الأسرةفي الواجهةمقالات قانونية

ظاهرة العنف المدرسي ” دراسة مقارنة ونظرة اجتماعية ” الباحث : رضوان الخمليشي

ظاهرة العنف المدرسي ” دراسة مقارنة ونظرة اجتماعية ”

الباحث : رضوان الخمليشي

أستاذ التعليم الثانوي، طالب باحث في كلية الشريعة بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله -المغرب-.

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 61 الخاص بشهر دجنبر 2025 
رابط تسجيل الاصدار في DOI

 

https://doi.org/10.63585/COPW7495

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

ظاهرة العنف المدرسي ” دراسة مقارنة ونظرة اجتماعية ”

الباحث : رضوان الخمليشي

أستاذ التعليم الثانوي، طالب باحث في كلية الشريعة بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله -المغرب-.

ملخص

تعد ظاهرة العنف في الفضاء المدرسي من أخطر الظواهر المشينة التي أخذت تنتشر وتتفاقم في كل المجتمعات – المجتمع المغربي خاصة-؛ حيث أصبح كل العاملين داخل هذا الفضاء مهددين بخطورة هذه الظاهرة المتجلية في سوء الأدب، والسب والشتم، وقد تصل هذه العادة القبيحة إلى التهديد، والاعتداء الجسدي والضرب، بل قد تبلغ درجة القتل.

إن العنف المدرسي ظاهرة لم تنشأ من العدم، وإنما هي نتيجة أسباب وعوامل ذات أبعاد مختلفة؛ ويتجلى أبرزها في أساليب التنشئة الاجتماعية، ووسائل الإعلام وما تحمله من ممارسات مشجعة على ممارسة العنف، إضافة إلى جانب تأثير المخدرات، وكذلك العوامل الفيزيولوجية لبعض المتمدرسين؛ لذا فإن الأمر يتطلب تظافر الجهود وتكاثفها من أجل ضمان تنشئة تعليمية ومجتمعية سليمة، وكذلك تدخل الوزارة الوصية لوضع عقوبات صارمة مناسبة للسلوكات العدوانية الممارسة داخل الوسط المدرسي، إلى جانب الاهتمام بمجال التربية الإعلامية، وكل ذلك بغرض مكافحة هذه الظاهرة من خلال الحد من انتشارها والوقاية منها.

إن تجويد الحياة المدرسية دينا وقيما؛ ليصبح الوسط المدرسي قائما على القيم الدينية، والتربوية والوطنية التي تروم إلى الإصلاح والتهذيب، يستوجب السعي إلى تفعيل أدوار المساعدة الاجتماعية، وبروزها بشكل تفاعلي تطبيقي لمحاربة الظواهر المفسدة للمجتمع المدرسي، وتسهيل عملية اندماج هذه الفئة بشكل فعال في الحياة المدرسية، وفي المجتمع بأسره، فبواسطة آليات المساعدة الاجتماعية تمتلك المؤسسة القدرة على ضبط التصرفات والسلوكيات.

  • الكلمات المفتاحية : العنف المدرسي – المساعدة الاجتماعية – القيم- المجال التربوي – الوسط المدرسي.

The Phenomenon of School Violence: A Comparative Study & Social Perspectives

REDOUANE EL-KHAMLICHY

Junior High School teacher_ Researcher student at the Faculty of Shariaa Sidi Mohammed Ben Abdellah University, Fez, Morocco.

Abstract:

School violence is a pervasive issue affecting educational environments worldwide. The consequences of school violence can be severe, ranging from verbal and physical abuse to extreme cases of physical assault and murder. Factors contributing to school violence include social upbringing, media influence, substance abuse, and physiological changes during adolescence. To address this complex issue, stakeholders must collaborate to ensure a healthy social and educational environment. Authorities should implement strict laws and penalties for aggressive behaviors, and improving media literacy is also crucial.

By equipping students with essential values and providing practical social assistance, educational institutions can promote positive behaviors and reduce school violence. Effective social assistance mechanisms are essential for regulating behaviors and practices. A comprehensive approach that involves stakeholders, authorities, and educational institutions can help combat school violence and promote successful integration of teenagers into school life and society. By working together, we can create a safer and more supportive learning environment. This requires a sustained effort to address the root causes of school violence and promote a culture of respect, empathy, and understanding. By doing so, we can reduce the incidence of school violence and foster a more positive and productive educational experience.

  • Keywords: School violence – Social assistance- Social Assistants -Crime- Values.

تمهيد

يعد الأمن المجتمعي والتعليمي ضرورة وحاجة فطرية لا بد منها؛ لأن به تتقدم المجتمعات والأمم، وترقى الشعوب والدول؛ لذلك كان من الواجب مواجهة ما يهدد أمن المجتمع ومكوناته، والسعي إلى استئصال أسبابه، وعلاج آثاره، وسد طرقه.

إن الاهتمام والالتفات إلى ظاهرة العنف كان نتيجة تطور الوعي العام في مطلع القرن العشرين بما يتعلق بالطفولة، خاصة بعدما تطورت نظريات علم النفس وعلم الاجتماع، وبعدما ظهر علم النفس الاجتماعي، وبانت مدارسه المختلفة التي أخذت تفسر سلوكيات الإنسان على ضوء مرحلة الطفولة المبكرة، وأهميتها في تكوين ذات الفرد، وتأثيرها وتأثرها بأقرانها، وضرورة توفير الأجواء الحياتية المناسبة لينمو الأطفال نمواً جسدياً ونفسياً واجتماعيا سليماً ومتكاملاً.

تشكل ظاهرة العنف المدرسي مشكلة متعددة الأبعاد؛ لأنها تتضمن أبعاداً تربوية، وأمنية واجتماعية، ولقد لفتت أنظار الجميع في الآونة الأخيرة في مجتمعاتنا العربية- المغرب- بصورة واضحة؛ لاسيما في المؤسسات التعليمية من قبل أغلب المتعلمين، وقد أحدث هذا العنف هاجسا رئيسا في نفوس المتعلمين والمعلمين على حد سواء؛ وبالتالي أصبحت هذه الظاهرة من بين المشكلات العويصة التي تعاني منها منظومتنا التربوية، الأمر الذي أسفر عن ارتكاب مجموعة من الجرائم في حق التلاميذ والأساتذة أيضا؛ وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب ظهور هذه الآفة الخطيرة، وإثارة فروض عديدة حولها.

إن تفاقم السلوك العدواني العنيف في المدرسة المغربية ليس وليد العفوية؛ وإنما هو ترجمة للعنف السائد في البيئة الإعلامية – وسائل التواصل- والمحيط الأسري…؛ ومن ثم فإن الواقع المذكور يعتبر أزمة أخلاقية مجتمعية يجب الحديث عنها بجدية ووعي هادف؛ لذلك كان من فقه اللحظة والظرفية أن نشير إلى هذه الظاهرة إشارة المصلح والموجه؛ لأنها من أهم الظواهر المجتمعية الحياتية التي تتطلب المواجهة بعقلانية تامة.

إن الحديث عن ظاهرة العنف المدرسي يكتنفه نوع من الإبهام البحثي؛ بحيث إن المسؤولين عن السياسات التعليمية في البلاد لم يولوا هذه الظاهرة ما يناسبها من الاهتمام والتشجيع على البحث في كيفية مواجهتها قبل استفحالها، الشيء الذي دفعنا إلى البحث والتنقيب، ومحاولة الكتابة عن الدوافع والمسببات المؤدية لهذا السلوك في قلب المدرسة المغربية، لا سيما أن حادثة مقتل أستاذة بإحدى مؤسسات التكوين المهني على يد أحد طلابها، أثارت جدلا وأشعلت موجة غضب واسعة قبل أيام، مما دفع زملاءها بمختلف المستويات التعليمية على الصعيد الوطني إلى الاحتجاج والتنديد بهذا العمل، الذي وُصف بكونه “نقطة سوداء” في تاريخ المدرسة المغربية.

أهمية البحث

تتضح أهمية البحث فيما يأتي:

  1. تكمن أهمية البحث في كونه يهدف إلى حماية الضروريات الخمس؛ فإذا فقدت لم تجر مصالح الناس على استقامة، بل على فساد وتهارج.
  2. يهدف إلى حماية أهم شريحة من شرائح المجتمع؛ وهي التلاميذ والأساتذة.
  3. معرفة مدى تأثير ظاهرة العنف المدرسي وعلاقته بالأمن المجتمعي المدرسي.
  4. تنبع أهمية هذه الدراسة من خلال بحثنا في ظاهرة سلوكية تزداد معدلاتها في الآونة الأخيرة؛ وهي ظاهرة العنف المدرسي، وبالأخص لدى تلاميذ السلك الإعدادي والتأهيلي.
  5. مساعدة القائمين بالعملية التربوية والتعليمية على فهم الأسباب الداعية لتفشي هذه الظاهرة، ومساعدتهم على وضع الخطط، والآليات، والبرامج التربوية والنفسية والبرامج الوقائية والعلاجية التي تساعد في الحد من تأثير هذا السلوك السلبي.

مشكلة البحث

جاء الاهتمام بدراسة ظاهرة العنف المدرسي من خلال ما نلمسه من مظاهر واقعية للعنف، وما تمليه علينا الظروف الصعبة التي تمر بها مؤسساتنا التعليمية جراء السلوكيات العنيفة لدى التلاميذ، وعدم استقرار المحيط المدرسي وأمنه. ونظرا لأهمية الأمر ارتأينا اختيار موضوع ظاهرة العنف المدرسي دراسة مقارنة ونظرة اجتماعية مجالا للبحث، وذلك من خلال طرح الإشكاليات الآتية :

  • إلى أي حدّ يتيح اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد -شرعية وقانونية واجتماعية- فهم جذور العنف المدرسي وتفسير تناميه، وكيف يمكن أن يكشف هذا الفهم عن مدى فعالية منظومة المساعدة الاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية في الوقاية من هذه السلوكيات والحدّ منها؟

وهذا كإشكال دفعنا لصياغة الأسئلة الآتية:

  • ما مفهوم ظاهرة العنف المدرسي، وما هي الدوافع المسببة لها داخل الوسط المدرسي؟
  • ما موقف الشريعة الإسلامية والقانون المغربي من العنف المدرسي ؟
  • ما هي طرق الوقاية من هذه المعضلة؟ وكيف السبيل لعلاج آثارها ؟
  • ماهي الأدوار المبذولة من قبل الملحق الاجتماعي داخل المدرسة للحد من هذه المعضلة؟

منهج البحث

تم الاعتماد في هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي باعتباره الأنسب في تحقيق حل مشكلة البحث -المذكورة سابقا-، والذي يهتم بوصف الظاهرة.

خطة البحث

ولدراسة هذا الموضوع بطريقة علمية، ومحاولة حل إشكاليته بكيفية أكاديمية، فإنني سأعالجه من خلال مطلبين اثنين؛ المطلب الأول؛ الحديث فيه سيكون مخصصا لظاهرة العنف المدرسي على ضوء الشريعة الإسلامية، والقانون المغربي والمنظومة التربوية؛ وقد قسمته إلى ثلاثة فروع؛ الأول منه عنونته بالعنف المدرسي من منظور إسلامي، سائل الله تعالى التوفيق، لأكمل الحديث في الفرع الثاني عن العنف المدرسي من منظور قانوني مغربي، والثالث، خصصته للعنف المدرسي والمجال التربوي، في حين خصصت المطلب الثاني للحديث عن النظرة الاجتماعية لظاهرة العنف المدرسي، وجزأته في ثلاثة فروع؛ تطرقت في الفرع الأول لأسباب العنف المدرسي، والثاني: يتمحور حول طرق تفادي العنف المدرسي، معززا هذا المطلب بفرع ثالث معنون ب: دور المساعد الاجتماعية في الحد من ظاهرة العنف المدرسي، على أمل أن يكون منطلق هذا البحث التعريف بأهم مصطلحاته.

  • التعريف بمصطلحات البحث

نظراً لأهمية الدقة والوضوح في البحث العلمي، فإن تحديد المفاهيم والمصطلحات الأساسية يُعد خطوة جوهرية لضمان استيعاب الباحث والقارئ، فالمصطلحات قد تحمل دلالات متعددة تختلف باختلاف السياقات أو التخصصات؛ لذلك، سيتم في بداية هذا البحث تقديم تعريفات مختصرة لأهم المصطلحات المستخدمة، سواء كانت تعريفات لغوية أو اصطلاحية أو إجرائية، وذلك لضمان انسجام المعنى مع أهداف البحث ومنهجه.

  • ماهية ظاهرة العنف المدرسي

تعريف العنف لغة واصطلاحا

  • تعريف العنف في اللغة

يُعرف العنف لغة بأنه الشدة في الأمر وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق، يقال: أعنفته تعنيفاً: أي عيرته ولمته ووبخته بالتقريع، والعنيف الشديد القول، والعنف: الغلظ والصلابة، واعتنف الأمر: إذا أخذه بعنف، وأعنف الشيء أخذه بشدة، وعنفه: لامه بعنف وشدة، والتعنيف: التوبيخ والتقريع واللوم[1].

  • تعريف العنف في الاصطلاح

العنف اصطلاحاً هو ضد الرفق، والرفق هو حسن الانقياد لما يؤدي إلى الجميل[2]، أو هو التوسط والتلطف في الأمر[3].

والعنف: معالجة الأمور بالشدّة والغلظة[4]، فيكون العنف بمعنى: الغلو، والشدة والغلظة في معاملة الآخرين.

وقد عرف بعض القانونيين العنف بقوله: “هو الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد، باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والإتلاف للممتلكات “[5].

كما عرفه بعض علماء الاجتماع التربويين بقولهم: “استخدام القوة بشكل غير مشروع، وغير مطابق للقانون”؛ فالعنف في المفهوم الاجتماعي هو استعمال غير مشروع لوسائل القسر المادي بغية تحقيق غايات شخصية أو اجتماعية[6].

  • تعريف العنف المدرسي

إن مفهوم العنف المدرسي هو مفهوم معقد نظراً لكثرة مظاهره، وأنواعه وأشكاله، فتجلياته متعددة، وهو عبارة عن ممارسات نفسية أو بدنية يمارسها أحد أطراف المنظومة التربوية، ولا يوجد تعريف واضح ومحدد للعنف المدرسي، ويمكن تعريفه على النحو الآتي: “سلوك عدواني يتسم بالشدة والتصلب، والتطرف، والتهجم، والانفعال والاستخدام غير المشروع للقوة تجاه شخص ما، بهدف إلحاق الأذى والضرر بالنفس أو الأخرين”.

المطلب الأول: ظاهرة العنف المدرسي على ضوء الشريعة الإسلامية والقانون المغربي والمنظومة التربوية

قصدنا تقسيم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع؛ الأول عنوناه بالعنف المدرسي من المنظور الإسلامي، والثاني يهدف إلى بيان العنف المدرسي من منظور قانوني مغربي، والأخير بعنوان: العنف المدرسي والمجال التربوي.

الفرع الأول: العنف المدرسي من المنظور الإسلامي

اعتنى الإسلام عناية كبيرة بنشر الأمن والأمان في المجتمع الإنساني كله، واعتنى كذلك بمحاربة كل أشكال العنف؛ لأنها تتنافى مع المعاني السامية للإسلام، والأخلاقيات الرفيعة التي حث عليها في التعامل بين البشر جميعًا – مسلمين وغير مسلمين – فربنا تبارك وتعالى يقول : ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٍ “[7]، وحث على التعاون في الخير، قال تعالى : “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”؛ وبهذا، فإن الشريعة الإسلامية قد أقامت العلاقات بين أفراد المجتمع الإنساني كله على أساس التعاون، والبر، والتراحم، والعدل وتقوية الروابط الخيرة الفاضلة التي تسعد وتستقر بها حياة الفرد.

وقد بين القرآن الكريم منهج الإسلام في التعليم، والدعوة إلى الله بقوله تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، [8] ولا شك أن الدعوة من ضمنها التعليم؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو معلم البشرية جمعاء، الذي أقنع العقول بالحجة، والدليل وبالخطاب الذي يؤثر في القلوب رغباً ورهباً، بأجود السبل وأرق الحديث الذي يجذبهم، لا يبعدهم، ولنا دروس وعبر كثيرة في منهج رسل الله، وأنبيائه أثناء دعوة قومهم، كما جاء ذلك في قصصهم المبينة في آيات القرآن الكريم، فكانوا يبدؤون خطابهم ودعوتهم مع قومهم ب (يا قوم) إشعاراً منهم بأنهم أناس من مجتمعهم ومحيطهم، مع رقة الأسلوب ولين الخطاب.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسوة الحسنة، في سلوكه، وعبادته ومعاملاته؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا عائشة: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره”[9].

ومن التربية النبوية الفريدة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)[10]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف والتيسير على الناس في كل أمورهم، فعن عائشة رضي الله عنها، أن يهودًا أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليكم، فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله، وغضب الله عليكم، قال: (مهلًا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، فقالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في)[11]؛ فإذا كان هذا مع اليهودي، فالمسلم عموما أولى بهذه المعاملة، والمعلم خصوصا؛ فوجب معاملته باحترام، والتأدب معه.

الفرع الثاني: العنف المدرسي من منظور قانوني مغربي

لقد اعتنى الدستور المغربي بالحريات والحقوق الأساسية في باب كامل، “الباب الثاني”، وخصوصا الفصل (22) منه الذي جاء فيه: ” لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف، ومن قبل أية جهة كانت، خاصة أو عامة”، ووضح في الفقرة الثانية أنه: ” لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أية ذريعة معاملة قاسية، أو لا إنسانية، أو مهينة أو حاطة من الكرامة الإنسانية”[12].

أما القانون الجنائي المغربي فقد أفرد لجرائم العنف والإيذاء والضرب بصفة عامة وتعنيف الأطفال، فصولا محددة وواضحة تحدد أنواع الجرائم والعقوبات المرتبطة بها،[13] وفي سياق البحث تقسم هذه الجرائم إما لكون التلميذ جانيا أو ضحية كما هو موضح فيما يلي:

  • بالنسبة للجرائم التي يرتكبها المتعلمين

عاقب المشرع الجنائي جريمة إهانة موظف عمومي، أو إيذائه، أو ارتكاب عنف بحقه طبقا للمادة (263) و(267) من القانون الجنائي، ولقد ورد في “الفصل التاسع عشر” من القانون المنظم للوظيفة العمومية الصادر في (24 فبراير 1958) أنه يتعين على الإدارة أن تحمي الموظفين من التهديدات والتهجمات والإهانات والتشنيع والسباب التي قد تستهدفهم بمناسبة القيام بمهامهم، وتعوض إذا اقتضى الحال، وطبقا للنظام الجاري به العمل، الضرر الناتج عن ذلك في كل الأحوال التي لا يضبطها التشريع الخاص برواتب التقاعد وبضمانة الوفاة، بحيث إن الدولة هي التي تقوم مقام المصاب في الحقوق والدعاوى ضد المتسبب في الضرر.

وجرم المشرع أعمال العنف أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية أو بمناسبتها، أو أثناء بث هذه المباريات أو التظاهرات في أماكن عمومية من بينها المؤسسات التعليمية (الفصل 308-1 من القانون الجنائي).

كما عاقب المشرع، كل من دخل أو حاول الدخول وهو في حالة سكر أو تحت تأثير مخدر أو مؤثرات عقلية أو يحمل مواد مسكرة أو مؤثرات عقلية إلى ملعب أو قاعة للرياضة، أو إلى أي مكان عمومي تجرى فيه، أو تبث مباراة أو تظاهرة رياضية. (الفصل 10- 308)، وخصص عقوبة لكل من استعمل كتابة موقعا عليها أو غير موقع عليها، أو صورة أو رمزا أو علامة تتضمن تهديدا بارتكاب جناية ضد الأشخاص أو الأموال (الفصل 425 من القانون الجنائي).

ولقد قرر المشرع أقسى العقوبات لمن يقوم بإضرام النار عمدا في مبنى، أو بيت، أو مسكن، أو خيمة، أو مأوى ثابت أو متنقل، أو باخرة، أو سفينة، أو متجر أو ورش، إذا كانت هذه المحلات مسكونة أو معدة للسكنى، وعلى العموم، في أي محل آخر مسكون أو معد للسكنى، سواء كان مملوكا له أو لغيره، بحيث يعاقب بالإعدام. (الفصل 580 من القانون الجنائي).

  • جرائم يكون التلميذ ضحيتها

جرم المشرع كل ما يتعلق باستغلال المؤسسات التعليمية في استعمال وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى، (م 220 من القانون الجنائي).

وحسب الفصل(231-1) من القانون الجنائي، يقصد بالتعذيب، بمفهوم هذا الفرع، كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدي أو نفسي، يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه، أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات، أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه، أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب، يقوم على التمييز أيا كان نوعه.

وحسب الفصل (4-231) من القانون الجنائي يعاقب بالسجن المؤبد إذا ارتكب التعذيب ضد قاصر دون سن (18) سنة؛ كما يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من جرح أو ضرب عمدا طفلا دون “الخامسة عشرة” من عمره أو تعمد حرمانه من التغذية أو العناية، حرمانا يضر بصحته، أو ارتكب عمدا ضد هذا الطفل أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء (15)، فيما عدا الإيذاء الخفيف. (ف 408 من القانون الجنائي)

ويعتبر وجود سلطة للجاني على المجني عليه كما في حال المعلمين أو الأطر الإدارية ظرفا من ظروف التشديد كما في حالة تسليم ولو بدون مقابل المتعلم الذي يقل سنه عن ثمان عشرة سنة إلى متشرد أو متشردين أو متسول أو متسولين. (ف 330 من القانون الجنائي)

في جرائم الضرب والجرح والإيذاء إذا ترتب عنها عاهة مستديمة أو قتل. (ف 410 و 411) من القانون الجنائي، وكذا في جرائم هتك عرض القاصرين، كذلك إذا كان المذنب موظفا دينيا أو رئيسا دينيا.

إشارة

من خلال الاطلاع على نصوص القانون الجنائي يتبين لنا أنها لا تتضمن مقتضيات خاصة لزجر العنف اللفظي ضد الطفل، بل تضمنت مقتضيات عامة لحماية المقومات المعنوية للشخصية الإنسانية بصفة عامة، بهدف حمايتها من الأقوال التي يمكن تكييفها، على اعتبار أنها تشكل جرائم سب أو قذف في حق أحد أفراد المجتمع، وكما تشكل هذه المقتضيات حماية للشخص البالغ، فإنه يستفيد منها الطفل أيضا. ومن بين جرائم الإيذاء اللفظي التي جرمها القانون الجنائي نجد “القذف والسب”. وقد عرف الفصل (442) القذف بأنه ادعاء واقعه أو نسبتها إلى شخص أو هيئة إذا كانت الواقعة تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليها. أما السب فقد عرفه الفصل (443، من ق.ج) بأنه كل تعبير شائن أو عبارة تحقير أو قدح لا تتضمن نسبة أي واقعة معينة.

استعمال العنف أو التهديد أو التدليس لاختطاف قاصر دون الثامنة عشر عاما، أو لاستدراجه أو إغرائه أو نقله من الأماكن التي وضع فيها “ف 471” ، وكذا في حال استغلال حاجة قاصر دون الواحدة والعشرين أو استغل أهواءه أو عدم خبرته، ليحصل منه على التزام أو إبراء.

كما أدان المشرع من ترك طفلا دون سن الخامسة عشرة أو عاجزا لا يستطيع أن يحمي نفسه بسبب حالته الجسمية أو العقلية، في مكان خال من الناس أو حمل غيره على ذلك. مع تشديد العقوبة في حال وجود سلطة للجاني على الضحية.

من ارتكب إخلالا علنيا بالحياء، وذلك بالعري المتعمد أو بالبذاءة في الإشارات أو الأفعال، ويعتبر الإخلال علنيا متى كان الفعل الذي كونه قد ارتكب بمحضر شخص أو أكثر شاهدوا ذلك عفوا أو بمحضر قاصر دون الثامنة عشرة من عمره، أو في مكان قد تتطلع إليه أنظار العموم. (الفصل 483 من القانون الجنائي)

تحريض القاصرين دون الثامنة عشرة على الدعارة أو البغاء أو تشجيعهم عليها أو تسهيلها لهم، وتشدد العقوبة إذا كان مرتكب الجريمة من المكلفين بحكم وظيفتهم بالمساهمة في محاربة البغاء أو الدعارة، أو في حماية الصحة أو الشبيبة أو المحافظة على النظام العام؛ (ف 497 وما يليه)

يعاقب من أجل جريمة التحرش الجنسي كل من استعمل ضد الغير أوامر أو تهديدات أو وسائل للإكراه أو أية وسيلة أخرى، مستغلا السلطة التي تخولها له مهامه لأغراض ذات طبيعة جنسية (ف 503-1 من القانون الجنائي) .ويتبين من هذا، بأنه على الرغم من تجريم المشرع للتحرش الجنسي، فإنه لم ينص على مقتضيات حمائية خاصة تقضي بتشديد عقوبة الجاني متى كان المتحرش به طفلا، بسبب عدم نضجه العقلي والعاطفي مما قد يجعله يتأثر نفسيا بشكل كبير من سلوكيات التحرش الجنسي التي قد تدفعه إلى الانطواء والعزلة.

ولقد أصدرت وزارة التربية الوطنية العديد من المذكرات بهذا الخصوص، منها المذكرة (99/06) بتاريخ (23 شتنبر 1999) التي تمنع الضرب والعنف الممارس في المؤسسات التعليمية حيث جاء فيها: “أهيب بكافة الأطر التعليمية وأطر الإدارة التربوية أن تتجنب بصفة مطلقة استعمال أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي على التلاميذ، وأن تعمل على نهج أسلوب الحوار وتشجيع حرية الرأي والتعبير داخل الفصول وفي فضاءات المؤسسات التعليمية بشكل عام .

الفرع الثالث: العنف المدرسي والمجال التربوي

من أبرز ما يعيق العمل التربوي والتعليمي والإداري في الوسط المدرسي انتشار التصرفات العنيفة والمواقف ذات الطبيعة العدوانية التي تستهدف كلا من المتعلم، والمدرس والإداري، وتجاهل مثل هذه السلوكات، وصرف النظر عنها بعدم معالجتها يضاعف من مخاطرها كثيرا.

وتفاعلا مع ما أثير حول ظاهرة العنف بالمدرسة المغربية في الآونة الأخيرة، وفي خضم الواقع القيمي القائم والذي يُظهر بشكل كبير مدى تراجع وظيفة مدرسة اليوم، وضعف مردودها التربوي. وإنه لمن المؤسف جدا أن يجد العنف مرتعا له بين جدران المدرسة، وفي عمق المؤسسات التربوية، وما ذلك إلا انعكاس لوجود أزمة قيمية حادة، وهذا مؤشر حقيقي على وجود اضطراب في هذه المؤسسة لعدم قيام المدرسة بمهامها التربوية المنوطة بها على الوجه المطلوب.

إن العنف المدرسي ظاهرة تُهدّد سلامة البيئة التعليمية، وتعيق تحقيق الأهداف التربوية؛ لذا فإن معالجتها تتطلب تظافر الجهود بين الأسرة، والمدرسة والمجتمع، وبشكل استعجالي؛ لضمان بيئة تعليمية آمنة ومحفزة تُسهم في بناء جيل واعٍ ومُتوازن.

المطلب الثاني: نظرة اجتماعية لظاهرة العنف المدرسي

ارتأينا السير في هذا المطلب على نفس المنوال السابق – المطلب الأول- وذلك بتقسيمه أيضا إلى ثلاثة فروع ؛ الأول بعنوان: “عوامل العنف المدرسي”، والثاني؛ “طرق تفادي العنف المدرسي”، معززين هذا المطلب بالكلام عن “دور المساعدة الاجتماعية في الحد من ظاهرة العنف المدرسي”.

الفرع الأول: عوامل العنف المدرسي

العوامل والدوافع التي أدت إلى ظهور العنف لدى فئة المتعلمين والمتعلمات، وهم ركيزة المجتمع كثيرة ومتنوعة؛ فهناك عوامل ترتبط بما هو نفسي، متعلق بالفرد، ومنها ما هو تربوي، وأخرى مرتبطة بالمجتمع.

  • العوامل الذاتية النفسية

وهي عوامل ترتبط بالتلميذ ذاته، وبطبيعته البيولوجية، ومما لا شك فيه أن مرحلة الانتقال من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي تتزامن مع مرحلة المراهقة، وهي مرحلة تغيرات في مختلف الجوانب؛ عقلية وفيزيولوجية انفعالية، مما يؤدي إلى ظهور مشاكل سلوكية، وخاصة في مرحلة المراهقة .

تتخلل مرحلة المراهقة مجموعة من التغيرات، تندرج في البلوغ بشكل خاص، من خلال تسارع وتيرة النمو، فنجد زيادة مفاجئة في قامته ووزنه، كما نلاحظ زوال ملامحه الطفولية، وذلك بنمو عضلاته، واتساع كتفيه، كل هذه التغيرات التي تطرأ على المراهق يمكنها أن تسبب له ضيقاً وتوتراً، مما يجعله يسلك سلوكات غير تربوية، كالعنف المدرسي[14] .

إضافة إلى ذلك، توجد أسباب نفسية كثيرة، تسهد في ظهور العنف لدى الشباب، وقد تكثر هذه الأسباب أو تقل حسب طبيعة الزمان والمكان، ومنها؛ حب الظهور والشهرة؛ بحيث لا يكون الشخص مؤهلًا، فيبحث عما يؤهله، فيشعر بالفخر والتفوق؛ ولو بالتخريب والقتل والتدمير.

يكتسب الفرد الصفات النفسية من البيئة المحيطة به سواء في محيط الأسرة أو في محيط المجتمع، فكل خلل في ذلك المحيط ينعكس على سلوك وتصرفات ذلك الفرد، حتى تصبح جزءًا من تكوينه وتركيبه النفسي، ويعد الفشل في الحياة الأسرية من أهم الأسباب المؤدية إلى جنوح الأفراد واكتسابهم بعض الصفات السيئة.

من خلال ما سبق نستنتج أن مرحلة المراهقة تتميز بتغيرات كثيرة، تسبب للمراهق عدم التوافق، الذي يجعله يعاني من مجموعة من المشاكل الاجتماعية، والنفسية والانفعالية وغيرها…

  • العوامل التربوية

تعتمد نظم التعليم في معظم الأقطار العربية على التلقين، والتكرار والحفظ، وعلى حشو ذهن الطالب طوال مختلف المراحل الدراسية بمعلومات، دون إعمال للعقل ودون تحليل أو نقد، ومثل هذه النظم تفرز طالبًا يتقبل بسهولة كل ما تمليه عليه سلطة المعلم دون نقاش، وبذلك يصبح من السهل جدًا على مثل هذا الطالب أن يتقبل كل ما تمليه عليه سلطة الأصدقاء دون تحليل أو نقد أو معارضة، ويكون عرضة للانخراط في أية مجموعة أيًا كان توجهها، حيث يتم تلقين السلوك العنيف، وتقبله دون تحليل، بالتالي يسهل الانقياد بفعل إبطال عمل العقل، فيضاعف تلك المفاسد الناشئة عن ذلك، وعندها لا ينفع شيء[15]

  • العوامل الأسرية

هناك عوامل أسرية عديدة تسهم إلى حد كبير في حدوث سلوكيات العنف، فالظروف الأسرية تشكل دوراً هاما في دفع المراهق إلى هذا النوع من السلوك؛ وعليه، تجد أهم المشكلات التي يتعرض لها المراهق في حياته هي نوعية العلاقة القائمة بين المراهق والراشدين، وعلى الخصوص الآباء، وذلك بالتدخل في شؤونهم الخاصة؛ بحيث تتنوع أساليب معاملة الوالدين لأبنائهم؛ إذ يمكنهم نهج أساليب مختلفة منها:

– أسلوب العقاب؛ يعتقد بعض الآباء أن العقاب نوع من الأساليب التربوية المهمة للتربية السليمة، ولكن ما أكدته الدراسات خلاف ذلك.[16]

– التذبذب في المعاملة؛ بحيث يلجأ الوالدان إلى القسوة المفرطة حيناً، ويتساهلان حيناً آخر، إضافة إلى عدم اتفاق الوالدين على كيفية التعامل مع الطفل يؤدي إلى تفكك شخصيته واضطرابها، وعدم استقراره النفسي؛ مما يؤدي به إلى التمرد على أوامرهما، وبالتالي على النظام المدرسي. “[17]

  • الدوافع الاجتماعية

تعد وسائل الإعلام واحدة من أهم المؤسسات التي تسهم في تكوين شخصية الفرد، حيث تشكل بؤرة الاهتمام من أجل تنمية القدرات العلمية والثقافية لدى الفرد؛ ويعتبر التلفاز أحد أهم هذه الوسائل وأقربها إلى نفسية المشاهد؛ كونها مؤسسة ترفيهية، تثقيفية وتربوية، وأداة توعية في كثير من مجالات الحياة، ويعتبر التلفاز سلاحا ذو حدين، فبالرغم من إيجابياته؛ إلا أنه قد يلحق الضرر بالفرد لما يعرضه من برامج عنيفة.

هذه الأسباب تجعل التلاميذ يشعرون بالإحباط وغياب فرص التعبير عن حاجاتهم، وإحساسهم بالقيود أو التحرر أحياناً، الأمر الذي يجعلهم ينحرفون عن القيم الاجتماعية[18].

الفرع الثاني: طرق تفادي العنف المدرسي

توجد عدة طرق ووسائل وقائية يمكن اتخاذها للحد من ظاهرة العنف المدرسي؛ ويمكن ايجاز بعضها في الآتي:

  1. التنشئة الاجتماعية السليمة، وتجنب أساليب التنشئة الخاطئة، وتوافق الوالدين، والتنبؤ المبكر بسلوك العنف، وتنمية المسؤولية الاجتماعية.
  2. تعزيز الوعي؛ يجب تعزيز الوعي حول ظاهرة العنف المدرسي، وتوعية التلاميذ وأولياء الأمور والمعلمين بأضرارها وآثارها السلبية على الأفراد والمجتمع، ويمكن تنظيم حملات توعية، وورش عمل لتعزيز الثقافة السلمية وتعزيز التسامح واحترام الآخرين.
  3. بناء بيئة تعليمية آمنة؛ يجب على المدارس العمل على بناء بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، حيث يشعر التلاميذ بالأمان والانتماء؛ ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء قوانين وقواعد واضحة بشأن السلوك المقبول، وتطبيقها بشكل عادل ومنتظم، كما يمكن توفير آليات للإبلاغ عن حالات العنف والتمييز والتنمر، وضمان متابعة هذه الحالات بشكل فعال.
  4. العمل الاجتماعي والتدخل المبكر؛ يجب توفير خدمات العمل الاجتماعي في المدارس لدعم التلاميذ الذين يعانون من التمييز أو العنف المدرسي؛ من خلال تقديم المشورة والدعم النفسي وتنظيم برامج للتوعية والتثقيف.
  5. سعي إدارة المدرسة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ضد كل متعلم يحمل سلاحاً أبيضا، وأن يكون التأديب بأسلوب تربوي وعلمي لا يدفع المتعلم إلى الانحراف، من خلال جلسات التوجيه الجماعي، وتوظيف الإذاعة المدرسية والجانب الإعلامي في المدرسة.

الفرع الثالث: دور المساعدة الاجتماعية في الحد من ظاهرة العنف المدرسي

إن التطور الذي يشهده العالم اليوم وما صاحبه من مشكلات اجتماعية أدى إلى زيادة الوعي بأهمية مهنة “الخدمة الاجتماعية”، لما لها من أدوار فعالة في حل كثير من المشكلات؛ سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات، فهي مهنة إنسانية اجتماعية لها فلسفتها، ومبادئها، وطرقها، وأهدافها وأخلاقياتها الخاصة بها. وقد ساعد ذلك على تنوع وتعدد مجالات الخدمة الاجتماعية التي تسعى في الدرجة الأولى لمساعدة الأفراد والجماعات، ليتوسع مجالها أكثر فيشمل المؤسسات المدرسية؛ وذلك خدمة للمتعلمين والمتعلمات بشكل خاص.

عرفت المدرسة المغربية العديد من المشكلات الاجتماعية والتربوية والبنيوية، كالعنف المدرسي، والشغب، والهدر المدرسي، والتعاطي للمخدرات وسوء التدبير الإداري، مما تطلب تشخيص واقع الحياة المدرسية بالمغرب، والتدخل من أجل إيجاد حلول لمختلف المشكلات التي تعرفها المدرسة المغربية، ولهذا كان لزاما على المتدخلين في القطاع فتح المجال أمام عدة تخصصات علمية أو مهنية لتشخيص وعلاج هاته المشكلات، ومن أبرز هذه التخصصات علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم التربية والمساعدة الاجتماعية.

تندرج المساعدة الاجتماعية المدرسية ضمن نطاق الخدمة الاجتماعية كمهنة إنسانية ظهرت حديثا في أواخر القرن العشرين، بحيث تعمل مع المهن الأخرى لإحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع بما يحقق أهداف هذا المجتمع من تماسك ورعاية، وهي نوع من التدخل الاجتماعي الذي يقوم على تقديم خدمات يحتاجها التلاميذ؛ حيث يسعى إطار الدعم الاجتماعي إلى تفعيل المساعدة والمواكبة الاجتماعية داخل الوسط المدرسي، وخاصة بالنسبة للتلاميذ. بحيث كان أول فوج متخرج “سنة 2020″، أي تاريخ فتح المباراة لأول مرة في وجه الملحقين الاجتماعيين، بحيث تتجلى بعض المهام الأساسية للملحق الاجتماعي المدرسي في ما يلي:

  1. توجيه التلاميذ الذين هم في وضعية هشاشة للجهات المعنية بتقديم الدعم الاجتماعي.
  2. تقديم الدعم النفسي والمعنوي، والوساطة، وتفعيل خلايا الإنصات والاستماع؛ الذي يمكن التلميذ من علاج مشاكله النفسية، ودعم نواقصه الداخلية، وتنمية قدراته التي تمكنه من تحقيق استقلالية في الشخصية.
  3. المشاركة في دراسة الظواهر المدرسية والمجتمعية التي تعوق التلاميذ في الاستفادة من البرامج المدرسية، وتحول دون تكيفهم السليم في الأسرة والمجتمع، واقتراح الوسائل والأساليب الملائمة لمواجهتها.
  4. الانخراط بشكل إيجابي في العمل الجماعي لحل الإشكاليات المطروحة- العنف المدرسي- داخل المؤسسة التعليمية.
  5. المساهمة في تنظيم وتتبع أنشطة الحياة المدرسية الداعية لمحاربة العنف المدرسي.
  6. إعداد وتنفيذ برامج العمل المرتبطة بالوقاية الصحية والاجتماعية في الوسط المدرسي.
  7. تدبير وتنشيط المكتبة المدرسية، وجعلها ملجأ للمتعلمين بدلا من بقائهم خارج أسوار المؤسسة؛ وهذا يساعد على محاربة هذه الآفة القبيحة.

وتعد جرائم الأحداث من الآثار التي تسببها ظاهرة العنف المدرسي؛ حيث تشكل الإصلاحيات ودور الرعاية دورا محوريا في تقويم سلوك الأحداث الجانحين، خاصة الذين تورطوا في أعمال عنف داخل المؤسسة التعليمية، أو في محيطها؛ فبدلا من الاقتصار على المعالجة العقابية تعتمد هذه المؤسسات على برامج تأهيلية تهدف إلى فهم الدوافع النفسية والاجتماعية وراء انحراف الحدث، وتعمل على معالجتها من خلال الدعم النفسي، والتربية على القيم، والتكوين المهني والتربوي؛ وبذلك تسهم في الحد من تكرار جرائم العنف، وتوفر إطارا لإعادة إدماج الحدث في المجتمع كفرد صالح.

وهذا طبعا لا يتأتى إلا بتخصيص أطر المساعدة الاجتماعية بهذه المؤسسات، وتكوينها تكوينا رصينا، وتوفير آليات فعالة لتفعيل أدوارها بشكل جيد.

مما لا شك فيه أن الحماية الاجتماعية أيضا تعتبر مدخلا أساسيا للنهوض بالعنصر البشري من جهة، ولبناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية، والأمن المجتمعي من جهة أخرى. لهذا نجد أن الحماية الاجتماعية تقع في صلب مخططات إصلاح المنظومة التربوية، فقد نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أنه ينبغي أن تبذل كل الجهود من أجل القضاء على كل الظواهر المشينة المهددة للوسط المدرسي، وذكر أن من بين ما يشجع على متابعة دراستهم بأمن وسلام دعم أسرهم الفقيرة والهشة؛ كذلك نجد الرؤية الاستراتيجية تنص بشكل صريح في الرافعة الأولى على إقرار دعم مالي للأسر المعوزة والهشة، وتوسيع نظام الإعانات المالية لهذه الفئة، وذلك حتى لا يكون وضعها الاقتصادي عائقا أمام تمدرس أبنائها؛ كما أكد قانون الإطار (51.17) على مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، وهذا المبدأ لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب الدعم والمساعدة للأسر الفقيرة والهشة؛ كما نجد خارطة الطريق (2022- 2026) تؤكد أيضا على ضرورة تقديم إعانات ومساعدات للأسر الهشة والفقيرة قصد القضاء تدريجيا على الانقطاع والفشل الدراسي الناتج عن كل الظواهر – العنف المدرسي- المهددة لسلامة المتعلمين والعاملين في هذا القطاع.

خاتمة

ختاما لما سبق ذكره، نستخلص أن ظواهر العنف والجريمة تؤدي إلى إضعاف جميع العلاقات الاجتماعية، وعندما تتسرب هذه الظواهر إلى المؤسسات التعليمية التي تشكل موطنا لنقل القيم، والأخلاق والمعرفة إلى أفراد المجتمع؛ فإنه بذلك يتم تخريب المجتمع، وضياع الدولة، وفساد الأمة وانتهاك الحقوق.

ثم إن نقل المعرفة وتنزيل التربية تشكل أولى الطرق والوسائل الوقائية من الجريمة؛ وإنه لمن الفظاعة أن تتصف المؤسسات التعليمة بكونها بؤرة للجريمة، ومصدرا لها؛ لذلك يتوجب اتخاذ تدابير وقائية عن طريق مراعاة أوضاع الضحايا، وأخرى علاجية، وضمان سلامة الأشخاص – المتعلمين والعاملين داخل المؤسسة- وإشراك الآباء، وتحميل الأبناء المسؤولية، واتخاذ شتى التدابير اللازمة للوقاية من العنف على جميع المستويات.

وفي حقيقة الأمر فإنه بقدر ما يلاحظ أن أسباب العنف المدرسي والجريمة كثيرة ومتعددة، وتستدعي إجابات واقعية ومتكاملة بين جميع الشركاء؛ من مدرسة، وسلطات محلية، وشرطة، وقضاء وجمعيات مع إدخال الآباء كأول المسؤولين عن تربية الأبناء، وتشريع قوانين زجرية منظمة لهذه المعضلة؛ بقدر ما يلزم تطبيق هذه الخطوات والإرشادات، وتفعيلها على أرض الواقع، وإلا فإنه لا منفعة منها ولا غاية.

  • مقترحات وتوصيات البحث

إن معالجة ظاهرة العنف في الوسط المدرسي لها ارتباط وثيق بتجديد وإصلاح المنظومة التعليمية، وإعادة النظر في التصورات التعليمية بصورة جدية بعد فشل كل الإصلاحات؛ وذلك بإرساء مدرسة ذات طابع أمني مسالم، والرفع من جودة التعليم، والعناية الكافية بأوضاع الهيئة التعليمية، وصون صورة المهنة، ومنحها الاعتبار الذي تستحقه، والسعي إلى لاتباع الطرق التالية:

  1. مراجعة القوانين الداخلية للمؤسسات التعليمية، وفرض عقوبات زجرية وموضوعية على كل جان، وتوعية الفاعلين بالمؤسسة بمضامينها مع إعادة النظر في مهام مجالس المؤسسة، ومنحها الصلاحيات التقريرية الكافية للحد من العنف بأنواعه. وغير ذلك من الممارسات المخلة بالقيم داخل المؤسسة وفي محيطها، والعمل على توفير ترسانة قانونية تسعى إلى حماية جميع الأطراف.
  2. الحرص على تفعيل أنشطة الحياة المدرسية، والتركيز على الأنشطة الرياضية والتربوية والثقافية بالمؤسسات التعليمية.
  3. الزيادة في عدد الساعات الدراسية لمادة التربية الإسلامية؛ لكونها منبع القيم، ومصدر الأخلاق السلمية السامية؛ بحيث يحرص مدرس مادة التربية الإسلامية على وجه الخصوص أثناء تقديمه للدرس على تربية المتعلمين على القيم الداعية للحرية، والتعايش، والسلم والمساهمة في بناء مجتمع ديموقراطي عادل متماسك يعتز فيه المتعلم بانتمائه لوطنه ودينه.
  4. تقوية المؤسسات التعليمية بالمساعدين الاجتماعيين، نظرا لأهمية أدوارهم داخل المؤسسات التعليمية.
  5. إشراك جمعية آباء وأمهات وأولياء الأمور لتكون شريكا فعالا في التخفيف من العنف في الوسط المدرسي، والحرص على تأهيلها للقيام بهذه المهام.
  6. افتقار ظاهرة العنف المدرسي إلى أبحاث ودراسات علمية وميدانية دقيقة وفعالة؛ بمعنى لا بد من اهتمام العاملين والباحثين في القطاع التربوي، والوقوف على سبل إيقافها داخل الفضاء المدرسي بشكل نهائي، لا الوقوف موقف المنهزم أمام الواقع، باعتبار أن الظاهرة صارت تهدد أمن المجتمع المدرسي وخارج السيطرة، والعمل على الاستفادة منها … غير ذلك.

لائحة المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، أبو الفيض محمد بن أحمد،دار الهداية- الكويت 2001.
  • تهذيب اللغة، أبو منصور، محمد بن أحمد،دار إحياء التراث العربي-بيروت1967.
  • المصباح المنير، في غريب الشرح الكبير،الفيومي،أبو العباس أحمد بن محمد، المكتبة العلمية، بيروت 2009.
  • مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني، أبو الحسن،دار الفكر2007.
  • لسان العرب، لجمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الفريقيز،، الطبعة الثالثة 1993م
  • فيض القدير، شرح الجامع الصغير،محمد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة،بيروت1972 .
  • التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي1031.
  • بحوث في الشريعة والقانون، لأحمد يسري ، العنف ضد المرأة بين التجريم وآليات المواجهة د. مجدي محمد جمعة.
  • العنف ضد المرأة والحماية المقررة لمواجهته في الشريعة الإسلامية دكتورة. عبلة عبد العزيز عامر.
  • دستور المملكة المغربية ، ظهير شريف رقم 1.11.91، صادر في 27 شعبان 1432- 29 يوليوز 2011، جريدة رسمية عدد 5964 بتاريخ 30 يوليوز 2011.
  • ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 8 جمادى الثانية 1382- 26 نونبر 1962، بالمصادقة على مجموعة القانون 1253 :الجنائي، جريدة رسمية عدد 2640 بتاريخ 12محرم 1383-، يونيو 1963.
  • التحليل النفسي للمراهقة ظواهرها وخفاياها، عبد الغاني الديدي، دار الفكر اللبناني، بيروت، لبنان، ط1، 1995م.
  • الإرهاب المفهوم والأسباب وسبل العلاج، محمد الهواري، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودي.
  • العنف والطفولة، دراسات نفسية، سوسن شاکر عید دار صفاء عمان، 2008م.علم النفس النمو والطفولة والمراهقة، أحمد الزغبي ، دار الزهران، عمان ، الأردن، 2001م.
  1. تاج العروس 24/186 ، تهذيب اللغة 3/5 ، مختار الصحاح ص 192 ، المصباح المنير (العين مع النون وما يثلثهما) ص164، مقاييس اللغة 158/4، لسان العرب لابن منظور 9/257 .
  2. فيض القدير، شرح الجامع الصغير،محمد عبد الرؤوف المناوي1/25 .
  3. التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي ص 248 .
  4. معجم لغة الفقهاء د. محمد رواس قلعجي ص 323.
  5. بحوث في الشريعة والقانون، لأحمد يسري ص 14 ، العنف ضد المرأة بين التجريم وآليات المواجهة د. مجدي محمد جمعة ص40.
  6. العنف ضد المرأة والحماية المقررة لمواجهته في الشريعة الإسلامية دكتورة. عبلة عبد العزيز عامر ص9.
  7. سورة فصلت، الآية34 .
  8. سورة النحل، 125.
  9. أخرجه البخاري برقم 6927.
  10. أخرجه البخاري، برقم 220.
  11. أخرجه البخاري برقم 3560 ومسلم برقم 2327.
  12. دستور المملكة المغربية ، ظهير شريف رقم 1.11.91، صادر في 27 شعبان 1432- 29 يوليوز 2011، جريدة رسمية عدد 5964 بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص : 3600.
  13. ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 8 جمادى الثانية 1382- 26 نونبر 1962، بالمصادقة على مجموعة القانون 1253 :الجنائي، جريدة رسمية عدد 2640 بتاريخ 12محرم 1383-، يونيو 1963، ص : 1253.
  14. التحليل النفسي للمراهقة ظواهرها وخفاياها، عبد الغاني الديدي، دار الفكر اللبناني، بيروت، لبنان، ط1، 1995م من 34.
  15. الإرهاب المفهوم والأسباب وسبل العلاج، محمد الهواري، ص: 35، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، .1419
  16. العنف والطفولة، دراسات نفسية، سوسن شاکر عید دار صفاء عمان، خط، 2008م، من 58.
  17. علم النفس النمو والطفولة والمراهقة، أحمد الزغبي ، دار الزهران، عمان ، الأردن، 2001م، ص 141.
  18. العنف في المؤسسات التربوية، عبد الكريم فريشي، عبد الفتاح أبي ميلود، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 1 ، س 2004، ص 24 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى