في الواجهةمقالات قانونية

موقف القاضي الإداري من المناورات التدليسية في المادة الانتخابية

موقف القاضي الإداري  من المناورات التدليسية في المادة الانتخابية

تمهيد

تعد الانتخابات آلية من الآليات المجسدة للعملية الانتخابية، وذلك عبر الكشف عن طبيعة العلاقات القائمة بين الحكام والمحكومين، وعن خبايا الصراع حول السلطة والتدبير والتسيير،[1] فالانتخابات تحمل انتظارات ورهانات لكل فئات المجتمع سواء المعارضة بهدف التغيير، أو الموالاة للحفاظ على السلطة، في إطار صراع الأضداد قائم على بنيات ومحددات يتداخل فيها كل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي،[2] حيث تعتبر الاستحقاقات الانتخابية محطة هامة عبر استكمال المشهد التمثيلي من خلال تعبير الأمة عن اختياراتها بإسناد ثقتها إلى من تراه أهلا لهذه الثقة.

فالانتخاب هو الآلية التي يتحقق من خلالها وبواسطتها تداول السلطة، والمشاركة السياسية، والرقابة الشعبية، وإظهار إرادة الهيئة الناخبة وتكوين النخب والقيادات، فلا ديمقراطية بدون انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

ووعيا بأهمية هذه الآلية ونجاعتها داخل النسق السياسي والإجتماعي، تحرص معظم التشريعات والقوانين على إحاطة الممارسة الانتخابية بسياج من الضوابط القانونية، بدءا من التقطيع الانتخابي والتسجيل في اللوائح الانتخابية، مرورا بالحملة الانتخابية إلى التصويت وإعلان النتائج، وذلك ضمانا لإفراز مؤسسات تمثيلية منتخبة تعكس بحق الإرادة الحقيقية للهيئة الناخبة.

ورغم ما قيل عن المسار الانتخابي في المغرب منذ الاستقلال إلى الآن وسواء تعلقت هذه الانتخابات بالاستحقاقات التشريعية أو الاستحقاقات الجماعية، فإن العملية الانتخابية عرفت قفزات عدة، كما عرفت بعض النكسات بفعل الصراع السياسي الذي شهده المغرب وخاصة بين المؤسسة الملكية وأحزاب اليسار،[3] حيث كان من نتيجة ذلك التدخل في العملية الانتخابية بشكل سلبي عن طريق توجيه هذه الأخيرة بما يخدم أهداف سياسية مقصودة بعيدا عن المشروعية والمنافسة الحرة بين مختلف التشكيلات السياسية، فكان أن أدى ذلك إلى مجموعة كبيرة من الانتهاكات والخروقات والمناورات التدليسية المختلفة والتزوير وغير ذلك من الأعمال التي تتنافى مع أهداف العملية الانتخابية.

ومن أجل ضمان احترام الإنتخابات للضوابط القانونية لابد من إقرار الرقابة القضائية عليها كواجب من واجبات الدولة في مجتمع سياسي يعمل على إرساء دولة القانون .

ولذلك أصبح القضاء الإداري يتحمل قسطا وافرا من المسؤولية في البناء الديمقراطي للدولة، من خلال حرصه على التطبيق السليم للمقتضيات القانونية المنظمة للانتخابات بما يضمن تحصين العملية الانتخابية من كل الشوائب والاختلالات والخروقات والانتهاكات والمناورات التدليسية أي كان مصدرها، والعمل في المقابل على تكريس ضمانات الشفافية والنزاهة والمصداقية في العملية الانتخابية، وذلك عن طريق تمكين كل الفاعلين في هذه العملية إمكانية اللجوء إلى القضاء الإداري عند كل إخلال بسير الاستحقاقات الانتخابية للطعن فيها.

وفي هذا الإطار يضطلع القضاء الإداري بوظيفة خاصة تجاه هذه الانتخابات، لما له من أهمية قوامها ضمان الفعالية القانونية للقاعدة الانتخابية من خلال بسط رقابته على مختلف مراحلها.

