في الواجهةمقالات قانونية

حدود السلطة الملكية في إنهاء المهام الحكومية وإنهاء الولاية البرلمانية: دراسة في الإعفاء والاستقالة والحل في ضوء دستور 2011 – عبد الغني الحمراوي

حدود السلطة الملكية في إنهاء المهام الحكومية وإنهاء الولاية البرلمانية: دراسة في الإعفاء والاستقالة والحل في ضوء دستور 2011

Les limites du pouvoir royal dans la cessation des fonctions gouvernementales et la fin du mandat parlementaire : étude de la révocation, de la démission et de la dissolution à la lumière de la Constitution de 2011

اسم الباحث: عبد الغني الحمراوي

حاصل على ماستر الحكامة الأمنية وحقوق الانسان وهو ماستر متخصص في القانون الإداري والعلوم الإدارية والسياسية من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس جامعة مولاي إسماعيل

الخلاصة

خلصت الدراسة إلى أن دستور 2011 أقام تمييزًا واضحًا بين الإعفاء والاستقالة والحل، وحدد لكل آلية طبيعتها وشروطها والجهة المختصة بها. فالملك يملك، وفق الفصل 47، إعفاء عضو أو أكثر من الحكومة بعد استشارة رئيس الحكومة، دون أن ينص الدستور صراحة على سلطة مماثلة لإعفاء رئيس الحكومة.

كما أن استقالة رئيس الحكومة تترتب عنها دستوريًا استقالة الحكومة بكاملها، في حين يمكن للمسؤولية السياسية أن تؤدي إلى النتيجة نفسها من خلال سحب الثقة أو ملتمس الرقابة. أما الحل، فينصب على الولاية البرلمانية، وقد وزع الدستور ممارسته بين الملك ورئيس الحكومة وفق الفصلين 96 و104.

وتؤكد الحالات الاستثنائية بدورها أن ممارسة الاختصاصات الدستورية تظل مقيدة بشروط وإجراءات محددة، ولا سيما منع حل البرلمان أثناء حالة الاستثناء.

وبذلك يتبين أن دستور 2011 لا يقرر سلطة ملكية عامة في إنهاء المهام أو الولاية البرلمانية، وإنما يؤسس لتوزيع دستوري للاختصاصات يوازن بين مكانة الملك واستمرارية الدولة وبين اختصاصات الحكومة والبرلمان.

Résumé

L’étude montre que la Constitution marocaine de 2011 distingue clairement la révocation, la démission et la dissolution, en déterminant pour chacune sa nature, ses conditions et l’autorité compétente. Le Roi peut, conformément à l’article 47, mettre fin aux fonctions d’un ou de plusieurs membres du Gouvernement après consultation du Chef du Gouvernement, sans que la Constitution prévoie expressément un pouvoir similaire de révocation du Chef du Gouvernement.

La démission du Chef du Gouvernement entraîne constitutionnellement celle du Gouvernement dans son ensemble, tandis que la responsabilité politique peut également conduire à cette conséquence par les mécanismes de confiance et de motion de censure. La dissolution concerne, quant à elle, le mandat parlementaire et relève à la fois du Roi et du Chef du Gouvernement, conformément aux articles 96 et 104.

L’étude des situations exceptionnelles confirme également que l’exercice des compétences constitutionnelles demeure soumis à des conditions et limites précises, notamment l’interdiction de dissoudre le Parlement pendant l’état d’exception.

Ainsi, la Constitution de 2011 établit non pas un pouvoir royal général de cessation des fonctions ou du mandat parlementaire, mais une répartition constitutionnelle des compétences entre les différentes institutions.

مقدمة:

يعد تنظيم العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان من أبرز الموضوعات التي تكشف طبيعة النظام الدستوري المغربي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية وبكيفية ممارسة كل مؤسسة للسلطات المخولة لها.

وقد عرف هذا التنظيم تطورا متدرجا منذ أول دستور للمملكة سنة 1962، ولا سيما فيما يتعلق بتعيين الحكومة وإنهاء مهامها وبحل المؤسسة البرلمانية، قبل أن يبلغ مرحلة جديدة مع دستور 2011 الذي أعاد صياغة عدد من هذه الاختصاصات في ضوء مبادئ فصل السلط وتوازنها وتعاونها وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فبالرجوع إلى دستور 1962، يتضح أن الفصل 24 كان ينص حرفيا على أن: «يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا أفرادا أو جماعة»، كما كان الفصل 27 ينص على أن: «للملك حق حل مجلس النواب بمرسوم ملكي طبق الشروط المبينة بالفصلين 77 و79 من الباب الخامس». وهو ما يعكس آنذاك تركيزا واضحا للاختصاص المتعلق بتكوين الحكومة وإنهاء مهامها والحل البرلماني في يد الملك.

ولم يطرأ تغيير جوهري على الصياغة المتعلقة بإنهاء المهام الحكومية في دستوري 1970 و1972، إذ حافظ الفصل 24 على نفس الاتجاه، ونص على أن: «يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقبلهم إن استقالوا». وتكشف هذه الصياغة عن استمرار ارتباط تعيين الوزير الأول والوزراء وإنهاء مهامهم بالاختصاص الملكي، مع اختلاف الصياغة المتعلقة بالاستقالة عن دستور 1962.

أما دستور 1992، فقد شكل مرحلة أكثر دلالة من حيث إعادة تنظيم العلاقة بين الملك والحكومة، إذ أصبح الفصل 24 ينص على أن: «يعين الملك الوزير الأول.

ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول.

وله أن يعفيهم من مهامهم.

ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها».

واستمر دستور 1996 في اعتماد الصياغة نفسها تقريبا، إذ نص الفصل 24 على أن: «يعين الملك الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول.

وله أن يعفيهم من مهامهم.

ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها»، كما نص الفصل 27 على أن: «للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف طبق الشروط المبينة في الفصلين 71 و73 من الباب الخامس».

وتبرز أهمية المقارنة بين هذه المقتضيات والدستور الحالي في كون دستور 2011 لم يكتف بإعادة صياغة الاختصاصات السابقة، وإنما أدخل عناصر جديدة في طريقة تشكيل الحكومة وإنهاء مهامها، وربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات، وأخضع الإعفاء الفردي لأعضاء الحكومة لاستشارة رئيس الحكومة، كما ميز بين الاستقالة وبين الإعفاء، وأقر لرئيس الحكومة اختصاصا دستوريا في حل مجلس النواب. وبذلك أصبح تحديد نطاق السلطة الملكية في هذا المجال مرتبطا بصورة مباشرة بمبدأ الاختصاص الدستوري الصريح.

ويؤكد هذا التوجه الفصل 42 من دستور 2011، الذي ينص على أن الملك، باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات والهيئات، وأنه يمارس هذه المهام بواسطة «السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور. وتكتسي العبارة الأخيرة أهمية خاصة في تحديد حدود الاختصاص الملكي، لأنها تجعل ممارسة السلطة مرتبطة بالاختصاصات التي أسندها الدستور إلى الملك، ولا تجعل الوظائف العامة الواردة في الفصل 42 مصدرا مستقلا لإضافة اختصاصات لم ينص عليها الدستور.

وتزداد أهمية الموضوع بالنظر إلى تداول عدد من التصورات غير الدقيقة في النقاش العمومي بشأن إنهاء مهام رئيس الحكومة أو أحد أعضاء الحكومة، واستعمال تعبيرات مختلفة مثل العزل بدل الإعفاء والاستقالة دون مراعاة الاختلاف القانوني بينها. كما أن التمييز بين هذه الآليات لا يكتسي أهمية نظرية فقط، وإنما يرتبط بتحديد الجهة صاحبة الاختصاص، وبالشروط والإجراءات الواجب احترامها، وبالآثار المترتبة عن كل حالة.

وتتمثل دوافع اختيار الموضوع، أساسا، في الرغبة في ضبط هذه المفاهيم من منظور دستوري دقيق، خاصة في ظل تداول مطالب عمومية سابقة بإنهاء مهام رئيس الحكومة أو بعض الوزراء، أحيانا دون استحضار الآليات التي حددها الدستور لإنهاء المهام. كما أن بعض الكتابات أو التفسيرات قد تستعمل المفاهيم ذاتها بصورة متداخلة، الأمر الذي يبرر العودة إلى النص الدستوري نفسه لتوضيح وتجاوز المغالطات.

وانطلاقا من ذلك، لمعالجة الإشكالية المركزية للبحث ولتأطير الموضوع، نطرح التساؤلات الآتية:

إلى أي حد أقام دستور 2011 توازنا بين الاختصاصات الملكية المتعلقة بإنهاء مهام الحكومة وحل البرلمان، وبين اختصاصات هذه الأخيرة في نفس المجال، وما حدود السلطة الملكية في ذلك في ضوء الوظيفة الدستورية للملك كضامن لاستمرار الدولة وحسن سير المؤسسات؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات، من أهمها:

ما نطاق سلطة الملك في إعفاء أعضاء الحكومة؟

وهل يمتد هذا الاختصاص إلى رئيس الحكومة، أم أن المركز الدستوري لهذا الأخير يخضع لنظام خاص؟ وما طبيعة الاستقالة التي يترتب عنها انتهاء المهام الحكومية؟ وهل الاستقالة دائما نتيجة إرادة صاحب المنصب، أم قد تكون أثرا دستوريا إلزاميا لممارسة آليات المسؤولية السياسية؟

وما الفرق بين سحب الثقة وملتمس الرقابة؟

وما حدود الاختصاص الملكي في حل البرلمان؟

وما طبيعة الاختصاص الذي منحه الدستور لرئيس الحكومة في حل مجلس النواب؟

وكيف يتم التمييز بين الحل الملكي والحل الحكومي، وما أثر الظروف الاستثنائية، ولا سيما حالة الحصار وحالة الاستثناء وإشهار الحرب، على ممارسة هذه الاختصاصات؟

وينطلق البحث من فرضية أساسية مؤداها أن دستور 2011 لم يقرر اختصاصا ملكيا عاما في إنهاء المهام الحكومية أو إنهاء الولاية البرلمانية، وإنما وزع هذه الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية وحدد لكل منها مجال ممارسته وشروطه وآثاره. كما يفترض البحث أن الصياغة الجديدة للفصل 47 تعكس تمييزا بين المركز الدستوري لرئيس الحكومة وبين باقي أعضاء الحكومة، وأن الاستقالة تشكل آلية مستقلة عن الإعفاء، في حين أن الحل البرلماني أصبح خاضعا لنظام مزدوج يسمح للملك بحل المجلسين أو أحدهما، ويتيح لرئيس الحكومة حل مجلس النواب ضمن شروط دستورية محددة.

وسيتم اعتماد المنهج التحليلي أساسا من خلال تحليل النصوص الدستورية وتحديد مدلول المصطلحات الواردة فيها، مع توظيف المنهج المؤسساتي للكشف عن طبيعة العلاقة بين الملك والحكومة والبرلمان.

كما نعتمد على التقسيم الآتي للموضوع:

المبحث الأول: الإعفاء والعزل وحدود السلطة الملكية تجاه الحكومة

المطلب الأول: التمييز بين العزل والإعفاء من حيث الطبيعة القانونية ومجال إعمالهما

الفقرة الأولى: مفهوم العزل ومجال إعماله في النظام القانوني

الفقرة الثانية: الإعفاء كآلية دستورية لإنهاء مهام أعضاء الحكومة

المطلب الثاني: خصوصية رئيس الحكومة وحدود السلطة الملكية في إنهاء مهامه

الفقرة الأولى: المركز الدستوري الخاص لرئيس الحكومة

الفقرة الثانية: لماذا لا يمكن استخلاص سلطة إعفاء أو عزل رئيس الحكومة من الفصل 42؟

المبحث الثاني: الاستقالة وإنهاء المسؤولية الحكومية بين الإرادة والأثر الدستوري

المطلب الأول: استقالة رئيس الحكومة وطبيعتها القانونية

الفقرة الأولى: هل استقالة رئيس الحكومة اختيارية أم إلزامية؟

الفقرة الثانية: لماذا تؤدي استقالة رئيس الحكومة إلى إعفاء الحكومة بكاملها؟

المطلب الثاني: المسؤولية السياسية للحكومة بين سحب الثقة وملتمس الرقابة

الفقرة الأولى: سحب الثقة كآلية دستورية مرتبطة بمبادرة رئيس الحكومة

الفقرة الثانية: ملتمس الرقابة وشروطه وآثاره

المبحث الثالث: الحل البرلماني والحالات الاستثنائية وحدود السلطة الدستورية

المطلب الأول: الحل كآلية لإنهاء الولاية البرلمانية

الفقرة الأولى: الفرق بين الإعفاء والحل

الفقرة الثانية: الحل الملكي للبرلمان وفق الفصل 96

المطلب الثاني: الحالات الاستثنائية: حالة الاستثناء والحصار والحرب

الفقرة الأولى: مفهوم حالة الاستثناء والسلطات التي يمارسها الملك خلالها

الفقرة الثانية: مفهوم حالة الحرب وآثارها على البرلمان

الفقرة الثالثة: مفهوم حالة الحصار وتمييزها عن حالة الاستثناء

المبحث الرابع: ازدواجية سلطة الحل بين الملك ورئيس الحكومة

المطلب الأول: الحل الملكي لمجلسي البرلمان أو أحدهما

المطلب الثاني: الحل الحكومي لمجلس النواب

المبحث الأول: الإعفاء والعزل وحدود السلطة الملكية تجاه الحكومة

يقتضي تحليل إنهاء المهام الحكومية الانطلاق من التمييز بين المفاهيم التي قد تبدو متقاربة من الناحية العملية، لكنها تختلف دستوريا وقانونيا.

فالعزل يرتبط في استعماله القانوني العام بإنهاء ولاية أو وظيفة، وقد يرتبط، بحسب المجال، بمخالفة أو إخلال بالواجبات؛ أما الإعفاء فهو إنهاء للمهام دون أن يكون هذا الإنهاء بالضرورة ذا طبيعة تأديبية أو عقابية.

وتزداد أهمية هذا التمييز في المجال الدستوري المغربي لأن دستور 2011 اختار صراحة مصطلح الإعفاء عند تنظيم إنهاء مهام أعضاء الحكومة، ولم يجعل «العزل» آلية دستورية عامة لإنهاء مهام الحكومة أو رئيسها.

كما يتطلب الأمر الوقوف عند المكانة الخاصة التي أولى بها الدستور رئيس الحكومة، وتفسير السبب الذي دفع المشرع إلى عدم إعطاء الملك الصلاحية في إعفاء هذا الأخير من مهامه، حيث استوجب لذلك أن يقدم هذا الأخير استقالته.

وهذا ما سنعمل على توضيحه من خلال هذا المبحث وفق الشكل الاتي:

المطلب الأول: التمييز بين العزل والإعفاء من حيث الطبيعة القانونية ومجال إعمالهما

المطلب الثاني: خصوصية رئيس الحكومة وحدود السلطة الملكية في إنهاء مهامه

المطلب الأول: التمييز بين العزل والإعفاء من حيث الطبيعة القانونية ومجال إعمالهما

نتيجة الخلط المتكرر لرأي العام بين مصطلحي العزل والإعفاء نرى أنه من الواجب التوضيح الفرق القانوني بين مفهومي هذين المصطلحين ومجال إعمالهما، خاصة لما يترتب عن هذا الخلط من سوء الفهم على مستوى اختصاصات المؤسسة الملكية ووظيفتها (الفقرة الأولى).

كما سنعمل على توضيح خصوصية المسطرة التي يمارس في اطارها الملك سلطة إعفاء أحد أعضاء الحكومة ومجموع أعضائها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مفهوم العزل ومجال إعماله في النظام القانوني

يقصد بالعزل، في دلالته القانونية العامة، إنهاء ولاية شخص أو وضع حد لممارسته وظيفة أو مهمة قبل انتهاء المدة التي كان من المفترض أن يستمر خلالها في ممارستها، بناءً على سلطة يخولها القانون أو الدستور لجهة معينة.

غير أن العزل ليس له معنى واحد في جميع فروع القانون. ففي مجال الوظيفة العمومية مثلًا، قد يأتي إنهاء العلاقة الوظيفية في إطار نظام تأديبي نتيجة ارتكاب الموظف مخالفة مهنية، وفق الشروط والضمانات المحددة قانونًا. كما يمكن أن تنتهي علاقة الموظف بالإدارة لأسباب أخرى لا تحمل بالضرورة طبيعة تأديبية، كالاستقالة أو الإحالة على التقاعد أو فقدان شروط التوظيف.

ومن هنا، لا يصح نقل مفهوم العزل التأديبي في مجال الوظيفة العمومية بصورة آلية إلى المجال الدستوري، كما أن وجود علاقة رئاسية أو سياسية بين شخصين لا يكفي وحده لإثبات وجود سلطة عزل.

فحتى في إطار التسلسل الرئاسي، لا يعني خضوع شخص لسلطة شخص آخر أن هذا الأخير يستطيع إنهاء مهامه كيفما شاء، وإنما تستند سلطة الرئيس الإداري إلى القانون والتنظيم، وتظل مقيدة بمبدأ المشروعية وبالاختصاص وبالمسطرة وبالضمانات القانونية.

وبالتالي، يتعين في كل حالة البحث عن السند القانوني أو الدستوري الذي يمنح السلطة في إنهاء المهام، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمناصب الدستورية التي لا تخضع لمجرد التسلسل الرئاسي الإداري، وإنما يحكمها توزيع للاختصاصات مصدره الوثيقة الدستورية.

ويقتضي الأمر، في هذا السياق، التمييز بين العزل والإعفاء من حيث الطبيعة القانونية؛ فالعزل، في الاستعمال القانوني العام، قد يأخذ بحسب المجال طابعًا تأديبيًا أو يرتبط بإنهاء ولاية أو وظيفة وفق شروط خاصة، في حين أن الإعفاء ينصرف إلى إنهاء المهام من طرف الجهة التي خولها القانون أو الدستور هذه الصلاحية، دون أن يفترض في ذاته قيام خطأ أو مخالفة.

ومن ثم، فإن الفرق بين العزل والإعفاء لا يتعلق بمجرد اختلاف لفظي، وإنما يتعلق كذلك بالأساس القانوني وبالطبيعة والآثار. فلا يمكن اعتبار العزل اختصاصًا قائمًا بذاته إلا إذا أسنده نص إلى جهة معينة، كما لا يمارس الإعفاء إلا في الحدود التي رسمها النص الذي قرره.

الفقرة الثانية: الإعفاء كآلية دستورية لإنهاء مهام أعضاء الحكومة

وبالرجوع إلى دستور 2011، لا نجد في الفصل 47 سلطة ملكية عامة تسمى «عزل الحكومة» أو «عزل رئيس الحكومة»، وإنما نجد سلطة محددة تتمثل في إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة.

وقد استعمل الفصل 47 مصطلح الإعفاء بصورة صريحة، فنص على أن للملك، بمبادرة منه، وبعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوًا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.

ويلاحظ هنا أن الدستور حدد ثلاثة عناصر أساسية لهذه السلطة:

أولًا: محل الإعفاء

ينصرف النص إلى «عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة»، أي الوزراء ومن في حكمهم ممن يدخلون في تشكيل الحكومة وفق الدستور.

ثانيًا: المبادرة

يمكن أن تكون المبادرة من الملك نفسه، كما يمكن لرئيس الحكومة أن يطلب إعفاء عضو أو أكثر من الحكومة.

ثالثًا: الاستشارة

إذا كانت المبادرة من الملك، فإن الفصل 47 يشترط قبل ممارسة سلطة الإعفاء استشارة رئيس الحكومة.

وهذه الاستشارة لا تعني، من الناحية النصية، أن رئيس الحكومة يملك حق الاعتراض أو الفيتو على قرار الإعفاء؛ فالنص استعمل عبارة «بعد استشارة» ولم يستعمل عبارة «بعد موافقة». وبالتالي، فالاستشارة إجراء دستوري واجب، لكنها لا تتحول بمجرد ذلك إلى موافقة مشترطة.

كما أن الفصل 47 لم يمنح رئيس الحكومة سلطة إعفاء الوزراء بصورة نهائية من تلقاء نفسه، وإنما منحه سلطة طلب الإعفاء من الملك.

وهذا يعني أن الإعفاء النهائي يظل مرتبطًا بالاختصاص الملكي الذي حدده الفصل 47.

وهكذا يتضح أن الإعفاء الوزاري ليس سلطة إدارية عادية ناتجة عن التسلسل الرئاسي، وإنما هو اختصاص دستوري خاص، حدّد الدستور صاحبه وشروط ممارسته ومجاله.

وبذلك، فإن استعمال عبارة «عزل الحكومة من طرف الملك» في الكتابة العلمية يحتاج إلى تدقيق، لأن التعبير الدستوري المعتمد هو الإعفاء، كما أن محل هذه السلطة محدد في أعضاء الحكومة، ولا يجوز تحويل المصطلح العام للعزل إلى اختصاص دستوري مستقل غير منصوص عليه.

المطلب الثاني: خصوصية رئيس الحكومة وحدود السلطة الملكية في إنهاء مهامه

سنعمل من خلال هذا المطلب على تحديد طبيعة المكانة التي خصها المؤسس الدستوري لرئيس الحكومة والسبب المبرر لذلك (الفقرة الأولى)، ونوضح لماذا الملك لم يخول له الدستور التدخل المباشر بمبادرة منه لإعفاء رئيس الحكومة من مهامه بخلاف ما هو عليه الامر بالنسبة لباقي أعضاء الحكومة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المركز الدستوري الخاص لرئيس الحكومة

يحتل رئيس الحكومة مركزا دستوريا يختلف عن مركز باقي أعضاء الحكومة.

فالفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بالنتائج الانتخابية لمجلس النواب، حيث يعينه الملك من الحزب السياسي الذي تصدر الانتخابات وعلى أساس نتائجها. أما أعضاء الحكومة، فيعينهم الملك باقتراح من رئيس الحكومة.

ويكشف هذا الاختلاف عن تمييز دستوري بين مستويين:

  • رئيس الحكومة يستمد تعيينه من قاعدة دستورية مرتبطة بالانتخابات التشريعية حيث تعكس طريقة تنصيبه وإنهاء مهامه، إحترام إرادة الشعب والاختيار الديمقراطي الذي يعتبر من الثوابت الأساسية لأمة والنظام الدستوري.
  • أعضاء الحكومة يعينون باقتراح من رئيس الحكومة، وبما أن رئيس الحكومة له الحق في اختيار الأعضاء التي ستشتغل معه فذلك يجعله المسؤولية السياسي عن الحكومة أمام الملك ومجلس النواب الذي يمثل إرادة الشعب.

