المحرر الرسمي في التوثيق العقاري قراءة في مستجدات القانون رقم 041.25 – ياسيــن كحلـي
المحرر الرسمي في التوثيق العقاري قراءة في مستجدات القانون رقم 041.25
ياسيــن كحلـي
مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية

لا يخفى أن العقار يحتل موقعا محوريا ضمن منظومة الأمن القانوني والاقتصادي والاجتماعي، بحكم ما يرتبط به من حماية للملكية وضمان لاستقرار المعاملات وإسهام في تحقيق التنمية. ومن هذا المنطلق، أولى المشرع المغربي عناية متجددة للقواعد الناظمة للتصرفات العقارية، سواء عبر مدونة الحقوق العينية أو من خلال طائفة من النصوص الخاصة التي تؤطر مختلف صور التعامل في هذا المجال .
وبمقتضى الظهير الشريف رقم 1.26.30 الصادر في 17 من محرم 1448 الموافق لـ 03 يوليوز 2026 صدر القانون رقم 041.25، لينشر لاحقا بالجريدة الرسمية عدد 7526 بتاريخ 16 يوليوز 2026 ولم يقتصر أثر هذا القانون على تعديل نص واحد، بل امتد ليطال أربعة نصوص قانونية شكلت لعقود طويلة الأساس المرجعي للمنظومة العقارية بالمغرب، وهي القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية وظهير الالتزامات والعقود والقانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية والقانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار. وبذلك يكشف هذا التزامن التشريعي عن تصور شامل لا عن تدخل ظرفي معزول، غايته إعادة صياغة قواعد الشكلية العقارية برمتها .
ولعل جوهر هذا التحول يتجسد بالدرجة الأولى في المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، التي طالما شكلت المرتكز الأساسي في تحديد الشكل اللازم لصحة التصرفات الواردة على العقارات والحقوق العينية العقارية. فقد عرفت هذه المادة منذ صدور القانون رقم 39.08 مسارا تشريعيا متدرجا : إذ اكتفى المشرع أول الأمر بإلزام المتعاقدين بتحرير تصرفاتهم إما في محرر رسمي وإما في محرر ثابت التاريخ ينجزه محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، في صيغة كانت تعكس حرصا على التوفيق بين متطلبات حماية المعاملات العقارية وإشراك مختلف المهن القانونية في تحريرها. ثم توسع نطاق هذه الشكلية تدريجيا ليشمل الوكالات المتعلقة بالتصرفات العقارية، بعدما ثبت أن غيابها كان مصدرا لجانب غير يسير من المنازعات .
أما اليوم؛ فقد أحدث القانون رقم 041.25 قطيعة مع هذا النظام المزدوج، إذ ألغى إمكانية اللجوء إلى المحرر ثابت التاريخ فيما يخص التصرفات المشمولة بالمادة الرابعة وجعل من المحرر الرسمي الصادر حصرا عن الموثقين أو العدول، الإطار الوحيد الجائز لإبرام هذه التصرفات تحت طائلة البطلان المطلق. ولا يخفى ما يحمله هذا الاختيار من دلالة عميقة، فالشكلية لم تعد بعد الآن مجرد وسيلة إثبات يمكن الاستعاضة عنها بغيرها، بل غدت شرطا يمس صميم قيام التصرف ذاته، وأكثر من ذلك المشرع يعتبرها ويعتبرها المشرع من مقومات النظام العام العقاري الذي يرمي إلى ترسيخ الأمن التعاقدي والحد من المنازعات الناجمة عن الاختلالات التوثيقية .
بيد أن هذا التحول التشريعي الرامي إلى أهمية مقاصده المعلنة، لم يمر دون أن يثير نقاشا واسعا يتجاوز حدود المسألة الشكلية الصرفة، ليطال فلسفة المشرع ذاتها وحدود تدخله؛ إذ يطرح التساؤل حول مدى تأثير هذا التوجه على مبدأ حرية التعاقد من جهة وعلى التوازن القائم بين الاختصاصات المهنية للموثقين والعدول والمحامين من جهة أخرى. ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية لهذه الدراسة على النحو الآتـــي :
إلى أي حد وفق القانون رقم 041.25 بين مقتضيات الأمن العقاري التي يكرسها احتكار المحرر الرسمي وبين ما تستوجبه حرية التعاقد والمساواة بين المهن القانونية من ضمانات؟ وهل يعد إبعاد المحامي عن مجال تحرير التصرفات العقارية خيار تشريعي حتمي تمليه ضرورة توحيد الضمانات أم أنه يظل مجالا مفتوحا لإعادة النظر في حدود الاختصاص بين هذه المهن؟
ولتفكيك مختلف عناصر هذه الإشكالية يقتضي الأمر الوقوف أولا عند حدود التدخل التشريعي ومجالاته داخل المنظومة العقارية، قبل الانتقال إلى استجلاء الفلسفة التي حكمت الانتقال من تعدد وسائل التوثيق إلى احتكار المحرر الرسمي وما ترتب عنه من أثر على مهنة المحاماة، لينتهي التحليل إلى مساءلة هذا الخيار في ضوء الضوابط الدستورية المؤطرة لحرية التعاقد وحرية ممارسة المهن.
المحور الأول : النطاق التشريعي لإصلاح الشكلية العقارية في ضوء القانون رقم 041.25
لم يكن تدخل القانون رقم 041.25 مقتصرا على مقتضى بعينه، بل جاء في إطار رؤية تشريعية متكاملة همت مجموعة من مكونات المنظومة العقارية، بغاية توحيد قواعد الشكلية وتعزيز الحماية القانونية للتصرفات الواردة على العقار .
وقد تكفلت خمس مواد أساسية ضمن هذا القانون بتنزيل هذا الإصلاح على مستوى النصوص المعنية والحديث هنا عن المادة الأولى من القانون رقم 041.25 والتي عدلت المادة الرابعة والمادة 317 من مدونة الحقوق العينية معا، في حين أن المادة الثانية من نفس القانون طالت المادة 12 من القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة، أما المادة الثالثة من نفس القانون عدلت الفصل 3-618 من ظهير الالتزامات والعقود والمادة الرابعة منه هي التي عدلت بدورها المادة 4 من القانون رقم 51.00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، في حين جاءت المادة الخامسة من القانون رقم 041.25 لتنسخ الفصل 17-618 من ظهير الالتزامات والعقود، مع الإبقاء على النص التنظيمي المتخذ لتطبيقه ساري المفعول إلى حين تعويضه. ويكشف هذا التناسق بين مختلف مقتضيات القانون أن الإصلاح لم يأت متفرقا، بل جاء متكاملا بين مجموع النصوص المؤطرة للتصرفات العقارية .
ويأتي في صدارة هذه المقتضيات ما لحق المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية من تعديل جوهري، باعتبارها العمود الفقري لهذا الإصلاح. فبعدما كانت هذه المادة تعتمد نظاما مزدوجا يجمع بين المحرر الرسمي الذي ينجزه الموثق أو العدلان، والمحرر ثابت التاريخ الذي يحرره محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، جاء القانون الجديد ليقصر صحة التصرفات المعنية على المحرر الرسمي وحده فأصبح إغفال هذه الشكلية موجبا للبطلان لا مجرد إخلال بوسيلة إثبات ويشمل هذا التحصين الشكلي ـ وفق ما استقر عليه النص ـ نقل ملكية العقارات وإنشاء الحقوق العينية أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها والوعد بالبيع المتعلق بالعقار، فضلا عن الوكالات المرتبطة بهذه التصرفات. وبهذا الانتقال تحولت الشكلية من دور تكميلي إلى مرتبة الشرط المنشئ لصحة التصرف القانوني .
ولم يتوقف الإصلاح عند هذا الحد، بل امتد ليشمل مجال القسمة العقارية خصوصا القسمة العينية للعقارات المشاعة، حيث عمد المشرع من خلال تعديل الفقرة الثانية من المادة 317 من مدونة الحقوق العينية إلى إعادة تحديد مضمون الخبرة التقنية والطبوغرافية بدقة أكبر، فلم يعد يكتفى من الخبير الطبوغرافي بمجرد الإفصاح عن قابلية العقار المشاع للقسمة العينية، بل أصبح ملزما متى خلص إلى هذه القابلية بإنجاز ملف تقني خاص بمشاريع القسمة يرفق بتقرير الخبرة، وهو ما يحول هذه الخبرة من رأي استشاري عام إلى أداة تنفيذية تمهد فعليا لعملية القسمة تفاديا لإصدار أحكام يتعذر تنفيذها أو تفضي إلى أوضاع عقارية مضطربة. وتزداد أهمية هذا التوجه في الحالات التي يتعدد فيها الشركاء أو الورثة، حيث بات لزاما التثبت من الجانب التقني قبل توزيع العقار إلى حصص مفرزة .
كما لم تسلم العقارات الخاضعة لنظام الملكية المشتركة من هذا التمديد، بالنظر إلى ما تتسم به من خصوصية قانونية وتشابك بين الحقوق المرتبطة بالأجزاء المفرزة والأجزاء المشتركة فأصبحت التصرفات الواردة على هذه العقارات، سواء تعلقت بنقل الملكية أو بإنشاء حق عيني أو نقله أو تعديله أو إسقاطه، خاضعة بدورها لشرط المحرر الرسمي سعيا إلى تثبيت المراكز القانونية داخل المجمعات العقارية المشتركة والحد من المنازعات الناشئة عنها .
ولم يغب عن دائرة الإصلاح العقار في طور الإنجاز، بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للعلاقة الرابطة بين المنعش العقاري والمقتني ذلك أن العقد المبرم بشأن عقار لم يكتمل بناؤه لا يقف عند حدود التزام مدني عادي، بل يرتب آثارا مستقبلية تمس صميم انتقال الملكية وهو ما استدعى إحاطته بضمانات شكلية أوسع حماية للمقتني وصونا لاستقرار المعاملة. وفي الاتجاه ذاته؛ طال التعديل عقود الإيجار المفضي إلى التملك التي تجمع بين مرحلة الانتفاع بالعقار عن طريق الكراء ومرحلة انتقال ملكيته بعد استيفاء الأقساط المتفق عليها، إذا ما نظرنا إلى أن محصلة هذا العقد تنتهي إلى تمليك العقار، فقد أخضعه المشرع بدوره لذات الشكلية الرسمية المشددة .
ختاما لهذا المحور نشير إلى أن المشرع رتب على مخالفة هذه الشكلية جزاء البطلان المطلق، ابتداء من تاريخ نشر القانون بالجريدة الرسمية، وهو ما يفصح عن إرادة تشريعية صريحة في جعل احترام المحرر الرسمي شرطا لا محيد عنه لصحة التصرفات العقارية المشمولة به .
المحور الثاني: الغايات التشريعية لتوحيد التوثيق العقاري وأثرها على الممارسة المهنية للمحاماة
لا يستقيم فهم هذا التحول التشريعي بمعزل عن الوقوف على الفلسفة التي استند إليها المشرع في الانتقال من نظام يقبل تعدد وسائل التوثيق إلى نظام يقوم على وسيلة وحيدة. فالثابت من خلال المذكرة التقديمية للقانون ومناقشات البرلمان أن المشرع لم يكن يستهدف تضييق مجال عمل مهنة بعينها بقدر ما كان يسعى إلى تعزيز الأمن التعاقدي، والحد من المنازعات العقارية وتوفير ضمانات أوفى للتحقق من هوية الأطراف وأهليتهم وأصل الملكية وقابلية العقار للتصرف فيه. ومن هذا المنظور اعتبر المشرع أن المحرر الرسمي يوفر رقابة قانونية سابقة على إبرام العقد لا مجرد وسيلة لاحقة لإثباته، وهو ما يفسر تشديد الشكلية في مجال العقار بالنظر إلى خطورة الآثار المترتبة على التصرفات الواردة عليه .
وقد ساق وزير العدل بمناسبة مناقشة مشروع القانون، جملة من المبررات استند إليها هذا الاختيار التشريعي من أبرزها وجود عقود سبق إبرامها بشأن عقارات لا يجوز التصرف فيها قانونا، كالأراضي السلالية وبعض العقارات الخاضعة لأنظمة خاصة وكذا غياب التحقق في بعض الحالات من أصل الملكية أو من صفة المتصرف، إلى جانب ارتفاع عدد المنازعات الناجمة عن عقود حررت خارج دائرة التوثيق الرسمي، فضلا عما يقتضيه الأمن العقاري من توحيد الجهة المختصة بتحرير هذه التصرفات. غير أن هذه المبررات وإن عبرت عن تصور السلطة الحكومية تبقى محل نقاش فقهي وقضائي، ذلك أنها لا تفيد بالضرورة أن جميع المحررات ثابتة التاريخ كانت مصدر تلك الاختلالات ولا أنها وحدها العلة الكامنة وراء المنازعات العقارية .
ومن المسائل التي أثارت التباسا لا يستهان به في هذا الصدد، الاعتقاد السائد بأن إيداع المحرر لدى كتابة الضبط يرقى إلى مصادقة قضائية على العقد. والحال أن دور كتابة الضبط في ظل النظام السابق كان يقتصر على التحقق من صفة المحامي الموقع على المحرر ـ أي كونه مقبولا للترافع أمام محكمة النقض ـ دون أن يمتد هذا الدور إلى فحص صحة العقد أو التثبت من ملكية العقار أو أهلية أطرافه أو سلامة بياناته. ومن ثم؛ فإن إيداع المحرر لدى كتابة الضبط لم يكن يمنحه أي حجية قضائية ولا يشكل رقابة من المحكمة على مضمونه وهو ما يقتضي التمييز بين هذا الإيداع الشكلي وبين المصادقة القضائية بمعناها الدقيق، تفاديا لأي خلط قد يترتب عليه فهم غير دقيق لطبيعة الضمانات التي كان يوفرها النظام السابق .
المحور الثالث : الرقابة الدستورية على الخيار التشريعي بين الأمن العقاري وحرية التعاقد
فضلا عما سبق ؛ يطرح هذا التحول التشريعي جملة من التساؤلات ذات البعد الدستوري تستحق إعمال النظر. فمن جهة أولى، يثور التساؤل حول مدى احترام مبدأ حرية التعاقد بعدما غدت الشكلية الرسمية شرطا لصحة عدد واسع من التصرفات العقارية، بما يحد من هامش الاختيار المتاح للمتعاقدين في تحديد الوسيلة التي يودون بها إفراغ إرادتهم. ومن جهة ثانية، يثار التساؤل حول مدى تلاؤم إبعاد المحامي عن هذا المجال مع الغاية التي يتوخاها المشرع بما يمس حرية ممارسة المهن القانونية .
ولا يقل عن ذلك أهمية التساؤل حول احترام مبدأ المساواة بين المهن القانونية المنظمة، خصوصا وأن المحامي بحكم تكوينه القانوني ومسؤوليته المهنية والمدنية، ظل يمارس هذا الاختصاص لسنوات طويلة في إطار قانوني منظم لا يقل انضباطا عن غيره من المهن. ومن هنا، فإن تقدير مدى دستورية هذا التوجه ينبغي أن يقوم على معيار التناسب، كيف ذلك؟ بمعنى مدى ضرورة هذا القيد لتحقيق الأمن التعاقدي المنشود، ومدى إمكان بلوغ الغاية ذاتها عبر وسائل أقل تقييدا لحرية التعاقد وحرية ممارسة المهن على حد سواء .
وفي ضوء ما تقدم من تحليل، يتبين أن القانون رقم 041.25 يشكل محطة تشريعية بارزة في مسار تطور المنظومة العقارية بالمغرب، بما يعكسه من توجه نحو إعادة تنظيم قواعد الشكلية المرتبطة بالتصرفات العقارية، عبر تكريس المحرر الرسمي إطار قانوني وحيد لإبرام مجموعة واسعة من التصرفات الواردة على العقار والحقوق العينية. ولا ريب أن هذا الخيار التشريعي يستند إلى اعتبارات مشروعة ترتبط بتعزيز الثقة في المعاملات العقارية والحد من بعض الممارسات التي أفرزتها المرحلة السابقة، غير أن أهمية هذا الإصلاح لا تعفيه من إخضاعه لنقاش قانوني متعمق يوازن بين الغايات المتوخاة منه والآثار التي قد تترتب عنه على مستوى حرية التعاقد والممارسة المهنية.
فالانتقال من نظام يقوم على تعدد وسائل تحرير التصرفات العقارية إلى نظام يرتكز على المحرر الرسمي وحده، يظل يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق التوازن بين حماية المعاملات العقارية وضمانات ممارسة المهن القانونية، لا سيما في ضوء الدور الذي كان يضطلع به المحامي في تحرير المحررات ثابتة التاريخ، وما استتبعه ذلك من إعادة رسم لحدود الاختصاص بين المحامي والموثق والعدلين. كما يفتح هذا الإصلاح الباب للتساؤل حول مدى قدرة المشرع على التوفيق بين متطلبات الأمن القانوني ومبادئ دستورية جوهرية في مقدمتها حرية التعاقد وحرية ممارسة المهن ومبدأ التناسب في تقييد الاختصاصات المهنية، اعتبارا بأن حماية الحقوق العقارية لا ينبغي أن تنفصل عن صون التوازن داخل المنظومة القانونية برمتها .
وتبعا لذلك؛ فإن التقييم الحقيقي للقانون رقم 041.25 لن يتحدد بمضامينه النصية وحدها، بل بكيفية تنزيله على أرض الممارسة ومدى قدرته على تحقيق الغايات التي استهدفها، ومدى إسهامه في تطوير المعاملات العقارية وترسيخ الثقة بين مختلف الفاعلين فيها. وسيظل الفقه والقضاء مدعوين في هذا الأفق إلى مواكبة هذا التحول عبر تفسير حدوده ومعالجة ما ستفرزه الممارسة من إشكالات، بما يفضي إلى تحقيق التوازن المنشود بين حماية الملكية العقارية واستقرار المعاملات وضمانات الحرية القانونية والمهنية .