وتعتبر الاجتهادات القضائية الإدارية غنية في هذا المجال، خصوصا في الشق المتعلق بالمناورات التدليسية مما يستدعي من الباحث الوقوف عندها بالتأمل والتحليل.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن طرح الإشكال التالي:

بالنظر للدور المنوط بالقاضي الإداري في حماية العملية الانتخابية، تقدم أمامه مجموعة من الطعون التي تستهدف إلغاء العملية الانتخابية، فما موقفه من المعايير التي يعتد بها في محاكمته ببطلان الانتخابات بسبب وجود مناورات تدليسية؟

وعليه سيتم تقسيم الموضوع على الشاكلة التالية:

أولا- التحديد الفقهي والقضائي للمناورة التدليسية

عرفت الغرفة الإدارية التدليس في المجال الانتخابي بأنه: “كل ما يخل بالتوازن والفرص المتاحة لجميع المرشحين لعرض وجهات نظرهم على الناخبين وبالاستفادة على قدم المساواة من الإجراءات القانونية التي تنظم سير الانتخاب، وبالتالي فإن المقصود بالمناورات التدليسية عبر العملية الانتخابية الأعمال التدليسية التي يقوم بها المرشحون أو مناصروهم قصد توجيه الاقتراع”[4].

وفي تعريف المحكمة الإدارية بالدار البيضاء للمناورة التدليسية قضت بأن: ”المناورة التدليسية هي كل حالة تنطوي على الإخلال بتكافؤ الارص بين المرشحين كتضليل الناخب أو تفويت فرصة على المرشح وكل عمل مقصود أو مبني على التواطؤ وسوء النية لإفساد العملية الانتخابية [5]”.

وعرف الفقيه “جان كلود ماسكلي” المناورة التدليسية في المادة الانتخابي بكونها: “تتمثل في الضغوط على إرادة الناخبين والتي يكون مصدرها إما سلطة عمومية أو دينية كما تتمثل في حالات الإغراء بالمال”.[6]

كما عرفها كل من الأساتذة “أحمد الصايغ” و“عبد العزيز يعكوبي بأنها: “كل فعل ينطوي على أسلوب الخديعة والدسائس بهدف التأثير في إرادة الناخبين والانحراف بنتيجة الاقتراع عن مسارها الطبيعي”[7].

في حين عرفها الأستاذ “محمد قصري” بأنها:” كل حالة يستشف منها تضليل الناخب أو تفويت الفرصة على المرشح من الفوز بنتيجة الاقتراع، وكل عمل مقصود أو مبني على التواطؤ وسوء النية لإفساد العملية الانتخابية”[8].

ثانيا: التطبيق القضائي للمنازعات المتعلقة باستعمال مناورات تدليسية

نصت المادة 32 من القانون التنظيمي 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الترابية، على أنه: لا يحكم ببطلان الانتخابات جزئيا أو مطلقا إلا في الحالات التالية :

  • إذا لم يجر الانتخاب طبقا للإجراءات المقررة في القانون؛
  • إذا لم يكن الاقتراع حرا أو إذا شابته مناورات تدليسية؛
  • إذا كان المنتخب أو المنتخبون من الأشخاص الذين لا يجوز لهم الترشح للانتخابات بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائي.

كما نصت المادة 61 من نفس القانون، على أنه: “يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين 20.000 إلى 50.000 درهم، كل من قام ب… أو بأي مناورات أخرى يراد بها تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الإقتراع أو انتهاك سرية التصويت”.

وانطلاقا من هاتين المادتين يلاحظ أن المشرع المغربي على عكس الاجتهاد القضائي فهو لم يحدد مفهوما للمناورة التدليسية، إنما اكتفى بكونها سبب من أسباب الحكم ببطلان الانتخابات، وربطها بأي عمل المراد به تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع أو انتهاك سرية التصويت، وهي نفس المقتضيات التي كانت تنص عليها المواد 74 و 96 من مدونة الانتخابات.

ومن أهم الاجتهادات القضائية الصادرة عن المحاكم الإدارية في مجال المنازعات المتعلقة بالمناورات التدليسية ما قضت به إدارية مراكش:” بإلغاء العملية الانتخابية بالدائرة الانتخابية رقم 1 مقاطعة المنارة مراكش بعدما تأكدت للمحكمة ثبوت واقعة تسريب ورقة من أوراق التصويت التي تم استعمالها من طرف أحد الناخبين يوم الاقتراع خارج مكتب التصويت، الأمر الذي يبعث حسب المحكمة على الشك والريبة في نتيجة الاقتراع المذكور ويدخل في باب المناورات التدليسية التي شابت العملية الانتخابية المطعون فيها، نظرا لما ينطوي عليه تسريب أوراق التصويت من خلال عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين ومن تفويت الفرصة على المرشح الطاعن من الفوز بنتيجة الاقتـراع ومن إفساد للعملية الانتخابية”[9].