ومن ثم، فإن رئيس الحكومة لا يمكن اعتباره مجرد «وزير أول» داخل الحكومة، وإنما هو صاحب مركز دستوري مستقل، يرتبط مباشرة بالنتيجة الانتخابية وبالمسؤولية السياسية للحكومة.

ويؤكد ذلك أيضا أن الفصل 47 عندما منح الملك سلطة الإعفاء بمبادرة منه، حدد محلها في عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، ولم يقرر بالنسبة إلى رئيس الحكومة صيغة مماثلة تقول إن للملك، بمبادرة منه، أن يعفي رئيس الحكومة.

ومن الناحية القانونية، لا يمكن توسيع الاختصاص الصريح الوارد في النص ليشمل حالة أخرى لم يذكرها الدستور، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنصب دستوري له طريقة تعيين وآثار دستورية خاصة.

الفقرة الثانية: لماذا لا يمكن استخلاص سلطة إعفاء أو عزل رئيس الحكومة من الفصل 42؟

تطرح هذه النقطة جوهر الإشكال.

قد يقال إن الفصل 42 يجعل الملك ضامنا لدوام الدولة واستمرارها، وحكما أسمى بين المؤسسات، وساهرا على حسن سير المؤسسات الدستورية، وبالتالي يمكن أن يستند إلى هذه الوظيفة للتدخل لإنهاء مهام رئيس الحكومة إذا رأى أن استمرار الحكومة أصبح عائقا أمام حسن سير المؤسسات.

غير أن هذا الاستنتاج لا ينسجم مع القراءة التكاملية للفصل 42 والفصل 47.

فالفصل 42 لا يكتفي بتحديد الوظائف العامة للملك، بل ينص في نهايته على أن الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

وتكتسي عبارة «السلطات المخولة له صراحة» أهمية دستورية بالغة، لأنها تعني أن الوظيفة العامة للملك لا تتحول إلى مصدر لاختصاصات غير محددة.

وبالتالي، يجب التمييز بين أمرين:

الأمر الأول: الوظيفة الدستورية

وهي ضمان دوام الدولة واستمرارها، والحكم بين المؤسسات، والسهر على حسن سيرها.

الأمر الثاني: وسيلة ممارسة هذه الوظيفة

وهي الاختصاصات المحددة في الفصول الأخرى من الدستور.

وبعبارة أخرى، فإن الفصل 42 يحدد لماذا يمارس الملك بعض الوظائف، بينما تحدد الفصول الخاصة كيف وبأي أدوات يمارسها.

ومن هنا، لا يمكن القول إن الفصل 42 يمنح الملك سلطة مستقلة ومطلقة لإعفاء أو عزل رئيس الحكومة، لأن الفصل 47 لم يقرر هذه السلطة صراحة.

والأدق من الناحية العلمية القول إن:

الدستور لم يمنح الملك في الفصل 47 سلطة صريحة لإعفاء رئيس الحكومة بمبادرة منفردة، ولذلك لا يمكن إنشاء هذه السلطة عن طريق القياس أو التوسع في تفسير الفصل 42، ما دام الدستور نفسه قد اشترط أن تمارس المهام الملكية من خلال السلطات المخولة صراحة بنصه.

وهذا لا يعني أن رئيس الحكومة محصن بصورة مطلقة ضد انتهاء مهامه، وإنما يعني أن طرق انتهاء مهامه يجب أن تستند إلى الآليات الدستورية المقررة لذلك، وعلى رأسها الاستقالة والآثار المترتبة عنها، سواء كانت هذه الاستقالة ناتجة عن ظروف خاصة ومعينة أو عن تحريك أليات تفعيل المسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب.

كما ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاستنتاج يتعلق بالسلطة الملكية في الإعفاء المباشر بمبادرة منفردة، ولا يعني أن الملك لا يملك أي اختصاص آخر يؤثر في الوضع الحكومي؛ فالدستور يمنحه، مثلا، اختصاصات في التعيين والحل ورئاسة المجلس الوزاري وغيرها، وكل اختصاص منها يمارس وفق شروطه الدستورية الخاصة.

وبذلك، فإن المسألة لا تتعلق بغياب السلطة الملكية عن المجال الحكومي، وإنما بضرورة احترام حدود كل اختصاص كما رسمه الدستور.

المبحث الثاني: الاستقالة وإنهاء المسؤولية الحكومية بين الإرادة والأثر الدستوري

إذا كان الإعفاء ينطلق من سلطة دستورية مقررة لجهة معينة، فإن الاستقالة تنطلق، في أصلها، من إرادة صاحب المنصب. غير أن الدستور قد يرتب على هذه الإرادة آثارا إلزامية لا يملك صاحب الاستقالة منعها.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين سبب انتهاء المهام وبين الأثر القانوني المترتب عليه؛ فقد تكون الاستقالة إرادية من حيث المبادرة، لكنها قد تتحول الى استقالة الزامية استثناء، كما تؤدي إلى نتيجة دستورية إلزامية، كما هو الحال بالنسبة إلى استقالة رئيس الحكومة وآثارها.

وبما أن الاستقالة هي الآلية القانونية الوحيدة التي يمكن عبرها إنهاء مهام رئيس الحكومة، يجب من جهة تحديد طبيعتها القانونية هل هي إلزامية أم اختيارية، ثم التوقف عند خصوصية هذه الاستقالة من حيث الأثار المترتبة عنها.

وإن كانت مسطرتي سحب الثقة وملتمس الرقابة هي أهم المساطر التي يمكن لمجلس النواب الممثل لإرادة الشعب عبرها تحريك المسؤولية السياسية للحكومة ودفعها الى الاستقالة استقالة جماعية، لذلك ينبغي التمييز بين هذين المسطرتين.

وهذا ما سنعمل على توضيحه وفق الكل التالي:

المطلب الأول: استقالة رئيس الحكومة وطبيعتها القانونية

المطلب الثاني: المسؤولية السياسية للحكومة بين سحب الثقة وملتمس الرقابة

المطلب الأول: استقالة رئيس الحكومة وطبيعتها القانونية

نظرا لما تثيره استقالة رئيس الحكومة من تساؤلات حول طبيعتها والظروف التي قد تؤدي إليها، سنعمل أولا على توضيح ما إذا كانت هذه الاستقالة اختيارية أم قد تكون نتيجة إلزامية بحكم القانون أو الواقع (الفقرة الأولى).

كما سنوضح الأثر المترتب عن استقالة رئيس الحكومة، والمتمثل في إعفاء الحكومة بكاملها، (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: هل استقالة رئيس الحكومة اختيارية أم إلزامية؟

الأصل أن الاستقالة، من حيث طبيعتها، عمل إرادي يصدر عن صاحب المنصب.

وبالتالي، فإن رئيس الحكومة لا يقدم استقالته لأن الدستور يفرض عليه، بصورة تلقائية ومجردة، أن يستقيل في كل حالة، وإنما يمكن أن يختار إنهاء مهامه عن طريق الاستقالة.

لكن إن كان الأصل في الاستقالة أنها اختيارية، ينبغي التمييز بين حالتين استثنائيتين، تصبح معهما الاستقالة نتيجة إلزامية إما بحكم القانون أو بحكم الواقع، وهما ك الاتي:

أولا: الاستقالة كنتيجة دستورية إلزامية بحكم القانون

تتحقق الاستقالة الإلزامية عندما يرتب الدستور صراحةً على تحقق واقعة دستورية معينة استقالة الحكومة استقالة جماعية، بحيث لا تترك هذه النتيجة لإرادة رئيس الحكومة أو تقديره. وقد جعل الدستور هذه الاستقالة نتيجة حتمية لأن تحقق الواقعة المنشئة لها يعني فقدان الحكومة للسند البرلماني اللازم لمواصلة تحمل مسؤوليتها السياسية أمام مجلس النواب. ويتجسد ذلك أساسا في سحب الثقة والموافقة على ملتمس الرقابة؛ إذ ينص الفصل 103 على أن: «ويؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.» كما ينص الفصل 105 على أن: «وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.» وبذلك، لا تكون الاستقالة في هاتين الحالتين تعبيرا عن إرادة سياسية حرة لرئيس الحكومة، وإنما أثرا دستوريا مباشرا وحتميا يترتب بقوة القانون على تحقق الواقعة الدستورية وفق الشروط والأغلبية المقررة. وفي المقابل، قد تكون الاستقالة نتيجة ظروف سياسية أو مادية، كالأزمات الصحية أو الخلافات العميقة داخل الأغلبية أو تعذر تشكيل ائتلاف حكومي، دون أن يرتب الدستور هذه الوقائع بذاتها كأسباب تلقائية للاستقالة، وإنما قد تدفع رئيس الحكومة إلى تقديم استقالته؛ وفي هذه الحالة يرتب الفصل 47 أثرها القانوني صراحة، إذ ينص على أن: «يترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك.» ومن ثم، ينبغي التمييز بين الاستقالة التي يفرضها الدستور كأثر حتمي لواقعة دستورية، وبين الاستقالة التي يكون مصدرها ظرفا واقعيا أو سياسيا، ويكون أثرها في إعفاء الحكومة مترتبا قانونا على تقديم رئيس الحكومة لاستقالته.

ثانيا: الاستقالة كنتيجة إلزامية بحكم الواقع

إن الظروف والوقائع مادية أو سياسية التي تجعل استمرار رئيس الحكومة في ممارسة مهامه متعذرا، كظروف صحية جدية، أو نشوء خلافات عميقة مع مكونات الأغلبية، أو تعذر تشكيل ائتلاف حكومي منسجم؛ قد تفرض إلزامية الاستقالة لكن ليس بالمفهوم القانوني إنما بالمفهوم المادي الواقعي.

ويبرز ذلك مثلا في التجربة المغربية من خلال حالة عبد الإله بنكيران، الذي تعذر عليه، عقب تعيينه رئيسا للحكومة إثر انتخابات 2016، تشكيل الأغلبية الحكومية بعد أشهر من المفاوضات، فصدر في أبريل 2017 قرار تعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة كبديل.

وتثير هذه الحالة إشكالا دستوريا بشأن حدود سلطة الملك في إنهاء مهمة رئيس الحكومة؛ ذلك أن الفصل 47 نص صراحة على سلطة الملك في إعفاء أعضاء الحكومة، في حين لم ينص صراحة على إعفاء رئيس الحكومة، وإنما رتب على استقالته إعفاء الحكومة بكاملها.

ومن ثم، اعتبر جانب من الفقه أن الإجراء يندرج ضمن سلطة الملك في تعيين رئيس الحكومة وضمان حسن سير المؤسسات، بينما أثار جانب آخر مسألة غياب سند صريح لإعفاء رئيس الحكومة، مما يجعل الواقعة مثالا بارزا على التوتر بين القراءة الحرفية للفصل 47 والقراءة التكاملية لمقتضيات الدستور.

ولا يمكن على أية حال اعتبار هذه الواقعة خرق لدستور حيث أن البلاغ الملكي لم يصدر بتاريخ 15 مارس 2017، بصيغة ” إعفاء رئيس الحكومة”، وإنما أعلن أن الملك قراره بتعين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة، بعد تعذر تشكيل الأغلبية لأكثر من خمسة أشهر. وهذا التفصيل مهم جدا؛ لأنه يسمح بالقول إن الإجراء اتُّخذ باعتباره إنهاءً لمهمة تشكيل الحكومة وتعيين شخصية أخرى وفقا للفقرة الأولى من الفصل 47، وليس استعمالا صريحا لسلطة «إقالة رئيس الحكومة» غير المنصوص عليها في الدستور.

الفقرة الثانية: لماذا تؤدي استقالة رئيس الحكومة إلى إعفاء الحكومة بكاملها؟

تعود هذه النتيجة إلى المركز الدستوري لرئيس الحكومة داخل البناء الحكومي.

فالحكومة، بمقتضى الفصل 87، تتألف من رئيس الحكومة والوزراء. كما أن رئيس الحكومة ليس مجرد عضو من أعضاء الحكومة، وإنما هو المسؤول عن تنسيق عملها ويمارس اختصاصات دستورية محددة في تشكيلها وتوجيه عملها، كما أنه هو الذي يمثل الحكومة أمام مجلس النواب في مسؤوليتها السياسية.

لذلك، فإن انتهاء مهمة رئيس الحكومة عن طريق الاستقالة لا يؤدي فقط إلى شغور منصب شخصي، وإنما يمس الأساس الذي تقوم عليه الحكومة في تشكيلتها القائمة.

ولهذا رتب المؤسس الدستوري نتيجة واضحة:

استقالة رئيس الحكومة = إعفاء الحكومة بكاملها.

غير أن هذا الإنهاء لا يؤدي إلى فراغ مؤسساتي؛ فالفصل 47 نفسه ينص على أن الحكومة المنتهية مهامها تواصل تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة. كما ينظم القانون التنظيمي رقم 65.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها مجال تصريف الأمور الجارية، بما يضمن استمرارية عمل مصالح الدولة والمرافق العمومية.

ومن ثم، فإن الدستور يجمع بين مبدأين، إنهاء الحكومة سياسيا ودستوريا من جهة، واستمرارية الدولة والمرافق العمومية من جهة أخرى.

المطلب الثاني: المسؤولية السياسية للحكومة بين سحب الثقة وملتمس الرقابة

إذا كانت استقالة رئيس الحكومة قد تكون اختيارية أو نتيجة لظروف معينة، فإنها قد تترتب كذلك عن ممارسة آليات المسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب، وهو ما يبرز أهمية التمييز بين سحب الثقة وملتمس الرقابة باعتبارهما آليتين قد تؤديان إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية. لذلك، سنعمل أولا على توضيح سحب الثقة باعتباره آلية تنطلق من مبادرة رئيس الحكومة (الفقرة الأولى)، ثم نتناول ملتمس الرقابة باعتباره آلية تنطلق من مبادرة مجلس النواب، مع بيان شروط كل آلية وآثارها والفرق بينهما (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: سحب الثقة كآلية دستورية مرتبطة بمبادرة رئيس الحكومة

لا تقتصر نهاية المسؤولية الحكومية على الاستقالة الإرادية أو الإعفاء في الحالات المنصوص عليها دستوريًا، وإنما يمكن أن تنتهي أيضًا نتيجة ممارسة آليات المسؤولية السياسية أمام مجلس النواب.

وفي هذا الإطار، أقر الدستور آلية سحب الثقة المنصوص عليها في الفصل 103، وهي تختلف عن ملتمس الرقابة من حيث الجهة التي تبادر إلى تحريكها وطبيعة المسطرة المتبعة.

فالفصل 103 ينص على أنه:

“يمكن لرئيس الحكومة أن يربط، لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه.”

وبالتالي، فإن المبادرة في هذه الحالة تأتي من رئيس الحكومة، الذي يربط مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بنتيجة التصويت داخل مجلس النواب.

ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة، أو رفض النص المعروض عليها، إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على تاريخ طرح مسألة الثقة.

ويترتب على سحب الثقة، عند تحقق شروطه الدستورية، استقالة الحكومة استقالة جماعية.

ومن ثم، فإن سحب الثقة لا يمثل ملتمسًا رقابيًا يقدمه أعضاء مجلس النواب ضد الحكومة، وإنما يرتبط بمبادرة رئيس الحكومة إلى وضع استمرار الحكومة في تحمل مسؤوليتها أمام تصويت المجلس.

الفقرة الثانية: ملتمس الرقابة وشروطه وآثاره

إذا كان سحب الثقة في الفصل 103 ينطلق من مبادرة رئيس الحكومة، فإن ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105 ينطلق من مجلس النواب نفسه، باعتباره وسيلة لمعارضة مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها.

وينص الفصل 105 على أن:

“لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس للرقابة.”

ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس.

ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، كما لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس.

وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.

كما قرر الدستور أثرًا إضافيًا يتمثل في أنه إذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة، فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة سنة.

ومن هنا يتضح أن الفرق بين الآليتين لا يتعلق بمجرد التسمية، وإنما يتعلق أساسًا بمصدر المبادرة وطبيعة المسطرة؛ فسحب الثقة في الفصل 103 يرتبط بمبادرة رئيس الحكومة في ربط استمرار الحكومة بتحصيل الثقة، بينما ملتمس الرقابة في الفصل 105 يمثل مبادرة من مجلس النواب لمعارضة استمرار الحكومة في تحمل مسؤوليتها.

ويمكن توضيح الفرق بينهما كما يلي:

العنصر سحب الثقة ملتمس الرقابة
السند الدستوري الفصل 103 الفصل 105
صاحب المبادرة رئيس الحكومة مجلس النواب
طبيعة المبادرة ربط مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بالثقة معارضة مواصلة الحكومة نتيجة مسؤوليتها السياسية
الشروط الشكلية للتحريك لا يوجد أي شرط شكلي الشرط 1: توقيع الملتمس الكتابي من طرف خُمس 5/1أعضاء مجلس النواب على الأقل

شرط2: عدم تقديم الملتمس إلا مرة واحدة في السنة

النصاب المطلوب لموافقة أعضاء مجلس النواب على سحب الثقة أو ملتمس الرقابة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب
الأجل التصويت بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على طرح مسألة الثقة بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس
النتيجة عند تحقق سحب الثقة او الموافقة على ملتمس الرقابة مع احترام المسطرة سحب الثقة يؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية الموافقة على الملتمس تؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية
طبيعة الآلية آلية ثقة مرتبطة بمبادرة رئيس الحكومة آلية رقابية برلمانية

المبحث الثالث: الحل البرلماني والحالات الاستثنائية وحدود السلطة الدستورية

ذا كانت الاستقالة والإعفاء يترتب عنهما إنهاء مهام أشخاص يشغلون مناصب حكومية، فإن الحل ينصرف إلى مؤسسة البرلمان، ويترتب عنه إنهاء ولايتها قبل انتهاء مدتها العادية والرجوع إلى الناخبين من أجل تكوين مجلس جديد.

كما أن الدستور لم ينظم الحل فقط، وإنما وضع إلى جانبه مجموعة من الأحكام الخاصة بالحالات الاستثنائية، بالنظر إلى ما قد تفرضه بعض الظروف من تدابير خاصة تتعلق بسير المؤسسات الدستورية.

وبما أن الحل يختلف من حيث طبيعته وآثاره عن الإعفاء والاستقالة، يجب من جهة تحديد مفهومه وتمييزه عن الإعفاء، ثم التوقف عند أهم صورة من صوره، والمتمثلة في الحل الملكي للبرلمان.

كما أن الحالات الاستثنائية، والمتمثلة في حالة الاستثناء والحصار والحرب، تطرح بدورها تساؤلات حول حدود تأثيرها على البرلمان، لذلك ينبغي التمييز بينها وبيان آثار كل منها.

وهذا ما سنعمل على توضيحه وفق الشكل التالي:

المطلب الأول: الحل كآلية لإنهاء الولاية البرلمانية

المطلب الثاني: الحالات الاستثنائية: حالة الاستثناء والحصار والحرب

المطلب الأول: الحل كآلية لإنهاء الولاية البرلمانية

نظرا لما يثيره الحل من تساؤلات حول طبيعته والجهة التي يرد عليها، سنعمل أولا على توضيح الفرق بين الحل والإعفاء، باعتبار أن الأول ينصرف إلى مؤسسة منتخبة، بينما ينصرف الثاني إلى شخص يشغل منصبا (الفقرة الأولى).

كما سنوضح الحل الملكي للبرلمان وفق الفصل 96، من حيث نطاقه والإجراءات المرتبطة به والآثار المترتبة عنه، خاصة تنظيم انتخابات جديدة بعد الحل (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الفرق بين الإعفاء والحل

الإعفاء يرد على شخص يشغل منصب أو وظيفة، بينما الحل يرد على مؤسسة منتخبة.

فعندما يعفى وزير من مهامه، فإن شخص الوزير هو الذي تنتهي مهمته، بينما تظل الحكومة قائمة في أصلها.

أما عندما يحل مجلس النواب، فإن الأمر يتعلق بإنهاء الولاية المؤسساتية للمجلس، وليس بعزل النواب بصورة فردية أو تأديبية.

وبالتالي:

الإعفاء = إنهاء مهام شخص في منصب حكومي.

الحل = إنهاء الولاية المؤسساتية لمجلس منتخب.

الفقرة الثانية: الحل الملكي للبرلمان وفق الفصل 96

خول الفصل 96 للملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، أن يحل بظهير مجلسي البرلمان معًا أو أحدهما.

ويترتب على الحل تنظيم انتخابات جديدة داخل أجل لا يتجاوز شهرين وفق الفصل 97.

وتكمن أهمية هذا التنظيم في التمييز بين الاستشارة والإخبار.

فالـدستور لم يشترط موافقة رئيس الحكومة أو رئيسي المجلسين، وإنما أوجب استشارة رئيس المحكمة الدستورية، في حين أوجب إخبار المسؤولين الآخرين.

ومن ثم، فالأدق علميًا ألا يقال إن الملك يحل البرلمان «دون استشارة»، وإنما يقال إن الحل الملكي لا يتوقف على موافقة رئيس الحكومة أو رئيسي مجلسي البرلمان، مع اشتراط استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار باقي المسؤولين المعنيين.

ويختلف هذا الحل كذلك عن الإعفاء؛ لأنه لا يستهدف مسؤولًا بعينه، وإنما ينهي الولاية المؤسساتية للمجلس ويفتح الطريق أمام انتخابات جديدة.

المطلب الثاني: الحالات الاستثنائية وـتأثيرها على سلطة الملك في حل البرلمان:

حالة الاستثناء والحصار والحرب

اذا كان الأصل أن تمارس المؤسسات الدستورية اختصاصاتها في الظروف العادية، فإن الدستور أخذ بعين الاعتبار إمكانية وقوع ظروف استثنائية قد تهدد حوزة التراب الوطني أو تعرقل السير العادي للمؤسسات أو تستوجب اتخاذ تدابير خاصة مرتبطة بالدفاع والأمن. وتكتسي دراسة هذه الحالات أهمية خاصة في إطار البحث في سلطة حل البرلمان، بالنظر إلى أن الدستور لم يكتف بتنظيم حالات الحل وشروط ممارسته، وإنما وضع أيضا قيودا خاصة على هذه السلطة في بعض الظروف الاستثنائية، بما يحدد حدود إمكانية اللجوء إلى الحل ويحافظ على استمرارية المؤسسة البرلمانية في الأوضاع التي تستدعي ذلك.

لذلك، سنعمل أولا على توضيح حالة الاستثناء والسلطات التي يمارسها الملك خلالها، مع بيان أثرها المباشر على إمكانية حل البرلمان، ولا سيما القيد الدستوري الذي يمنع حله أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية (الفقرة الأولى).

كما سنوضح حالة الحرب والمسطرة الدستورية المتعلقة بها، للوقوف على مدى تأثير إشهار الحرب على استمرار البرلمان وما إذا كان يترتب عنه حل المجلسين أو أحدهما (الفقرة الثانية).

ثم نتناول حالة الحصار باعتبارها نظاما استثنائيا مستقلا، مع بيان خصائصها وتمييزها عن حالة الاستثناء، وتحديد مدى ترتب حل البرلمان عليها أو عدم ترتبه (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: مفهوم حالة الاستثناء والسلطات التي يمارسها الملك خلالها

تعد حالة الاستثناء أخطر الأوضاع الاستثنائية التي نظمها دستور 2011، لأنها لا تقوم فقط على وجود خطر مادي أو أمني، وإنما ترتبط كذلك باحتمال تعطل السير العادي للمؤسسات الدستورية.

وقد حدد الفصل 59 من الدستور مفهومها الموضوعي من خلال حالتين أساسيتين: وجود تهديد لوحدة التراب الوطني، أو وقوع أحداث من شأنها عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية. وبالتالي، فإن حالة الاستثناء لا تعلن لمجرد وجود أزمة عادية، وإنما تفترض قيام ظرف استثنائي يبلغ من الخطورة درجة تهدد وحدة الدولة أو سير مؤسساتها الدستورية بصورة طبيعية.

ويجد هذا المفهوم أساسا تاريخيا في التجربة الدستورية المغربية، إذ سبق للمغرب أن عرف حالة استثناء سنة 1965 في ظل دستور 1962، عقب أحداث الدار البيضاء في مارس من السنة نفسها وما رافقها من اضطرابات سياسية واجتماعية ومؤسساتية. وقد أعلن الملك الحسن الثاني حالة الاستثناء في 7 يونيو 1965، واستمرت إلى سنة 1970، قبل أن يتم وضع حد لها وإقرار دستور جديد.

ويكشف هذا المثال التاريخي عن المفهوم الموضوعي لحالة الاستثناء؛ فهي ترتبط بظرف استثنائي تتداخل فيه الاضطرابات التي تمس الاستقرار العام مع صعوبات في السير العادي للمؤسسات الدستورية. ومن ثم، فإن التجربة المغربية لسنة 1965 تمثل نموذجا تاريخيا يمكن الاستناد إليه لفهم الخلفية الواقعية لهذا المفهوم، دون اعتبارها تطبيقا للفصل 59 من دستور 2011، لأنها وقعت في ظل دستور سابق.

أما دستور 2011، فقد أحاط إعلان حالة الاستثناء بمجموعة من الضمانات، إذ يعلنها الملك بظهير بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية، ويوجه خطابا إلى الأمة، كما يخوله الدستور اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية وإعادة السير العادي للمؤسسات الدستورية.

غير أن هذه السلطات الاستثنائية ليست مطلقة، إذ نص الفصل 59 صراحة على أن البرلمان لا يمكن حله أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية، كما أبقى على ضمانات الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وربط استمرار حالة الاستثناء ببقاء الأسباب التي أدت إلى إعلانها.

ومن ثم، يظهر الارتباط المباشر بين حالة الاستثناء وسلطة الحل؛ فالدستور، رغم توسيعه لاختصاصات الملك في هذه المرحلة، وضع حدا واضحا أمام استعمال الحل البرلماني، وذلك بمنع حل البرلمان طوال مدة ممارسة السلطات الاستثنائية.

الفقرة الثانية: مفهوم حالة الحرب وآثارها على البرلمان

يقصد بالحرب، من الناحية الموضوعية، انتقال الخلاف أو التهديد الخارجي إلى مواجهة عسكرية فعلية بين الدول أو دخول الدولة في حالة مواجهة مسلحة تستوجب تعبئة إمكاناتها للدفاع عن سيادتها ووحدتها الترابية.

ويقدم التاريخ المغربي مثالا واضحا على وجود مواجهة عسكرية خارجية من خلال حرب الرمال سنة 1963 بين المغرب والجزائر، والتي ارتبطت أساسا بالخلافات الحدودية، واندلعت المواجهات العسكرية في أكتوبر 1963 قبل أن تتوقف المعارك في نوفمبر من السنة نفسها، ثم تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في فبراير 1964 بوساطات إقليمية.

غير أن هذا المثال التاريخي لا ينبغي اعتباره تطبيقا للفصل 99 من دستور 2011، لأنه يعود إلى فترة سابقة على الدستور الحالي، وإنما يستفاد منه في بيان المفهوم الموضوعي للحرب باعتبارها مواجهة عسكرية خارجية تختلف في طبيعتها عن حالة الاستثناء التي تقوم أساسا على تهديد وحدة التراب أو عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية.

أما على مستوى دستور 2011، فقد نظم الفصل 99 إشهار الحرب، حيث يتخذ قرار إشهارها في مجلس الوزراء طبقا للفصل 49، بعد إخبار البرلمان من طرف الملك.

ويلاحظ أن الدستور لم يرتب على إشهار الحرب، في حد ذاته، حل البرلمان، كما لم يجعله سببا آليا لإنهاء الولاية البرلمانية. وبالتالي، فإن وجود حالة حرب لا يعني دستوريا سقوط الولاية البرلمانية أو إمكانية حل البرلمان تلقائيا، وإنما تبقى سلطة الحل خاضعة للشروط والمقتضيات الدستورية الخاصة بها.

وهكذا، تختلف حالة الحرب عن حالة الاستثناء من حيث أثرها على البرلمان؛ فالفصل 59 يتضمن حظرا صريحا لحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية، في حين لا يتضمن الفصل 99 حكما مماثلا بمناسبة إشهار الحرب.

الفقرة الثالثة: مفهوم حالة الحصار وتمييزها عن حالة الاستثناء

يقصد بحالة الحصار، من الناحية الموضوعية، وضع استثنائي مؤقت تفرضه ظروف خطيرة تستوجب اتخاذ تدابير خاصة مرتبطة بالحفاظ على الأمن والدفاع عن الدولة، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تعطيل السير العادي للمؤسسات الدستورية بالكيفية التي تميز حالة الاستثناء.

وقد نظم دستور 2011 حالة الحصار في الفصل 74، الذي يتيح الإعلان عنها لمدة ثلاثين يوما بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، ولا يمكن تمديد هذه المدة إلا بالقانون. كما يندرج إعلان حالة الحصار ضمن المسائل التي يتداول فيها مجلس الوزراء طبقا للفصل 49.

ويكشف هذا التنظيم عن اختلاف واضح بين حالة الحصار وحالة الاستثناء؛ فحالة الحصار محددة المدة دستوريا منذ البداية، بينما لا يحدد الفصل 59 مدة زمنية ثابتة لحالة الاستثناء، وإنما ترتبط نهايتها بزوال الأسباب التي أدت إلى إعلانها واتباع الإجراءات الدستورية المقررة لذلك.

ومن الناحية التاريخية، لا تقدم التجربة المغربية مثالا على تطبيق فعلي واضح لحالة الحصار في ظل النظام الدستوري الحالي، وإن كانت بعض الدراسات القانونية تشير إلى أن احتمال اللجوء إليها أثير في سياق حرب الخليج سنة 1991. ولذلك ينبغي التمييز بين التطبيق الفعلي للحالة وبين مجرد إثارة إمكانية اللجوء إليها؛ فلا يصح تقديم أحداث سنة 1991 باعتبارها إعلانا فعليا لحالة الحصار.

كما يختلف أثر حالة الحصار عن أثر حالة الاستثناء فيما يتعلق بالبرلمان؛ فالفصل 59 نص صراحة على عدم إمكانية حل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية، في حين لا يتضمن الفصل 74 حظرا مماثلا على الحل أثناء حالة الحصار. ولذلك، لا يجوز التوسع في تفسير مقتضيات الفصل 59 لتشمل حالة الحصار، ما دام الدستور قد نظم كل حالة بنص مستقل وحدد لكل واحدة شروطها وآثارها.

وبذلك، فإن التمييز بين الحالات الثلاث لا يقوم فقط على اختلاف تسمياتها، وإنما على اختلاف السبب الموضوعي، والمدة، والمسطرة، ومدى تأثيرها على المؤسسات الدستورية وسلطة الحل.

العنصر حالة الاستثناء حالة الحصار حالة الحرب
السند الدستوري الأساسي الفصل 59 الفصل 74، مع الفصل 49 الفصلان 49 و99
الأسباب الموضوعية تهديد وحدة التراب الوطني أو وقوع أحداث من شأنها عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية ظرف استثنائي خطير يستوجب اتخاذ تدابير خاصة ومؤقتة للمحافظة على أمن الدولة مواجهة عسكرية أو دخول الدولة في حالة حرب
الجهة المعلنة الملك الملك، بعد تداول بشأنها المجلس الوزاري الملك، بعد تداول المجلس الوزاري في إعلان الحرب
الأداة الشكلية للقرار ظهير ظهير موقع بالعطف من رئيس الحكومة قرار إشهار الحرب وفق الفصل 99
الاستشارة استشارة رئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي البرلمان، ورئيس المحكمة الدستورية لا يقرر الفصل 74 استشارات مماثلة، غير أن إعلان حالة الحصار من المسائل التي يتداول فيها المجلس الوزاري طبقا للفصل 49 لا ترد مسطرة استشارة مماثلة، وإنما يتم التداول في إشهار الحرب داخل المجلس الوزاري
خطاب الأمة نعم لا ينص عليه الفصل 74 لا ينص عليه الفصل 99
إحاطة البرلمان علما بها لا يرد بها الفصل 59 باعتبارها إجراء مستقلا للإعلان لا يرد بها الفصل 74 نعم، من لدن الملك
المدة مرتبطة باستمرار الأسباب وزوالها 30 يوما لا تحدد مدة مماثلة في الفصل 99
التمديد تنتهي بزوال أسبابها وفق الفصل 59 لا يكون إلا بالقانون لا ينظم الفصل 99 تمديدا بهذه الصيغة
المثال التاريخي المغربي إعلان حالة الاستثناء سنة 1965، التي استمرت إلى سنة 1970، في ظل دستور 1962 أثير احتمال اللجوء إليها في سياق حرب الخليج سنة 1991، دون تقديم ذلك كتطبيق فعلي للحصار حرب الرمال بين المغرب والجزائر سنة 1963 كمثال تاريخي على مواجهة عسكرية
حل البرلمان ممنوع أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية لا يترتب تلقائيا لا يترتب تلقائيا
الأثر على السير العادي للمؤسسات يخول الملك اتخاذ الإجراءات التي تفرضها حالة الاستثناء بهدف الدفاع عن الوحدة الترابية وإعادة السير العادي للمؤسسات الدستورية نظام استثنائي مؤقت لا ينص الفصل 74، في حد ذاته، على تعطيل المؤسسات الدستورية لا يؤدي إشهار الحرب في حد ذاته إلى إنهاء الولاية البرلمانية أو حل البرلمان
الطبيعة الدستورية نظام استثنائي موسع لاختصاصات الملك مع استمرار الضمانات الدستورية للحقوق والحريات نظام استثنائي مؤقت ومحدد المدة، يخضع للتداول في المجلس الوزاري وضع دستوري مرتبط بالمواجهة العسكرية وإشهار الحرب

المبحث الرابع: ازدواجية سلطة الحل بين الملك ورئيس الحكومة

إذا كان الدستور قد نظم الحل باعتباره وسيلة لإنهاء الولاية البرلمانية، فإنه لم يجعل ممارسته من اختصاص جهة واحدة، وإنما وزع سلطة الحل بين الملك ورئيس الحكومة، مع اختلاف نطاق كل سلطة وشروط ممارستها.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الحل الذي يمارسه الملك والحل الذي يمارسه رئيس الحكومة، خاصة من حيث المجلس الذي يمكن أن ينصب عليه الحل، والأداة القانونية المستعملة، والاستشارات والإجراءات المطلوبة.

وبما أن الملك يستطيع حل مجلسي البرلمان معا أو أحدهما، بينما تقتصر سلطة رئيس الحكومة على مجلس النواب، يجب من جهة تحديد نطاق الحل الملكي وشروط ممارسته، ثم توضيح الحل الحكومي لمجلس النواب وشروطه، والتمييز بين المسطرتين.

وهذا ما سنعمل على توضيحه وفق الشكل التالي:

المطلب الأول: الحل الملكي لمجلسي البرلمان أو أحدهما

المطلب الثاني: الحل الحكومي لمجلس النواب

المطلب الأول: الحل الملكي لمجلسي البرلمان أو أحدهما

تنص القواعد الدستورية على أن للملك حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، وفق الشروط المحددة في الفصل 96.

وتتميز هذه السلطة بثلاث خصائص أساسية:

أولًا: اتساع محل الحل، إذ يمكن أن ينصب على مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو المجلسين معًا.

ثانيًا: وجود استشارة دستورية، تتمثل في استشارة رئيس المحكمة الدستورية.

ثالثًا: وجود إجراءات إخبارية، تتمثل في إخبار رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان.

وبذلك فإن الحل الملكي لا يشكل «إعفاءً» للبرلمانيين، وإنما إنهاءً للولاية المؤسساتية للمجلس، يعقبه الرجوع إلى الناخبين من خلال تنظيم انتخابات جديدة.

كما أن هذا الاختصاص يجب أن يفهم في ضوء الفصل 42، ولكن دون تحويل الوظيفة العامة للملك إلى مصدر مستقل لاختصاص غير منصوص عليه؛ فالفصل 96 هو الذي يمنح الملك سلطة الحل ويحدد شروط ممارستها.

المطلب الثاني: الحل الحكومي لمجلس النواب

منح الفصل 104 رئيس الحكومة إمكانية حل مجلس النواب فقط، بعد استشارة:

  • الملك؛
  • رئيس مجلس النواب؛
  • رئيس المحكمة الدستورية.

ويتم ذلك بمرسوم يتخذ في مجلس وزاري، كما يقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحًا يتضمن، بصفة خاصة، دوافع قرار الحل وأهدافه.

ويختلف هذا الاختصاص عن الاختصاص الملكي في عدة عناصر:

العنصر الحل الملكي الحل الحكومي
السند الدستوري الفصل 96 الفصل 104
صاحب الاختصاص الملك رئيس الحكومة
نطاق الحل مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو المجلسان معًا مجلس النواب فقط
الأداة القانونية ظهير مرسوم يتخذ في مجلس وزاري
الاستشارات استشارة رئيس المحكمة الدستورية استشارة الملك ورئيس مجلس النواب ورئيس المحكمة الدستورية
الإخبار/التصريح إخبار رئيس الحكومة ورئيسي المجلسين تصريح رئيس الحكومة أمام مجلس النواب حول دوافع القرار وأهدافه
النتيجة إنهاء الولاية المؤسساتية للمجلس المعني وانتخابات جديدة إنهاء الولاية المؤسساتية لمجلس النواب وانتخابات جديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

https://dolanlink.com/

https://dolankumau88.com/

https://opalsaya88.com/

https://gokumania88.com/

https://gokunih.com/

https://opalkhusus01.org/

https://opalsaya89.com/

https://opalutama.com/

https://skwslot.net/

https://cairbos569.com/

https://cairbosjp.com/

https://caiboswild.com/

https://cairbos.net/