مخاطر الألعاب الإلكترونية وانعكاسها على القيم المجتمعية والأمن الفكري للشباب – الأستاذ: يوسف سعيد راشد الصياح الزعابي – الأستاذ : سلطان محمد علي يهمور الشحي
مخاطر الألعاب الإلكترونية وانعكاسها على القيم المجتمعية والأمن الفكري للشباب
The Risks of Electronic Games and Their Impact on Societal Values and Intellectual Security among Youth
الأستاذ: يوسف سعيد راشد الصياح الزعابي
عضو هيئة التدريس ـ كلية الشرطة ـ أبوظبي
الأستاذ : سلطان محمد علي يهمور الشحي
عضو هيئة التدريس ـ كلية الشرطة ـ أبوظبي
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 61 الخاص بشهر دجنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/COPW7495
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

مخاطر الألعاب الإلكترونية وانعكاسها على القيم المجتمعية والأمن الفكري للشباب
The Risks of Electronic Games and Their Impact on Societal Values and Intellectual Security among Youth
الأستاذ: يوسف سعيد راشد الصياح الزعابي
عضو هيئة التدريس ـ كلية الشرطة ـ أبوظبي
الأستاذ : سلطان محمد علي يهمور الشحي
عضو هيئة التدريس ـ كلية الشرطة ـ أبوظبي
الملخص :
تبيّن هذه الدراسة، في سياق التحوّلات الرقمية المتسارعة، أنّ الألعاب الإلكترونية تحوّلت من وسيلة ترفيه عابرة إلى فضاء ثقافي-سلوكي قادر على إعادة تشكيل منظومة القيم لدى الشباب، بما ينعكس مباشرة على الأمن الفكري والمجتمعي. وانطلاقًا من منهج وصفي-تحليلي، وقفت الدراسة على أبرز المضامين المؤثرة في الوعي الشبابي من خلال أربعة محاور مركزية: العنف الرقمي، الإدمان السلوكي، المحتوى غير الأخلاقي، والتأثيرات الثقافية المصاحبة للانعزال الاجتماعي.
وتُظهر نتائج التحليل أنّ التعرض المتكرر لخطابات العنف في الألعاب يسهم في رفع مستوى التطبيع مع السلوك العدواني وتقليص القدرة على التعاطف، بما يهدّد قيم التعايش والسلم الاجتماعي. كما كشفت الدراسة أنّ الإدمان على الألعاب يمتدّ من الاستخدام الزائد للشاشات إلى أنماط حياة كاملة تتسم بالعزلة، وتراجع الأداء الدراسي، واضطرابات النوم، والانفصال المتدرّج عن المحيط الأسري والاجتماعي. أما المحتوى غير الأخلاقي، فيبرز بوصفه الأخطر، لأنه غالبًا ما يُقدَّم في صور رمزية وسيناريوهات غير مباشرة تُعيد تشكيل اللاوعي الأخلاقي وتعمّق الفجوة بين قيم الأسرة والمدرسة من جهة، والمرجعيات الرقمية الجديدة من جهة أخرى.
وتقف الدراسة كذلك على تنامي الانخراط في مجتمعات افتراضية متعددة الثقافات، بما يعرّض الهوية الوطنية لتيارات من التغريب الثقافي، ويجعل الشباب أكثر قابلية للاختراق الفكري في ظل غياب منظومات رقابية فعّالة.
كما تسجّل الدراسة بإيجابية المبادرات التي تبنتها دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال التحصين الرقمي، عبر بناء استراتيجية وطنية تستند إلى التشريع، والدور التربوي والأمني، وبرامج رقمية موجَّهة تسعى إلى حماية الهوية وتعزيز الاستخدام الآمن.
وفي ختامها، توصي الدراسة بتفعيل أدوات الذكاء الاصطناعي لمراقبة المحتوى الخطير، وتحليل الأنماط السلوكية المرتبطة بالإدمان، ودعم صناعة ألعاب بديلة حاملة للقيم، إلى جانب تحديث التشريعات، وإطلاق حملات توعية رقمية، وإدماج الأمن الفكري في التعليم، وتكوين الأسر على مهارات الوقاية الرقمية، فضلاً عن إنشاء مرصد وطني لمتابعة تطور الألعاب الإلكترونية وآثارها.
الكلمات المفتاحية: الألعاب الإلكترونية، العنف الإلكتروني، الإدمان الرقمي، المحتوى غير الأخلاقي، الانعزال الاجتماعي، التأثير الثقافي الخارجي، القيم المجتمعية، الأمن الفكري لدى الشباب.
Abstract
This study highlights how electronic games, amid rapid digital transformation, have evolved from mere entertainment tools into influential cultural and behavioral environments capable of reshaping youth values and directly affecting intellectual and societal security. Using a descriptive–analytical methodology, the study examines the key dimensions through which digital games impact youth consciousness, focusing on four central themes: digital violence, behavioral addiction, unethical content, and the cultural effects associated with social isolation.
The analysis reveals that repeated exposure to violent game scenarios fosters greater acceptance of aggressive behavior and reduces empathy, thereby undermining the values of coexistence and social harmony. The findings also show that gaming addiction extends beyond prolonged screen time to encompass entire lifestyle patterns characterized by withdrawal from family interactions, declining academic performance, sleep disturbances, and gradual detachment from real social environments. Unethical content emerges as particularly concerning, as it is often delivered indirectly through symbols, narratives, and subtle imagery that reshape moral awareness and widen the gap between the values promoted by families and schools and those embedded in digital platforms.
The study further identifies an increasing trend of youth engagement in multicultural virtual communities, exposing national identity to forces of cultural alienation and heightening vulnerability to intellectual infiltration in the absence of effective cultural and regulatory filters.
Additionally, the study acknowledges the proactive efforts of the United Arab Emirates in addressing such digital threats through a comprehensive national strategy grounded in legislation, educational and security initiatives, and responsible digital programs aimed at safeguarding national identity and enhancing safe digital engagement.
The study concludes with recommendations that include employing artificial intelligence to detect harmful content, utilizing behavioral analytics to understand addiction patterns, supporting the development of value-based alternative games, updating regulatory frameworks, implementing digital awareness campaigns, integrating intellectual security concepts into education, training families in digital safety practices, and establishing a national observatory for monitoring electronic games and their societal impacts.
Keywords: electronic games, digital violence, digital addiction, unethical content, social isolation, external cultural influence, societal values, youth intellectual security.
أولاً- المقدمة:
شهدت العقود الأخيرة تطورًا هائلًا في مجال التقنية الرقمية، انعكس بوضوح على سلوك الأفراد وتوجهاتهم المعرفية والثقافية، لا سيما فئة الشباب التي باتت الأكثر تفاعلاً مع الوسائط الإلكترونية. ومن بين أبرز مظاهر هذا التحول، برزت الألعاب الإلكترونية كأحد أكثر الوسائل جذبًا وانتشارًا، حيث أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للشباب والمراهقين، بل تجاوز الأمر الترفيه إلى التأثير المباشر في الفكر والسلوك والقيم (عايد، 2017؛ جندل، 2024).
ولئن كانت هذه الألعاب في بدايتها وسيلة للتسلية والمهارة، فإن تطورها التقني وارتباطها بمنصات الإنترنت قد أفرز أشكالًا جديدة من المخاطر السلوكية والنفسية والفكرية، جعلت منها قضية مجتمعية وأمنية في آنٍ واحد. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن الألعاب الإلكترونية الحديثة لا تخلو من مضامين عنيفة أو لا أخلاقية أو ثقافية دخيلة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية حول أثرها في تشكيل المنظومة القيمية للشباب، وتهديدها لما يُعرف بـ الأمن الفكري (محمودي، 2022؛ الحسيني، 2022).
إن القيم المجتمعية التي تُشكل نسيج الانتماء والتماسك داخل المجتمع، أصبحت مهددة أمام سيل من الألعاب التي تروّج للعنف، وتُضفي على القتل والدمار طابعًا بطوليًا، كما تشجع في بعض الحالات على التمرد على السلطة الأسرية، ورفض الضوابط الأخلاقية، وتبنّي أنماط من السلوك الفردي المعزول (إبراهيم، 2024؛ البياري، 2023). ومن هنا، فإن القضية لم تعد مقتصرة على قضاء وقت طويل في اللعب، بل امتدت إلى تحولات عميقة في أنماط التفكير والسلوك والانتماء.
وقد أشار تقرير منظمة الصحة العالمية إلى تصنيف “اضطراب الألعاب الإلكترونية” كواحد من الاضطرابات السلوكية المعترف بها (World Health Organization, 2019)، وهو ما أكدته دراسات حديثة أظهرت أن الإدمان على هذه الألعاب يرتبط بالعزلة الاجتماعية، تدهور العلاقات الأسرية، ضعف التحصيل الأكاديمي، ونشوء سلوكيات عدوانية وانفعالية مضطربة (Bera & Mandal, 2024; Alimoradi et al., 2024). بل إن بعض الألعاب تتضمن عناصر مقامرة أو جوائز رقمية وهمية تشبه أنظمة المراهنات، مما ينعكس سلبًا على قرارات اللاعبين وقيمهم الاقتصادية والأخلاقية (Ng & Lo, 2024).
ومن الناحية الفكرية، فإن أخطر ما تفرزه هذه الألعاب هو الاختراق غير المباشر للوعي الجمعي، حيث تُمرَّر رسائل ثقافية ودينية وسياسية مغايرة من خلال بيئات اللعب والشخصيات الافتراضية، ما يؤثر على الانتماء الوطني والديني لدى الشباب، خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية التي لم تطور بعد منظومة حوكمة قوية لمراقبة محتوى الألعاب (سيد، 2024؛ قويدر، 2022). وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن بعض المنصات تستخدم ألعابًا تفاعلية كوسائل للتجنيد أو التحريض أو زرع الانحرافات القيمية والسلوكية (Basit & Weisburd, 2023).
وتزداد خطورة هذا التأثير مع غياب التصنيف العمري الدقيق، وندرة الألعاب المحلية ذات المضامين التربوية، مقابل اجتياح الألعاب الأجنبية للسوق العربي دون رقابة، مما يجعل الشباب في مواجهة مباشرة مع ثقافة رقمية “مستوردة”، لا تراعي الخصوصية الثقافية أو الدينية للمجتمع العربي (همّال، 2018؛ درويش، 2020).
وفي ظل هذه التحديات المتنامية، تأتي هذه الدراسة لتسهم في تحليل العلاقة بين الانغماس في الألعاب الإلكترونية وبين تراجع القيم المجتمعية وضعف الأمن الفكري لدى الشباب، وذلك من خلال دراسة ميدانية على عينة من الخبراء الأمنيين والأكاديمين، بهدف استقراء مظاهر التأثير، ورصد الأبعاد النفسية والسلوكية والفكرية التي تُحدثها هذه الألعاب في وعي الجيل الناشئ، وصولًا إلى تقديم مقترحات عملية لحماية الشباب من هذه المخاطر الرقمية المستحدثة، بما يحقق التوازن بين الانفتاح التقني والحفاظ على الثوابت القيمية للمجتمع.
ثانياً- إشكالية الدراسة:
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للألعاب الإلكترونية بين فئة الشباب والمراهقين، حتى أصبحت هذه الألعاب جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية. ورغم ما تحققه من متعة وتسلية، إلا أن تصاعد وتنوع محتواها، خصوصًا تلك التي تتضمن مشاهد عنف، أو ألفاظًا غير أخلاقية، أو تروج لأفكار ثقافية دخيلة، بات يثير مخاوف متزايدة من آثارها السلبية على البنية القيمية للمجتمع، وعلى الأمن الفكري للفرد، خاصة في ظل ضعف الرقابة الأسرية والمؤسسية.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع اتساع نطاق الوصول للألعاب الرقمية عبر الإنترنت، دون وجود ضوابط كافية لحماية الشباب من الانجراف وراء مضامين تشكل تهديدًا لهويتهم الثقافية والدينية، وتُسهم في إضعاف الانتماء الوطني، أو تنشر أنماطًا سلوكية مخالفة لقيم المجتمع.
ومن هنا تنطلق إشكالية هذه الدراسة في التساؤل حول: إلى أي مدى تؤثر مخاطر الألعاب الإلكترونية بمختلف أبعادها (العنف الإلكتروني، الإدمان الرقمي، المحتوى غير الأخلاقي، الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي) على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب؟
ثالثاً- تساؤلات الدراسة:
ينطلق البحث من التساؤل الرئيس الآتي: إلى أي مدى تؤثر مخاطر الألعاب الإلكترونية على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب؟، وينبثق عن هذا التساؤل الرئيسي مجموعة من التساؤلات الفرعية:
- ما أثر العنف الإلكتروني في الألعاب على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب؟
- ما أثر الإدمان الرقمي على الألعاب الإلكترونية على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب ؟
- إلى أي مدى يؤثر المحتوى غير الأخلاقي على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب؟
- ما أثر الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي الناتج عن الألعاب الإلكترونية على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب؟
رابعاً- أهداف الدراسة:
يهدف البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:
- تحليل أثر العنف الإلكتروني المتضمن في الألعاب الإلكترونية على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب.
- توضيح مدى تأثير الإدمان الرقمي على الألعاب الإلكترونية في تشكيل سلوكيات الشباب وانعكاسه على المنظومة القيمية والأمن الفكري لديهم.
- استكشاف أثر المحتوى غير الأخلاقي في الألعاب الإلكترونية على تراجع أو تغير القيم المجتمعية والثوابت الفكرية والدينية للشباب.
- بيان انعكاسات الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي الناتج عن الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية على وعي الشباب القيمي ومستوى الأمن الفكري لديهم.
خامساً- منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، بهدف فهم تأثير الألعاب الإلكترونية على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب، من خلال وصف الظاهرة وتحليل مضامين الألعاب الأكثر شيوعًا، كالرسائل العنيفة، والإدمان، والمحتوى غير الأخلاقي، والانفتاح الثقافي. كما تم الاستناد إلى الأدبيات الحديثة لتفسير النتائج واقتراح الحلول المناسبة.
سادساً- الدراسات السابقة:
“في إطار فهم الأبعاد المختلفة لمخاطر الألعاب الإلكترونية، تنوعت الدراسات السابقة بين الاجتماعية والنفسية والثقافية، مما يوفّر لنا أرضية علمية تسهم في تعزيز بناء الدراسة الحالية، وسوف نوضح ذلك على النحو التالي:
تناولت دراسة إبراهيم (2023) موضوع الألعاب الإلكترونية العنيفة وتأثيرها في ظهور بعض المشكلات الاجتماعية لدى طلاب المرحلة الإعدادية. وقد هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن طبيعة العلاقة بين ممارسة الألعاب العنيفة والسلوكيات الاجتماعية للتلاميذ، حيث ركزت على أنماط التفاعل بينهم وبين أقرانهم وأسرهم. وقد أظهرت النتائج وجود ارتباط طردي بين كثرة الانغماس في هذه الألعاب وبين بروز السلوك العدواني، إلى جانب تراجع واضح في مستويات التفاعل الاجتماعي الإيجابي. كما بينت أن هذه الممارسات تقود إلى مشكلات نفسية كالعزلة والانفعال غير المنضبط. وانتهت الدراسة إلى جملة من التوصيات أبرزها ضرورة مراقبة المحتوى الذي يتعرض له الطلاب، وتعزيز دور المدرسة والأسرة في التوعية بمخاطر الألعاب العنيفة، وإيجاد بدائل ترفيهية وتربوية تسهم في بناء القيم الإيجابية.
وفي السياق ذاته، جاءت دراسة علي (2024) لتبحث في تأثير إدمان الألعاب الإلكترونية على العلاقات الاجتماعية لدى الطفل المصري. فقد ركزت الدراسة على كيفية انعكاس الإدمان المفرط على طبيعة العلاقة بين الطفل وأسرته وأقرانه في المدرسة. وأكدت نتائجها أن الأطفال المدمنين على هذه الألعاب يعانون من ضعف ملحوظ في التواصل الأسري والاجتماعي، مع تراجع الأنشطة الرياضية والثقافية التي يمارسونها مقابل قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات. كما كشفت عن تدهور مهارات الحوار والتعاون، وازدياد الميل إلى العزلة والانطواء. وقد أوصت الدراسة بضرورة وضع ضوابط زمنية للاستخدام، وتوجيه الأطفال نحو أنشطة بديلة أكثر فائدة، إضافة إلى أهمية متابعة الوالدين للمحتوى الرقمي الذي يستهلكه أبناؤهم.
أما دراسة سيد (2024) فقد تناولت بعدًا مختلفًا يتمثل في العلاقة بين الألعاب الإلكترونية والهوية الثقافية للشباب العربي، حيث هدفت إلى التعرف على مستوى وعي هذه الفئة بالمخاطر القيمية والثقافية للألعاب التي تتضمن محتويات تتعارض مع الدين والتقاليد. وقد بينت نتائجها أن غالبية الشباب يتمتعون بدرجة عالية من الوعي بتلك المخاطر، وإن لم يكن الوعي مرتبطًا دومًا بكثافة الاستخدام. وأوضحت الدراسة أن للألعاب الإلكترونية تأثيرًا مباشرًا على تشكيل المنظومة القيمية للشباب، مما قد يهدد الهوية الدينية والاجتماعية إذا لم تتم مواجهة هذه التأثيرات بجدية. وقد أوصت بضرورة تفعيل برامج توعية تربوية وإعلامية، وتشجيع إنتاج ألعاب محلية بديلة تراعي خصوصية المجتمع العربي والإسلامي، مع تعزيز دور الرقابة الأسرية في ضبط هذا الاستخدام.
أما دراسة قويدر (2022) فقد اتخذت منحى مختلفًا بالتركيز على البعد الفكري والثقافي للألعاب الإلكترونية. إذ سعت إلى تحليل ما إذا كانت هذه الألعاب مجرد وسيلة للتسلية أم أنها تحمل في طياتها منظومات قيمية وثقافية تعكس هوية منتجيها. وقد خلصت النتائج إلى أن الألعاب ليست محايدة، بل تعكس بوضوح ثقافة الغرب وقيمه الفكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تآكل بعض القيم المحلية لدى الشباب نتيجة الانغماس المفرط في هذه الألعاب. كما أشارت إلى أن هذا التأثير يتجلى في تشكيل الوعي واللغة والرموز والسلوكيات التي ينقلها اللاعبون من بيئة اللعبة إلى حياتهم الواقعية. وفي ضوء هذه النتائج، أوصت الدراسة بضرورة الاستثمار في إنتاج ألعاب عربية ذات مضمون تربوي وثقافي يعكس الهوية المحلية، إلى جانب إدماج الألعاب التعليمية في المناهج، ووضع سياسات رقابية تحد من التأثيرات الفكرية السلبية للألعاب المستوردة.
وفي الاتجاه ذاته، جاءت دراسة سالم (2018) التي هدفت إلى الكشف عن أشكال العنف الكامنة في الألعاب الإلكترونية الموجهة للأطفال. وأوضحت نتائجها أن هذه الألعاب لا تقتصر على الترفيه، بل تسهم في ترسيخ قيم سلبية مثل الاحتيال والخداع والعنف والإرهاب، وقد تصل أحيانًا إلى حد التحريض على الانتحار. كما أوصت الدراسة بضرورة تشديد الرقابة الأسرية على استخدام الأطفال لهذه الألعاب، إلى جانب العمل على تطوير بدائل إلكترونية ترفيهية تحمل عناصر الإثارة والجذب الموجودة في الألعاب العالمية، ولكن في إطار ينسجم مع القيم الدينية والضوابط الاجتماعية للمجتمعات العربية والإسلامية.
تناولت دراسة Bera & Mandal, 2024) ) أثر الألعاب الرقمية على الصحة النفسية للشباب، حيث هدفت إلى استكشاف العلاقة بين الاستخدام المفرط للألعاب وبين اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق وحتى الأفكار الانتحارية. وأظهرت نتائجها أن الإفراط في ممارسة الألعاب الرقمية يُعد عاملًا مؤثرًا في زيادة معدلات العزلة الاجتماعية وتنامي الضغوط النفسية، إذ غالبًا ما يلجأ إليها المراهقون كوسيلة للهروب من التحديات اليومية، مما يضاعف احتمالية التعرض لاضطرابات نفسية حادة. وقد أوصت الدراسة بضرورة رفع الوعي الأسري والتربوي بمخاطر الإدمان الرقمي، والعمل على وضع ضوابط زمنية ومعايير منظمة تحد من الآثار السلبية للألعاب على الصحة العقلية للأطفال والشباب.
وفي الاتجاه نفسه، جاءت دراسة (Alimoradi,et,2024) التي سعت إلى تقدير حجم انتشار اضطراب الألعاب بين المراهقين من خلال مراجعة منهجية وتحليل تلوي لعدد من الدراسات الدولية. وقد أكدت نتائجها أن اضطراب الألعاب بات يمثل عبئًا صحيًا عالميًا متزايدًا، حيث تختلف نسب انتشاره من دولة إلى أخرى بحسب السياقات الثقافية وأدوات القياس المعتمدة، غير أن القاسم المشترك هو اتساع الظاهرة وتعدد آثارها النفسية والاجتماعية. وانتهت الدراسة إلى ضرورة صياغة استراتيجيات وقائية متكاملة على مستوى الأسرة والمدرسة، إلى جانب اعتماد معايير تشخيصية موحدة عالميًا وتعزيز التعاون بين الجهات الصحية والتعليمية.
وعند تحليل مضمون الدراسات السابقة، يتبيّن أنها تشكّل أرضية معرفية غنية تدعم موضوع دراستنا الحالية من عدة أبعاد متقاطعة. فقد تناولت دراسة الشيخ إبراهيم (2023) البُعد الاجتماعي، مبينةً الأثر المباشر للألعاب العنيفة في زيادة السلوك العدواني وضعف التفاعل الأسري والطلابي، وهو ما يعزز فرضيتنا حول تهديد هذه الألعاب لركائز القيم المجتمعية. كما توافقت معها دراسة علي (2024) التي رصدت انعكاسات الإدمان على العلاقات الاجتماعية ومهارات التواصل، مما يعمّق فهمنا لكيفية تفكك البناء الاجتماعي لدى النشء بسبب التعلق المرضي بالألعاب الرقمية.
أما دراسة سيد (2024) فقد انتقلت إلى بعد أكثر ارتباطًا بموضوع دراستنا، حيث ناقشت التهديد المباشر الذي تشكله الألعاب على الهوية الثقافية والدينية للشباب العربي، من خلال ما تحمله من مضامين تتعارض مع القيم المحلية. وهذا البُعد القيمي هو ما تنطلق منه دراستنا في تحليل الأمن الفكري وتهديداته. في السياق ذاته، أكدت دراسة قويدر (2022) أن الألعاب الإلكترونية تحمل رسائل ثقافية غربية غير محايدة، وتؤثر في تشكيل الوعي والسلوك، ما يتقاطع بشكل مباشر مع سؤال دراستنا حول اختراق القيم الثقافية والاجتماعية عبر هذه الوسائط الترفيهية.
ومن منظور العنف والمحتوى التحريضي، جاءت دراسة سالم (2018) لتكشف عن البعد الخفي للعنف والاحتيال والإرهاب في الألعاب، بما في ذلك التحريض على الانتحار، مما يدعم الجانب الوقائي من دراستنا، خصوصًا فيما يتعلق بالتحصين الفكري للأطفال.
أما الدراسات الأجنبية، فقد أضافت بعدًا نفسيًا وصحيًا مهمًا، إذ سلّطت دراسة Bera & Mandal (2024) الضوء على آثار الألعاب الرقمية في اضطرابات الصحة النفسية كالقلق والاكتئاب والعزلة، وهو ما يتقاطع مع الجانب النفسي لانعكاس فقدان التوازن القيمي والفكري. كما أكدت دراسة Alimoradi وآخرون (2024) أن اضطراب الألعاب الإلكترونية بات يشكّل ظاهرة عالمية تتطلب استجابة وقائية ممنهجة، وهو ما يدعم أهمية تبني سياسات شاملة كما توصي به دراستنا الحالية.
ونحن نرى أن هذه الدراسات بمجموعها تُمكّننا من مقاربة موضوعنا من زوايا متعددة: نفسية، اجتماعية، ثقافية، وتشريعية، حيث تُظهر بوضوح أن الألعاب الإلكترونية تمثّل خطرًا متناميًا على القيم المجتمعية والأمن الفكري، مما يعزّز الحاجة إلى تحليل الظاهرة ليس فقط كمشكلة ترفيه سلبي، بل كأداة حديثة لإعادة تشكيل الوعي والسلوك الجمعي، وهو جوهر دراستنا.
سابعاً- مصطلحات الدراسة:
لقد اشتملت الدراسة على مجموعة من المصطلحات التي تُعد محورية لفهم الإطار المفاهيمي للبحث، وقد تم تحديدها وتعريفها إجرائيًا بما يتناسب مع أهداف الدراسة وتساؤلاتها، وذلك بالاعتماد على أدبيات علمية حديثة، ومراجع متخصصة، لضمان الدقة في التناول والوضوح في المعنى. وفيما يلي عرض لأهم هذه المصطلحات:
- الألعاب الإلكترونية: هي برامج رقمية تفاعلية تهدف إلى الترفيه أو التحدي أو المحاكاة، تُمارَس عبر الأجهزة الذكية أو منصات الألعاب، وتتنوع بين ألعاب فردية وجماعية وقد تحمل مضامين ثقافية وأخلاقية متعددة (عايد، 2017).
- العنف الإلكتروني في الألعاب: هو نوع من المحتوى الموجود داخل الألعاب الرقمية يتضمن مشاهد قتال أو قتل أو إيذاء أو سلوكيات عدوانية، يمكن أن تؤثر على النمو النفسي والاجتماعي للمراهقين (محمودي، 2022).
- الإدمان الرقمي على الألعاب الإلكترونية: هو الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية بطريقة قهرية تؤدي إلى فقدان السيطرة، وإهمال الأنشطة اليومية، واضطراب العلاقات الاجتماعية والسلوك العام (علي، 2024).
- المحتوى غير الأخلاقي في الألعاب الإلكترونية:هو كل ما تحتويه الألعاب من صور أو كلمات أو مواقف تتنافى مع الأخلاق العامة والدين والعادات، مثل العري، الشتائم، أو السلوكيات المحرضة على الفساد والانحلال (الحسيني، 2022).
- القيم المجتمعية: هي مجموعة المبادئ والمعايير الأخلاقية والسلوكية التي يكتسبها الفرد من مجتمعه وتوجه سلوكه في إطار الاحترام والانتماء والمسؤولية (قويدر، 2022).
- الأمن الفكري: هو حالة من التوازن الفكري والثبات القيمي لدى الفرد تجعله قادرًا على مواجهة الانحرافات الفكرية والأخلاقية التي قد يتعرض لها، والحفاظ على هويته ومعتقداته (سيد، 2024).
ثامناً- خطة تقسيم الدراسة:
تم تقسيم البحث وفقاً للتقسيم التالي:
- المبحث الأول: الإطار النظري الألعاب الإلكترونية
- المطلب الأول: نشأة وتطور الألعاب الإلكترونية.
- المطلب الثاني: مفهوم الألعاب الإلكترونية.
- المطلب الثالث: الخصائص والمكونات التقنية للألعاب الإلكترونية.
- المبحث الثاني: الأبعاد السلوكية والنفسية المرتبطة باستخدام الألعاب الإلكترونية.
- المطلب الأول: العنف الإلكتروني.
- المطلب الثاني: الإدمان الرقمي.
- المطلب الثالث: المحتوى غير الأخلاقي.
- المطلب الرابع: الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي.
المبحث الأول : الإطار النظري الألعاب الإلكترونية
تُعد الألعاب الإلكترونية من أبرز الظواهر التقنية التي شهدها العصر الحديث، حيث انتقلت من كونها وسيلة ترفيه بسيطة إلى صناعة رقمية متكاملة تؤثر في السلوك والثقافة والمجتمع. ومع تزايد استخدام هذه الألعاب بين فئة الشباب، أصبح من الضروري فهم أبعادها النظرية والتقنية، كمدخل أساسي لتحليل تأثيرها النفسي والسلوكي. ويتناول هذا المبحث ثلاثة مطالب رئيسية، تبدأ باستعراض نشأة وتطور الألعاب الإلكترونية، ثم توضيح مفهومها، وأخيرًا الوقوف على أهم خصائصها ومكوناتها التقنية، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول : نشأة وتطور الألعاب الإلكترونية
لقد شهد العالم في العقود الأخيرة تحولًا رقميًا جذريًا أعاد تشكيل أساليب الحياة، ومن أبرز تجليات هذا التحول كان ظهور وتطور الألعاب الإلكترونية، التي بدأت كأدوات بسيطة للتسلية، ثم تطورت لتصبح صناعة ثقافية واقتصادية عالمية تؤثر في السلوك والوعي الجمعي، لاسيما لدى فئة الأطفال والمراهقين. ويمكن القول إن مسار نشأة وتطور الألعاب الإلكترونية يعكس تطور العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وتحول الوسيط الرقمي من مجرد وسيلة ترفيه إلى أداة لصياغة القيم والهويات والتفاعلات الاجتماعية (عبد المنعم، 2023).
وتعود الجذور الأولى للألعاب الإلكترونية إلى خمسينيات القرن العشرين، حين ظهرت أولى المحاولات التجريبية على أجهزة الحاسوب الضخمة في المختبرات الجامعية. ففي عام 1958، طُورت لعبة Tennis for Two على يد العالم الأمريكي “ويليام هيجينبوثام”، لتكون أول لعبة تستخدم واجهة رسومية بسيطة. تبعتها في عام 1962 لعبة Spacewar! التي ابتكرها طلاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وتُعد من أوائل الألعاب التفاعلية بين لاعبين (عايد، 2017).
لكن التحول الحقيقي نحو الصناعة التجارية بدأ مع إطلاق لعبة Pong عام 1972 من شركة “أتاري”، وهي أول لعبة أركيد تُطرح بنجاح في الأسواق، مما فتح الباب أمام ظهور جيل جديد من الألعاب التي تُعرض في صالات الألعاب (Arcade Halls). هذا التطور سرعان ما لفت أنظار المستثمرين ووسائل الإعلام، ليبدأ ما يُعرف بعصر “الانفجار الرقمي الترفيهي” (درويش، 2020).
ومع بداية الثمانينيات، دخلت الألعاب الإلكترونية إلى البيوت، بفضل أجهزة مثل Nintendo Entertainment System (NES) وAtari 2600، والتي أتاحت للمستخدمين فرصة اللعب في المنزل دون الحاجة إلى الذهاب إلى صالات الألعاب. وقد تميزت هذه المرحلة بظهور شخصيات أيقونية مثل “ماريو” و”سونيك”، التي أصبحت رموزًا ثقافية لجيل كامل. هذا التوسع ساهم في تكوين علاقة يومية ومباشرة بين الطفل وجهاز اللعب، مما عزّز الأثر النفسي والتربوي للألعاب على الفرد والأسرة (جندل، 2024).
ولقد شهدت فترة التسعينيات قفزة نوعية في جودة الرسوميات والصوتيات، حيث بدأت الشركات بتطوير ألعاب ثلاثية الأبعاد، مثل Tomb Raider وQuake، كما ظهرت منصات جديدة مثل PlayStation وSega Saturn. في هذا السياق، لم تعد الألعاب مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت مساحة للتعلم والتخيل والتحدي، ما دفع بعض المدارس في الغرب لاستخدام الألعاب التعليمية التفاعلية كأداة تربوية (السيد، 2020).
ومع دخول الألفية الثالثة، فرض الإنترنت نفسه كمكوّن أساسي في تطور الألعاب الإلكترونية، وظهر ما يُعرف بالألعاب الجماعية المتعددة اللاعبين على الإنترنت مثل World of Warcraft، التي جمعت ملايين المستخدمين حول العالم في عوالم افتراضية غنية بالتفاصيل والمهام المشتركة. لم تعد اللعبة حدثًا فرديًا، بل تجربة جماعية تشكّل تفاعلات وصداقات وتحالفات، وأحيانًا نزاعات، ما دفع علماء النفس والاجتماع لدراسة أثر هذه البيئات الرقمية على تكوين الهوية والانتماء (إبراهيم، 2024).
ومنذ عام 2010، دخلت الألعاب مرحلة جديدة مع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، مما جعل الشخصيات داخل الألعاب أكثر واقعية وقدرة على التفاعل. كما برزت ألعاب مثل Fortnite وMinecraft وRoblox كمنصات اجتماعية، وليست فقط ترفيهية، حيث يمكن للمستخدمين بناء عوالمهم والتفاعل مع الآخرين دون رقابة مباشرة، ما أثار نقاشات حادة حول التربية، القيم، والأمن الفكري (البياري، 2023).
المطلب الثاني : مفهوم الألعاب الإلكترونية
شهدت السنوات الأخيرة بروز ألعاب إلكترونية مثيرة للجدل جذبت الأطفال والشباب بشكل كبير بدافع المتعة والتسلية، إلا أن العديد منها وُصف بـ«المصيدة الرقمية»، إذ يبدأ الأمر بممارسة اللعب بحثًا عن الترفيه، لينتهي في بعض الحالات بالوقوع في سلوكيات خطرة مثل العنف أو الاكتئاب أو الانتحار. وتؤكد الأدبيات أن الألعاب الإلكترونية، بوصفها نشاطًا ذهنيًا يعتمد على التفاعل التكنولوجي، لم تعد مجرد وسيلة ترفيهية بريئة، بل أضحت بيئة متكاملة تحمل منظومات فكرية وسلوكية قد تترك أثرًا عميقًا على وعي وقيم الشباب (عايد، 2017؛ همّال، 2018).
وتُعرّف الألعاب الإلكترونية بأنها نشاط ذهني-ترفيهي ظهر في أواخر ستينات القرن الماضي، يشمل ألعاب الفيديو الخاصة، وألعاب الحاسوب، وألعاب الهواتف النقالة، وكل الألعاب ذات الصبغة الإلكترونية، ويُمارس بصورة فردية أو جماعية عبر شبكة الإنترنت أو دونها. وتعتمد هذه الألعاب على برامج معلوماتية وأجهزة إخراج مثل الشاشات، مكبرات الصوت، والنظارات الإلكترونية، مما يعزز من غمر المستخدم في عالم افتراضي شبه متكامل (درويش، 2020؛ جندل، 2024).
أما الألعاب الإلكترونية العنيفة، فقد عرّفتها الأدبيات بأنها أنشطة ذات طابع إعلام آلي تفاعلي تُشجع على العنف وتحتوي على صور وأحداث متحركة قائمة على الصراع والدمار، وتتم ممارستها عبر أجهزة البلاي ستيشن والحواسيب أو عبر الشبكات وقاعات الألعاب (محمودي، 2022؛ إبراهيم، 2024). ومن حيث المحتوى، تركز هذه الألعاب على تعزيز رموز العنف الافتراضي كـ «القتل، الصراع، الرعب، الانتحار»، ولاسيما ألعاب الحركة والمغامرات والأكشن، وهو ما أشار إليه البياري (2023) في كتابه كابوس الألعاب الإلكترونية باعتبارها أخطر أشكال المحتوى الرقمي على النشء العربي.
وتوضح الأمثلة الشهيرة التالية حجم المخاطر النفسية والاجتماعية لهذه الألعاب:
- تحدي الحوت الأزرق: ظهر في روسيا عام 2013 وانتشر عبر روابط سرية في مواقع التواصل، حيث يتم اختيار اللاعبين بناءً على هشاشتهم النفسية وميلهم للاكتئاب. يتضمن التحدي خمسين مهمة يومية تنتهي بالانتحار، ويستخدم القائمون عليه أساليب ابتزاز وتجسس على أجهزة اللاعبين، وهو ما يُعد شكلًا جديدًا من «التصيد الإلكتروني» يجمع بين السادية الرقمية واستغلال الضحية (همّال، 2018؛ الحسيني، 2022).
- لعبة «جنية النار»: ظهرت عام 2017، وتبدأ بمهمات بسيطة ثم تتطور لتعليمات خطرة مثل فتح الغاز في المنزل واستنشاقه، وقد سجلت الشرطة الروسية حوادث حقيقية نتيجة اتباع هذه التعليمات (البياري، 2023).
- بوكيمون جو: رغم شهرتها العالمية، ارتبطت بحوادث قاتلة نتيجة اعتمادها على المطاردة الميدانية في الطرقات عبر تقنية الواقع المعزز، مع تطبيق نماذج التحفيز السلوكي مثل Hook Model الذي يُعوّد اللاعب تدريجيًا على الممارسة المستمرة (جندل، 2024).
- لعبة «الباندا»: تنتشر على فيسبوك وتستدرج اللاعبين بجوائز وهمية، وقد ارتبطت بحوادث اختطاف في بعض الدول العربية (عايد، 2017).
- لعبة مريم: انتشرت في دول الخليج وسببت الرعب للعائلات، حيث تحرّض الأطفال والمراهقين في بعض مراحلها على الانتحار وتهددهم بإيذاء أهلهم إذا لم يستجيبوا، مستغلة الغموض والمؤثرات الصوتية والبصرية لجذب المستخدمين (البياري، 2023).
وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى أن الإقبال على الألعاب الإلكترونية تضاعف بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع معدلات الاشتراكات والحسابات النشطة شهريًا، وهو ما يستدعي مراقبة صناعة الألعاب ومدى ملاءمتها لهوية الأطفال والمراهقين، إلى جانب سن تشريعات حديثة لحمايتهم وتنظيم استخدامهم لهذه التطبيقات (الشامسي، 2018؛ مجيد، 2019). ويحذّر العديد من المختصين من التأثير السلبي للاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية لفترات طويلة يوميًا على الصحة النفسية والجسدية للشباب والأطفال، وعلى أمنهم الفكري وسلامتهم الاجتماعية على المدى البعيد (همّال، 2018؛ علي، 2024).
وبذلك يتضح أن المخاطر الناجمة عن الألعاب الإلكترونية ليست مجرد احتمالات نظرية، بل وقائع مدعومة بأمثلة واقعية ودراسات علمية، وهو ما يُبرّر إشكالية دراستنا التي تسعى إلى تحليل انعكاس هذه الألعاب على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب في دولة الإمارات، وتحديد الأبعاد الأخطر فيها (العنف الإلكتروني، الإدمان الرقمي، المحتوى غير الأخلاقي، الانعزال الاجتماعي والثقافي)، بما يدعم صانعي القرار في وضع سياسات وقائية واستباقية قائمة على الذكاء الاصطناعي والاستبصار السلوكي.
تُعدّ لعبة Roblox من أكثر الألعاب شهرة بين الأطفال والمراهقين في العالم، إذ تمكّن المستخدمين من إنشاء عوالم افتراضية خاصة بهم والتفاعل عبر شخصيات رمزية (Avatars). ورغم تصنيفها كـ”لعبة تعليمية” في بعض البيئات، إلا أن العديد من التقارير الحقوقية والتحقيقات الصحفية حذّرت من استغلال هذه اللعبة من قبل بعض المستخدمين في نشر محتويات إباحية، والتحرش الجنسي الرقمي، والترويج لمخدرات رقمية، بل وجرّ الأطفال إلى غرف مغلقة تتضمن تمثيل مشاهد جنسية صريحة بأسلوب اللعب التفاعلي (عبدالمنعم، 2023(، (D’Anastasio, 2018).
أشارت صحيفة The Sun البريطانية إلى أن أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 6 و8 سنوات تعرّضوا لاعتداءات لفظية وجنسية عبر اللعبة بسبب ضعف نظام الرقابة، مما أدى إلى موجة من الغضب في بريطانيا والولايات المتحدة، دفعت بعض الأهالي لرفع دعاوى قضائية ضد الشركة المطوّرة(The Sun, 2019) وفي عام 2021، نشرت مجلة Forbes تقريرًا يفيد باستخدام بعض اللاعبين أساليب خفية لترويج صور فاضحة وروابط تحيل إلى منصات للمخدرات الرقمية أو المهلوسات(Forbes, 2021).
وفي السياق ذاته، انتشرت ألعاب إلكترونية أخرى أثارت الجدل، منها:
- لعبة “Slenderman”: تقوم على فكرة مخلوق مرعب يدفع اللاعب إلى تنفيذ مهام غريبة وعدوانية، وقد رُبطت هذه اللعبة بحادثة شهيرة في الولايات المتحدة حيث أقدمت طفلتان على محاولة قتل صديقتهما استجابة لأوامر اللعبة، زاعمَتين أن “سليندرمان” هددهما إن لم تفعلا ذلك(BBC, 2014.).
- لعبة “Doki Doki Literature Club”: تبدو في ظاهرها كلعبة رومانسية مدرسية، لكنها تحتوي في عمقها على محتوى مظلم يدفع اللاعب تدريجيًا نحو الاكتئاب والانتحار. وقد سُجّلت عدة حالات انتحار بين مراهقين في بريطانيا، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات(Daily Mail, 2018).
- لعبة “Sad Satan”: وُصفت بأنها من “ألعاب الإنترنت المظلم”، وتحتوي على رسائل مخفية وصور مرعبة وموسيقى مزعجة ومقاطع من خطابات تاريخية، وتُتهم بتغذية سلوكيات مرضية لدى اللاعبين. كما شُك بأن اللعبة تحتوي على محتوى إباحي للأطفال تم إزالته لاحقًا من النسخ المتاحة(Hern, 2015).
- ألعاب ترويج المخدرات الرقمية: ظهرت عبر منصات مثل I-Doser أو عبر روابط داخل الألعاب مثل “GTA V” و”Second Life”، حيث يتم الترويج لما يسمى بـ”المخدرات الصوتية” أو “المخدرات الرقمية” التي تعتمد على الذبذبات الثنائية (binaural beats) للتأثير على الدماغ وتحفيز حالات تشبه تأثير المواد المخدرة، ما يجعل الأطفال عرضة لتجارب خطيرة دون إشراف أو إدراك للعواقب (عبدالعزيز، 2022)، ( Wahab & Ramli, 2019) .
نحن نرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مضمون هذه الألعاب، بل في المنصات المفتوحة التي تسمح بإنشاء المحتوى من قبل المستخدمين دون رقابة، مما يفتح الباب أمام الجهات الإجرامية لاستغلال الأطفال في ترويج الإباحية أو غسل الدماغ أو تمرير أفكار سلوكية منحرفة. وهذا يدفعنا إلى المطالبة بتشديد الرقابة على الألعاب الرقمية، خصوصًا تلك المصنّفة بأنها “آمنة” بينما هي في الواقع تحتوي على مكونات مدمّرة للقيم والأمن الفكري.
المطلب الثالث : الخصائص والمكونات التقنية للألعاب الإلكترونية
تُعد الألعاب الإلكترونية من أكثر الوسائط التكنولوجية تطورًا، إذ تجمع بين الترفيه والبرمجة والتفاعل البشري في بيئة رقمية غنية بالمتغيرات، وتتميز بخصائص ومكونات تقنية معقدة تسهم بشكل مباشر في التأثير على أنماط التفكير والسلوك والقيم لدى المستخدمين، لا سيما الأطفال والمراهقين. ويمكن تناول هذه الخصائص من خلال ثلاث زوايا رئيسية:
أولًا: بيئة اللعب وأدواتها (المنصات، الأجهزة، البرمجيات)
تتكامل منظومة الألعاب الإلكترونية من خلال منصات متعددة، أبرزها أجهزة الحاسوب، والهواتف الذكية، وأجهزة الكونسول مثل (PlayStation، Xbox، Nintendo)، والتي تشكل البنية التحتية التقنية لتشغيل الألعاب. كما تعتمد هذه الألعاب على برمجيات متطورة تعرف بمحركات الألعاب (Game Engines) مثل Unity وUnreal، وتُستخدم فيها تقنيات الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR)، الأمر الذي يعزز من الإحساس بالاندماج والانفصال عن الواقع المادي. وقد أشار الحمادي (2022) إلى أن التصميم الفني والتقني لتلك الألعاب يهدف بالأساس إلى شدّ انتباه الطفل، وإثارة دوافع التكرار واللعب المستمر عبر الرسومات الجذابة، ونظام الجوائز والمكافآت داخل اللعبة (الحمادي، 2022، ص 34).
ثانيًا: طبيعة المحتوى التفاعلي والمجتمعات الافتراضية داخل الألعاب
أصبحت الألعاب الإلكترونية الحديثة ليست مجرد ترفيه فردي، بل تحولت إلى فضاءات تفاعلية ومجتمعات افتراضية قائمة بذاتها، تُمارَس فيها أشكال من التعاون والصراع بين لاعبين من جميع أنحاء العالم. وتتيح العديد من الألعاب أنظمة دردشة صوتية وكتابية، وتُسهم في بناء هوية رقمية منفصلة عن الواقع.
وتشير البوصي (2023) إلى أن التفاعل اللامحدود داخل هذه العوالم الرقمية يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الوعي الأخلاقي والانفعالي، خصوصًا عندما يُمارَس العنف أو الابتزاز أو الشتم بين اللاعبين ضمن ما يُعرف بـ”العنف التفاعلي”، وهو عنف رقمي ينشأ داخل الفضاء السيبراني ولكنه يُترجم سلوكيًا في الواقع (البوصي، 2023، ص 91).
ثالثًا: خصائص الألعاب الموجهة للأطفال والشباب
تركز غالبية شركات تطوير الألعاب على استهداف الأطفال والمراهقين، عبر إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لجذبهم نفسيًا وسلوكيًا، باستخدام صور كرتونية، وألوان زاهية، ومؤثرات صوتية، ونظام مكافآت تراكمي يعزز الإدمان السلوكي. وقد نبّه حسين (2020) إلى أن ألعاب الأطفال تحوّلت إلى وسيلة تربوية عكسية في بعض الحالات، نظرًا لما تتضمنه من رسائل مشفرة، أو حوارات غير مناسبة، أو رموز ثقافية تُمرّر من خلالها قيم دخيلة تمسّ الهوية الثقافية والدينية، مثل التعري، أو السخرية من الرموز الأخلاقية، أو تصوير العنف على أنه بطولة (حسين، 2020، ص 107). كما أشار عبد الباسط (2022) إلى أن هذه الألعاب كثيرًا ما تفتقد للرقابة الرقمية الصارمة، ما يسمح بتسلل محتويات جنسية أو مخدرات أو تحريض على الانتحار داخل بعض الألعاب المنتشرة بين الأطفال والمراهقين، مثل لعبة روبلوكس، أو بعض إصدارات Gacha Life وMomo Challenge (عبد الباسط، 2022، ص 76).
ونحن نرى أن الخصائص التقنية للألعاب الإلكترونية لم تعد عنصرًا محايدًا في تشكيل التجربة الترفيهية، بل باتت تمثل مدخلًا مهمًا لفهم الأبعاد النفسية والاجتماعية الناتجة عن الانخراط في هذا العالم الرقمي. ولذلك، فإن تصميم اللعبة، وشكلها، وطريقة التفاعل داخلها، والمحتوى الذي تُقدّمه، جميعها تمثل عوامل محورية ينبغي أن تكون خاضعة للرقابة والبحث المستمر، حماية للنشء، وضمانًا لسلامة البناء القيمي والاجتماعي للمجتمع.
المبحث الثاني : الأبعاد السلوكية والنفسية المرتبطة باستخدام الألعاب الإلكترونية
لقد شهدت السنوات الأخيرة تغيرًا جذريًا في أنماط تفاعل الشباب مع البيئة الرقمية، حيث أصبحت الألعاب الإلكترونية تشكل محورًا رئيسيًا في حياتهم اليومية. وهذا الانغماس المتزايد أفرز عددًا من الأبعاد السلوكية والنفسية التي تثير القلق نظرًا لما تحمله من آثار محتملة على الأمن الفكري والقيمي للفرد والمجتمع، ويمكن تصنيف هذه الأبعاد إلى أربعة محاور رئيسية، سوف نتناولهمن خلال المطالب التالية:
المطلب الأول : الإدمان الرقمي
يُعد الإدمان الرقمي أحد أخطر التبعات النفسية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية، ويتجلى هذا النوع من الإدمان في فقدان السيطرة الإرادية على الوقت والانغماس الكلي في البيئة الافتراضية على حساب الواقع الاجتماعي والأسري والتعليمي. ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا الشكل من الإدمان لا يقل خطورة عن الإدمان الكيميائي، من حيث تأثيره العميق على الجهاز العصبي، ومستوى التحفيز الذهني، والارتباط العاطفي غير السوي بالتجربة الافتراضية (العبادي، 2016؛ الشامسي، 2018؛ البياري، 2023).
وينقسم الإدمان الناتج عن الألعاب الإلكترونية إلى نوعين رئيسيين:
- الإدمان السلوكي: ويظهر من خلال رغبة قهرية ومتكررة في اللعب، حتى في أوقات غير مناسبة كأوقات الدراسة أو النوم أو الصلاة، دون قدرة على التوقف رغم وعي المستخدم بمخاطر ذلك. كما يظهر اللاعب تصرفات دفاعية وانفعالية إذا مُنع من اللعب، وهي من أبرز مؤشرات التعلق المرضي بالألعاب (البياري، 2023؛ درويش، 2020؛ جندل، 2024).
- الإدمان النفسي: يتجسد هذا النوع في الارتباط العاطفي والشعوري بالألعاب، إذ تصبح ملاذًا نفسيًا للهروب من ضغوط الحياة الواقعية (الفشل الدراسي، الخلافات الأسرية، العزلة الاجتماعية). ويصاحب ذلك شعور زائف بالإنجاز والانتصار داخل اللعبة، ما يزيد من تعميق الفجوة مع العالم الحقيقي (العبادي، 2016؛ همّال، 2018).
وتشير الدراسات إلى عدد من الأعراض المتكررة التي تدل على الإصابة بإدمان الألعاب الإلكترونية، ومنها:
- السهر المفرط حتى الفجر دون شعور بالوقت.
- اضطرابات النوم وفقدان الشهية.
- التراجع الأكاديمي والضعف في التركيز والانتباه.
- الانعزال عن الأسرة ورفض الحوار الاجتماعي.
- زيادة معدلات العصبية والانفعال.
- أعراض اكتئاب وقلق وتوتر متكرر (همّال، 2018؛ علي، 2024؛ الحسيني، 2022).
وقد أكدّت دراسة إبراهيم (2023) أن الانغماس الزائد في الألعاب الإلكترونية يؤدي إلى ظهور مشكلات نفسية مثل القلق الاجتماعي والخوف من التعامل الواقعي، إلى جانب آثار سلبية على مهارات التفاعل اللفظي وغير اللفظي. كما رصدت دراسة سيد (2024) أن هذا النمط السلوكي يؤثر على وعي الشباب بالهوية العربية، ويخلق فجوة بين الواقع والمحتوى الذي تقدّمه الألعاب، لا سيما تلك التي تحتوي على قيم غربية أو منحرفة ثقافيًا.
وتتفق الأدبيات الحديثة على أن الآثار النفسية للإدمان الرقمي قد تمتد إلى:
- اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب الحاد.
- التوتر المزمن الناتج عن التنافس المستمر داخل اللعبة.
- فقدان الحافز الواقعي نتيجة التعويض النفسي داخل اللعبة عن الإنجاز الحقيقي.
- تدهور الذاكرة قصيرة المدى نتيجة الاعتماد على التحفيز اللحظي (عايد، 2017؛ محمودي، 2022).
ويُعدّ الإدمان الرقمي تحديًا مباشرًا للأمن الفكري؛ حيث يؤدي إلى تفكيك الأولويات العقلية لدى الشباب، ويضعف قدرتهم على التحليل، النقد، واتخاذ القرار، مما يجعلهم فريسة سهلة للأفكار المتطرفة، أو الإشاعات الرقمية، أو الانحرافات الأخلاقية التي قد تتسلل عبر منصات الألعاب نفسها. كما أن ضعف الروابط الأسرية الناتج عن الانعزال الرقمي يُحدث خلخلة في منظومة القيم، ويُضعف الشعور بالمسؤولية الجماعية والانتماء الوطني (سيد، 2024؛ قويدر، 2022؛ مجيد، 2019).
ونحن نرى أن الإدمان الرقمي ليس ظاهرة فردية فحسب، بل يمثل خطرًا هيكليًا واسع التأثير، يهدد البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للشباب، ويضعف من قدراتهم على الانخراط في العمل الوطني والمجتمعي. ويستدعي هذا الواقع تدخلًا متعدد الأبعاد، يشمل الأسرة، المدرسة، الإعلام، والسياسات الوطنية، خصوصًا عبر التشريعات الخاصة بتحديد ساعات اللعب، إدراج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، دعم منصات وطنية آمنة توازن بين الترفيه والتوعية.
المطلب الثاني : العنف الإلكتروني
يُعد العنف أحد أبرز المظاهر السلبية في محتوى العديد من الألعاب الإلكترونية المعاصرة، حيث لا يقتصر العنف على مجرد مشاهد القتل أو الصراع المباشر، بل يمتد ليصبح جزءًا من آلية اللعب والتفاعل ووسيلة لتحقيق المكافآت والانتصارات داخل بيئة اللعبة. وهذا التكرار المستمر لمشاهد العنف وتطبيعها داخل اللعبة يُسهم في ترسيخ عدد من السلوكيات السلبية لدى الأطفال والمراهقين، ومن أبرزها:
- تبلّد المشاعر تجاه العنف الحقيقي: إذ يصبح اللاعب أكثر اعتيادًا على صور الدماء والانفجارات والصراخ، مما يُضعف استجابته العاطفية عند مواجهة أو سماع أخبار عن حوادث عنف حقيقية.
- تبنّي العنف كوسيلة لحل الخلافات: فالعديد من الألعاب تمنح اللاعب نقاطًا أو ترقيات عند إلحاق الأذى بالآخر، ما يعزز في ذهنه أن العدوان وسيلة فعالة ومكافأة.
- نقص السيطرة على الانفعالات الواقعية: حيث يُظهر اللاعب سلوكًا اندفاعيًا وعدوانيًا خارج إطار اللعبة، بسبب تعوّده على الاستجابة الفورية والغاضبة داخل بيئة اللعب.
وفي هذا الإطار، تشير المحمودي (2022) في كتابها العنف الافتراضي في الألعاب الإلكترونية العنيفة إلى أن تكرار التعرّض للعنف الرقمي يسهم في رفع مستويات السلوك العدواني لدى الفئات العمرية الصغيرة، كما يؤدي إلى تراجع الحساسية الأخلاقية لديهم، وهو ما يعني أن الطفل أو المراهق قد لا يرى في العنف سلوكًا غير مقبول أخلاقيًا، بل يراه أمرًا طبيعيًا في الحياة اليومية نتيجة تأثير بيئة اللعب الرقمية.
كما أكّد (سالم (2018, في دراسته المعنونة العنف الإلكتروني الموجّه للأطفال في الألعاب الإلكترونية، أن بعض هذه الألعاب تحتوي على مضامين عنف خفيّة موجهة للأطفال بطرق غير مباشرة، مثل التهكّم، الاستقواء، الترهيب، أو الإقصاء، مما يجعل من هذه الممارسات جزءًا من سلوكيات الطفل اليومية دون أن يشعر بخطورتها أو أثرها التراكمي على توازنه النفسي والاجتماعي (سالم، 2018، ص. 44-45).
ونحن نرى أن العنف الإلكتروني لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط من زاوية تأثيره المباشر، بل باعتباره عنصرًا مدخليًا يُعيد تشكيل البنية القيمية لدى النشء، ويُضعف الرقابة الذاتية والتعاطف، ويؤدي في بعض الحالات إلى السلوك العدواني أو التنمّر في البيئة المدرسية أو الرقمية. وهذا ما يستدعي تدخلًا ممنهجًا من قبل المؤسسات التربوية والتقنية والاجتماعية لمراجعة تصنيفات المحتوى، وتوعية الأسر بمخاطر الألعاب ذات الطابع العنيف، بما يتسق مع جهود دولة الإمارات في بناء بيئة رقمية آمنة تعزز السلام المجتمعي وتحمي الأمن الفكري للأطفال والشباب.
المطلب الثالث
المحتوى غير الأخلاقي
تشكل الألعاب الإلكترونية في الوقت الراهن إحدى أكثر الوسائط التفاعلية تأثيرًا في فئة النشء والشباب، خاصةً في المرحلة العمرية الحساسة (10–18 سنة)، حيث يقضي كثير منهم ساعات طويلة في بيئات رقمية متنوعة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية (درويش، 2020). وتتزايد الخطورة عندما تحتوي هذه الألعاب على محتويات غير أخلاقية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في البناء الفكري والسلوكي والقيمي للمستخدمين. ويقصد بالمحتوى غير الأخلاقي في هذا السياق كل ما يخالف المبادئ الدينية والقيم الاجتماعية المستقرة (عبد العزيز، 2022)، ويتجلى ذلك في عدة صور، من أبرزها:
- المشاهد الإباحية أو شبه الإباحية التي تظهر الشخصيات بملابس غير لائقة أو في أوضاع مخالفة للخصوصية الثقافية، وهو ما يتعارض مع الهوية الأخلاقية للمجتمعات المحافظة (عايد، 2017).
- العبارات النابية والسلوكيات المنحرفة التي تُعرض في سياق اللعب وكأنها جزء طبيعي من التفاعل اليومي، مما يؤدي إلى تطبيع هذه الممارسات لدى المستخدمين (همّال، 2018).
- تمجيد المعتقدات المنحرفة مثل عبادة الشيطان أو الشعوذة أو الإلحاد، والترويج لها بشكل غير مباشر، بما قد يؤثر في القيم العقائدية للأطفال والمراهقين (العبادي، 2016).
- الترويج لتغيير الهوية الجنسية أو تقبّل المثلية كما في بعض الألعاب العالمية التي تسمح باختيار الهوية الجنسية أو تتضمن شخصيات من هذا النوع ضمن مسار اللعب، وهو ما قد يسهم في إضعاف الهوية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي (سيد، 2024).
- المزج بين العنف والمحتوى الجنسي أو الدمج بين الانحراف السلوكي والإثارة، ما يؤدي إلى تطبيع مشاهد غير مقبولة أخلاقيًا لدى النشء (البياري، 2023).
ويكمن الخطر الأكبر في أن هذه المحتويات يصعب على أولياء الأمور رصدها أو مراقبتها، خاصةً أن كثيرًا من الألعاب الحديثة تعتمد على الاتصال بالإنترنت وتعمل ضمن شبكات جماعية أو مجتمعات افتراضية تتيح التفاعل مع لاعبين من مختلف دول العالم. وتوفر بعض هذه المنصات خاصية “الدردشة الصوتية أو الكتابية” التي قد تُستغل في تمرير رسائل غير أخلاقية أو صور مخالفة للقوانين والأعراف (الحسيني، 2022).
وقد أشار (عايد ,2017) في كتابه الألعاب الإلكترونية: المخاطر والتأثيرات إلى أن كثيرًا من هذه الألعاب تسهم في إدخال قيم دخيلة وسلوكيات تتناقض مع الأخلاق الإسلامية والعربية، وتدفع النشء إلى قبول تدريجي لما كان مرفوضًا اجتماعيًا، مما يخلق حالة من “تفكك القيم الداخلية وتشويش الهوية الثقافية”. وفي السياق ذاته، تؤكد دراسة )علي ,2024) أن التعرض المتكرر لهذه المحتويات يولد حالة من اللامبالاة الأخلاقية لدى المراهقين، حيث يبدأ المستخدمون بتقليد بعض السلوكيات المخالفة دون وعي بخطورتها، مما يؤدي إلى خلل في البوصلة القيمية ويضعف القدرة على التمييز بين المقبول والمرفوض اجتماعيًا. كما أوضح )همّال ,2018) أن الألعاب الإلكترونية الجماعية عبر الإنترنت غالبًا ما تفتح المجال أمام الأطفال للتفاعل مع ثقافات منحرفة قد تزرع فيهم قيماً وسلوكيات دخيلة على المدى الطويل.
ونحن نرى أن المحتوى غير الأخلاقي في الألعاب الإلكترونية يمثل أحد أخطر التهديدات المستترة للأمن القيمي والفكري في المجتمعات المحافظة، لا سيما أنه يُقدَّم غالبًا في إطار ترفيهي أو رمزي يصعب اكتشافه في الظاهر، ويتسلل تدريجيًا إلى لاوعي النشء. ويُحدث التفاعل المستمر مع هذه البيئات الرقمية المشبعة بالقيم الدخيلة نوعًا من “التطبيع الرقمي مع الانحراف”، أي أن المستخدم يبدأ في التعايش مع الانحراف كجزء من الواقع الجديد الذي لا يستحق الرفض أو المقاومة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تشريعات رقمية صارمة، بالإضافة إلى دور رقابي للأسر والمؤسسات التعليمية، وأهمية إدخال مواد تربوية رقمية تُعلّم الأطفال كيفية التعامل مع المحتوى الرقمي وتمييز ما يتوافق مع قيمهم من سواه.
المطلب الرابع
الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي
يمثل الانخراط المكثف في الألعاب الإلكترونية خطرًا مركبًا يتعدى التسلية والترفيه، إذ يؤدي إلى بروز مظاهر الانعزال الاجتماعي وظهور تحولات ثقافية وقيمية غير متسقة مع البيئة المحلية والدينية، لا سيما بين الأطفال والمراهقين الذين هم الأكثر قابلية للتأثر بالمحتوى الرقمي.
أولًا: مظاهر الانعزال الاجتماعي
ينتج الانعزال الاجتماعي عن حالة من الاندماج المفرط في العوالم الافتراضية للألعاب الإلكترونية، حيث يبدأ اللاعب تدريجيًا بفقدان رغبته في التواصل الواقعي، ويميل إلى الانطواء والانفصال عن أسرته ومجتمعه. ومن أبرز مظاهره:
- ضعف التفاعل الاجتماعي الواقعي: تظهر لدى اللاعبين صعوبة في ممارسة الحوار المباشر، وتقل قدرتهم على الاستماع والمشاركة والتعاطف، نتيجة غلبة التفاعل الرقمي على حساب التواصل الإنساني الواقعي ( إبراهيم، 2024).
- تراجع الروابط الأسرية: يؤدي الانغماس المطول في اللعب إلى انخفاض معدل التواصل العائلي، ما ينعكس في ضعف العلاقات العاطفية داخل الأسرة وغياب الدعم الأسري، كما أشار إلى ذلك (الزهراني ,2020) في دراسته حول تأثير التكنولوجيا على العلاقات الأسرية.
- ظهور أعراض الإدمان الرقمي: مثل العزلة، القلق، اضطرابات النوم، والميل للوحدة، وقد تتفاقم لتصل إلى الاكتئاب، وفق ما ورد في دراسة (سيد، 2024) التي أكدت على العلاقة بين استخدام الألعاب والتدهور في الصحة النفسية للأطفال.
ثانيًا: التأثير الثقافي الخارجي
لا تقتصر خطورة الألعاب الإلكترونية على الأبعاد الاجتماعية، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي، حيث تروج كثير من الألعاب لمفاهيم، رموز، وقيم غربية، ما يؤدي إلى:
- التغريب الثقافي: حيث يتشرب اللاعب عناصر ثقافية أجنبية من خلال الشخصيات، الموسيقى، الأزياء، اللغة، والقصص داخل الألعاب، مما يخلق نوعًا من التماهي مع هذه الثقافة على حساب ثقافته الأم (عبد المنعم، 2023).
- تشوه الهوية والانتماء: إذ تضع العديد من الألعاب الرموز الدينية أو الوطنية جانبًا، وتستبدلها برموز خارقة أو قيادية أجنبية، مما يؤثر سلبًا في بناء الهوية الوطنية والانتماء الديني (البياري، 2023).
- إعادة تشكيل النسق القيمي: حيث تعزز بعض الألعاب مفاهيم مثل العنف المفرط، التمرد، الفردية، الاستهلاك، والحرية المطلقة، دون ضوابط أخلاقية أو دينية، مما يهدد القيم الأسرية والمجتمعية الراسخة (عبد العزيز، 2023).
وفي هذا الإطار، توصلت دراسة عبد (القادر قويدر (2022, إلى أن الألعاب الإلكترونية تحمل أبعادًا ثقافية غير محايدة، بل تنطوي على رموز وأيديولوجيات تكرّس النمط الغربي في التفكير والسلوك، ما يؤدي إلى تآكل المرجعية الثقافية والدينية لدى الشباب العربي، ويعيد تشكيل وعيهم بطريقة قد تتعارض مع قيم مجتمعاتهم. كما تؤكد دراسة (الزهراني (2020, على أن الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية أدى إلى إضعاف الروابط الأسرية لدى طلاب المرحلة المتوسطة في المملكة العربية السعودية، فيما بيّنت دراسة )علي، 2024) وجود علاقة طردية بين عدد ساعات اللعب وبين أعراض الاكتئاب والعزلة الاجتماعية لدى مستخدمي الألعاب التفاعلية.
ونحن نرى أن الانعزال الاجتماعي والتأثير الثقافي الخارجي لا يمثلان تأثيرين منفصلين، بل يشكلان معًا منظومة خطرة من الاختراقات السلوكية والفكرية التي تهدد الأمن الفكري والثقافي للمجتمع. فاللاعب الذي يبتعد عن أسرته ومجتمعه، يجد في اللعبة بيئة بديلة تُشكّل وعيه وقيمه، ما يفضي إلى فراغ هوياتي وانتمائي قد تستغله الجهات التي تروّج للعنف، الانحلال، أو التطرف. وهذا يتطلب استجابة مؤسسية عاجلة تقوم على المراقبة الرقمية، السياسات الوقائية، وتحديث التشريعات لحماية الناشئة وتعزيز ثوابتهم الثقافية والقيمية.
الخاتمة
ختاماً لهذه الدراسة، يتضح أن الألعاب الإلكترونية باتت تؤدي دورًا يتجاوز الترفيه والتسلية، حيث أظهرت النتائج مدى تأثير بعض أبعاد هذه الألعاب على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب، لا سيما من خلال مظاهر العنف الإلكتروني، والإدمان الرقمي، والمحتوى غير الأخلاقي، والانعزال الاجتماعي الناتج عن التأثيرات الثقافية الخارجية. فقد أظهرت المعالجات الإحصائية وجود علاقة دالّة إحصائيًا بين هذه الأبعاد ومظاهر التحول في سلوكيات وقيم الشباب، الأمر الذي يعكس حجم التحدي الذي تفرضه هذه البيئة الرقمية الجديدة على الأنساق الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
ولقد أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة مبكرًا هذه التحديات، وسعت بجدية إلى تحصين المجتمع، خاصة فئة الشباب، من المخاطر الرقمية، وذلك من خلال منظومة متكاملة من السياسات الوطنية والجهود المؤسسية. فقد أولت الجهات الأمنية، وعلى رأسها وزارة الداخلية والهيئات الشرطية المتخصصة، أهمية بالغة للأمن الفكري والرقمي، من خلال المبادرات التوعوية، والمراقبة التقنية، والتشريعات الرادعة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية لترسيخ القيم الوطنية ومفاهيم الانتماء والهوية.
وتبرز هذه الجهود ضمن الرؤية الاستراتيجية للدولة، التي تؤمن بأن الأمن المجتمعي لا يقتصر على مواجهة المخاطر المادية، بل يشمل أيضًا مواجهة التهديدات غير المرئية التي تستهدف العقول، وتهدد تماسك الأسرة، واستقرار المجتمع، وهو ما يجعل من تجربة دولة الإمارات نموذجًا رياديًا في الجمع بين التطور الرقمي والاستقرار القيمي.
أولاً- نتائج الدراسة:
- أظهرت الدراسة أن التعرّض المستمر لمشاهد العنف في الألعاب الإلكترونية يُسهم في تطبيع سلوكيات العدوان، وتراجع التعاطف، وقبول العنف كأسلوب مشروع لحل النزاعات، مما يُضعف منظومة القيم التي ترتكز على التسامح، الحوار، واحترام الآخر.
- إن الإدمان الرقمي للألعاب يؤدي إلى تفكك جزئي في الهوية الفكرية والاجتماعية للشباب:
تشير الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية يرتبط بظهور أعراض الإدمان، والتي تنعكس في شكل انسحاب اجتماعي، تراجع التحصيل الدراسي، اضطراب النوم، وخلل في ضبط الذات، مما يؤثر على البناء القيمي للشباب، ويفتح الباب أمام تبني أنماط فكرية مشوشة. - أظهرت الدراسة أن العديد من الألعاب تحتوي على مضامين غير أخلاقية، سواء من حيث العري، أو الرموز الدينية المشوهة، أو الترويج للمخدرات والسلوكيات المنحرفة. مثل هذا المحتوى يسهم في إضعاف الوعي القيمي، وخلق فجوة بين القيم الدينية والمجتمعية التي نشأ عليها الشباب وبين ما يكتسبونه من عالمهم الافتراضي.
- أكدت النتائج أن الإدمان على الألعاب يُضعف التفاعل الاجتماعي الأسري والمجتمعي، ويجعل الشباب أكثر عرضة للانخراط في ثقافات غريبة عبر المجتمعات الافتراضية، ما يعزز ظاهرة “التغريب الثقافي” ويفرض تحديًا على الهوية الوطنية والقيم الفكرية.
- إن تداخل الأبعاد النفسية والسلوكية يشكّل تهديدًا مركّبًا على الأمن الفكري، حيث لا تعمل هذه الأبعاد بمعزل عن بعضها، بل تتكامل بصورة تراكمية تؤثر في بناء الوعي والسلوك، مما يزيد من صعوبة رصد التأثيرات الفردية المباشرة، ويجعل الضرر أكبر على المستوى الجمعي إذا لم يُواجَه بسياسات استباقية فعالة.
ثانياً- التوصيات:
- تعزيز استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد وتحليل المحتوى غير الأخلاقي أو العنيف في الألعاب الإلكترونية، وتصنيفه وفقًا لمعايير الأمن الفكري والقيم المجتمعية، مما يسمح باتخاذ قرارات رقابية دقيقة وسريعة، وذلك بالتعاون بين الجهات الأمنية والمراكز الوطنية المختصة بالذكاء الاصطناعي.
- تفعيل أدوات الاستبصار السلوكي لتحليل أنماط الإدمان الرقمي والانجذاب للمحتوى السلبي في الألعاب، مع تطوير سياسات وقائية مبنية على سلوك المستخدمين، تسهم في تقليل المخاطر السلوكية والفكرية على فئة الشباب.
- دعم الجهود الوطنية لتطوير محتوى رقمي بديل يتضمن ألعابًا تعليمية وترفيهية تعزز القيم الإماراتية والهوية الوطنية، باستخدام تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في توجيه ميول الشباب نحو محتوى آمن وإيجابي.
- إعادة هندسة السياسات التشريعية المتعلقة بتداول الألعاب الإلكترونية، لتشمل ضوابط حديثة تواكب تطور تكنولوجيا الألعاب ومنصات البث السحابي، وربط عمليات التوزيع والتداول بترخيص رقمي مشفر يمنع وصول الألعاب غير المرخصة.
- تعزيز دور الجهات الأمنية (مثل وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني) في قيادة حملات توعوية رقمية مستمرة تستهدف الطلاب والأسر، عبر منصات التواصل الاجتماعي والمدارس والجامعات، لرفع مستوى الوعي بالتهديدات التي تمثلها بعض الألعاب الإلكترونية على الأمن الفكري.
- إدماج موضوعات الوقاية الرقمية والأمن الفكري في المناهج التعليمية، بشكل يراعي الفئة العمرية ويعزز مناعة الناشئة ضد المحتوى العنيف والانعزالي، مع تدريب المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين على أدوات التربية الوقائية الرقمية.
- تصميم برامج وطنية للتدريب الأسري تشمل أولياء الأمور، وتركز على مهارات المراقبة الرقمية، وإدارة الوقت الإلكتروني، والتعامل التربوي مع مظاهر الإدمان الرقمي والانعزال الاجتماعي.
- إنشاء مرصد وطني للألعاب الإلكترونية لرصد التوجهات العالمية في صناعة الألعاب، وتحليل آثارها على المجتمع الإماراتي، وتقديم تقارير دورية لصناع القرار والجهات الرقابية.
- تشجيع البحوث التطبيقية في الجامعات الإماراتية لفهم العلاقة بين المتغيرات النفسية والاجتماعية الناتجة عن الألعاب الإلكترونية (مثل القلق، العنف، العزلة، ضعف الهوية)، واقتراح نماذج تدخل فعالة.
ثالثاً- المقترحات الإسشترافية:
إنشاء “المرصد الوطني للاستبصار الرقمي السلوكي للشباب”، باعتباره منصة وطنية ذكية ومتكاملة، تُعنى برصد وتحليل الأنماط السلوكية والاتجاهات الفكرية التي يتبناها الشباب نتيجة تعرضهم للمحتوى الرقمي التفاعلي، لا سيما عبر الألعاب الإلكترونية.
ويهدف هذا المرصد إلى استشراف التهديدات المستقبلية التي قد تنشأ عن هذا التفاعل، وتقديم مؤشرات وتحليلات علمية دقيقة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستبصار السلوكي، والبيانات الضخمة.
ويُعد ذلك تحوّلًا جوهريًا من الرقابة التقليدية إلى التحليل الاستباقي والتدخل الوقائي، بما يضمن حماية الأمن المجتمعي والفكري في الإمارات وتعزيز مناعة الشباب ضد الانحرافات الرقمية.
وتتمثل أهمية هذا المقترح في كونه يجمع بين ثلاثة مسارات استراتيجية متقدمة:
- التقنيات الذكية (مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة)،
- التحليل السلوكي العميق والمبكر،
- والإدارة الاستباقية للمخاطر الرقمية بما يعكس توجهات الدولة نحو الأمن الرقمي المستدام، وتمكين الشباب من بيئة رقمية آمنة وموجهة نحو البناء لا الهدم.
- مبررات المقترح:
- تزايد تعرض الشباب لمحتوى ألعاب غير أخلاقي أو عنيف أو يحمل أفكارًا هدامة.
- عدم كفاية أدوات الرقابة التقليدية لمواكبة بيئة الألعاب المتطورة عالميًا.
- غياب منصات تحليلية تستشرف انعكاسات الألعاب على القيم والسلوك في المدى المتوسط والبعيد.
- ضرورة الدمج بين الأمن السيبراني والاستبصار السلوكي لحماية المجتمع معرفيًا وفكريًا.
- أهداف المرصد:
- تحليل أنماط استخدام الشباب للألعاب الإلكترونية في دولة الإمارات.
- رصد المحتوى الضار أخلاقيًا أو فكريًا واستباق آثاره على القيم والسلوك.
- تقديم تحذيرات مبكرة للجهات الأمنية والتعليمية عن التحديات الفكرية الرقمية.
- بناء قاعدة بيانات وطنية للألعاب الخطرة وأثرها السلوكي.
- اقتراح سياسات وتدخلات تربوية وأمنية مبنية على الاستبصار السلوكي.
- مكونات المقترح:
| الوصف | المكون |
| لتحليل الألعاب ومحتواها وسلوك المستخدمين | نظام ذكاء اصطناعي تحليلي |
| تبني نماذج محاكاة لسلوكيات الشباب نتيجة التعرض لألعاب معينة | منصة استبصار سلوكي |
| تصنف الألعاب بناءً على محتواها (عنف – لا أخلاقي – طائفي – تجسسي…) | خريطة رقمية للألعاب الخطرة |
| يرسل تنبيهات للمدارس والأسر بشأن الألعاب المنتشرة وخطرها | مركز تحذير مبكر |
| تقدم مؤشرات لحظية ومستمرة عن التهديدات الرقمية الفكرية | لوحة قيادة لصناع القرار |
- الجهات الشريكة المقترحة:
- وزارة الداخلية (قسم الأمن الفكري)
- الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي
- وزارة التربية والتعليم
- برنامج “سراج” الوطني للوقاية
- شرطة دبي – مركز الاستبصار الأمني
- مؤسسة الإمارات للشباب
- المخرجات المتوقعة:
- خفض نسب التعرض للألعاب الضارة بنسبة 40% خلال 3 سنوات.
- تعزيز الثقافة الرقمية الوقائية في الأسرة والمدرسة.
- توفير مؤشرات استباقية للجهات الأمنية والتعليمية.
- تحسين جاهزية الدولة لمواجهة التهديدات الفكرية الرقمية.
في ختام هذه الدراسة التي حملت عنوان “مخاطر الألعاب الإلكترونية وانعكاسها على القيم المجتمعية والأمن الفكري لدى الشباب”، يمكن القول إننا وقفنا على واحدة من أكثر القضايا المعاصرة تعقيدًا وتشابكًا، حيث لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية، بل تحولت إلى أداة ذات تأثيرات فكرية وسلوكية عميقة تمس صميم البناء القيمي والاجتماعي لجيل الشباب، بما يحمله من طاقات وآمال وتطلعات.
لقد كشفت نتائج الدراسة أن هناك علاقة ذات دلالة إحصائية قوية بين أبعاد استخدام الألعاب الإلكترونية (كالعنف الرقمي، والإدمان، والمحتوى غير الأخلاقي، والانعزال الاجتماعي) وبين تراجع منظومة القيم المجتمعية وتهديد الأمن الفكري لدى فئة الشباب. وهو ما يؤكد أن هذا الفضاء الرقمي بات يتطلب رقابة معرفية وتحليلية استباقية، لا تكتفي بالمراقبة الظاهرية أو التوعية التقليدية، بل تتجاوزها نحو بناء أدوات متقدمة لرصد وتحليل السلوك والانحرافات الرقمية.
وقد بيّنت الدراسة أن بعض منصات الألعاب الإلكترونية أصبحت تشكّل منافذ غير مباشرة لنشر ثقافات دخيلة، وتغذية نزعات العنف، وتكريس الانغلاق والعزلة، مما يستوجب تكاتف الجهود المجتمعية، لا سيما الأسرية والتعليمية والأمنية، لاحتواء هذه المخاطر، وتحصين الشباب ضد آثارها السلبية.
ويأتي الدور المحوري لدولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق، حيث أظهرت الدولة وقيادتها رؤية استباقية واضحة في بناء الإنسان الرقمي الواعي، وتعزيز الحصانة الفكرية والقيمية، من خلال برامج وقوانين ومبادرات رائدة. كما أن الجهات الأمنية والمؤسسات الوطنية المعنية بالأمن السيبراني قد قامت بخطوات مهمة في هذا المجال، إلا أن التحديات تتسارع، وتحتاج إلى منظومات ذكية قادرة على استشراف وتوقّع الأخطار، وليس فقط الاستجابة لها بعد وقوعها.
إن هذه الدراسة تمثل صرخة علمية هادئة تدعو إلى عدم التساهل مع المحتوى الرقمي المؤثر في الأجيال، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمنظومة القيم والانتماء والهوية الوطنية. وهي في الوقت ذاته دعوة مفتوحة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتحليلات السلوكية الاستشرافية، لتكون أدوات فاعلة في يد صانع القرار، والباحث التربوي، والمعنيين بأمن المجتمع واستقراره.
أولاً- الكتب العربية:
- مجيد، سحر فؤاد. (2019). الجرائم المستحدثة: دراسة معمقة ومقارنة في عدة جرائم. القاهرة: المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية.
- الشامسي، خديجة أحمد الزيرة. (2018). الجرائم المستحدثة ومنهج علم الاجتماع الجنائي. عمان: النهضة العلمية للنشر والتوزيع.
- العبادي، محمد الرصيفان. (2016). الجرائم المستحدثة في ظل العولمة. عمان: دار جليس الزمان للنشر والتوزيع.
- عايد، بشار عبد الهادي. (2017). الألعاب الإلكترونية. عمان: دار الجنادرية للنشر والتوزيع.
- همّال، فاطمة. (2018). الطفل والألعاب الإلكترونية ودورها عبر الوسائط الإعلامية الجديدة بين التسلية وعمق التأثير. بيروت: دار الخليج للنشر والتوزيع.
- درويش، أحمد عادل. (2020). الألعاب الإلكترونية في عصر المنصات الرقمية. القاهرة: دار العلوم للنشر والتوزيع.
- محمودي، رقية. (2022). العنف الافتراضي في الألعاب الإلكترونية العنيفة: دراسة نظرية (الجزء الأول). عمان: مركز الكتاب الأكاديمي.
- الحسيني، عمار عباس. (2022). النظام القانوني للألعاب الإلكترونية: دراسة قانونية واجتماعية. بيروت: منشورات زين الحقوقية.
- البياري، رجاء حسني. (2023). كابوس الألعاب الإلكترونية. بيروت: دار المؤلف للطباعة والنشر والتوزيع.
- جندل، جاسم محمد. (2024). الألعاب الإلكترونية. عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع.
- إبراهيم، ولاء فتحي. (2024). فيديوهات الألعاب الإلكترونية وتأثيرها على سلوكيات المراهقين. القاهرة: دار العلا للنشر والتوزيع.
- عبد العزيز، جمال (2022). إدمان الألعاب الإلكترونية والمخدرات الرقمية: مخاطر تكنولوجية ناشئة. مجلة دراسات الطفولة، 8(2)، 44–65.
- عبد المنعم، هالة (2023). الأمن السيبراني وأثر الألعاب الرقمية على الأطفال. القاهرة: دار الفكر العربي.
- البياري، عبد الحكيم (2023). كابوس الألعاب الإلكترونية: دراسة في مخاطر الألعاب على القيم المجتمعية. عمان: دار الجنان.
ثانياً- الدراسات والبحوث:
- سيد، آية طارق عبد الهادي. (2024). مستوى وعي الشباب بمخاطر الألعاب الإلكترونية على الهوية العربية في ظل ترويجها لمجتمع الميم. المجلة المصرية لبحوث الإعلام (مجلة جامعة مصر للعلوم الحديثة والآداب.إبراهيم، جيهان محمد علي. (2023). الألعاب الإلكترونية العنيفة وتأثيرها في ظهور بعض المشكلات الاجتماعية لدى طلاب المرحلة الإعدادية. مجلة دراسات الطفولة، جامعة القاهرة. استرجع من:
https://journals.ekb.eg/article_367624_485087d773add41e7ac5ee7d0c648815.pdf - علي، سوزان إبراهيم. (2024). تأثير إدمان الألعاب الإلكترونية على العلاقات الاجتماعية لدى الطفل المصري. مجلة الطفولة والتنمية، جامعة عين شمس. استرجع من:
https://jfss.journals.ekb.eg/article_341863_7dd87a0d04619dae0aa124bd2056ea0f.pdf - سيد، آية طارق عبدالهادي. (2024). مستوى وعي الشباب بمخاطر الألعاب الإلكترونية على الهوية العربية في ظل ترويجها لمجتمع الميم. المجلة المصرية لبحوث الإعلام، جامعة مصر للعلوم الحديثة والآداب، 84، 1–42. استرجع من:
https://jkom.journals.ekb.eg/article_379713.html - قويدر، عبد القادر. (2022). ممارسة الألعاب الإلكترونية وأثرها على المستوى الفكري والثقافي. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية. استرجع من:
https://asjp.cerist.dz/en/article/202773 - سالم، أمل حامد. (2018). أشكال العنف في الألعاب الإلكترونية الموجهة للأطفال. مجلة دراسات الطفولة.
ثالثاً- المراجع الأجنبية:
- Bera, A., & Mandal, P. (2024). Game faces: How digital play affects the psychological well-being of young people. Frontiers in Psychiatry, 15, 11828491.
- Alimoradi, Z., Pakpour, A. H., & Griffiths, M. D. (2024). Burden of gaming disorder among adolescents: A systematic review and meta-analysis. eClinicalMedicine, 71, 102260. https://doi.org/10.1016/j.eclinm.2024.102260
- Anable, A. (2022). Playing with feelings: Video games, affect, and emotion. Minneapolis: University of Minnesota Press.
- Perron, B., & Przybylski, A. K. (Eds.). (2024). Video games and mental health. Columbia University Press. https://cup.columbia.edu/book/video-games-and-mental-health/9783837668568
- Chee, F. (2023). Digital game culture in Korea: The social at play. Routledge. https://scholars.luc.edu/en/publications/digital-game-culture-in-korea-the-social-at-play
- Yodovich, N., & Katz, S. (2025). Video games in/as culture: The evolving cultural significance of video games. Media and Communication, 13(1), 112–124. https://doi.org/10.1007/s41978-025-00184-6
- Gelūnas, B., Šumskas, L., & Petrauskienė, A. (2025). Social context in the development of problematic gaming: A qualitative study. Frontiers in Psychology, 16, 12144011. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2025.12144011
- Søraker, J. H., & Kowert, R. (2025). Introduction of the Digital Gaming Relationship (DGR): A conceptual framework. Media and Communication, 13(2), 88–97. https://www.cogitatiopress.com/mediaandcommunication/article/view/8738
- Fogel, J., & Thomas, K. (2024). Level up or game over: Exploring how dark patterns shape mobile games. arXiv preprint, arXiv:2412.05039. https://arxiv.org/abs/2412.05039
- Ng, C. K., & Lo, M. T. (2024). Delving into youth perspectives on in-game gambling-like elements. arXiv preprint, arXiv:2412.09345. https://arxiv.org/abs/2412.09345
- Wang, L., & Zhao, Y. (2023). Affective game computing: A survey. arXiv preprint, arXiv:2309.14104. https://arxiv.org/abs/2309.14104
- Putra, R. A., & Nugroho, B. (2025). The effect of digital technology on traditional game behavior and social cohesion. Jurnal Komunikasi Global, 8(1), 33–45. https://jkg.ub.ac.id/index.php/jkg/article/view/34
- D’Anastasio, C. (2018). Sexual content in Roblox: A hidden danger. Kotaku.
- Forbes. (2021). Inside Roblox’s adult content problem. Forbes Magazine.
- BBC News. (2014). Two girls ‘stab friend to impress Slender Man’.
- Daily Mail. (2018). Teen’s suicide linked to Doki Doki game.
- Hern, A. (2015). Sad Satan: The creepy internet mystery. The Guardian.
- Wahab, S. & Ramli, Z. (2019). Binaural Beats and Digital Drugs: An Emerging Threat to Youth Mental Health. International Journal of Cyber Psychology, 5(1), 12–26.