وفي نفس المضمار قضت إدارية الرباط ” بإلغاء العملية الانتخابية ليوم 16-06-2009 بالدائرة الانتخابية رقم 6 جماعة بني بوزرة، إقليم شفشاون، وذلك إثر السماح للناخبين بالتصويت دون الإدلاء ببطاقة التعريف الوطنية أو ما يقوم مقامها من وثائق إثبات الهوية المحددة حصرا في المادة 62 من مدونة الانتخابات، الأمر الذي سهل القيام بمناورات تدليسية أثرت في نتيجة الاقتراع”[10].

وفيما يتعلق باقتراع 4 شتنبر 2015 قضت المحكمة الإداریة بمراكش بإلغاء العملیة الانتخابیة استنادا إلى كسر صندوق الاقتراع، حیث جاء في حیثیاته ما یلي:”… نقلا عما ضمن بمحضر العملیة المطعون فیھا أنه بعد فتح مكتب التصویت على الساعة الثامنة صباحا، وبعد مرور نصف ساعة صوت ثلاثة أشخاص و تم اقتحام مكتب التصویت من طرف عشرة أشخاص تقریبا، وقذفوا ببعض الكراسي على رئیس المكتب ثم حملوا الصندوق وأخرجوه وكسروه ومزقوا اللائحة الانتخابیة، وعند الساعة التاسعة والنصف بدأت عملیة التصویت من جديد وحیث استقر القضاء الإداري (قرار الغرفة الإداریة بالمجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حالیا) عدد 1382 في 24/09/1997 في الملف الإداري رقم 1391/5/1/199) على أن كسر صندوق الاقتراع وتمزیق محتویاته بعد انطلاقة عملیة الانتخابات، كما ھو الشأن في نازلة الحال، وإحضار صندوق جدید من طرف السلطة المحلیة كل ذلك یدخل في باب المناورات التدلیسیة التي من شأنھا أن تلغي عملیة الانتخاب وتجعل إعادته واجبة قانونا دونما حاجة إلى مناقشة باقي المآخذ المنسوبة إلى العملیة الانتخابیة المطعون فیھا.

وحیث إنه بالترتیب على كل ما سبق تكون معه العملیة الانتخابیة المطعون فیھا غیر مشروعة والطعن ضدھا مؤسس ویتعین معه بالتالي إلغاؤھا مع ما یترتب عن ذلك قانونا”[11].

كما أيدت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض القرار المطعون فيه الصادر عن محكمة الإستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 16/10/2015، حيث جاء فيه ما يلي:” يستفاد من وثائق الملف ومن القرار المطعون فيه الصادر عن محكمة الاستئناف أن المطلوب محمد… بن عبد السلام تقدم بمقال أمام المحكمة الإدارية بفاس، يعرض فيه بأنه كان مرشحا للانتخابات الجماعية التي جرت يوم 04/09/2015 بالدائرة رقم 4 جماعة ارغيوة إقليم تاونات والتي أسفرت عن فوز المطعون ضده جمال…، وأن هذه الانتخابات جرت بشكل مخالف للقانون بعد أن استعمل الطالب المذكور دعايته الانتخابية بواسطة التدليس عن طريق استمالة أصوات الناخبين من خلال ادعائه بأنه يتفوق على منافسيه في الانتخابات لكونه حاصل على شهادة الدكتوراه في التنمية المستدامة وماستر في الاقتصاد، والواقع خلاف ذلك…، أجاب عنه الطرف الفائز بكونه حاصلا فعلا على الماستر كما أنه يمارس التدريس بالجامعة، وأنه بصدد تحضير شهادة الدكتوراه ولم يدع حصوله عليها أثناء الحملة الانتخابية، وإنما كان يشير إلى كونه أستاذ دكتور وليس دكتورا، وبعد استيفاء الإجراءات قضت المحكمة بإلغاء العملية الانتخابية المتعلقة بالمجالس الجماعية المجراة يوم 04/09/2015 استأنفه الطالب أمام محكمة الاستئناف الإدارية التي أيدته بمقتضى القرار المطعون فيه بالنقض.

حيث يعيب الطالب القرار المطعون فيه بخرق حقوق الدفاع وسوء التعليل الموازي… لكن، حيث من المستقر عليه قضاء أن المناورات التدليسية إذا ثبت تأثيرها على نتيجة الاقتراع عن طريق المساس بإرادة الناخبين وتضليلهم والانحراف بها عن مسارها الطبيعي تبطل العملية الانتخابية، وأن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه… ثبت لها أن المرشح الفائز غير حاصل على شهادة الدكتوراه خلافا لما تضمنه ملصقه الانتخابي، معتبرة أن ذلك يشكل مناورة تدليسية حقيقية حول مؤهلاته العلمية المعتمدة بمناسبة ترشحه لتدبير الشأن المحلي حيادا على قواعد التنافس الشريف المطلوب في هذا المجال.

وبذلك عللت قضاءها بما يكفي، وما أثير من وسيلة على غير أساس، وبالتالي رفضت محكمة النقض الطلب”[12].

وفي إطار المعيار الذي يعتمد عليه القاضي الإداري في محاكمته للوسائل المعتمدة في عريضة الطعن، فهو يبحث أساسا كمبدأ عام عن مدى تأثير المخالفة القانونية على نتيجة الاقتراع، ذلك أنه لا يعمد إلى إلغاء العملية الانتخابية إلا إذا كانت الواقعة المثارة من طرف الطاعن لها تأثير كاف وأحيانا حاسم إن لم يكن في إفساد الاقتراع فعلى الأقل في تغيير نتيجته.

وفي هذا الصدد رفضت المحكمة الإدارية بالرباط وسيلة إثبات المناورة التدليسية التي يتمسك بها الطاعن لكونها غير فاعلة في النازلة،  وقد جاء في الحكم:” حيث استند الطاعن لإثبات الوسيلة المذكورة على قرص مدمج، ثبت من خلال الاطلاع عليه أنه يتعلق بتجمهر مجموعة من الأشخاص بجانب سيارة و قيامهم بملاحقتها، وهي وقائع على فرض تعلقها بالمطعون ضده، فهي لا تثبت المخالفة الجنحية والانتخابية المذكورة.

وحيث أنه لإثبات واقعة إرشاء الناخبين كمخالفة في المادة الانتخابية يجب أن تكون الوقائع محددة ومتضمنة للناخبين الذين وقع التأثير على إرادتهم ثم بيان مدى تأثير الواقعة المذكورة، على فرض ثبوتها على نتيجة الاقتراع ككل، وهو ما أقرته محكمة النقض في قرارها عدد 1276 بتاريخ 24/09/1997 ملف إداري عدد 97/1/5/1380، في حين أن محتوى القرص لا تفيد بالقطع قيام المطعون ضده بتسليم رشوة من أجل الحصول على أصوات الناخبين”[13].

وقضت ذات المحكمة برفض الوسيلة المتعلقة باستعمال المطعون في فوزه مناورات تدليسية، وقد جاء في الحكم:” حيث بخصوص الوسيلة الثانية.. من قبيل نقل الناخبين للتصويت بسيارات تابعة له تحت أعين السلطة، مع تهديد الناخبين وترهيبهم طيلة الحملة الانتخابية بسلوك مساطر قضائية في حقهم، فإن الوقائع ظلت عارية من الإثبات وليس بالملف ما يعززها.

وحيث أمام عدم وجاهة الوسائل المرتكز عليها في الطعن يكون هذا الأخير غير مبني على أساس قانوني سليم ويتعين التصريح برفضه”[14].

ونفس التوجه أخذت به نفس المحكمة :” حيث اعتبرت بأن الادعاءات المزعومة من قبل الطاعن حول حضور أنصار المطعون في نتيجته ساعة التصويت إلى مكتب التصويت والتأثير على الناخبين باستعمال العنف والتهديد ضدهم وحرمانهم من التصويت بعدما تم وضع إشارات أمام أسمائهم،لم تأيد بأي حجة وظلت مفتقرة للإثبات القانوني، فضلا على أنه لم يدل بمحضر العملية الانتخابية حتى يتسنى للمحكمة التأكد مما إذا كان هذا المحضر يتضمن الإشارة إلى الوقائع المثارة في مقاله، هذا على فرض تأثيرها في سلامة العملية الانتخابية وفي نتيجتها، مما يبقى معه الطعن فاقدا للأساس القانوني و يتعين رفضه”[15].

كما أيدت  محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 6- 01- 2016 ، الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 18/9/2015 تحت عدد 4074 في الملف رقم 301/7107/2015 حيث صرحت بأن: “الطعن أسس على وسيلة واحدة تتمثل في ارتكاب المستأنف عليه لخروقات بمناسبة حملته الانتخابية من خلال ترويج العديد من الإشاعات والأخبار الكاذبة حوله بغرض التأثير على إرادة الناخبين واستمالتهم للتصويت لصالحه، وهي الواقعة التي أدلى من أجل إثباتها بقرص مدمج مرفق بمقاله، تبين للمحكمة بعد الاطلاع على محتواه بأنه لا يمكن الجزم بكون الشريط موضوعه المنسوب إلى المستأنف عليه تم تصويره في إطار أنشطة حملته الانتخابية في غياب أي بيان دال على تاريخ وظروف تسجيله، فضلا عن أن العمل القضائي متواتر بأن الخروقات المتصلة بالمناورات التدليسية المرتكبة بمناسبة الحملة الانتخابية لا تكون موجبا للتصريح ببطلان العملية الانتخابية إلا إذا ثبت تأثيرها الأكيد على نتائج الاقتراع المعلن عنها بحيث كانت تلك الخروقات سببا في دفع الناخبين إلى التصويت لصالح مرشح ضد آخر، وهو الأمر الذي لم يثبت تحققه في نازلة الحال سيما وأن لائحة الترشيح التي يعتبر المستأنف وكيلها حصلت على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد بستة عشر مقعدا، مما يبقى معه ما أثير في الاستئناف غير ذي أساس والحكم المستأنف لما قضى برفض الطعن جاء معللا تعليلا سليما وحريا بالتأييد”[16].

وتأسيسا على ذلك أيدت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض فيما يخص ادعاء المناورة التدليسية، حكم محكمة الاستئناف وجاء قرارها كالتالي:” المحكمة مصدرة القرار لما أيدت الحكم المستأنف عللت قضاءها وردت جميع الدفوع المثارة بأن وجود مناورات تدليسية شابت عملية الاقتراع لم يقم دليل عليها إذ الطاعن لم يدل أي إثبات بخصوصها”[17].

أما مجلس الدولة الفرنسي فقد اعتبر أن مجرد احتمال استعمال المناورات التدليسية كاف لإلغاء الانتخاب، وليس من الضروري إثبات أن التدليس قد ارتكب فعلا[18].

هذا التوجه جدير بالتأييد والمناصرة، فلا ينبغي اشتراط تأثير المناورات التدليسية على نتيجة الانتخاب لإلغاء هذه الأخيرة، بل إن استعمال التدليس لوحده كاف لإلغاء الانتخاب وذلك نظرا لخطورة هذه الواقعة على الممارسة الديمقراطية من جهة، ومساسها بأهم الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها السلوك الانتخابي من جهة أخرى، باعتبارها أيضا تنم عن فساد الجانب الخلقي لدى المرشح وعدم صلاحيته لتحمل مسؤولية النيابة والتمثيل[19].

كما يعتمد القاضي الإداري إلى جانب المعيار السالف الذكر، معيار المناورة التدليسية الماسة بشرف العملية الانتخابية، وهو المعيار الذي يستعمله لإلغاء العملية الانتخابية كليا أو جزئيا بصرف النظر عن تأثير المناورة التدليسية على نتيجة الاقتراع.

وذلك عندما تمس هذه المناورة العملية الانتخابية في شرفها وأخلاقيتها، كأن تتخللها واقعة الارتشاء مثلا، حيث يتشدد القضاء في محاكمة النتائج الانتخابية المشوبة بهذا الإخلال ولا يتردد في ترتيب جزاء البطلان على العملية الانتخابية كلما ثبت له استعمال المال لاستمالة الناخبين، دونما حاجة لتقدير مدى تأثير هذه المخالفة في نتيجة الاقتراع، ذلك أن معيار التأثير المعمول به لمحاكمة المخالفات الانتخابية لا يعمل به إلا بالنسبة للمخالفات العادية، أما في حالة استعمال المال، فإن ذلك يؤدي بشكل مطلق إلى إلغاء الانتخاب، لأن هذه المخالفة لا تمس فقط بسلامة نتيجة الاقتراع، وإنما تمس في العمق بشرف العملية الانتخابية.

ومن أهم الاجتهادات القضائية في مجال المنازعات المتعلقة بالمناورات التدليسية دون الأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير المخالفة في النتيجة (تقنية خصم الأصوات)، قضت المحكمة الإدارية بالرباط:”أن حماية شرف هذه العملية الانتخابية يستوجب الحكم بالإلغاء كلما كانت المخالفة تكتسي الطابع السرطاني، ومن تم وعلى الرغم من كون الطاعن حصل على 145 صوتا، والمطعون في فوزه حصل على 168 صوتا، فإن الفارق في الأصوات لا يمكن أن يبرر سلامة الانتخاب المطعون فيه طالما أن المخالفة التي شابت عملية الانتخاب تعتبر من المخالفات المبطلة للانتخاب دونما حاجة لتقدير مدى تأثير المخالفة في النتيجة”[20].

 

 

على سبيل الختم

لقد أبان القاضي الإداري عن جرأته وفعاليته وحرصه الشديد على ضمان احترام الإجراءات المنظمة للعمليات الانتخابية وضمان الأخلاق الشريفة لتلك العمليات ولم يتوان قط في إلغاء كل عملية انتخابية لم يحترم فيها الإجراءات المقررة قانونا.

غير أنه وعلى الرغم من الدور الفعال الذي لعبه في ضمان سلامة العملية الانتخابية فإنه لا زالت بعض الإشكالات المثارة في النزاع الانتخابي لم يحسم فيها بعد عن طريق إقرار مبادئ حولها، كاشتراطه تارة عنصر التأثير في المخالفة الانتخابية حتى تكون موجبة لإلغاء الانتخاب، وتارة أخرى يقضي ببطلان العملية الانتخابية بدون اشتراط عنصر التأثير على اعتبار المخالفة الانتخابية من النظام العام، من غير أن يحسم في قضائه بمبادئ محددة تبين طبيعة المخالفة الانتخابية المعتبرة من النظام العام وطبيعة النظام العام في المادة الانتخابية.

كما أن كثيرا من القضايا نجد أن القاضي الإداري يختزل مراقبة صحة الانتخابات في مجرد عملية إحصائية الشيء الذي يجعله يزيغ عن عملية التحقيق، لكن هذا لا ينقص من الدور الكبير للقضاء حيث تزداد أهميته وتزداد الحاجة إلى تدخلاته لكي يلعب دوره الأساسي في ضمان نزاهة الانتخابات وعدم انحرافها عن القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مما يستوجب عليه أن يطور من وسائله القانونية وأدواته للحد من المناورات التدليسية ووسائل الضغط والإكراه التي بدورها تطورت وتعددت، فالطريق مازال أمامنا شاقا وعسيرا للوصول إلى انتخابات نسبيا ديمقراطية وشفافة، في إطار تجويد العمليات الانتخابية لتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي، قوامه الشفافية والنزاهة واحترام إرادة الناخب

[1] – محمد ياسين أشرف:”السلطوية الإنتخابية وإشكالية تجديد الشرعية“، مجلة الديمقراطية، مركز الأهرام للتنظيم وتكنولوجيا المعلومات، العدد 57، يناير 2015، ص:12.

[2] – محمد مونشيح: الانتخابات المغربية: أزمة تمثيلية؟ مجلة وجهة نظر، عدد مزدوج 33- 34 صيف – خريف 2007، ص:20.

[3] – رأت الأحزاب اليسارية المغربية في الانتخابات لحظة سياسية مميزة لتوسيع قاعدتها الإجتماعية، وتطوير إيديولوجيتها وشعاراتها السياسية، وأداة لتنمية التحول الديمقراطي السلمي، وفرصةَ للمشاركة في التعاقب على السلطة، بينما تعاملت المؤسسة الملكية معها بمنطق سياسي مسكون بالإحتراز، والحيطة، والسعي الدؤوب والمنتظم إلى التحكم في توازنات الحقل السياسي، معتمدة آليات قوية للضبط من قبيل الإشراف على وضع فلسفة النظام والتقطيع الإنتخابيين، وخلق ودعم الأحزاب لصنع الأغلبيات، وتوجيه القضاء بأنواعه العادي والإداري والدستوري كي لا يكتسب قدرا واضحا من الاستقلالية في الفصل في المنازعات الانتخابية.

[4] – قرار الغرفة الإدارية عدد 296 بتاريخ 27 ماي 1976، أورده أحمد الصايغ وعبد العزيز يعكوبي في مداخلتهما : “المناورات التدليسية وتأثيرها على نتيجة الاقتراع “، مداخلة في إطار أشغال اليومين الـدراسيين المنظمين من طرف المجلس الأعلى بالربـاط بتاريخ 27 و 28 مارس 2003 في موضوع:”القضاء الإداري والمنازعـات الانتخابية“، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى، العدد 4، السنة 2004.

[5]– حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، في الملف رقم 546/07/2009، بتاريخ 08/07/2009، منشور في الموقع الالكتروني: www.jurisprudencemaroc.com

[6]–  Claude Masclet (J):” Droit électoral“, Press universitaire de France 1989, p: 327.

[7] – أحمد الصايغ وعبد العزيز يعكوبي في مداخلتهما:”المناورات التدليسية وتأثيرها على نتيجة الاقتراع“، المرجع السابق، ص: 78.

[8] – محمد قصري:”المخالفات الانتخابية ورقابة القضاء الإداري، مقال منشور في سلسلة دفاتر المجلس الأعلى، عدد  04/2004 : ص/ 201.

[9] – المحكمة الإدارية بمراكش، حكم عدد 625 بتاريخ 13 يوليوز 2009، غير منشور.

[10] – المحكمة الإدارية بالرباط، حكم عدد 1940 بتاريخ 29-7-2009، غير منشور.

[11] – حكم المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 6 أكتوبر 2015، في الملف الإداري عدد 1103/7107/2015، غير منشور.

[12] – قرار صادر عن الغرفة الإدارية  بمحكمة النقض بتاريخ 24/03/2016، تحت عدد 502/1 في الملف الإداري عدد 558/4/1/16، منشور عند محمد بفقير:”العمل القضائي للغرفة الإدارية بمحكمة النقض خلال سنة 2016، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 2017،ص:319.

[13] – حكم المحكمة الإدارية بمكناس، رقم 594/7107/2015، في الملف رقم 185/7107/2015، بتاريخ 22/09/2015، غير منشور.

[14] – حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 4103، بتاريخ 18/9/2015، ملف رقم 280/7107/2015، غير منشور.

– أنظر: حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 4105، بتاريخ 18/9/2015، ملف رقم 282/7107/2015، غير منشور، نفس حيثيات القضية ونفس المطعون في فوزه  وكذلك نفس التعليل الذي تبناه القاضي الإداري في الحكم رقم 4103 أعلاه، لكن الطاعن  ينتمي لدائرة انتخابية أخرى.

[15] –  حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 4030، بتاريخ 17/9/2015، ملف رقم 285/7107/2015، غير منشور.

– أنظر في نفس السياق: حكم المحكمة الإدارية بالرباط، رقم 4029، بتاريخ 17/9/2015، ملف رقم: 250/7107/15، غير منشور.

[16] – قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ، عدد 52 بتاريخ 6/01/2016، في الملف عدد 1/7212/2016،غير منشور.

[17] – قرار الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، رقم 207/1 بتاريخ 11/02/2016، في الملف الإداري رقم 299/4/1/2016، منشور في سلسلة إصدارات المكتب الفني، المنازعات الانتخابية في ضوء قرارات محكمة النقض، العدد الأول – شتنبر 2016، ص: 163.

[18]– المكي السراجي ونجاة خلدون: “الطعون القضائية في انتخابات الجماعات الترابية”، سلسلة مواضيع الساعة عدد 96، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى،2016.

 

[19] –  نجاة خلدون و المكي السراجي:”الطعون القضائية في انتخابات الجماعات الترابية“، مرجع سابق، ص:360.

[20] – المحكمـة الإدارية بالرباط، حكم عدد 1288 بتاريخ 30-10-2003، أورده كل من المكي السراجي ونجاة  خلدون في كتابهما المشترك:”القضاء الانتخابي في المادة الإدارية “، مطبعة دار القلم- الرباط، الطبعة الأولىى 2009،ص: 432.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق