في الواجهةمقالات قانونية

مستجدات الشرطة القضائية على ضوء مسودة مشروع المسطرة الجنائية : التسجيل السمعي البصري للمحاضر

مستجدات الشرطة القضائية على ضوء مسودة مشروع المسطرة الجنائية :

التسجيل السمعي البصري للمحاضر

وجهة نظر بقلم : عزيز لعــويــســـي

لا تتوقف مهام وإختصاصات ضباط الشرطة القضائية عند حدود القيام بما تستدعيه الأبحاث والتحريات من عمليات وتدخلات ، بل يجب عليهم” أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات وأن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح” ، كما يجب عليهم “بمجرد إنتهاء عملياتهم أن يوجهوا مباشرة إلى وكيل الملك أو الوكيل العام للملك، أصول المحاضر التي يحررونها مرفقة بنسختين منها مشهود بمطابقتها للأصل وكذا جميع الوثائق والمستندات المتعلقة بها ” وهذه المحاضر “يجب أن تشير” إلى أن لمحررها صفة ضابط الشرطة القضائية”(1) ، والمحضر هو “الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية اثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه وما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه ” وهو يخضع إلى شكليات معينة منها على الخصوص “إسم محرره وصفته ومكان عمله وتوقيعه ،ويشار فيه إلى تاريخ وساعة إنجاز الإجراء وساعة تحرير المحضر إذا كانت تخالف ساعة انجاز الإجراء”(2)، والمحضر تبعا لذلك، يعتبر الوسيلة القانونية الأساسية لإثبات التحريات والأبحــاث التي تقوم بها الشرطة القضائية للنهوض بأعباء البحث التمهيدي بمفهومه الواسع ، من تلقي الوشايات والشكايات وإنتقالات ومعاينات وتلقي تصريحات الشهود والمشتبه فيهــم” (3)، ويترتب عن رسمية محضر الشرطة القضائية نتائج في غاية الأهمية تتمثل في عدم إمكانية الطعن في مصداقيته ،إلا بحسب الطرق التي حددها القانون وهي الطعن بالزور أو إثبات ما يخالفها(4) ،والملاحظ في هذا الصدد، أن إرادة المشرع  المغربي إتجهت الى تقسيم المحاضر حسب نوع الجريمة، فإذا انصبت المحاضر على المخالفات والجنح، فإنه يوثق بمضمنها ما لم يطعن فيها بالزور أو إثبات ما يخالفها ، بخلاف الجنايات التي تبقى المحاضر المنجزة بشأنهـا مجر بيانات يستأنس بها قضاة الحكم(5) ، وبالنظر إلى الأهمية التي أحاط بها المشرع محضر الشرطة القضائية، فقد اتجهت المسودة (مسودة قانون يقضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية ) في نفس المنحــــــــى ، وأتت بمقتضى مس في الصميم محضر الشرطة القضائية ضمانا لحجيته ولمصداقية التصريحات المضمنة به ،وعليه سنلقي الضوء على مستجد التسجيل السمعي البصري للمحاضر (أولا) ثم إخضاع هذا المستجد لقراءة نقدية تحليلية (ثانيا) .

أولا : المستجد.

           في الكثير من الحالات طرحت مسألة الطعن في محاضر الشرطة القضائية ، بدعوى إستنادها على تصريحات أو إعترافات تحت الضغط أو الإكراه ، لذلك سعت المادة 1-67  من المسودة (6) إلى الفصل في هذا الموضوع وإحاطة محاضر الضابطة القضائية بمزيد من الشفافية والمصداقية ما يخدم حجيتها ، حيث ألزمت ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لإستماعات الأشخاص المشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظريــة، المشتبه في إرتكابهم لجنايات أو جنــح ، حيث توجب عليه إرفاق المحضر المنجز بشأن القضية موضوع البحث بنسخة من التسجيل توضع في غلاف مختوم وتضم لوثائق القضيــة،  لكن وحسب مقتضيات هذا المستجد ، فإذا تعذر على ضابط الشرطة القضائية مباشرة إجراء التسجيل لأسباب تقنية ، وجب عليه الإشارة إلى ذلك في المحضر، مع ضرورة بيان الأسباب التي حالت دون التسجيل مع إشعار النيابة العامة فورا بذلك ، وهذا التسجيل لا يمكن عرضه أمام المحكمة ،إلا في حالة المنازعة في التصريحات المدلى بهــا ، وذلك بناء على أمر المحكمة إما تلقائيا أو بناء على طلب النيابة العامة أو أحد أطـراف القضية ، ولا يمكن الطعن في التسجيل، إلا عن طريق الطعن بالزور، ومضمونه كغيره من وسائل الإثبات، يخضع لاقتناع القاضي وفقا لمقتضيات المادة 286 (7).

 

                                                                                                                                                                                      ثانيا : قراءة نقدية .

-الملاحظ أن المسودة لم ترتب أي جزاء في حالة عدم قيام ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصــري لاستجوابات الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية ، المشتبه في إرتكابهم لجنايات أو جنــح ، ويـرى البعض في هذا الصدد، ضرورة إضافـة فقرة ترتيب بطـــلان المحضر المنجز غير المرفق بنسخة من التسجيل السمعي البصــري(8) فيما يرى البعض الآخر أن هذا المستجد جاء ليغل يد الضابطة القضائية من خلال توثيق المحاضر وتلقي التصريحات، إلا أن المشرع لم يشمله بإلزام هذه الضابطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص المشتبه في ارتكابهم لجنايات أو جنح ، بعدما منحت لضباط الشرطة القضائيــة إمكانية للتملص من مباشرة هذا الإجراء لأسباب تقنية ، وقد كان بالإمكان إضافة إمكانية تمديد الحراسة النظرية إلى غاية تنفيذه تحت رقابة النيابة العامة دون التساهل مع الضابطة القضائية في ذلك (9)،

 

– في هذا الصدد ، كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات المادة 291 التي تعتبر المحاضر والتقارير في الميدان الجنائي مجرد معلومات (10)، وبين مقتضيات الفقرة الأخيــرة من المادة 67-1 التي تنص على أنـه ” لا يمكن الطعن في التسجيلات إلا عن طريق الطعن بالزور ” ، فإذا ما تم التسليم بما ورد في هذه الفقرة، سوف تصبح المحاضر المرفقة بنسخة من التسجيل السمعي البصري في الميدان الجنائي، محاضر يوثق بمضمونها كالجنح،إلى أن يطعن فيها بالزور، وهو ما يتناقض مع المادة 291 التي تعتبر المحاضر في الجنايات مجرد معلومات  ، وفي نفس السياق، وبما أن مضمون التسجيلات، سيخضع كغيره من وسائل الإثبات لاقتناع القاضي الصميم، فهذا لن يحل المشكل، لأن القاضي سيوضع أمام نص يلزمه بالأخذ بالتسجيلات، إلا إذا تم الطعن فيها بالزور، ومع ذلك فهذا التسجيل يخضع لإقتناعه الصميم ، ويمكن حذف الفقرة المتعلقة باشتراط الطعن بالزور، أو إضافة فقرة تفيد بأن التسجيل لا يؤخذ به كوسيلة إثبات إلا إذا كان بحضور المحامي (11).

 

-على مستوى واقع الممارسة ، وبما أن المقتضى المذكور لا يحمل أي إلزام أو إجبار لضباط الشرطة القضائية من أجل القيام بالتسجيل السمعي البصري ، فلا شك أن ذلك قد يفتــح المجال للتعامل بنوع من “التحايل الناعم” على النص القانوني ، وقد يجد بعض الضباط في “عدم توفر الوسائل التقنية ” لأسباب تقنية ، فرصة مريحـة من أجل تجاوز هذا المقتضى القانوني ، لما قدر يشكله أمامهم من أعباء إضافية ، بل أكثر من ذلك ، فإن إجراء من هذا القبيل ، سـوف يكشف عن الوجه الحقيقي لعمل الضابطة القضائية على مستوى طرق البحث والإستماع داخل مصالح الشرطة القضائية وسيضع كفاءة ضباطها في الواجهة ، ولن يكلف ذلك إلا تحرير بيان في المحضر يشار فيه إلى تعذر القيام بالتسجيل  السمعي البصري لأسباب تقنية ، وكذا إشعار فوري للنيابة العامة بذلك .

 

– لقد أقرت المسطرة الجنائية السارية المفعول جملة من الضمانات القانونية للشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية ( الحق في التزام الصمت، إشعار العائلة، الاتصال بمحام ، المساعدة القضائية … الخ) ، وهذه الحقوق في كثير من الحالات ، لا يتم ترجمتها على أرض الواقع من خلال إشعـار الشخص المعني بها ، ويتم التحايل على النص القانوني ، بكتابة بيان في نهاية المحضر، يشار فيه إلى أن المعني بالأمر قد أطلع على كافة حقوقه القانونية ، بينما الحقيقة ليست كذلك ، وربمــا نفس المآل قد يصادفه المقتضى المذكور في ظل غياب خاصية الإلـزام ، مما قد لا يحعله يحقق مقاصد المشرع من وراء إقراره ، وفي هذا الإطار هناك من يرى أنه من الضروري إضافة ترتيب بطلان المحضر المنجز غير المرفق بنسخة من التسجيل السمعي البصري ، بل وإضافة فقرة أخرى تنص على أحقية المحامي  حضور التسجيل السمعي البصري لاستجوابات الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم لجنايات أو جنح تتجاوز العقوبة المقررة  لهما سنتين حبسا (12).

 

– الملاحظ أن “التسجيل السمعي البصري” شمل فقط محاضر الإستماع ، إلا  أنه تجاهل باقي الإجراءات الأخرى التي تدخل من صميم عمل الضابطة القضائية ، كما هو الشأن بالنسبة لمحاضر الإنتقالات والتفتيش والمعاينات والحجز ، وهذه المحاضر تكتسي أهمية كبرى ، باعتبارها تشكل أرضية صلبة للبحث ومنطلقا لإستجوابات المشتبه فيهم ، فمثلا تسجيل عملية معاينة سرقة بالكسر أو بالتسلق سيدعم قوة وحجية المحضر المنجز وسيثبت أن الأمر يتعلق بسرقة موصوفة ، أو مثلا القيام بعملية تفتيش في منزل مشتبه فيه ، مكنت من حجز كمية مهمة من المخدرات أو مسروق متحصل من جناية أو جنحة ،فتوثيق هكذا إجراءات من شأنه إضفاء الشفافية والمصداقية على عمل الضابطة القضائية ، ويبعدها عن كل ما يخدش سمعتها من قبيل تلفيق التهم أو فبركة القضايا لأغراض خاصة ، كما أن عملية توثيق إجراءات المعاينات والتفتيش والحجز ، تشكل حجج دامغة وقاطعة ضد المشتبه فيهم ، ويمكن الإعتماد عليها كوسائل إثبات عند استجواب الأشخاص المشتبه فيهــم ، لأن الشخص الذي تم بحضوره ،العثور على شحنة من المخدرات مثلا مدسوسة في منزله ، لايمكنه الإنكار قطعا ، لأن هناك دليل قاطع يدينـه ، وقد كان من الضروري إيجاد صيغة حتى يتم توثيق هكذا إجراءات بالصوت والصورة ، رفعا لكل لبـس .

 

عموما وتأسيسا على ما سبق ، فإن اتجاه المشرع نحو اعتماد التسجيل السمعي البصري للمحاضر، يعد خطوة مهمة  في سبيل تعزيز الضمانات القانونية للمشتبه فيه وفرض المزيد من الرقابة على عمل الضابطة القضائية ، وتكريس المزيد من الحجية على ما تنجزه من محاضر قانونية ، وهو مستجد من شأنه أيضـــا أن يضفي المزيد من المصداقية والواقعية على تصريحات المشتبه فيهم بعيدا عن كل ضغط أو إكــراه، لكن إفــراغ هذا المستجد من خاصية الإلزام ، قد يعطي إمكانية لبعض ضباط الشرطة القضائية لتجنب التسجيل السمعي البصري ، بحجة عدم توفر الوسائل التقنيــــة ،وهذا من شأنه أن يفـــرغ هذا المقتضى من فحــــواه .  

 

هوامــــــش :

 

  • : ينظر في هذا الصدد المادة 23 من قانون المسطرة الجنائية .
  • : ينظر في هذا الصدد المادة 24 من ق م ج.
  • : عصام المديني ، عصام المديني ، مرشد الشرطة القضائية في أساليب لبحث والتحري وطرق الإستدلال الجنائي ، مطبعة سيدي مومن الدارالبيضاء ، الطبعة الرابعة ، السنة 2011. ص 63.
  • :أحمد قيلش ومحمد زنون ، أحمد قيلش ومحمد زنون ، الشرطة القضائية ، سلسلة المعارف العلمية في شرح المنظومة الجنائية، مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء ، الطبعة الأولى ، السنة 2013.ص 102
  • : أحمد قيلش ومحمد زنون ، ص 104 ، م س .
  • : نصت المادة 1-67 من مسودة مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية على ما يلي : ” يقوم ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصير لاستجوابات الأشخاص المودعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم جنايات أو جنــح . يرفق ضابط الشرطة القضائية المحضر بنسخة من التسجيل  توضع في غــلاف مختوم وتضم إلى وثائـق الملف. إذا تعذرت عملية التسجيل لأسباب تقنيـة ، أشار ضابط الشرطة القضائية إلى ذلك في المحضر  ويشعر النيابة العامة  فورا بذلك “.
  • : نصت المادة 286 على ما يلي : ” “.
  • : محمد شهبون ،  محمد شهبون ، ملاحظات حول مشروع قانون تغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية ، جريدة الاخبار العدد 581، السنة 3 أكتوبر 2014، ص 14 .
  • : عصام الإبراهيمي ، ،”قراءة في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية” ، جريدة الأخبار، العدد 581، ص 14.
  • : محمد شهبون ، م س .
  • : الطيب عمر ” مستجدات المحاكمة في مشروع المسطرة الجنائية “، مقال منشور بموقع : ” assabah.press.ma ” ، تاريخ التصفح:28/01/2015.
  • محمد شهبون ، م س .

 

 

 

  • عزيز لعويسي ، أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي ، ضابط شرطة قضائية سابقا ، باحث في القانون الخــــــاص .

Laaouissiaziz1@gmail.com

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock