين لدى معظم الدول، وحرصه على تفريد معاملة عقابية خاصة بهم، واستبعادهم عن نطاق العقوبات المغلظة، كما تختلف أغراض العقوبة؛ فتبلغ ذروتها بالنسبة لجرائم الرشداء من حيث استهدافها لكل من الردع العام والخاص، ولإشباع العدالة، فيما تكاد تقتصر على هدف الردع الخاص بالنسبة للأحداث؛ وهو غرض تربوي يركز على التأهيل والمعالجة، واستئصال أسباب الشر الكامنة[24].

وبالرجوع إلى المواد المنظمة لجنوح الأحداث ضمن قواعد قانون المسطرة الجنائية، فقد ميز المشرع المغربي بين تسميات مختلفة تتعلق بالتدابير، حيث حدد في مادتين مستقلتين تدابير ربطها بنظام الحراسة المؤقتة[25]، وأخرى أطلق عليها تدابير الحماية أو التهذيب[26]، فيما أدرج أخرى ضمن فصول خاصة بالأحداث.

إلا أنه، بالرغم من تنوع طبيعة هذه التدابير وتعدد المؤسسات المتخصصة لتنفيذها، لا تنتمي في الأصل إلى التدابير الاحترازية، فهي غير سالبة للحرية، وإن كانت تقيدها أحيانا، لهذا كان ينبغي أن تتصف مدتها بعدم التحديد، وأن يكون انتهاؤها موقوفا على قرار لقاضي الأحداث، حيثما ثبت انتفاء الخطورة الإجرامية للحدث، واستبدال تدبير بآخر حسب التحولات التي تطرأ على شخصيته.

الفقرة الأولى: العقوبات السالبة لحرية الحدث

ارتأى المشرع من خلال مجموعة من التدابير وضع الحدث أو إيداعه تحت تصرف وعهدة أشخاص أو مؤسسات أو عاهد، غايتها السهر على تنفيذ التدبير أو مراقبة تطبيقه، مع اعتماد آليات تقيد نسبيا من حريته دون أن تجرده إياها.

أولا: تدبير التسليم

يتخذ هذا التدبير الحمائي ويمارس في مجال مفتوح، حينما يقتصر تطبيقه داخل الوسط العائلي للحدث؛ إذ يعهد بذلك لأبويه أو من يقوم مقامهما، ولا يمس في هذه الحالة بحرية الحدث ولا يقيدها، أو قد يمارس في مجال نصف مغلق؛ كلما امتد إلى مؤسسات خارج الأسرة، حيث تفرض ضوابط مؤسساتية معينة قد تقيد من حرية الحدث.

ويعد التسليم من التدابير المهمة التي يلجأ إليها قاضي أو محكمة الأحداث[27]، إما مؤقتا؛ لفترة ملاحظة أو اختيار قبل اتخاذ قرار نهائي في حق الحدث، وقد يتخذ في صورة حكم نهائي من طرف المحكمة، كما أن معظم التدابير المؤقتة أو النهائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية مرتبطة بتدبير التسليم. غير أنها تبقى خاضعة في تقريرها للسلطة التقديرية للقاضي، ما دامت تتخذ على سبيل الإمكان وليس الوجوب[28].

لذلك، يبدو تدبير التسليم غير مجد بالنسبة للحدث المنحرف أو المعرض للانحراف، لكنه يبقى التدبير الطبيعي والأكثر تناسبا في حالات كثيرة، لما يتيحه للحدث من فرص لإعادة تكيفه في ظروف طبيعية، بعد أن استعصى ذلك في بيئته الاجتماعية[29].

فمرتبة الأبوين تقدمت على غيرهم ممن يجوز تسلمهم الحدث، أو لمن أعطاه القانون الحق في الحضانة[30] أو الوصاية أو التقديم أو الكفالة أو النيابة الشرعية عنه.

لكن السؤال المطروح هو: هل ترتيب الأشخاص المعنيين بتدبير التسليم الوارد في قانون المسطرة الجنائية جاء على سبيل الإلزام أم على سبيل الاختيار؟

نعتقد أن الموجه في اختيار الشخص أو المؤسسة المتسلمة للحدث، هي مصلحته الفضلى -سواء أمام محاكم الأسرة أو أمام المحاكم الزجرية الخاصة بالأحداث- والتي من خلالها يتخذ القاضي القرار السليم؛ بتسليم الحدث لمن له الحق في الاحتفاظ القانوني أو الفعلي به، أو يلغيه ويعوضه بتدبير آخر، على أن يبقى الحق في الطعن في كل قرار بالتسليم -ولو كان مؤقتا- يتخذه القاضي لفائدة الأشخاص المخولين ذلك قانونا[31].

وهؤلاء الأشخاص الذين يسلم لهم الحدث بمقتضى قانون المسطرة الجنائية لا يثار لديهم إشكال بخصوص طبيعة التسليم، والذي لا تقيد بموجبه حرية الحدث؛ ما دام في وسطه الطبيعي المألوف لديه، غير أننا نسائل المشرع المغربي عن المسؤولية المترتبة على متسلم الحدث خاصة في حال الإخلال بالتزاماته المفروضة بموجب هذا التدبير الحمائي؟

لم يشر المشرع المغربي لأية مقتضيات بخصوص مسؤولية متسلم الحدث، وكان من الأولى ربط التدابير بمسؤولية الجهة المنفذة لها، حتى تكون ناجعة وآثارها فعالة بنفس القيمة الردعية للعقوبة، والتي تفادى القاضي الحكم بها مراعيا لمصلحة الحدث الجانح.

فالواقع العملي -في رأينا المتواضع- قد يعكس صعوبة تطبيق هذا التدبير خارج إطار مؤسسة كفالة الأطفال المهملين، بحكم أن تسليم الحدث لشخص جدير بثقة القاضي، دليل على مساهمة الأبوين في جنوح صغيرهما أو عجزهما عن رعايته، وسقوط ولايتهما الشرعية نتيجة انحرافهما وسوء أخلاقهما، مما يستوجب معه البحث عن الشخص الذي يقوم مقامهما، غير أن الكتاب الثالث لقانون المسطرة الجنائية لم يذكر في أية إحالة منه المقتضيات المنظمة للكفالة، وكان جدير بالمشرع أن يضمن القواعد الخاصة بالأحداث مادة تبين كيفية وحالات التسليم للشخص الجدير بالثقة على غرار باقي تشريعات الأحداث المقارنة[32].

والتسليم كتدبير مؤقت أو نهائي لم يحدده المشرع المغربي بسن معين، حيث يجوز إقراره في حق الحدث دون سن الثانية عشرة -ويكون حينئذ الخيار الوحيد في قضايا المخالفات والجنح والجنايات- إلى غاية بلوغه سن الثامن عشرة، ويكون ضمن اختيارات متعددة أمام القاضي أو الهيئة القضائية المختصة.

إلى جانب هذه الفئة، فإن التسليم يمتد إلى مصالح ومؤسسات وجمعيات وأقسام ومراكز عمومية وخصوصية معدة لهذه الغاية، مما يجعل التدبير أكثر تقييدا لحرية الحدث، بحكم تواجد هذه المؤسسات خارج نطاق الأسرة، وتكون غالبا تحت إشراف مؤسسات حكومية؛ أوردها المشرع المغربي في المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية.

والملاحظ، أن المشرع المغربي جعل التدابير المؤقتة المتعلقة بالتسليم، تدابير نهائية حينما تصاغ في قرار أو حكم نهائي بالإيداع في نفس المؤسسات، والتي تسعى إلى استكمال تكوينهم الدراسي أو المهني أو تقديم خدمات اجتماعية وتربوية وصحية، كفيلة بتأمين إصلاح الحدث وتمتين الروابط بينه وبين وسطه العائلي.

فالهدف الأسمى من هذه التدابير، هو اكتساب الحدث قواعد القيم الاجتماعية والانسجام داخل الجماعة، والحصول خلال مدة الإيداع على تكوين يؤهله للاندماج في المجتمع[33].

وبالتالي، فإن المشرع المغربي أعطى للقاضي الصلاحية في تحديد مدة التدابير دون أن تتجاوز سن الرشد الجنائي، وكان من الأفضل في تقديرنا المتواضع ترك تحديد المدة للسلطة المختصة بتنفيذها، حتى يتحقق هدف التدبير وغايته، وهذا ما لا يمكن للقاضي أن يحدده مسبقا لحظة اتخاذه، كما تركت له الصلاحية في تغيير التدبير أو إلغائه متى اعتبر ذلك في مصلحة الحدث، وهذا أمر محمود حتى تكون المسطرة المتبعة في التأديب والإصلاح مرنة وقابلة للتغير؛ حسب احتياجات الحدث في الإصلاح والتأهيل، ويصب في أولويات مصلحته، خصوصا حينما يستهدف هذا التبديل العقوبة السالبة للحرية، ولو يعد النطق بها في حكم نهائي أو عند بداية تنفيذها داخل مؤسسة عقابية.

ثانيا: الحرية المحروسة

يجمع هذا التدبير بين خاصيتين، إحداهما أنه المجال الذي يمكن أن تنفذ فيه التدابير المؤقتة خلال فترة الملاحظة؛ التي يقرر فيها القاضي اختبار ودراسة سلوك الحدث قبل النطق بالحكم، والخاصية الثانية أنه تدبير نهائي؛ يتخذه القاضي أو المستشار المكلف بالأحداث أو محكمة الأحداث كاختيار من بين التدابير النهائية للحماية أو التهذيب.

ويوضع الحدث الخاضع لهذا التدبير تحت الإشراف والتتبع التربوي لمندوب، تكون مهمته العمل على تجنيب الحدث كل عود إلى الجريمة، واقتراح كل تدبير مفيد لإعادة تربيته.

وقد اختلف في تحديد طبيعة هذا النظام، فهناك من رأى فيه بأنه “نظام ذو طبيعة خاصة؛ حيث يضاف إلى تدابير الحماية والمراقبة والمساعدة والتربية، أو يجمع مع العقوبات الحبسية والمالية”، وهناك من اعتبره “تدبيرا احترازيا وتربويا، يندرج ضمن تدابير الحماية والتهذيب، كما هو الأمر بالنسبة للتشريع المغربي، حيث يمكن اتخاذه في أية مرحلة من مراحل الدعوى العمومية، ويتخذ أيضا في حق الأحداث الجانحين أو الموجودين في وضعية صعبة أو الضحايا”. وهنا تظهر الأهمية التي يحظى بها تدبير الحرية المحروسة بين باقي التدابير الواردة في قانون المسطرة الجنائية.

من ناحية ثانية، فهو تدبير يشرك الأجهزة القضائية والإدارية في تنفيذه، وأهم الفاعلين فيه هم: المندوبون الدائمون والمتطوعون، وما يقدمونه من بيانات عن الحدث وظروفه المادية والمعنوية، وحالته الصحية، وظروف تربيته، وعمله، وعلاقاته، وحسن استعماله لهواياته، وكذا ما يرفعونه من تقارير إلى قضاء الأحداث؛ قصد اختيار التدبير المناسب الذي يؤهل الحدث ويسهل إصلاحه وإدماجه.

كما لهم الحق في اقتراح تغيير أحد تدابير الإيداع أو الكفالة، بناء على تقارير فورية مرفوعة إلى القضاء، إذا ساءت سيرة الحدث أو تعرض لخطر معنوي أو سوء معاملة أو حادثة..، أو إذا تمت عرقلة عمل هؤلاء المندوبين، وهذا ما أدى بالمشرع المغربي إلى فرض غرامة مدنية في حق الأشخاص المعهود اليهم بتربية الحدث، والذين يثبت إهمالهم أو عدم تعاونهم مع مندوبي الحرية المحروسة.

فالمشرع المغربي إيمانا منه بضرورة الاكتفاء بتدابير الحماية أو التهذيب والوقاية في حق الأحداث الجانحين، وذلك تلافيا لإدماجهم مع المجرمين أو وصمهم منذ صغرهم، قرر العقوبة السالبة للحرية. وهو ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 480 من قانون المسطرة الجنائية “.. إن كان الحدث يتجاوز عمره 12 سنة، يمكن أن يطبق في حقه إما تدبير أو أكثر من بين تدابير الحماية أو التهذيب المنصوص عليها في المادة 481 بعده، أو إحدى العقوبات المقررة في المادة 482 أو تكمل هذه العقوبات بواحد أو أكثر من تدابير الحماية أو التهذيب..”، أما المادة 482 من قانون المسطرة الجنائية فنصت على أنه: “يمكن للمحكمة بصفة استثنائية أن تعوض أو تكمل التدابير المنصوص عليها في المادة السابقة بعقوبة حبسية أو مالية للأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة..”.

وعليه، فإن السياسة الجنائية المتبعة في مجال الأحداث الجانحين، تميل إلى الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية، وجعلها استثنائية، وذلك بإبقائها كجزاء لبعض السلوكات التي تعجز التدابير لوحدها عن تحقيق الأغراض التي تهدف اليها، إلا أن هذه الأخيرة ألزم المشرع المغربي المحكمة بشروط عند النطق بها.

الفقرة الثانية: العقوبات غير السالبة لحرية الحدث

سنتطرق في هذه الفقرة للتنبيه والتوبيخ (أولا)، ثم إلى الغرامة المالية (ثانيا).

أولا: التنبيه والتوبيخ

استعمل المشرع المغربي مصطلحي التوبيخ والتنبيه كتدبيرين يحكم بهما قاضي أو محكمة الأحداث، حين ارتكاب مخالفة أو جنحة من طرف الحدث[34]. إذ أن التوبيخ عبارة عن تنبيه للحدث وتذكير له بالقانون، وإشعاره بمخالفته للمقتضيات القانونية، وأن ما قام به غير مقبول من طرف المجتمع[35]، مع لفت انتباهه لعدم العودة إلى ارتكاب مثل الفعل الذي أتاه[36].

والتوبيخ يحمل في طياته معنى الزجر والتعنيف، وعادة ما يقترن بتدبير آخر[37] كالتسليم أو الغرامة المالية، ونرى تعويضه بمصطلح الإنذار الذي يميل إلى جانب النصح، وإعطاء الفرصة للحدث المخالف للاقتناع بخطئه وتأنيب ضميره، بينما ينطوي التنبيه على التحذير واللوم. وقد يشترط فيه تقديم اعتذار إلى المجني عليه في جلسة سرية.

وقد اختلفت الآراء حول طبيعة التوبيخ القضائي، إذ نفى رأي صفة العقوبة عنه؛ لينظر إليه كإجراء بديل عن العقوبة، بينما أقر البعض بكونه جزاء من نوع خاص؛ لا يعد من أنواع العقوبات أو التدابير الاحترازية، فيما وصف أيضا بالجزاء شبه الجنائي إذ اعتبره بعض الفقه عقوبة مذلة تتسم بالإذلال الخفيف الذي يثير الشعور بالإثم والندم، في حين وصفه آخرون بالعقوبة المعنوية دون عنصرها المادي لهذا التدبير، من الألم الناشئ عن العقوبات السالبة للحرية أو المالية[38].

فكما هو ملحوظ، فقد تنوعت الاتجاهات التشريعية في منح القاضي سلطة اختيار التوبيخ القضائي في حق المجرمين الأحداث، باعتباره وسيلة تقويمية تكفي لردع الحدث في الجرائم البسيطة، بينما أجازت تشريعات الأخذ بالتوبيخ كبديل للعقوبات الأصلية المقررة للجنايات والجنح والمخالفات، بينما حصر نطاقه في قوانين بعض الدول في الجنح والمخالفات[39]، مع إمكانية النطق به في قضايا المخالفات فقط بدلا من الغرامة المقررة قانونا في بعض قوانين الأحداث العربية.

والمشرع المغربي سار في سياق الاتجاه الأخير الذي يفرض التوبيخ القضائي فقط في قضايا المخالفات، ونعتقد أن حصر سلطة القاضي قانونيا في مجال المخالفات دون تمهيد نطاق التدبير إلى الجنايات والجنح التي يرتكبها الأحداث، يدل على منحى فلسفة الأخذ بتدرج صرامة التدابير، مع جسامة الجريمة المرتكبة. وهذا المعيار غير مرن، إذ يسوي بين كل فئات الأحداث ويقلص من سلطات القضاة وقناعتهم في بناء الأحكام على أساس مصلحة الحدث الفضلى، عند اختيار تدابير تناسب حالات الأحداث الفردية وظروفهم الشخصية، ومدى تقلبهم لإجراءات التهذيب والإصلاح ووقعها عليهم دون التفات إلى طبيعتها وقوتها الردعية كآلية للزجر والتهذيب.

وتجدر الإشارة إلى اكتفاء المشرع المغربي بذكر التوبيخ والتنبيه كتدبيرين دون الإشارة إلى المقصود منهما، ومصلحة الحدث تقتضي تبيان طبيعتهما وما يترتب عليهما من آثار على مستقبله.

وفي قضايا المخالفات، فإن التوبيخ أمر جوازي بالنسبة للقاضي وليس وجوبيا، حيث يمكن الاستغناء عنه بالغرامة المالية فقط[40]، في حين إذا تعلق الأمر بجنحة فالقانون أوجب اتخاذ تدبير التنبيه وإقرانه بتدبير آخر؛ وهو التسليم[41].

ثانيا: الغرامة المالية

لقد اختلفت التشريعات الخاصة بالأحداث بشأن الطبيعة القانونية للغرامة المالية، فهل تصنف كتدابير أم عقوبات؟

هناك من اعتبر الغرامة تدبيرا يجوز فرضه على الحدث سواء ارتكب مخالفة أو جنحة، إذا تبين من وقائع الدعوى أن من الأصلح للحدث الحكم عليه بها، في حين أجازتها تشريعات أخرى وجعلتها في عداد العقوبات، لكنها لا تفرض على الفئة العمرية التي تخضع للتدابير فقط، فيما استقرت تشريعات مقارنة أخرى على أنها تدبير استثنائي إلى جانب التدابير الأخرى المفروضة على الأحداث، ويقدر القاضي مقدارها ضمن الحدود المقررة قانونا مع مراعاة موارد الحدث المالية، فيما ذهبت تشريعات أخرى إلى منع الحكم بأي عقوبة مالية على الحدث سواء كان تدبيرا أو عقوبة[42].

بيد أنه تباينت الآراء في جدوى فرضها، فرأى البعض فيها معاقبة للأسرة وللوالدين إذا عجز الحدث عن دفعها، وجعلها رأي آخر ضمن بدائل العقوبة؛ باعتبارها دورا علاجيا خاصة للأحداث الذين يدفعونها من مالهم الخاص، وكذا بالنسبة لأسرهم الذين سيمارسون رقابة جدية في المستقبل، لدفعهم غرامة مالية مرة أخرى، ويؤديها فريق آخر كونها تنفذ في بيئة مفتوحة وتجنب الحدث من أن تفرض عليه تدابير الإيداع في حقه ومخالطته لأحداث جانحين أكثر خطورة منه[43].

ولم يجعل المشرع المغربي للغرامة المالية خصوصية معينة أو إجراء استثنائيا في القواعد الخاصة بالأحداث، وإنما اكتفى بالإحالة على القواعد العامة للقانون المنظم للغرامة المالية، وأسقط هذا التدبير المالي عن الأحداث أقل من 12 سنة. فضلا عن أنه -المشرع المغربي- يسير في توجه يعتبر الغرامة عقوبة، وإن كانت لا تسلب الحدث حريته، بالرغم من عدم أدائها.

فبالعودة للنصوص المنظمة لتنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني، فإنه لا يمكن للمحكمة المصدرة لمقرر الغرامة تحديد مدة الإكراه البدني في حق الأحداث الذين يقل سنهم عن 18 سنة[44]، وبالتالي قد لا تكون هناك جدوى من الحكم بالغرامة التي من الممكن أن يستبدلها القاضي بتدبير آخر أصلح وأكثر حماية للحدث.

ونرى أن إقحام الغرامة المالية لم يكن إلا استثناء من المشرع؛ ففي الجنح والجنايات التي يرتكبها الحدث، لا يحكم عليه إلا بتدابير الحماية أو التهذيب، وتعوض أو تكمل بصفة استثنائية بعقوبة حبسية أو مالية.

المبحث الثاني: القواعد الإجرائية المقررة للحدث الجانح

أقر المشرع المغربي من خلال قانون المسطرة الجنائية، مجموعة من القواعد الإجرائية لحماية الحدث الجانح، سواء خلال مرحلة البحث والتحقيق (المطلب الأول)، أو خلال مرحلة المحاكمة وبعدها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: القواعد الإجرائية المقررة للحدث الجانح أثناء البحث والتحقيق

نظرا للخصوصية التي تحظى بها جرائم الأحداث، وما يتطلبه الحدث من معاملة خاصة، فقد وضع المشرع المغربي عبر قانون المسطرة الجنائية العديد من القواعد التي تهدف في مجملها إلى: تحقيق حماية فعالة للأحداث سواء على مستوى البحث التمهيدي (الفقرة الأولى)، أو على مستوى التحقيق الإعدادي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حقوق الحدث الجانح أثناء البحث التمهيدي

سعيا من المشرع المغربي إلى ضمان حقوق الأحداث الجانحين خلال مرحلة البحث التمهيدي، فقد قرر معاملة خاصة لهذه الفئة سواء من طرف الضابطة القضائية (أولا)، أو النيابة العامة (ثانيا).

أولا: دور الشرطة القضائية في حماية الأحداث الجانحين

بالرجوع إلى المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية فإنها تنص على ما يلي:

تضم الشرطة القضائية بالإضافة إلى الوكيل العام للملك ووكيل الملك ونوابهما وقاضي التحقيق، بوصفهم ضباطاً سامين للشرطة القضائية:

أولا: ضباط الشرطة القضائية؛

ثانياً: ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث؛

ثالثاً: أعوان الشرطة القضائية؛

رابعاً: الموظفون والأعوان الذين ينيط بهم القانون بعض مهام الشرطة القضائية”.

يتبين من خلال هذه المادة، أن المشرع المغربي خصص فئة من ضباط الشرطة القضائية مكلفين بالأحداث، وهذا ينسجم مع الاتفاقيات الدولية وقواعد بكين النموذجية حول جنوح الأحداث.

وبالرغم من إحداث شرطة قضائية مكلفة بالأحداث، سعيا لتجاوز مختلف السلبيات التي كانت تنتج أثناء التعامل مع هذه الفئة خلال مراحل البحث التمهيدي[45]، فإن ذلك لا يعني استبعاد ضباط الشرطة غير المكلفين بالأحداث من تحرير محاضر بشأن الجرائم المرتكبة من طرف الأحداث، ذلك أن البحث مع الأحداث لا يمكن أن يشكل وجها من أوجه الطعن في إجراءات البحث التمهيدي، لانعدام النص الذي يقضي بالبطلان من جهة، وللاختصاص العام الموكول للضابطة القضائية من جهة أخرى، خاصة وأنه يصعب حاليا إيجاد وتوفير العدد الكافي واللازم من ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث وتكوينهم تكوينا خاصا يؤهلهم للاضطلاع بهذه المهمة[46].

وتتسم مسطرة معالجة جرائم الأحداث بالعديد من الخصوصيات لعل أبرزها: إمكانية الاحتفاظ بالحدث طبقا للمادة 460 من قانون المسطرة الجنائية، حيث يمكن لضابط الشرطة القضائية المكلف بالأحداث أن يحتفظ بالحدث المنسوب إليه الجرم في مكان مخصص للأحداث، لمدة لا يمكن أن تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية، وعليه أن يتخذ كل التدابير لتفادي إيذائه. ولا يعمل بهذا الإجراء إلا إذا تعذر تسليم الحدث لمن يتولى رعايته أو كانت ضرورة البحث أو سلامة الحدث تقتضي ذلك، وبعد موافقة النيابة العامة.

وقد سمح المشرع المغربي باتخاذ الحراسة المؤقتة في مواجهة الحدث أثناء مرحلة البحث التمهيدي، كما يعد إشعار ولي الحدث أو كافله أو حاضنه أو الشخص أو المؤسسة المعهود إليها برعايته بالإجراء المتخذ في حق الحدث، إجراء ضروريا انسجاما مع منطوق الفقرة الرابعة من المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية، إضافة إلى عدم وضع الحدث الجانح تحت الحراسة النظرية إلا استثناء.

ثانيا: دور النيابة العامة في قضايا الأحداث

تنفرد النيابة العامة بإقامة الدعوى العمومية في قضايا الأحداث، وهذا يستشف من خلال المادة 463 من قانون المسطرة الجنائية والتي تنص على أنه

“يمارس الدعوى العمومية عند إجراء متابعة في الجنح والمخالفات التي يرتكبها أحداث، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المنتصب في دائرتها قاضي الأحداث المختص، ويمارسها الوكيل العام للملك في الجنايات والجنح المرتبطة بها.

في حالة ارتكاب جريمة يخول القانون فيها لإدارات عمومية الحق في متابعة مرتكبها، فإن النيابة العامة مؤهلة وحدها لممارسة هذه المتابعة استنادا إلى شكاية سابقة تقدمها الإدارة التي يهمها الأمر.

لا يمكن إقامة الدعوى العمومية في حق حدث من قبل الطرف المدني”.

وحسب المادة 461 من نفس القانون، فإن النيابة العامة تحيل الحدث الذي يرتكب جريمة إلى قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث. وهكذا فممارسة الدعوى العمومية في الجنح والمخالفات التي يرتكبها الأحداث تكون من طرف وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المنتصب في دائرتها قاضي الأحداث المختص، ويمارسها الوكيل العام للملك في الجنايات والجنح المرتبطة بها[47].

وقد منحت للنيابة العامة سلطة واسعة في إقرار بدائل عن إجراء تحريك الدعوى العمومية في حق الحدث، إذ في هذا الإطار عمد المشرع المغربي من خلال قانون المسطرة الجنائية على تبني إجراء الصلح كآلية بديلة لفض النزاع قبل تحريك الدعوى العمومية.

وقد أوجبت المادة 461 من قانون المسطرة الجنائية على النيابة العامة فصل قضية الحدث، وتكوين ملف خاص به لتحيله على قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، وإذا كان هذا الفصل ضروريا لمصلحة الحدث إلا أنه مع ذلك توجد بعض الإشكالات مردها أساسا غياب محكمة مختصة للنظر في قضايا الأحداث.

والملاحظ من حيث الواقع العملي، أن الأحداث يتابعون ويحاكمون داخل المحاكم العادية، بالرغم من وجود قضاة مختصين بالنظر في قضاياهم، إضافة إلى البطء الذي تعرفه إجراءات البت في الدعاوى العمومية الخاصة بالأحداث المشتركين مع الرشداء في نفس القضية، رغم مسطرة الفصل المذكورة. ومن ثم ينبغي الفصل بشكل مطلق وتام بين الرشداء والأحداث المشتركين في نفس القضية، لاختلاف مسلك وظروف كل منهما[48].

الفقرة الثانية: وضعية الحدث الجانح أثناء مرحلة التحقيق الإعدادي

من بين المستجدات التي جاء بها القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية هو إحداث مؤسسة قاضي التحقيق للأحداث، وذلك تزامنا مع إنشاء غرفة الاستئنافات للأحداث؛ إذ بالرجوع إلى المادة 470 من القانون المومأ إليه فإن المشرع المغربي نص صراحة على حالات الإحالة إلى قضاء التحقيق، بعد أن كان هناك غموض في نفس المادة قبل التعديل، وبعد أن كان وكيل الملك في حالة وجود ضرورة لإجراء تحقيق في القضية فإنه كان يحيلها على قاضي الأحداث، أصبح يحيلها على قاضي التحقيق المكلف بالأحداث.

وبالعودة إلى المادة 479 من قانون المسطرة الجنائية، فإن الفقرة الأخيرة منها كانت تعطي الحق لرئيس غرفة الأحداث أن يأمر في كل وقت بانسحاب الحدث من البحث والمناقشات كليا أو جزئيا، ويصدر الحكم بمحضره ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك، الشيء الذي تغير من خلال التعديل الذي طال هذه المادة، حيث أصبح الأمر من اختصاص هيأة الحكم[49].

وبعد فتح مسطرة التحقيق في حق الحدث، فثمة مجموعة من التدابير والإجراءات التي تتخلل هذه المسطرة، وثمة أيضا مجموعة من الضمانات، بحيث يشكل الاستنطاق أهم الإجراءات في هذه المرحلة؛ لذلك حدد المشرع المغربي شكلياته بكثير من الدقة والعناية، وأحاطها بضمانات عديدة، ومن الضمانات كذلك خلال التحقيق: وجوب إشعار أولياء الحدث بإجراء المتابعات، لما يشكلها هذا الحضور من وقع إيجابي في نفسية الحدث، كما جعل المشرع المغربي حضور المحامي إلزاميا إلى جانب الحدث.

كذلك من الإجراءات الأساسية، القيام ببحث اجتماعي حول الحدث من قبل قاضي التحقيق، لاستجلاء مدى المسؤولية الجنائية للحدث، كما يمكن لقاضي التحقيق أن يأمر بإجراء فحص طبي أو عقلي أو نفسي، كما له الحق في القيام بإجراء بحث حول التدابير الكفيلة بتسهيل إعادة إدماج الحدث ،وبغية الوصول إلى الحقيقة خول المشرع المغربي مجموعة من التدابير والإجراءات لقاضي التحقيق، حيث مكنه من آليات أساسية تتمثل في: إمكانية التنقل والتفتيش والحجز والاستماع إلى الشهود، وهذه الإجراءات يمكن تفعيلها أثناء التحقيق مع الحدث ولمصلحته.

المطلب الثاني: الحماية الإجرائية للحدث أثناء مرحلة المحاكمة والمرحلة اللاحقة لها

يمر الحدث موضوع المحاكمة الجنائية بعدة مراحل، قد يكون تأثيرها أشد من وقع الحكم الصادر بعقوبة أو تدبير معين، وتؤطر هذه المراحل مجموعة من المبادئ الأساسية ذات طبيعة إجرائية، تضمن للحدث حقوقه الأساسية، وتعتبر مبادئ حمائية ضرورية لسير العدالة الجنائية للأحداث.

ولعل أهم تلك المبادئ الحمائية للحدث في هذه المرحلة، إنشاء هيئات قضائية متخصصة في قضايا الأحداث، وكذلك تمتيع الحدث بمجموعة من الضمانات الحمائية، أكبر من تلك التي يتمتع بها الجناة الراشدون (الفقرة الأولى)، ولم يقف المشرع المغربي عند هذا الحد، بل أوجد كذلك مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات؛ التي تلعب دورا مهما في تعزيز حقوق الحدث بعد المحاكمة، والسهر على إعادة إدماجه في المجتمع مرة أخرى، وهذا ما سنتطرق له في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الضمانات المقررة للحدث أثناء المحاكمة

تحرص جميع القوانين الإجرائية على إحاطة الحدث بمجموعة من الضمانات التي تكفل له محاكمة عادلة، تسودها فكرة الإصلاح والتقويم وإعادة الإدماج داخل المحيط الاجتماعي.

ولعل أهم الضمانات التي جاء بها المشرع المغربي، هي إنشاء هيئات قضائية متخصصة في قضايا الأحداث على مستوى المحاكم الابتدائية والاستئنافية، وكذلك تمتيعهم بقدر أكبر من الضمانات المقررة للرشداء.

أولا: الهيئات القضائية الخاصة بقضايا الأحداث

إن إنشاء هيئات قضائية منوط بها أمر النظر في قضايا الأحداث، تمثل بحق أهم المنجزات التي حققتها السياسة الجنائية في تكريس عدالة جنائية للأحداث. بحيث تجري محاكمة الأحداث على أسس ومبادئ مختلفة في أغلب الأحيان عن القواعد التي تقوم عليها محاكمة الرشداء، سواء من حيث أهلية الحدث للمسؤولية، أو من حيث الحماية المقررة له خلال فترة مثوله أمام المحكمة المختصة، والإجراءات المتبعة أمامها شكلا وموضوعا، وذلك من خلال الضمانات التي كفلها المشرع لهم أثناء سريان إجراءات المحاكمة[50].

وفي إطار التعديلات التي لحقت مواد القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، تم التنصيص على إحداث هيئات قضائية للنظر في قضايا الأحداث، وهي على الشكل التالي: “مع مراعاة الاختصاصات المخولة لبعض المحاكم بمقتضى نصوص خاصة، فإن الهيئات القضائية المكلفة بالأحداث هي:

1- بالنسبة للمحكمة الابتدائية:

أ) قاضي الأحداث[51]؛

ب) قاضي التحقيق للأحداث؛

ج) غرفة الاستئنافات للأحداث.

2- بالنسبة لمحكمة الاستئناف:

أ) المستشار المكلف بالأحداث[52]؛

ب) الغرفة الجنحية للأحداث[53]؛

ج) غرفة الجنح الاستئنافية للأحداث[54]؛

د) غرفة الجنايات للأحداث؛

ه) غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث[55].

يجب أن يرأس هذه الهيئات عند النظر في قضايا الأحداث قاض أو مستشار مكلف بالأحداث.

تراعى في تشكيلة هذه الهيئات مقتضيات المادة 297 أعلاه.

لا يمكن تحت طائلة البطلان لأي قاض أو مستشار عين أو انتدب أو كلف بصفة مؤقتة أن يشارك في الحكم في قضايا سبق له أن مارس فيها التحقيق الخاص بالأحداث.

لا يمكن لقضاة الأحداث أن يشاركوا في الحكم في قضية سبق لهم البت في موضوعها”.

ثانيا: الضمانات المعززة لحقوق الحدث أثناء المحاكمة

ذهبت أغلب التشريعات ومنها المشرع المغربي إلى وجوب اتباع مجموعة من القواعد الإجرائية الخاصة، عند محاكمة الأحداث أمام القضاء المختص، وذلك لما توفره للحدث من ضمانات تناسب شخصيته وتوفر حماية إضافية لمصالحه ومستقبله، كما تمكن المحكمة من الوصول إلى الحكم في الدعوى بالشكل الذي يحفظ مصلحة الحدث والمجتمع. وتتمثل هذه الضمانات في ما يلي:

أ- قرينة البراءة

تعتبر قرينة البراءة[56] من القواعد الأساسية التي أقرتها اتفاقية حقوق الطفل، لأن افتراض البراءة أساسي لحماية حقوق الحدث المخالف للقانون.

ومنه، لا يمكن مطالبة الحدث الجانح بتقديم دليل براءته، إلا إذا تعلق الأمر بإثبات أفعال مبررة؛ كحالة الضرورة أو الأعذار المخففة، لكن إذا توافرت أدلة تفيد صحة التهمة، كان من حق الحدث وعن طريق محاميه أن يقدم ما لديه من أدلة لدحضها.

ب- سرية جلسات محاكمة الأحداث

يعتبر مبدأ “علانية المحاكمة” من المبادئ الدستورية التي تخول للأفراد متابعة سير الجلسات دون قيد، لتستمد أحكام القضاء ثقة الجمهور بها، بيد أنه يجوز تقرير إجراء الجلسات بصورة سرية بما يقتضيه ضبط النظام والأخلاق العامة.

وسرية المحاكمة من القواعد التي أقرها المشرع المغربي، لتفادي وصم الحدث بالجنوح، من خلال الجو العام للمحاكمة؛ إذ يعتقد الحدث أنه أصبح ذو أهمية، وحاز إعجاب الناس فيما قام به من أعمال، فيعود لارتكاب نفس الأفعال، بغية الحصول على نفس المتعة، وقد يحصل العكس فيخجل من نفسه ومن المحيطين به، لتبقى تلك الآثار السلبية راسبة في أعماق نفسه، وتحول دون اندماجه إلى ما بعد اكتمال نموه[57].

تجدر الإشارة إلى أن معيار السرية في جلسات الأحداث، هو إخلاء القاعة من الجمهور، وأحيانا يتم تفعيل هذا المبدأ بشكل أكبر؛ ويتم حصر المناقشات في مكتب قاضي الأحداث، ضمانا لسرية أفضل، ورغبة في الابتعاد عن أجواء القاعة الرسمية للجلسات، وتتم المناقشة بدون ارتداء البذلات الرسمية من طرف القضاة والمحامون؛ لإضفاء طابع الهدوء والبساطة في التواصل مع الحدث الجانح[58].

ورغم التنصيص على مبدأ السرية، يجوز حضور بعض الأشخاص ممن يهمهم أمر الحدث، كولي أمره أو والديه أو أقاربه.. أو غيرهم من الأشخاص الذين لديهم اهتمام بأمور حماية الطفولة، على أن ترخص لهم المحكمة بحضور الجلسة.

وتبعا لذلك، وبقراءة المادة 466 من قانون المسطرة الجنائية فإنه يمنع نشر أي بيانات لما يجري في جلسات هيئات التحقيق أو هيئات الحكم في قضايا الأحداث، حيث أن “مبدأ السرية” يمتد إلى ما بعد صدور الحكم، طبقا للمادة 505 من قانون المسطرة الجنائية.

ج- الحق في الدفاع ومؤازرة الحدث بمحام

يعتبر الحق في الدفاع ركيزة أساسية للمحاكمة العادلة، وهو ما تم تضمينه في الدستور المغربي[59] والقوانين الجنائية. ويعتبر الحق في الاستعانة بمحامي في سائر مراحل المحاكمة، من بين الحقوق التي خولها قانون المسطرة الجنائية للحدث بمقتضى المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية، لأن الدفاع من الأمور الفنية التي لا تتوفر إلا لشخص مؤهل وملم بالقواعد الإجرائية؛ فحضور محامي الحدث أو وليه يمنحه التوازن النفسي، ويجنبه الهلع والخوف والاضطراب. ولهذه الغاية، ألزم المشرع المغربي قاضي الأحداث بضرورة تعيين محامي للحدث تلقائيا أو بدعوة نقيب المحامين لتعيينه[60].

ح- إجراء بحث اجتماعي حول الحدث

لقد ألزم المشرع المغربي في المادة 474 من قانون المسطرة الجنائية قاضي الأحداث بضرورة إجراء بحث اجتماعي عن الحدث وهو من التدابير الواجب الأخذ بها لضمان حماية الحدث وإنقاذه من الضياع، وذلك بعد التوصل بمعلومات حول واقعه الاجتماعي والأسري، ودراسة السبل الممكنة لإجراء فحص طبي أو نفسي أو عقلي.. وهذا الإجراء يساير بطبيعة الحال المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الطفل.

ودأب العمل القضائي على سرعة البث في قضايا الأحداث -في إطار المصلحة الفضلى للحدث-، كما أن عدم إطالة المحاكمة والبت فيها في أقل مدة ممكنة؛ يعد ضمانا لفصل قضايا الأحداث عن قضايا الرشداء.

الفقرة الثانية: دور مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات في ضمان حقوق الحدث بعد المحاكمة

تم إحداث مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات بموجب القانون رقم 22.01 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية، وعهد إليها بترسيخ الضمانات المطلوبة بعد صدور الحكم في الدعوى العمومية، والسهر على التنفيذ السليم للمقررات القضائية، ضمانا لاستمرار الحماية القضائية للمحكوم عليه بعد صدور الحكم بالعقوبة، وذلك في إطار الاهتمام بشخصية الحدث الجانح، ومحاولة إعادة إدماجه داخل المجتمع تفاديا لحالات العود، عبر نهج هذه التدابير الوقائية السلمية التي تتماشى مع المواثيق الدولية.

وقاضي تطبيق العقوبة هو قاضي متخصص بالمحكمة الابتدائية، مهمته تتبع المحكوم عليهم داخل وخارج المؤسسة السجنية. ويتم تعيينه من بين قضاة المحكمة الابتدائية بقرار لوزير العدل لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويتم إعفاؤه بنفس الطريقة[61].

ويعمل قاضي تطبيق العقوبات على تطبيق المقررات القضائية السالبة للحرية؛ وتهدف هذه المهمة إلى مراقبة مدى احترام حقوق السجين ومدى تطبيق العقوبة المحكوم بها، مع حمايته من خطر التعسف والسعي إلى تقويم سلوكه. ويقوم بتتبع مدى تطبيق القانون المتعلق بتسيير المؤسسات في شأن حقوق السجناء، ومراقبة سلامة إجراءات التأديب[62]، آخذا بعين الاعتبار شخصية الجاني، وسنه، ومستواه الثقافي، ودرجة الخطورة الإجرامية لديه.

هذا، ويطلع على سجلات الاعتقال، ويعد تقريرا عن كل زيارة متضمنا ملاحظاته، ويعمل على توجيهها إلى وزير العدل، ويرسل نسخة للنيابة العامة، وبإمكانه تقديم مقترحات العفو والإفراج.

كما يقوم قاضي تطبيق العقوبات طبقا للمادة 596 من قانون المسطرة الجنائية، بتتبع مدى تطبيق القانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية في شأن قانونية الاعتقال.

ولم يشر المشرع المغربي إلى الجزاء الواجب اتخاذه في حالة وقوف القاضي على حالة عدم مطابقة التدابير المقررة مع ما هو مطبق بالمؤسسة السجنية، كأن يتم الزج بقاصر في نفس الزنزانة مع أحد المحكوم عليهم بالعود أو جنوح جنسي.. أو يكون ذو طبيعة إجرامية خطيرة، فالقاضي يكتفي هنا برفع تقرير عن كل معاينة أو زيارة يضمن ملاحظاته ويوجهه إلى وزير العدل، ويحيل نسخة منه إلى النيابة العامة حسب ما جاء في الفقرة السادسة من المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية.

وعلى مستوى آليات المراقبة، وفي إطار اختصاصاته الميدانية والرقابية، فقد خوله القانون مهمة زيارة المؤسسات السجنية التابعة لدائرة المحكمة الابتدائية التي ينتمي إليها، وذلك مرة كل شهر على الأقل.

والمؤسسة السجنية هي المكان الوحيد الذي أسند إليه المشرع المغربي مهمة استقبال الأشخاص الصادرة في حقهم تدابير سالبة للحرية، والمخصصة لإيواء المدانين، وتضم على الخصوص:

– السجون المركزية: وتخصص لإيواء المدانين المحكوم عليهم بعقوبات طويلة الأمد؛

– السجون المحلية: وتختص هذه المؤسسات بتلقين المدانين تكوينا مهنيا يتماشى مع مؤهلاتهم الذاتية، قصد تأهيلهم للاندماج في الحياة العملية بعد الإفراج عنهم؛

– السجون الفلاحية: وتختص بالتكوين المهني في الميدان الفلاحي، وتهيء بعض المدانين الذين اقترب الإفراج عنهم للعودة إلى الحياة العادية؛

– مراكز الإصلاح والتهذيب: وهي عبارة عن وحدات متخصصة في التكفل بالأحداث والأشخاص المدانين الذين لا تتعدى أعمارهم 18 سنة، قصد إعادة إدماجهم في الوسط الاجتماعي.

وضرورة قيام قاضي تطبيق العقوبات بزيارة المؤسسات السجنية، تم التنصيص عليه في المادتين 596 و616 من قانون المسطرة الجنائية بنوع من التكرار، على الرغم من اختلاف الصيغة المستعملة في المادتين؛ ذلك أن تفقد السجناء كما هو معبر عنه في المادة 616 لا يمكن أن يتم دون زيارة لمحل الاعتقال، هذا التكرار الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار التأكيد على ضرورة الحرص على هذه الزيارة، باعتبارها الأساس الذي تنبني عليه باقي الصلاحيات[63].

خاتمة:

تعتبر ظاهرة انحراف الأحداث إحدى أهم المشكلات التي تواجه المجتمعات، ذلك أن انحراف الأحداث يجعلهم طاقات معطلة وغير منتجة ولا يفيدون مجتمعهم بشيء، بل يلحقون به أضرارا بالغة ومدمرة نتيجة الجرائم المرتكبة من طرفهم.

وقد أصبحت أغلب دول العالم تعتبر ظاهرة انحراف الأحداث على أنها ظاهرة اجتماعية؛ تستوجب الرعاية والاهتمام بها، لتلافي أثارها السلبية المدمرة، وليست ظاهرة إجرامية؛ تستوجب القمع والعقاب، مما دفعهم إلى سن تشريعات حديثة خاصة بالأحداث، تقوم على مبدأ الدفاع الاجتماعي؛ الذي يهدف إلى إصلاح الأحداث وتهذيبهم وتأهيلهم وتقويم سلوكهم، وإعادة دمجهم أصحاء في مجتمعهم، أو على الأقل غير منحرفين.

وفي الختام، يمكننا القول أن جرائم الأحداث تثير مسؤولية الدولة عن حقوق هذه الفئات، ونتائج سياستها العمومية أكثر مما تثير مسؤولية الأحداث عن انحرافاتهم؛ فلا مجال للعطاء بدون تنمية مجتمعية، ولا مكان للتربية والإصلاح في غمرة ظروف العيش البئيس والتهميش الاجتماعي، ولا سبيل للرعاية والإدماج النفسي والاجتماعي.. في غياب أسر سليمة، وبيوت تؤويهم وتقيهم مخاطر الشارع.

ويبقى لنا أن ندعوا المشرع المغربي أن يعمل جاهدا من أجل التطبيق العملي لهذه المقتضيات التي جاء بها، وذلك من خلال إحداث المعاهد والمؤسسات العمومية الخاصة بالأحداث في جميع أنحاء المملكة، بالشكل الكافي لاحتواء هذه الفئة الجانحة، وأن يخضع هذه المؤسسات إلى الرقابة من طرف أجهزة مختصة تراقب عملها، وذلك من أجل تحقيق الغاية التي من أجلها تم وضع هذه القواعد القانونية، والتي هي بدون جدال؛ تهذيب الأحداث وتأهيلهم وتقويم سلوكهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

لائحة المراجع

1- الكتب:

– أكرم نشأت إبراهيم: الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 1998.

– إبراهيم حرب محيسن: إجراءات ملاحقة الأحداث الجانحين، مكتبة دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999.

– عبد اللطيف براء منذر: السياسة الجنائية في قانون رعاية الأحداث -دراسة مقارنة-، دار الجامعة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2009.

– محمد العروصي: المختصر في شرح القانون الجنائي المغربي -القانون الجنائي العام-، الجزء الأول، مطبعة أناسي – مكناس، الطبعة الثانية 2020.

– محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى 2017.

– محمد الغياط: السياسة الجنائية وحماية حقوق الحدث الجانح في المغرب، مطبعة طوب بريس، طبعة 2006.

– محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية – القاهرة، طبعة 1973.

– وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الثاني، طبعة 2019.

2- الأطاريح الجامعية:

– خالد قاصر: التدابير العلاجية للأحداث الجانحين –دراسة مقارنة في العراق وفرنسا–، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة بغداد.

3- الرسائل الجامعية:

– أمال الزكاف: التدابير العامة والخاصة لحماية جنوح الأحداث (دراسة مقارنة)، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، تخصص حقوق الإنسان، جامعة عبد المالك السعدي بطنجة، السنة الجامعية 2018/2019.

– حسن محمد الأمين: إجرام الأحداث ومحاكمتهم في الفقه الإسلامي، رسالة لنيل درجة الماجستير في الفقه الإسلامي، جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، السنة الجامعية 1985/1986.

4- المقالات:

– بوشعيب أرميل: الشرطة القضائية وعلاقتها بالقضاء، رهانات المستقبل، السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، المجلد الثاني، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 4، 2005.

– منال منصور: العدالة الجنائية للأحداث في ضوء قانون المسطرة الجنائية، مجلة القضاء الجنائي، العدد الثاني – 2015.

  1. – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011)، ص 3600.
  2. – ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بتنفيذ مجموعة القانون الجنائي، الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (05 يونيو 1963)، ص 1253.
  3. – القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002)، الجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1423 (30 يناير 2003)، ص 315.
  4. – سورة غافر: الآية 67.
  5. – سورة النور: الآية 59.
  6. – سورة مريم: الآية 12.
  7. – سورة مريم: الآية 29.
  8. – سورة مريم: الآية 7.
  9. حسن محمد الأمين: إجرام الأحداث ومحاكمتهم في الفقه الإسلامي، رسالة لنيل درجة الماجستير في الفقه الإسلامي، جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، السنة الجامعية 1985/1986، ص 9-11.
  10. – حسن محمد الأمين: إجرام الأحداث ومحاكمتهم في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 16.
  11. – يقصد بالجنح في اللغة: الميل إلى الإثم أو الميل عن الحق، ومن ثم سمي كل إثم جناحا. أما في الاصطلاح فهو عبارة عن محظورات شرعية يرتكبها الحدث قبل سن الرشد، والتي إذا ارتكبها بالغ عدت جريمة وعوقب عليها. أورده حسن محمد الأمين: إجرام الأحداث ومحاكمتهم في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 20.
  12. أمال الزكاف: التدابير العامة والخاصة لحماية جنوح الأحداث (دراسة مقارنة)، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، تخصص حقوق الإنسان، جامعة عبد المالك السعدي بطنجة، السنة الجامعية 2018/2019، ص 6.
  13. محمد العروصي: المختصر في شرح القانون الجنائي المغربي -القانون الجنائي العام-، الجزء الأول، مطبعة أناسي – مكناس، الطبعة الثانية 2020، ص 264.
  14. محمد العروصي: المختصر في شرح القانون الجنائي المغربي -القانون الجنائي العام-، مرجع سابق، ص 264.
  15. – من أجل التوسع أكثر في المذهب التوفيقي وكذلك باقي المذاهب المذكورة راجع:

    محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية – القاهرة، طبعة 1973، ص 589-590.

  16. – محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات، القسم العام، مرجع سابق، ص 593-594.
  17. – محمد العروصي: المختصر في شرح القانون الجنائي المغربي -القانون الجنائي العام-، مرجع سابق، ص 266.
  18. محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مطبعة الأمنية – الرباط، الطبعة الأولى، ص 24.
  19. – وقد وحدت بعض قوانين الدول الأوروبية سن الرشد الجنائي في 18 سنة، فيما اختلفت في تحديد السن الأدنى لبداية المسؤولية الجنائية وكذا التدابير أو العقوبات الواجب إتخاذها مع الأحداث دون سن الرشد الجنائي؛ وهكذا تراوحت بين 7 سنوات في سويسرا ) الفصل 82 من القانون الجنائي السويسري)، و10 سنوات بإنجلترا، و12 سنة بهولندا، و13 سنة بإسبانيا، و16 سنة بالبرتغال (الفصل 19 من القانون الجنائي البرتغالي)، و13 سنة بفرنسا (الفصل 122-8 من القانون الجنائي الفرنسي)، و16 سنة ببلجيكا، و14 سنة بكل من ألمانيا (المادة 19 من القانون الجنائي الألماني)، وإيطاليا (الفصل 97 من القانون الجنائي الإيطالي). أورده: محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 32.
  20. – وفقا للفصول 138 و139 و140 من مجموعة القانون الجنائي.
  21. – يأخذ المشرع الجنائي الياباني في قيام المسؤولية الجنائية بسن الرشد البسيكولوجي، ويمنح بموجبه لكل قاض السلطة التقديرية في التعامل مع كل حدث حسب مستوى النضج النفسي والبسيكولوجي، وليس على أساس السن كمعيار مجرد، كما أسس المشرع الألماني المسؤولية الجنائية على أساس النضج المعنوي والروحي للحدث، وقدرته على تمييز الضرر الناشئ عن فعله وتحمل تبعاته. أورده: محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 31.
  22. – محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 27.
  23. – “الأطفال في نزاع مع القانون” هو المصطلح الذي أصبح شائعا، بدل مصطلح “الأحداث الجانحين”؛ الذي يحمل شيئا من الوصم، علما أن التصرف المخالف للقانون لا يعني بالضرورة أن الشخص مذنب، فالمذنب يجب أن يكون واعيا بما يقوم به دون إكراه، والطفل الواقع في نزاع مع القانون هو الطفل الذي يتعرض لسلطات تطبيق القانون، للاشتباه بانتهاكه لهذا الأخير، أو مشاركته في سلوكات غير اجتماعية، لاحتمال تورطه في جرم ما.
  24. إبراهيم حرب محيسن: إجراءات ملاحقة الأحداث الجانحين، مكتبة دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999، ص 13.
  25. – تنص المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: “يمكن للقاضي في قضايا الجنح أن يصدر أمراً يخضع بمقتضاه الحدث لواحد أو أكثر من تدابير نظام الحراسة المؤقتة وذلك بتسليمه:

    1- إلى أبويه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو إلى حاضنه أو إلى شخص جدير بالثقة؛

    2- إلى مركز للملاحظة؛

    3- إلى قسم الإيواء بمؤسسة عمومية أو خصوصية معدة لهذه الغاية؛

    4- إلى مصلحة عمومية أو مؤسسة عمومية مكلفة برعاية الطفولة أو إلى مؤسسة صحية بالأخص في حالة ضرورة معالجة الحدث من التسمم؛

    5- إلى إحدى المؤسسات أو المعاهد المعدة للتربية أو الدراسة أو التكوين المهني أو للمعالجة التابعة للدولة أو لإدارة عمومية مؤهلة لهذه الغاية أو إلى مؤسسة خصوصية مقبولة للقيام بهذه المهمة؛

    6- إلى جمعية ذات منفعة عامة مؤهلة لهذه الغاية.

    إذا رأى قاضي الأحداث أن حالة الحدث الصحية أو النفسانية أو سلوكه العام تستوجب فحصا عميقا، فيمكنه أن يأمر بإيداعه مؤقتا لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بمركز مقبول مؤهل لذلك.

    يمكن إن اقتضى الحال أن تباشر التدابير السابقة تحت نظام الحرية المحروسة.

    تنفذ هذه التدابير المؤقتة رغم كل طعن وتكون قابلة دائما للإلغاء”.

  26. – تنص المادة 481 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: “يمكن للمحكمة أن تتخذ في شأن الحدث واحدا أو أكثر من تدابير الحماية أو التهذيب الآتية:

    1- تسليم الحدث لأبويه أو للوصي عليه أو للمقدم عليه أو لكافله أو لحاضنه أو لشخص جدير بالثقة أو للمؤسسة أو للشخص المكلف برعايته؛

    2- إخضاعه لنظام الحرية المحروسة؛

    3- إيداعه في معهد أو مؤسسة عمومية أو خاصة للتربية أو التكوين المهني ومعدة لهذه الغاية؛

    4- إيداعه تحت رعاية مصلحة أو مؤسسة عمومية مكلفة بالمساعدة؛

    5- إيداعه بقسم داخلي صالح لإيواء جانحين أحداث لا يزالون في سن الدراسة؛

    6- إيداعه بمؤسسة معدة للعلاج أو للتربية الصحية؛

    7- إيداعه بمصلحة أو مؤسسة عمومية معدة للتربية المحروسة أو للتربية الإصلاحية.

    يتعين في جميع الأحوال أن تتخذ التدابير المشار إليها أعلاه لمدة معينة لا يمكن أن تتجاوز التاريخ الذي يبلغ فيه عمر الحدث ثمان عشرة سنة ميلادية كاملة”.

  27. – يجوز استثناء للنيابة العامة أن تأمر بتدبير الحدث وفق أحكام المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية، كبديل للاحتفاظ بالحدث لدى الشرطة القضائية.
  28. – تنص المادتين 471 و481 من قانون المسطرة الجنائية على التوالي في مستهلهما: “يمكن للقاضي في قضايا الجنح..”، “يمكن لغرفة الأحداث..”.
  29. – وذلك إذا كان الأبوين مطلقين، حيث يسلم الحدث إلى مستحق الحضانة وفق الترتيب الوارد في المادة 171 من مدونة الأسرة.
  30. – تنص المادة 232 من مدونة الأسرة على أنه: “في حالة وجود قاصر تحت الرعاية الفعلية لشخص أو مؤسسة، يعتبر الشخص أو المؤسسة نائبا شرعيا في شؤونه الشخصية ريثما يعين له القاضي مقدما”.
  31. – طبقا للمادة 472 من قانون المسطرة الجنائية.
  32. – الشخص المؤمن في التشريع الإنجليزي قد يكون قريبا أو صديقا أو هيئة محلية، كما يأخذ المشرع الإنجليزي بنظام الأسرة البديلة.
  33. محمد الغياط: السياسة الجنائية وحماية حقوق الحدث الجانح في المغرب، مطبعة طوب بريس، طبعة 2006، ص 131-132.
  34. – طبقا للمادتين 468 و480 من قانون المسطرة الجنائية.
  35. وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الثاني، طبعة 2019، ص 233.
  36. عبد اللطيف براء منذر: السياسة الجنائية في قانون رعاية الأحداث -دراسة مقارنة-، دار الجامعة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2009، ص 120.
  37. – خالد قاصر: التدابير العلاجية للأحداث الجانحين –دراسة مقارنة في العراق وفرنسا–، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة بغداد، ص 18.

  38. أكرم نشأت إبراهيم: الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 1998، ص 307.
  39. – كالقانون البلجيكي والسويسري والكويتي والروسي، إذ يرى هذا الأخير بجواز توبيخ الحدث الذي لم يبلغ 18 من عمره أو تأنيبه من طرف المحكمة، بدلا من توقيع عقوبة أخرى عليه من أجل أية جريمة ارتكبها.
  40. – استعمل المشرع المغربي في المادة 179 من قانون المسطرة الجنائية عبارة “يمكن” للدلالة على عدم وجوب إقرار هذا التدبير، كما استعمل “أو” لتخيير القاضي بين التوبيخ والغرامة، وهو اقتباس من التشريع الفرنسي، غير أن المشرع الفرنسي أقر التوبيخ دون غرامة إذا لم يبلغ الحدث 13 سنة.
  41. – نصت المادة 480 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها الرابعة على أنه: “.. فإن المحكمة تنبهه وتسلمه بعد ذلك”، حيث استعملت واو العطف للدلالة على وجوب اقتران التنبيه بتدبير التسليم.
  42. – قانون الأحداث الإماراتي والبحريني والعماني.
  43. – عبد اللطيف براء منذر: السياسة الجنائية في قانون رعاية الأحداث، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 222-223.
  44. – طبقا للمادة 636 من قانون المسطرة الجنائية.
  45. منال منصور: العدالة الجنائية للأحداث في ضوء قانون المسطرة الجنائية، مجلة القضاء الجنائي، العدد الثاني – 2015، ص 85.
  46. بوشعيب أرميل: الشرطة القضائية وعلاقتها بالقضاء، رهانات المستقبل، السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، المجلد الثاني، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، عدد 4، 2005، ص 413.
  47. – انظر المادة 463 من قانون المسطرة الجنائية.
  48. – منال منصور: العدالة الجنائية للأحداث في ضوء قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص 89.
  49. – منال منصور: العدالة الجنائية للأحداث في ضوء قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص 90.
  50. – منال منصور: العدالة الجنائية للأحداث في ضوء قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص 91.
  51. – وفقا لمقتضيات المواد من 467 إلى 484 من قانون المسطرة الجنائية.
  52. – وفقا لمقتضيات المواد من 485 إلى 487 من قانون المسطرة الجنائية.
  53. – حسب المادة 488 من قانون المسطرة الجنائية.
  54. – حسب المادة 489 من قانون المسطرة الجنائية.
  55. – وفقا لمقتضيات المواد من 490 إلى 495 من قانون المسطرة الجنائية.
  56. – انظر المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية.
  57. – محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 62.

  58. – محمد العمري: حماية المصلحة الفضلى للحدث في التشريع الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 63.
  59. – طبقا لمقتضيات الفصل 23 من دستور المملكة.
  60. – طبقا للمادتين 316 و475 من قانون المسطرة الجنائية.
  61. – حسب المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية.
  62. – حسب المادة 596 من قانون المسطرة الجنائية.
  63. – وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص 204.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى