في الواجهةمقالات قانونية

دراسة وتحليل للواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي بالمغرب – الجيلالي شبيه، أستاذ التعليم العالي في القانون والمالية والضرائب ومنهجية العلوم

 

دراسة وتحليل للواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي بالمغرب

Approche analytique de la réalité socioéconomique, géographique et environnementale du Maroc

الجيلالي شبيه، أستاذ التعليم العالي في القانون والمالية والضرائب ومنهجية العلوم، بتعاون مع طلبة ماستر القانون الإداري والعلوم الإدارية والمالية، الفوج العاشر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاضي عياض، مراكش

Un système économique optimal est celui dans lequel la gestion de la richesse, depuis sa production jusqu’à sa consommation, en passant par sa circulation et sa répartition, doit s’effectuer sans laisser trop de dégât pour aucune des composantes de la collectivité.     

1)لاستثمار المثمر والدؤوب في الرأسمال البشري ومحيطه الاجتماعي والجغرافي والبيئي أساس التقدم والرقي والرفاه لكل مجتمع

L’investissement est une dépense directe, un engagement financier dans un projet économique (bâtiment, machine, terrain, placement, implantation, infrastructure, R&D, agrandissement, internationalisation,…), destiné à augmenter la richesse et / ou l’hégémonie d’une organisation, quelle qu’elle soit : ménage, entreprise, administration, ONG, Extérieur).

في عصرنا الحديث، يظهر الواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي والبيئي والسياسي كوحدة مترابطة الأطراف والجوانب، وتشكل محور حياة الدولة والمجتمع⸱ يمثل الاقتصاد، والبعد المالي منه، القوة الدافعة وراء قراراتنا اليومية لكل هدف وتجمع، بينما يشكل الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي الوعي الجماعي للمجتمع وهويته وتفاعلاته الشخصية⸱ وفي هذا السياق، تظهر القضايا البيئية والجغرافية والتركيبة السكانية بشكل متزايد كتحديات ملحة تتطلب فحصا عميقا واستجابة فعّالة لمتطلبات الفرد والجماعة⸳

لم يكن تاريخيا على الدولة عتاب في تحسين وتجويد هاته القطاعات، لكونها كانت دولة لامبالية تحصر اختصاصاتها في القطاعات التقليدية العتيقة كالسلطة والضريبة والأمن والدفاع والقضاء والسجون⸳ ولكن مع تطور المجتمعات تطورت هي كذلك حتما من دور الدولة اللامبالية إلى دور دولة تتدخل تدريجيا في مختلف المجالات كما فرضه الواقع، بحيث يشكل تناغم هذه العوامل أساسا لاستدامة تطور ورفاهية البلاد والأفراد⸱ وأصبح لابد من مواجهة التحديات المطروحة في هذا الصدد، بغرض تحقيق التنمية الاقتصادية وتأثيراتها على الهوية الاجتماعية للمجتمع وكذا الجغرافيا والثقافة والبيئة⸳

وعلى هذا الأساس يمكن للدولة أن تلعب دورا هاما وفعالا في تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين مستوى العيش والمعيشة⸳ فتثمين بنية الاقتصاد، وتعزيز فرص العمل، وتوجيه الاستثمارات الواعدة والمنتجة نحو القطاعات الحيوية لا يمكن إلا أن يكون لها تأثيرا إيجابيا على الواقع الاجتماعي⸳ وفي سياق التطور الاجتماعي والاقتصادي، قد يساهم التدخل الجدي والجيد لكل الفاعلين المسؤولين في كل القطاعات في تقديم الخدمات الجماعية الضرورية وتعزيز التعليم وتطويره والرفع من جودته، وكذا الرعاية الصحية والتماسك الاجتماعي بغية تحسين جودة حياة المواطنين، دون أي تهميش للأبعاد الجغرافية والبيئية والثقافية بكل مرافقها وطبائعها⸱

إن السياسات العمومية مهما كانت درجات تطورها لا تخلو من هفوات، لكن بنسب جد متفاوتة، وكل مقاربة في هذا الشأن، ودراسة صادقة ومسؤولة للواقع الاجتماعي في شموليته، (اقتصاديا، اجتماعيا، سياسيا، ثقافيا، بيئيا وجغرافيا) من أجل فهم التفاعلات المعقدة بين كل هذه الأبعاد، لا يمكن إلا أن يعطي نتائج إيجابية⸱ لأن دراسة وتحليل هذه الجوانب ومحاولة الاستفادة منها اجتماعيا وجماعيا قد تساهم لا محال في بناء مجتمعات أكثر استدامة وتنمية وتقدما، وتحقيق التوازن بين التقدم الاقتصادي والاجتماعي والاعتناء بالإنسان وبالجغرافيا والبيئة⸳ ذلك من خلال توضيح الصورة لكل معني إسهاما في اتخاذ القرارات الأفضل، ومواكبة للتحولات والتكيف مع التحديات في مختلف المجالات⸳

 

تقتضي هذه الدراسة، مقاربة شمولية تاريخية ثقافية متكاملة، تتسلل إلى أعماق التجمع الإنساني ودينامكية حراكه لتكشف أسرار الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والجغرافي والبيئي، حيث يتشابك الماضي بالحاضر ليرسم لوحة فاخرة من تأثير الأحداث التاريخية والحالية على هذا الواقع المعقد⸱ ذلك لتفسير كيف شكلت الأحداث البارزة الساحة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجغرافية والبيئية، وحتى يتسنى لنا استشراف مستقبل هذا الواقع وما يحمله من ظرفيات وأزمات، والتغلب عليها يوم وقوعها وانتشال مجتمعنا من مخالب الفقر والهشاشة والأمية والأمراض والتخلف (بولهنا، الهدالي، اكتسيت، الورضي، لحميدي).

 

2)لاقتصاد الكلي ودوره في التنمية البشرية وتلاحم المجتمع

La macroéconomie est une approche de la réalité concrète d’une collectivité établie sur la base de la saisie des faits socioéconomiques et des données comptables d’ordre international (PIB, taux d’endettement, agrégats de production, de crédit, de consommation, etc.).

  

يدرس الاقتصاد الكلي الظواهر والمتغيرات المؤثرة على النظام الاجتماعي-الاقتصادي-البيئي ككل⸱ كما يهدف إلى تحليل وفهم وتحسين نجاعة الأداء، وأيضا تحقيق الأهداف المتوخاة كالاستقرار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، والتنمية المستدامة[1]⸱ ويستخدم مجموعة من الأدوات والنماذج والمؤشرات لتمثيل وقياس وتوقع وتأثير الظواهر والمتغيرات الاقتصادية الكلية⸱ وعلى هذا الأساس يمكن رصد الاختلالات على مستوى الاقتصاد الوطني وارتكازا على عوامل الإنتاج والاستثمار الأربعة، والمتمثلة أساسا في الرأسمال البشري، والرأسمال المادي والموارد الطبيعية ومبادرة المقاولات⸳

 

الرأسمال البشري: نقصد بهذا العامل الرئيسي ثلاث عناصر: اليد العاملة واليد العاملة المؤهلة، الخبيرة

Une main d’œuvre qualifiée et experte ، إضافة إلى الرأسمال الفكري، المبدع والمبتكر، Économie du savoir et d’innovation· فالمغرب في هذا الإطار يعاني من عدة اختلالات، أبرزها ضعف المؤهلات والكفاءات والمهارات، سواء من حيث التحفيز والتكوين والتعليم، أو من حيث الصحة والسكن والدخل⸱ وفي دراسة أعدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على شكل استمارة، وذلك في إطار إعداد رؤية حول تثمين الرأسمال البشري في الوسط المهني، لاحظ أن أكثر من 59 بالمئة من المشاركين في الاستمارة يجدون أن أهم التحديات التي يمكن للرأسمال البشري بالمغرب أن يصادفها مستقبلا، هي هجرة الكفاءات، بسبب تهميشها، وأن ما يعادل 60.6 بالمئة يرون أن التحولات الرقمية والتكنولوجية هي أبرز التحديات[2]⸱ كما أن تقريرا حديثا أصدرته مجموعة Manpower group بشأن جودة اليد العاملة بمجموعة من الدول، تكشف أن المغرب يحتل المرتبة 61 عالميا في جودة اليد العاملة، والمرتبة 33 في منطقة إفريقيا الشرق الأوسط[3]· إن واقع التجارب التنموية للدول أثبت أنه ما من دولة تحصل لها نهضة اقتصادية تنموية، والرأسمال الفكري لديها يعاني من التهميش والإهمال، واليد العاملة فيها غير مؤهلة⸱

ومن هذا المنطلق حاول المغرب معالجة جل هذه الاختلالات من خلال مجموعة من الإجراءات من أبرزها ما جاء في النموذج التنموي الجديد الذي أكد على ضرورة تثمين الرأسمال البشري القائم على الكفاءات والاستحقاق⸱ وأكد كذلك على ضرورة الاستخدام المنتظم للتدبير التوقعي للوظائف والكفاءات لاستشراف الحاجيات المستقبلية، وكذا العمل على مراجعة عميقة للإطار التنظيمي، ووسائله المالية،  المتعلق بالتكوين المستمر⸱

الرأسمال المادي: يدخل في هذا الإطار كل ما يتعلق بالبنية التحتية والمناطق الخضراء، وكذا النقل والمواصلات⸱ إذ على هذا المستوى يمكن رصد مجموعة من المشاكل، أبرزها التلوث ورمي النفايات في الساحات والشوارع والأزقة، وتدهور الطرق وانعدام أو ندرة المساحات الخضراء وقلة العناية بها، إما بسبب الزحف العمراني أو لغياب الإرادة ووثائق التهيئة الحضرية والعمرانية التي تضبط التوسع الحضري والمعماري⸱ كما يعاني المغرب أيضا من مشاكل النقل والمواصلات حيث اعتبر تقرير للبنك الدولي صادر سنة 2022، أن المغرب من الدول التي لا تمتلك خدمات نقل منتظمة وذات جودة⸱ ويضيف نفس التقرير أن الشركات في المغرب تواجه عقوبات مزدوجة، فهي من جانب، تمول وسائل النقل العام من خلال مختلف الضرائب التي تؤديها، ومن جانب آخر، لا يمكنها الاستفادة من خدمات النقل العام بسبب عدم كفايتها وعدم انتظامها[4]

ورغم كل ما ذكرناه لا يستطيع أحد إنكار التقدم الملموس الذي يشهده المغرب فيما يتعلق بالبنيات التحتية، فالمغرب يمتلك شبكة طرقية يبلغ طولها 57334 كلم· مما يجعلها تلعب دورا هاما في تعزيز التنمية الاقتصادية للبلد، كما يتوفر على شبكة طرق سريعة يبلغ طولها 1800 كلم· فضلا عن الموانئ والمطارات وخطوط السكك الحديدية التي تمتد على طول 2110 كلم[5]، إضافة إلى مجموعة من المشاريع الكبرى التي صادق عليها المغرب، والتي تهم قطاعات فلاحية وصناعية رائدة على المستوى الوطني  وتجويد وتطوير البنية التحتية والمواصلات بمختلف أنواعها في أفق 2030.

 

الموارد الطبيعية: يزخر المغرب بالعديد من الخيرات والموارد الطبيعية من أراضي فلاحية وغابات وبحار وأنهار ومياه جوفية، إضافة إلى المناجم ومصادر الطاقة المتجددة (الماء، الشمس، الريح)، والتي من المفترض استغلالها في المجالات السياحية والصناعية والتجارية والفلاحية، وانعكاساتها على التنمية البشرية⸱ إلا أن الواقع بخلاف ذلك تماما: فالموارد الطبيعية بالمغرب تواجه ضغوطات بشرية كبيرة، إضافة إلى تغيرات مناخية قاسية ومتسارعة[6]، فضلا عن التبذير وسوء التدبير والاستغلال⸱ فالتقارير المرفقة بالنموذج التنموي، إضافة إلى العديد من الدراسات والأبحاث، وطنية ودولية، تشير إلى أن المغرب مصاب بشدة بهذا الوباء، وقد دخل، زيادة على هذا، في وضعية إجهاد مائي كبير خلال العشرين سنة الأخيرة، وهذا ما أكدت عليه السلطات العليا في المغرب مرات متتالية⸳

 

مبادرة المقاولات: فيما يتعلق بالمقاولات يمكننا أن نشير إلى نقطة مركزية ومحورية تتعلق بالعراقيل التي تواجه يوميا هذه الشركات بمختلف أنواعها وأحجامها وبغياب التحفيز الجدي للشركات والمقاولات الأجنبية⸱ وهذا ما أدرك المغرب أهميته حيث قام بمجموعة من التعديلات فيما يتعلق بسياسته في جلب واستقطاب الشركات، كالإعفاءات الضريبية لمدة محددة، وتليين المساطر والقواعد الإجرائية، وكذا خلق بيئة إدارية وقانونية وعقارية آمنة للمقاولات حتى تتمكن من إنشاء وتطوير وتنمية مشاريعها·

أما بالنسبة للمقاولات الوطنية فقد التجأت الدولة إلى اعتماد العديد من البرامج كبرنامج الاستثمار، وبرنامج مواكبة المشاريع، وبرنامج  التحفيز والتطوير، كل هذه البرامج تقوم الدولة عن طريقها بدعم المقاولات بنسب تتراوح ما بين 30 و80 بالمئة، إضافة إلى تقديم الدعم التقني والخبرات· لكن رغم هذه البرامج، وما تعيشه من إشكالات متعددة واختلالات من حيث التدبير الحكيم، إلا أن المقاولات ما تزال ضعيفة سواء فيما يتعلق بالإنتاجية والجودة أو فيما يتعلق بالدور الفعال الذي يجب أن تقوم به في التأثير الايجابي على الاقتصاد الوطني وكذا الحياة الاجتماعية والبيئية للمغرب (مهنا، لقرص، الكرص، بكرم)⸳

3)لاقتصاد الوسيط وفعاليته في امتصاص الاختلالات والفوارق المجالية والجغرافية

La mésoéconomie est l’étude de l’activité socioéconomique à un niveau médian entre la macroéconomie et la microéconomie, à l’exemple de l’économie d’une région du Maroc, d’Espagne ou d’Italie, de l’économie d’une wilaya d’Algérie, d’un canton suisse, d’un länder allemand, ou de l’économie d’un État fédéré aux EUA, au Canada, en Belgique ou au Nigeria…

      

يمكن دراسة الاختلالات والفوارق الواقعة على مستوى الاقتصاد الوسيط أو الجهوي من خلال التأكيد على ثلاث نقط أساسية : تفاوتات واختلالات جغرافية جهوية، فوارق واضحة داخل الجهة ذاتها، واختلالات على مستوى التنظيم الترابي والجهوي⸱

تبرز بكل وضوح تفاوتات واختلالات على مستوى التراب الوطني للمغرب، حيث توجد ثلاث جهات متميزة عن باقي الجهات الأخرى⸱ تستقطب هذه الجهات الثلاث تراكما من الاستثمارات يبلغ 61 بالمئة من الاستثمار الوطني، وهي كل من جهة الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة وجهة مراكش-أسفي، في حين تكتفي باقي الجهات التسعة الأخرى قهرا بنسبة 39 بالمئة من الاستثمارات (التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لسنة 2022)· ويمكن تحديد هذه الجهات ضعيفة التصنع كالتالي: جهة العيون الساقية الحمراء، طنجة-تطوان-الحسيمة، درعة-تافيلالت، الداخلة-وادي الذهب، كلميم-واد نون، بني ملال-خنفرة، فاس-مكناس، سوس-ماسة، جهة الشرق· وما يلاحظ أن هذه الاختلالات والتفاوتات المجالية والاجتماعية ما تزال قائمة بحدة رغم البرامج المحدثة لمحاربة هذه الفوارق، كالبرنامج التنموي، الميثاق الوطني للاستثمار والميثاق الوطني لإعداد التراب الوطني···

ولعل سبب استمرار هذه الفوارق يعود بالأساس إلى عدم استطاعت الدولة  تجاوز التمييز المجالي الواقع بين الجهات الذي أفرزته سلطات الحماية، وكرسته، أو أغفلته، السلطات المحمية بعد استقلالها⸱ حيث كان الاهتمام خلال تلك الفترة منصب على المناطق الساحلية، وكان ذلك بغية تسهيل عملية التصدير والاستيراد، لفائدة المستعمر: من المغرب إلى أوربا، خيراتها، ومن أوربا إلى المغرب، مستغلوها⸱ وهذا ما قد أدى إلى وجود تفاوتات لا تزال قائمة، للأسف، إلى حدود الآن، على مستوى البنية التحتية: في العمران والتعمير وإعداد التراب، في الطرق والقناطر وفي خطوط السكك الحديدية، في المطارات وفي الموانئ، في المستشفيات والجامعات وفي المناطق الخضراء···)، وعلى مستوى الدخل والسكن والقدرة الشرائية أيضا⸱ وهذا ما قد ترجمته وأكدته العديد من التقارير ومنها التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2022 الذي كشف عن حقيقة وجود اختلالات على مستوى تطور إسهام الجهات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية⸱ إذ أصبح هذا الوضع الجغرافي غير متوازي نظرا لمساهمة ثلاث جهات فقط بأزيد من 58 بالمئة من الناتج الداخلي الخام وهي كل من جهة الدار البيضاء-سطات ب 32 بالمئة، والرباط-سلا-القنيطرة ب 16 بالمائة، وطنجة-تطوان-الحسيمة ب 10 بالمئة، في حين أن مساهمة باقي الجهات مجتمعة لا تتجاوز 42 بالمئة⸱ ويعود هذا التفاقم إلى سوء التدبير في هذا الاتجاه، والتأخر في تشجيع الاستثمار المنتج، وفي تأطير الشراكة مع القطاع الخاص الذي يجب تداركه لتعزيز الموارد التمويلية، حيث اقتصرت حصيلة الشراكات المبرمة من طرف الجهات مع القطاع الخاص على اتفاقيات أبرمتها أربع جهات في إطار دعم المقاولة (التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لسنة 2022 الصفحة)·

يلاحظ جليا وجود فوارق واضحة داخل الجهة ذاتها، بين المدينة والقرية⸱ ونستنتج ذلك من خلال ضعف ورداءة التجهيزات والبنيات التحتية والتقصير في المرافق العمومية وقربها من الساكنة، وفي العناية بالصحة وجودة السكن، وفي توفير فرص الشغل والعمل⸳⸳⸳ والأكثر من هذا وذاك، نجد أن هناك كذلك اختلالات كبيرة داخل المدينة نفسها: بين المدينة الحديثة والمدينة القديمة، بين الأحياء الراقية والأحياء الشعبية، بين السكن المهيكل والسكن غير المهيكل، وبين هذه مجتمعة والأحياء الهامشية، وبين الاقتصاد المهيكل والاقتصاد غير المهيكل، كالتجارة المتجولة وتجارة الرصيف وغيرها كثير· و يمكن إرجاع سبب هذه الاختلالات والفوارق إلى غياب سياسة تخطيط واضحة تساعد على معالجة هذه المشاكل المطروحة، كما أن المبادرات التي يقوم بها الفاعلون العموميون تبقى محدودة نظرا لتعدد المتدخلين وتضارب مصالحهم، ناهيك عن الإهمال والتعقيدات الإدارية، وكل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تدني مستوى العيش والمعيشة وارتفاع نسبة الفقر في المدن المهمشة وانتشار الجريمة⸳⸳⸳

 

ونلاحظ كذلك اختلالات شاذة على مستوى التنظيم الجهوي، والمتجلية بالأساس في وجود ثنائية في التدبير، ونظامين في مكان واحد، ووصاية نظام على نظام⸱ بحيث نلاحظ أن هناك هيئة منتخبة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، إلى جانب ممثلي السلطة المركزية على الصعيد الترابي، الذين يمارسون رقابتهم على الهيئة المنتخبة⸱ هذا الأمر يجعلنا نتساءل لماذا فرض هذه الثنائية النظامية العقيمة، بكل ثقلها الاقتصادي والمالي والإداري، في مكان واحد ؟ ووصاية نظام على آخر؟ حيث نرى أن إعداد أدنى برنامج جماعي يتوقف على مساعدة ووصاية السلطات اللاممركزة (ولاة، عمال، باشاوات، قياد، ومؤسساتهم)⸱ ناهيك على أن ممارسة هذه المراقبة على أعمال مجالس الجماعات الترابية محددة كذلك بكل وضوح في الدستور وفي القانون⸱ مع العلم أن هذه الإستراتيجية الفاشلة أدت منذ عشرات السنين ومازالت تؤدي سنويا إلى تبذير الملايير من الأموال العمومية، ذات المصدر الضريبي أساسا، والتي يمكن استثمارها في مجالات ذات مردودية أكبر وانعكاسات إيجابية على الملزم⸱ نذكر من بينها أساسا مجال الطاقة المتجددة والمجالات الفلاحية، والقدرة الشرائية، وكذا الاستثمار النافع والمثمر في إصلاح قطاع التعليم والصحة والسكن وزيادة نسبة المناطق الخضراء، والعناية بها، إلى غير ذلك من الاحتياجات الاجتماعية الضرورية والأولوية، وهي عديدة اقتصاديا وجغرافيا وبيئيا وثقافيا (الفرناجي، صفوان، الناصري، أزدو)⸳

 

4)لاقتصاد الجزئي ونجاعته في التوزيع العادل للثروة وللمرافق العمومية على المستوى الفردي والقطاعي والمقاولاتي

La microéconomie est l’étude de l’activité et des comportements économiques des individus, des entreprises, des secteurs, ainsi le comportement du consommateur lambda, de l’activité d’une entreprise, ou l’étude du secteur agraire, de la santé ou de l’éducation…

   

يعتبر الاقتصاد الجزئي فرعا من الاقتصاد الكلي والذي يهتم بقطاع أو مجال معين، ويؤثر بذلك في هذا الأخير، بحيث لا يمكن تصور اقتصاد وطني قوي ما لم يكن هناك اهتمام بالأفراد وبالقطاعات الفرعية· ورغم أهمية هذا النوع من الاقتصاد الجزئي، إلا أنه لازالت هناك مجموعة من الاختلالات التي تؤثر عليه بشكل سلبي والمتمثلة أساسا في كل من القضاء والقانون والاستثمار والضريبة والعقار مما يعرقل بكل وضوح السير العادي للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لكل منتج أو مستثمر أو موزع أو مستهلك⸳

 

فالجهاز القضائي يتميز بضعف جودة الخدمات القضائية، إضافة إلى تعقيد إجراءات التقاضي وكثرة المساطر⸱ نرصد كذلك غياب التوزيع العادل للمحاكم في الخريطة القضائية خاصة محاكم الدرجة الثانية والمحاكم المتخصصة وضعف تكوين الموارد البشرية، وصعوبة تجديد آليات العمل القضائي والتي تؤثر على حسن تقديم الخدمات القضائية، إضافة إلى ضعف إدخال التقنيات الرقمية إلى العملية القضائية· بحيث نلاحظ أن الجهاز القضائي مازال يتعثر في التعامل مع مستجدات الرقمنة الأمر الذي يجعل النظام القضائي يفتقر بشكل كبير لهذه القيمة المضافة الرقمية· تؤثر هذه الاختلالات القضائية برمتها بشكل سلبي على الاستثمار خاصة تعقيد المساطر العتيقة المتعلقة بهذا الجانب، بالإضافة إلى بطء وثيرة العمل القضائي وإشكالية التأجيل المنهجي لجلسات الاستماع وللأحكام، وكذا إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارة⸳

وبالنسبة للنظام القانوني، فإنه يتسم بمجموعة من الاختلالات أبرزها، تعقيد النصوص القانونية، مما يشكل ضغطا على الشركات المستثمرة، وبالتالي يصبح هذا النظام، الذي من المفترض أن يشكل حافزا للاستثمار من خلال ضمانه للحقوق، عائقا له· فالشركات تعاني كذلك من تعقيد المساطر، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في القطاع الخاص، فضلا عن التعقيدات الإدارية والإجرائية، سواء من حيث إبرام العقود أو خلال تنفيذها⸳

وعلى مستوى الاستثمار: فهو الآخر يعرف مجموعة من الاختلالات، والمتمثلة أساسا في غياب بيانات ومعلومات دقيقة عن الأوضاع الاقتصادية، مما يشكل عقبة أمام الاستثمار وتضارب السياسات الاقتصادية والاستثمارية مما ينزع ثقة المستثمر في الاستثمار داخل التراب الوطني⸱ ونلاحظ، إضافة إلى ذلك، ضعف توفير التمويل الفعلي اللازم حيث نجد عجز مالي في تمويل العديد من المشاريع الاستثمارية المتوسطة والكبرى، كما أن تعدد مراكز اتخاذ القرار التي يتعامل معها المستثمر هي كذلك تطرح إشكالات عديدة⸳

أما فيما يخص الاختلالات الضريبية والتي تؤثر هي الأخرى على الاقتصاد الجزئي، والتي تتمثل أساسا في عدم انعكاس أداء الضريبة على الوضع الاجتماعي للمواطنين، وكذا انتشار التهرب الضريبي بشكل كبير خاصة بعض القطاعات الإنتاجية الكبيرة، والتي تضيع على ميزانية الدولة سنويا موارد باهظة⸱ إضافة إلى ما نعاينه جميعا من عبء الضرائب لكثرتها، وتخفيضها على الشركات وإشكالية الجيوب الضريبية، واعتماد أساليب لا تساهم في تنمية واستثمار مداخيل هذه الاقتطاعات، وكذلك غياب العدالة الضريبية في توزيع هذه التكاليف بين فئات المجتمع، وبين الفئات في نفس القطاع· وهنا نكون أمام غياب ترشيد النفقات العمومية وضعف مبدأ الحكامة الجيدة أو عقلنة التدبير⸳

 

أما المجال العقاري فهو الآخر يعرف مجموعة من المشاكل والاختلالات، ويظهر ذلك جليا من خلال غياب نظام قانوني موحد ينظم المجالات العقارية⸱ وهكذا يتميز النظام العقاري الحالي بتشتيت صارخ في وحداته: الملكية الفردية والجماعية، الملكية الخاصة والعامة، الأراضي السلالية وأراضي الكيش، أراضي الجموع وأراضي الوقف، الأحباس العامة والأحباس الخاصة⸵ وكل عنصر من هذه الأملاك العقارية يحتكره قطاع وزاري أو مؤسسة بدون أدنى تنسيق: الداخلية، المالية، الفلاحة، الأحباس، الدفاع، المخزن⸱⸱⸱وينعكس حتما هذا التشتيت العقاري على المواطن، على المستهلك، وعلى الاستثمار بكل أنواعه: العام والخاص والمختلط⸱ ونجد كذلك مشاكل البناء العشوائي والذي يفتقر إلى التجهيزات الضرورية، واحتلال الأراضي العمومية من طرف جهات متعددة بطرق غير شرعية، مما يؤدي إلى اللا مساواة الصارخة في اقتناء العقار، وإلى العرقلة في الاستثمار أو غياب الاستثمار بشكل كبير (نــوكـة، بنـدريـوش، أيـت لعريــف، قـاسمــي).

 

5)المسؤولية والنزاهة والشفافية وعقلنة التدبير أساس النمو والتنمية والديمقراطية

La gestion est un management, une gouvernance, une science de gérer, d’organiser, de diriger, de contrôler, de suivre et d’évaluer, en vue de l’accomplissement et de la réalisation d’un projet bien précis, mené par une organisation déterminée : État, région, entreprise, famille, association, etc.  

 

عموما، فإن المجتمع المغربي يعرف مجموعة من الإشكالات والأزمات على كافة المستويات وفي مختلف المجالات، والتي يجب العمل على حلها، في القريب العاجل، من أجل النهوض بالتنمية الوطنية والجهوية والمحلية بكيفية شمولية⸱ فعلى مستوى الاقتصاد الوطني، صحيح، يجب العمل على دعم الاستثمارات الداخلية والخارجية، وذلك من خلال دراسة معمقة على نطاق شاسع للواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي وتشديد المراقبة على عمليات الإنتاج واستغلال الموارد الطبيعية أحسن استغلال، إلى جانب الاهتمام بالرأسمال البشري وتكوينه أحسن تكوين⸳ أما على مستوى الاقتصاد الوسيط أو الجهوي، فيجب العمل على تجاوز التفاوتات المجالية والإختلالات التي تعاني منها الجهات أو داخل الجهة نفسها⸱ وهذا لن يتأتى إلا بإرادة سياسية واضحة وعزيمة قوية، وبتنزيل النصوص القانونية المتعلقة باللامركزية والجهوية وتشجيع هذا النوع من التنظيم الإداري وحده، ومن خلال كذلك تفعيل المراكز الجهوية للاستثمار[7]، لما لها من دور أساسي في محاربة هذه التفاوتات كلما كانت تتميز بالدقة والصرامة⸳ ومن حيث الاقتصاد الجزئي فيجب العمل على إصلاح المنظومة العقارية[8] من خلال توحيد النظام والتشجيع على التحفيض العقاري نظرا لما لهما من دور مهم في منظومة الاستثمار، وكذلك يجب العمل على تنزيل الرؤية الإستراتيجية لإصلاح النظام القضائي من خلال قوانين صارمة ومراقبة ومتابعة وجزاءات[9]⸱ ونفس الصرامة كذلك يجب إتباعها بالنسبة للقوانين التجارية مع المواثيق الدولية، بالإضافة لفتح المجال للمستثمرين على الوسائل البديلة من خلال مقتضيات قانونية واضحة ذات أبعاد دولية [10] تتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية⸳ كما يجب أن يكون الإصلاح شاملا لجميع فروع قانون الاستثمار وتطبيقاته، وبمفهوم واضح ووجهة نظر مسؤولة وشاملة مع إشراك مختلف الفاعلين في مجال الاقتصاد والتنمية والمال والاستثمار[11]⸱ ولا يمكن للسياسات العمومية أن تؤدي دورها على أحسن وجه، إلا إذا استطاعت الحد من معاناة أولئك الذين يعانون، وضمان رفاهية كل من هم في أمس الحاجة إليها (أيت القاضي، الزعايري، المزيدي، العلولي).

Les politiques publiques ne peuvent remplir pleinement leur rôle que si elles parviennent à réduire la souffrance de ceux qui souffrent, et à assurer le bien-être de tous ceux qui en ont terriblement besoin.      

 الجيلالي شبيه، أستاذ التعليم العالي في القانون والمالية والضرائب ومنهجية العلوم، وطلبة ماستر القانون الإداري والعلوم الإدارية والمالية، الفوج العاشر كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة القاضي عياض بمراكش

 

[1]-مروة حمزة، مفهوم الاقتصاد الكلي، مقال نشر بتاريخ 28 فبراير 2021، تم التدقيق فيه بواسطة نواف المفلح

[2]رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: تثمين الرأسمال البشري في الوسط المهني.

[3]هسبريس، مؤشر دولي يقيس جودة اليد العاملة بالمغرب، على الرابط: https://shorturl.at/tUZ23.

[4]-البنك الدولي، نبيل سمير، جان فرانسوا، حين لا تتوفر وسائل النقل العام، تجد الشركات صعوبة في الحفاظ على أعمالها، دراسة حالة عن المغرب، على الرابط: https://shorturl.at/lIKLR.

[5]-اللّجنة الوطنية لمناخ الأعمال، البنيات التحتية، على الرابط: https://shorturl.at/ckp49.

[6]هسبريس، موارد طبيعية مغربية تواجه ضغوطات بشرية هائلة وتغيرات مناخية كبيرة، على الرابط: https://shorturl.at/gpuy1.

[7]أحمد شوقي شاهدي: المراكز الجهوية للاستثمار بالمغرب “مكامن الخلل ومداخل الإصلاح”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، جامعة محمد الخامس بالرباط، الستة الجامعية: 20192020، الصفحة21.

[8]-عبد اللطيف الكرار ونزهة الكرار، “العقار والاستثمار”، تقرير لأشغال ندوة وطنية شاركت فيها ثلاثة كليات للحقوق، منشورات موقع الباحث للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية، أنظر الموقع الإلكتروني www.allbaahit.com  

[9]القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، يونيو 2022، الجريدة الرسمية عدد 7108 بتاريخ 14 يوليوز 2022، الصفحة 4568

[10]-القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، 24 ماي 2022، الجريدة الرسمية عدد 7099 بتاريخ 13 يونو 2022، الصفحة 3579

11-لقد ارتكزنا في هذه الدراسة على مجموعة من المصادر العلمية أهمها تقارير المجلس الأعلى للحسابات والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لسنوات 2021 و 2022 و2023

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى