في الواجهةمقالات قانونية

المحاكم المالية بالمغرب ومبدأ الاستقلالية – سميرة الراجب

سميرة الراجب

ماستر قانون الأعمال تخصص استشارة قانونية للمقاولات

باحثة مهتمة بمجال المالية العمومية

محامية متمرنة بهيئة مراكش

المحاكم المالية[1] بالمغرب ومبدأ الاستقلالية

ان استقلالية جهاز الرقابة العليا على المال العام تعتبر من الركائز والمتطلبات الاولى والأساسية الواجب توفرها لقيامه بعمله على أكمل وجه، وذلك بالنظر الى الضغوط الخاصة التي يمكن ان تنجم عن الاثار التي تسببها نتائج أعماله وتحرياته على المسؤولين والجهات التي تخضع لرقابته والرأي العام. فاستقلالية الجهاز هو مفهوم شمولي يشمل الاستقلال المالي والاداري والفكري[2].

وقد أثار التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات الصادر برسم سنة 2018 كثير من الجدل والنقاش حول موضوعيته واستقلالية المجلس في تحديد القطاعات والإدارات والجماعات الترابية المراقبة. وتصدرت النقطة المتعلقة بمدى استقلالية المجلس خاصة في تحديد برنامجه السنوي هذا النقاش الدائر. حيث آخذ بعض السياسيين والمدبرين العموميين على المجلس تركيز برامجه السنوية على مراقبة قطاعات وجماعات محددة بعينها دون غيرها.

بالاستناد على المقتضيات الدستورية وعلى مدونة المحاكم المالية وعلى  المعايير الدولية المعمول بها في هذا المجال ومقارنة مع بعض التجارب الدولية سوف نحاول الإجابة على هذا الإشكال المتعلق بمدى استقلالية المجلس الأعلى خاصة في تحديد برامج عمله السنوية ؟

للإجابة على هذا السؤال سوف نعتمد التصميم التالي:

أولا: مفهوم الاستقلالية

1- المعيار الأول: استقلالية الأجهزة العليا للرقابة

2- المعيار الثاني: استقلالية الأعضاء والمسؤولين في الأجهزة العليا للرقابة

3- المعيار الثالث: الاستقلال المالي للأجهزة العليا للرقابة

ثانيا: استقلالية المحاكم المالية بالمغرب

1- مدى استجابة المحاكم المالية بالمغرب للمعيار الأول المتعلق بالاستقلالية

2- المحاكم المالية بالمغرب وسؤال استقلالية الأعضاء والمسؤولين

3- الاستقلال المالي للمحاكم المالية بالمغرب

ثالثا: استقلالية المحاكم المالية بالمغرب فيما يتعلق بتحديدها لبرامج عملها السنوية

 

أولا: مفهوم الاستقلالية

وفق المبادئ العليا للرقابة على المالية العمومية التي سطرتها المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (INTOSAI) يجب أن تتجسد الاستقلالية على عدة مستويات، سواء فيما يتعلق باستقلالية الجهاز نفسه أو باستقلالية الأعضاء والمسؤولين بالجهاز أو بالاستقلال المالي للجهاز الرقابي. وعليه، فلمعرفة مدى استجابة أي جهاز رقابي لمبدأ الاستقلالية يجب إخضاعه للمعايير الثلاث سالفة الذكر والتي سوف ستم التطرق إليها بعده.

1- المعيار الأول: استقلالية الأجهزة العليا للرقابة

استنادا إلى إعلان ليما[3] خاصة المادة الثانية القسم الخامس فقد تم التأكيد على استقلالية الأجهزة العليا للرقابة بحيث لا يمكن للأجهزة العليا للرقابة ان تضطلع بمهامها بصورة موضوعية وفعالة إلا إذا كانت مستقلة عن الوحدة الخاضعة للرقابة، وفي مأمن من التأثير الخارجي. يقول فرانز فيدلير : ” إن الهدف الرئيسي من إعلان ليما هو العوة إلى رقابة حكومية مستقلة، ذلك أن الجهاز الأعلى للرقابة الذي لا يمكنه العمل وفق هذا المبدأ لا يمكنه الارتقاؤ إلى مستوى المطلوب…. إن الإعلان لا يكتفي فقط بتحقيق الاستقلالية، فهو يشترط أيضا إرساء هذه الاستقلالية في التشريعات. لكن ذلك يقتضي وجود مؤسسات للاكن القانوني تعمل جيدا، وهي مؤسسات لا توجد إلا في نظام ديمقراطي يتجه إلى مبدأ القانون”[4]

وتضيف نفس المادة رقم 2 المشار إليها أعلاه أنه رغم كون أجهزة الدولة لا يمكن أن تكون مستقلة عنها استقلالا كاملا، باعتبارها جزءا من الدولة ككل، فان الأجهزة العليا للرقابة ينبغي أن تتمتع بالاستقلالية الوظيفية الضرورية لإنجاز مهامّها. ويجب أن ينص الدستور على انشاء الأجهزة العليا للرقابة، وعلى الدرجة الضرورية من استقلاليتها، على ان يتم تقديم التفاصيل المتعلقة بذلك في النصوص القانونية؛ وينبغي بالخصوص أن توجد محكمة عليا تضمن الحماية القانونية المناسبة ضد كل تدخّل من شأنه ان يعرف استقلالية الجهاز الأعلى للرقابة وسلطاته الرقابية.

2- المعيار الثاني: استقلالية الأعضاء والمسؤولين في الأجهزة العليا للرقابة

في القسم السادس من المادة رقم 2 من إعلان ليما تمت الإشارة إلى أن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة مرتبطة ارتباطا وثيقا باستقلالية أعضائها. وقد تم تعريف الأعضاء بأنّهم الأشخاص الذين توكل إليهم مهمة اتخاذ القرارات باسم الجهاز، ويعتبرون مسؤولين عن هذه القرارات امام جهات ثالثة؛ بمعنى انهم أعضاء هيئة مشتركة لها حق القرار أو رئيس هيئة عليا للرقابة إذا كانت رئاسة هذه الهيئة موكولة لشخص واحد.

كما تمت الإشارة إلى أنه يـجب أن تكون استقلالية الأعضاء مضمـونة أيـضا بـنص الـدستور. وينبـغي بوجه خاص أن ينص الدستور كذلك على إجراءات العزل من الوظيفة، ويجب ألا يكون في هذه الإجراءات مـساس بـاستقلالية الأعضاء، وأن تتـوافق طريـقة تعيـين أو عزل الأعضاء مع نصوص الهيكل الدستوري للبلد المعني. ويــجب ألا يتــأثر موظــفو وأعوان الأجهزة العلــيا للرقــابة في حياتــهم المهنــي بالضغوط التي يمكن أن تمارسها الهيئات الخاضعة للرقابة وان لا يكونوا تابعين لتلك الهيئات.

3- المعيار الثالث: الاستقلال المالي للأجهزة العليا للرقابة

في نفسي المادة الثانية من إعلان ليما وهذه المرة بالقسم السابع تم التأكيد على أنه يجب أن تمنح الأجهزة العليا للرقابة الإمكانيات المالية التي تكفل لها القيام بمهمتها. كما يجب أن تكون الأجهزة العليا للرقابة ان اقتضى الأمر قادرة على أن تطلب الموارد المالية التي تحتاجها مباشرة من الجهاز العمودي المسؤول عن الميزانية الوطنية. بالإضافة إلى ذلك فالأجهزة العليا للرقابة يجب أن تكون قادرة على استخدام الأموال المسندة إليها ضمن فصل مميز من فصول الميزانية حسب ما تراه صالحا.

لهذا يجب التساؤل حول مدى استقلال المحاكم المالية بالمغرب على كافة المستويات التي تمت الإشارة لها. وهو ما سوف سيتم التطرق إليه في النقطة التالية.

ثانيا: استقلالية المحاكم المالية بالمغرب

1- مدى استجابة المحاكم المالية بالمغرب للمعيار الأول المتعلق بالاستقلالية

أفرد دستور[5] سنة 2011 بابا كاملا للمجلس الأعلى للحسابات وهو الباب العاشر، حيث خصصت له أربعة فصول[6]، فصلان لتحديد اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات وفصل لتلك المتعلقة بالمجالس الجهوية للحسابات وآخَرٌ هَمَّ مقتضيات مشتركة بينهما.

وعلاقة بمبدأ الاستقلالية، جاء في الفقرة الأولى من الفصل 147 من الدستور ما يلي: “المجلس الأعلى للحسابات هو الهيأة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله” وهي مقتضيات كانت غائبة قبل ذلك خاصة في الفصل [7]96 من الباب العاشر دستور سنة 1996.

بقراءة  متمعنة لهذا للفصل 147، يلاحظ أنه، بالإضافة إلى مكانة المجلس كالهيئة الدستورية العليا المكلفة بمراقبة المالية العمومية بكافة تراب المملكة، فمبدأ الاستقلالية تمت الإشارة إليه لأول في مرة في دستور سنة 2011 بل وكان أولا شيء حرص المشرع الدستوري إلى التأكيد عليه في الباب العاشر المخصص للمجلس الأعلى للحسابات، وذلك قبل التطرق إلى اختصاصات هذه الهيأة وباقي المقتضيات الأخرى. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على وعي المشرع الدستوري بكون استقلالية المجلس الأعلى للحسابات كجهاز ومؤسسة دستورية تعد شرطا أساسيا لقيامه بالمهام المنوطة به بالفعالية والنجاعة والموضوعية المطلوبة. وقد ذهب بعض الفقه[8] إلى القول أنه إذا ما فقد هذا الركن أو اهتز ، فإن العمل الرقابي (برمته) يفقد ثقة المجتمع ، بل أن نظام المسألة يصبح غير ذي قيمة.

يتضح مما سبق أن المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب يستجيب إلى حد كبير للمعيار الأول المتعلق بالاستقلالية وهو استقلالية الجهاز مع التنصيص على ذلك في الوثيقة الدستورية.

2- المحاكم المالية بالمغرب وسؤال استقلالية الأعضاء والمسؤولين

في ما يتعلق باستقلالية الأعضاء والمسؤولين بالمجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات بالمغرب فينص القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية وفق ما تم تغييره وتتميمه بموجب القانون رقم 55.16 بتاريخ 25 غشت 2016 خاصة في المادة 165 على أنه “طبقا للفصل 150 من الدستور، يعين القضاة بظهير شريف”. واستنادا إلى الفصل 150 من الدستور المشار إليه نجد ينص على أنه يحدد القانون اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، وقواعد تنظيمها وكيفيات تسييرها.

وهو ما يعني أن الدستور المغربي أسند للقانون العادي تحديد اختصاصات المحاكم المالية وكيفية تنظيمها وتسييرها وهو ما تم بالفعل بموجب القانون رقم 62.99 كما تم تغييره وتتميمه. وتعتبر هذه الطريقة أقل ضمانا للاستقلالية المنشودة بالنسبة للمجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية وأعضائه بحيث كان من الأجدر التنصيص على طريقة تعيين أعضاء المجلس وعزلهم في الوثيقة الدستورية كما هو الشأن بالنسبة لقضاة المحاكم العادية (الفصلين 57 و108 من الدستور[9])، بالإضافة إلى ضرورة تنصيص الدستور على أن تحديد اختصاصات المحاكم المالية وكيفية تنظيمها وتسييرها وكذا تحديد القانون الأساسي لقضاة هذه المحاكم يجب أن يتم بموجب قوانين تنظيمية[10] على غرار تنظيم المجلس الأعلى للسلطة القضائية وقضاة الأحكام (الفصول 112 و116)، ضمانا لعدم المساس بهذه الاختصاصات وتنظيم المجلس إلا بعد مراقبة المجلس الدستوري.

في غياب هذه الضمانات يلاحظ أن الحكومة والبرلمان لجآ في كثير من الأحيان إلى تعديل القانون المنظم للمحاكم المالية رقم 62.99 وذلك بتغيير وتعديل مقتضيات تتعلق باختصاصات المجلس والمجالس الجهوية للحسابات خاصة القضائية منها، بل أكثر من ذلك فقد لوحظ أنه لم يتم اللجوء إلى اعتماد قوانين معدلة مستقلة بل تم اعتماد فرسان الميزانية فقط (les cavalier budgétaires) وهي طريقة عرفها الفقه على أنها تقنية يتم من خلالها إدراج، بصفة ملتوية، أحكاما تشريعية ضمن قوانين المالية السنوية أو قوانين المالية التعديلية أو هي كل الأحكام التي تدرج ضمن مشروع قانون المالية التي ليس لها مكان في هذا القانون بالنظر للأحكام الدستورية أو القوانين التنظيمية التي تأطر هذا القانون في هذا الإطار[11]. وعليه فقد تم الاعتماد على تقنية فرسان الميزانية في قانون المالية لسنة 2008 لإدخال تعديلات جوهرية على مدونة المحاكم المالية خاصة فيما يتعلق بالاختصاص القضائي لهذه المحاكم المتعلق بالبت وتدقيق الحسابات[12]. كما تم بمقتضى نفس قانون المالية تعديد القانون رقم 61.99  المتعلق بتحديد مسؤولية الآمرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين.

3- الاستقلال المالي للمحاكم المالية بالمغرب

أما فيما يتعلق بالاستقلال المالي للمحاكم المالية بالمغرب فقد نصت المادة رقم 9 من القانون رقم 62.99 على أن الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات يقوم بإعداد مشروع ميزانية المحاكم المالية ويعتبر آمرا بالصرف لهذه الميزانية، كما نصت المادة رقم 112 من نفس القانون رقم 62.99 على أن ميزانية المحاكم المالية تدرج في الميزانية العامة للدولة كما أنها لا تخضع لمراقبة سابقة عند تنفيذها. وهو ما يعني أن القانون المغربي يضمن إلى حد كبير الاستقلال المالي للمحاكم المالية على أنه كان من الأفضل التنصيص على هذا الاستقلال المالي في الوثيقة الدستورية على غرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية[13] وأيضا تماشيا مع الممارسات الفضلى المقارنة ببعض الدول التي سلكت نهج التنصيص على مبدأ الاستقلال للأجهزة العليا للرقابة المالية في دساتيرها.

تبقى النقطة المتعلقة باستقلالية المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات في تحديد برامج عملها السنوية من القضايا التي تعرف نقاشا مستمرا سواء على المستوى السياسي أو بين الفقهاء والباحثين خاصة عندما تتطرق مخرجات تقارير المحاكم المالية إلى اختلالات كبيرة في قطاعات يسيرها حزب أو أحزاب معينة كما هو الشأن بالنسبة للتقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات يرسم سنة 2018 الذي هم مراقبة المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغدائية (ONSA) ومخطط الصيد البحري “أليوتيس” عن الفترة 2009-2016 حيث وجه المسؤول عن الحزب الوصي على مؤسسة ONSA  والمكلف بتدبير قطاع الصيد البحري اتهامات مبطنة لجهاز الرقابة المالية داعيا إلى “البناء السليم لكنهجية عمل المؤسسات الدستورية وحماية استقلاليتها عن أي تعريض سياسي أو زج بها في صراعات ضيقة خدمة لطرف دون آخر”[14]. نفس الانتقاد وجهه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية[15] إبان إقالته للمجلس الأعلى للحسابات معتبرا تقاريره غير مقدسة واعتبره مسخرا لممارسة الضغط عليه لإخراج حزبه من الحكومة. وعليه، سوف نتطرف في النقطة التالية للجواب هلى السؤال المتعلق بمدى استقلال المحاكم المالية بالمغرب في تحديد برامج عملها السنوية وذلك استنادا إلى النصوص القانونية المعمول بها في هذا المجال؟

ثالثا: استقلالية المحاكم المالية بالمغرب فيما يتعلق بتحديدها لبرامج عملها السنوية

نصت المادة الثامنة من مدونة المحاكم المالية على أن من مهام الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات المصادقة على البرنامج السنوي لأشغال المجلس الذي تعده وتحدده لجنة  البرامج والتقارير وذلك بتنسيق مع الوكيل العام للملك فيما يخص المسائل المتعلقة بالاختصاصات القضائية.

ولتحديد مهام لجنة البرامج والتقارير نصت المادة 24 من مدونة المحاكم المالية على أنها تكلف بإعداد البرنامج السنوي لأشغال المجلس والتقارير المنصوص عليها في الفصلين الرابع والسادس من الباب الثاني من الكتاب الأول من المدونة[16].  وأضافت نفس المادة على أن هذه اللجنة تتألف من الرئيس الأول ورؤساء الغرف والكاتب العام للمجلس. ويشارك رؤساء مجالس جهوية في أشغال هذه اللجنة عند مناقشتها لقضايا لها علاقة بتلك المجالس الجهوية وذلك بدعوة من الرئيس الأول. كما تم التنصيص على أنه يجوز للرئيس الأول تعيين قضاة آخرين من المجلس أو من المجالس الجهوية للمشاركة في أعمال اللجنة.

يسجل في هذا الإطار، أن القانون المنظم للمحاكم المالية يضمن إلى حد معقول استقلالية المجلس الأعلى للحسابات في تحديد برامج عمله السنوية كون إعداد هذا البرنامج والمصادقة عليه تتم من طرف أجهزته الداخلية (لجنة البرامج والتقارير والرئيس الأول)، رغم تنصيص المادة 92 من مدونة المحاكم المالية على أنه يمكن للمجلس أن يدرج في برنامجه السنوي، بطلب من أحد مجلسي البرلمان، مهاما لتقييم تنفيذ المشاريع والبرامج العمومية أو لمراقبة تدبير أحد الأجهزة الخاضعة لرقابته كون هذا الإدراج لا يكتسي طابع الإلزامية، بحيث يمكن للمجلس بعد دراسة الطلب إدراج مهام تقييمية أو رقابية إذا لم يكن لها تأثير كبير على تنفيذ البرنامج الذي سبق تحديده وتبين أيضا جدوى القيام بهذه المهام، كما يمكنه رفض الطلب في حالة العكس.

لكن ما يلاحظ على طريقة تحديد المجلس الأعلى لبرنامجه هو تغييب هيأة القضاة الممارسين من تركيبة لجنة البرامج والتقارير المنوط بها إعداد البرنامج السنوي. فأعضاء هذه اللجنة الدائمين كلهم مسؤولون معينون بصفتهم في هذه اللجنة. في حين أن تعيين قضاة آخرين بهذه اللجنة يبقى اختياريا وبمبادرة من الرئيس الأول فقط.

استنادا إلى بعض التجارب المقارنة نجد أن إعداد وضبط برنامج عمل المحكمة المالية يتم من طرف هيئة موسعة تضم كافة القضاة كما هو الشأن بالنسبة للتجربة البلجيكية التي نصت المادة 28 من نظامها المتعلق بمحكمة الحسابات (Règlement d’ordre de la Cour des comptes) على أن الجلسة العامة هي التي تحدد برامج المراقبة وأهدافها (la détermination des programmes d’investigation et des objectifs de contrôle). كما أن المادة 29 من نفس النظام نصت على أن الجلسة العامة هي التي تعد مشروع ميزانية المؤسسة وتصادق على حسابات تنفيذها بالإضافة إلى اعتماد القرارات المتعلقة بالسياسة العامة للمؤسسة وتدبيرها وتسييرها. من بين التجارب العربية التي اعتمدت نفس هذا النهج نجد التجربة التونسية التي نص قانونها الأساسي عدد 41 لسنة 2019، المؤرخ في 30 أبريل 2019 يتعلق بمحكمة المحاسبات، في الفصل31 على أن الجلسة العامة هي التي تتولى ضبط برنامج أعمال الرقابة لمحكمة المحاسبات بالإضافة إلى ضبط التقرير السنوي العام وكذا ضبط التقرير المتعلق بمشروع قانون غلق الميزانية وإصدار التصريح العام بالمطابقة. تجدر الإشارة، أن الجلسة العامة تضم في تركيبتها إضافة إلى القضاة المسؤولين كافة القضاة المستشارين بمحكمة المحاسبات التونسية (الفصل 29 من القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019).

نفس الملاحظات السالفة تنطبق على المجالس الجهوية للحسابات. فقد نصت المادة 120 من مدونة المحاكم المالية المغربية على أن رئيس المجلس الجهوي للحسابات هو الذي يحدد البرنامج السنوي لأشغال المجلس بمشاركة رؤساء الفروع وبتنسيق مع وكيل الملك فيما يخص المسائل المتعلقة بالاختصاصات القضائية وذلك دون الإشارة إلى ضرورة إشراك قضاة المجلس الجهوي للحسابات في إعداد هذا البرنامج.

خاتمة:

من خلال هذا التحليل يمكن القول أن المحاكم المالية بالمغرب تتمتع بمستوى معقول من الاستقلالية وذلك استنادا إلى المبادئ المتعارف عليها دوليا خاصة تلك المعتمدة من طرف المنظمة للدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة ( الإنتوساي). مع ذلك فالقوانين المنظمة لهذه المؤسسات تتطلب مزيدا من التحسين لتعزيز هذه الاستقلالية خاصة في ما يتعلق بالتنصيص دستوريا على استقلالها المالي وعلى تعيين قضاتها من طرف الملك بالإضافة إلى تحديد تنظيمها واختصاصاتها بموجب قوانين تنظيمية ثم الإشارة إلى إشراك القضاة الممارسين في إعداد البرامج السنوية لأشغال المحاكم المالية إعمالا للمارسات الفضلى المعمول بها في أجهزة الرقابة المالية ببعض الدول.

 

[1]– يقصد بالمحاكم المالية في المغرب بالمجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات وذلك وفق القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.124  بتاريخ 13 يونيو 2002 ج.ر 5030 بتاريخ 15 غشت 2002 ص 2294.

[2] – سعد خضير عباس، رفاه كريم كربل، حامد جسوم حمزة، استقلالية ديوان الرقابة المالي الاتحادي، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، المجلد الثامن، العدد الأول، 2016، ص45، بتصرف.

[3]– أعلان ليما المتعلق بالتوجيهات الخاصة بالمبادئ الرقابية المصادق عليه  بمدينة ليما في الاجتماع التاسع للانتوساي (INTOSAI) في أكتوبر 1977 وهي المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة التي تم إحداثها في نونبر 1953.

[4] – ضمن كلمة فرانز فيدلير الأمين العام للمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة (الإنتوساي) خلال اجتماع المنظمة المنعقد بمدينة فيينا سنة 1998.

[5] – الصادر بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 الموافق 29 يوليوز 2011، ج.ر عدد 5964 مكرر(30 يوليوز 2011).

[6] – من الفصل رقم 147 إلى الفصل رقم 150.

[7] – وهو أول فصل من الباب العاشر وجاء فيه ما يلي: ” يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصروفات الأجهزة الخاضعة لرقابته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية قيامها بتدبير شؤونها، ويعاقب عند الاقتضاء على كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة”.

[8] – عادلة الوردي، رقابة المجلس الأعلى للحسابات على المال العام بالمغرب، سلسلة المعارف القانونية والقضائية، دار النشر المعرفة ، طبعة 2012 ، ص 257، المعارف الجديدة.

[9] – ينص الفصل 57 من دستور سنة 2011 على أنه ” يوافق الملك بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية” عكس المجلس المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات التي لم ينص الدستور على كيفية تعيين قضاتها. نفس الملاحظة تنطبق على مبدأ عدم قابلية العزل والنقل فقد نصت المادة 108 من دستور سنة 2011 على أنه  ” لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون”، في حين أن مبدأ عدم قابلية عزل ونقل قضاة المحاكم المالية لم يتم التنصيص عليه أيضا في الوثيقة الدستورية. وقد تركت هذه مهمة التنصيص على هذه المبادئ  للقانون العادي (المادة 165 من القانون رقم 62.99 كما تم تتميمه وتغييره.)

 

[10] – لكن هذا لا يعني أن العديد من التجارب المقارنة اختارت تنظيم أجهزتها العليا للرقابة المالية بموجب قوانين كما هو الشأن بالنسبة بسويسرا loi sur le contrôle des finances المصادق عليها لأول مرة بتاريخ 28 يونيو 1967 في حين أن صيغتها المحينة تعود لفاتح يناير 2021 وأيضا بالنسبة لبلجيكا التي نصت المادة 180 من دستورها على أن تنظيم المجلس الأعلى للحسابات يتم بموجب القانون.

[11] – Raphael DECHAUX, l’évolution de la jurisprudence constitutionnelle en matière de cavaliers entre 1996 et 2006, http://www.conseil-constitutionnel.fr/conseil-constitutionnel/root/bank_mm/pdf/Conseil/cavalier.pdf, ص 1 qtd in سالم أيت يوسف، فرسان الميزانية كمصدر لقانون الأعمال في الجزائر، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في  قانون الأعمال فبراير 2015.

[12]

[13] – تم التنصيص في الفصل 116 من الدستور على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتوفر على استقلال إداري ومالي.

[14] – من بيان حزب التجمع الوطني للأحرار الصادر بتاريخ 21 شتنبر 2019.

[15] – خلال كلمة وججها خلال اجتماع اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية الأسبوع الأول من شهر نونبر 2017

[16] – يتعلق الأمر بالتقرير المتعلق بتنفيذ قانون المالية والتصريح العام للمطابقة بين الحسابات الفردية للمحاسبين والحساب العام للمملكة والتقرير السنوي المشار إليهما على التوالي في المادتين رقم 92 و رقم 99 من مدونة المحاكم المالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى