في الواجهةمقالات قانونية

ورقة حول موضوع الشرعية الجنائية الإجرائية في زمن كورونا

ورقة حول موضوع الشرعية الجنائية الإجرائية في زمن كورونا

إعداد الطالب:

محمد المرابط

مقدمة:

يعتبر مبدأ الشرعية الجنائية الإجرائية من أهم ضمانات المحاكمة العادلة الأساسية والتي تهدف إلى حماية الأفراد من المساس بحقوقهم أو الإنتقاص أو الحرمان منها، و لأهميته نصت عليه الاتفاقيات الدولية وكرسته الدساتير الوطنية وعملت التشريعات الداخلية الإجرائية على تنظيمه، كما أنه يعد مؤشر دال على مدى احترام الدولة لكرامة المواطن وفق ما هو متعارف عليه دوليا ومقياسا أصيلا في بناء دولة الحق والقانون ودليلا على صحة وسلامة النظام القضائي والجنائي وإذا كان المشرع الجنائي في قانون الأبرياء أقر صراحة بمبدأ قرينة البراءة في مادته الأولى ونص في ختامه على أن الإجراءات القانونية المتخذة من قبل الأجهزة المتدخلة في سير المسطرة الجنائية يجب أن تتم وفق ما أقره المشرع من قواعد تحت طائلة اعتبارها كأنها لم تنجز و بذلك لا يقبل منطقا ولا قانونا تصور محاكمة تختل فيها شرعية القواعد المسطرية والتي أحاطها المشرع بجزاءات مختلفة ومنها البطلان والإبطال ، وفي ظل الوضع الوبائي الذي تعيشه جل دول العالم، و منها بلادنا في تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) شرعت وزارة العدل بتشاور مع رئاسة النيابة العامة و المجلس الأعلى للسلطة القضائية و المندوبية العامة لإدارة السجون في  تطبيق و أجرأة ” نظام التقاضي عن بعد ” باستخدام تكنولوجيا التواصل بين المتهمين نزلاء المؤسسات السجنية من جهة، والقضاة من جهة ثانية، بتنظيم جلسات التقاضي والمحاكمة عن بعد في إطار تنفيذ التدابير الاحترازية، وتعزيز الأمن الصحي للسجناء ومكونات أسرة العدالة ولا شك أن هذا الإجراء الاحترازي في هذه الظرفية مرتبط بأفق المحكمة الرقمية مستقبلا في إطار المشاريع الإستراتيجية التي تشتغل عليها الوزارة في سياق تنفيذ خطة الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة بإعتمادها على مشروع المحكمة الرقمية كما وجه السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض مذكرة يطالب السادة رؤساء المحاكم بتهييئ القضايا لمرحلة ما بعد رفع حالة الطوارئ الصحية على ضرورة إصدار الأحكام العادلة داخل آجال معقولة تضمن الحقوق و تصون الحريات و تحقق الأمن القضائي و تكرس الثقة ، و يدعو فيها السادة القضاة  بالإعداد المسبق لمشاريع الأحكام و القرارات بخصوص الملفات المعينين فيها ليتسنى البت فيها في أقرب الآجال.

هذا ما يدفع بنا لطرح مجموعة من الإشكاليات التي سنتناوله في هذا العرض المتواضع.

إلى أي حد ستساهم تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد كإجراء احترازي مؤقت مع حالة الطوارئ في حماية سلامة وصحة المتهمين نزلاء المؤسسات السجنية وأطراف الخصومة الجنائية ومكونات أسرة العدالة؟ وهل هذه التقنية تتعارض مع مبادئ وحقوق الدفاع المتعارف عليها دوليا؟ وما هو الإطار والسند القانوني لهذه التقنية؟

كيف سيتم إعداد مسبق لمشاريع أحكام في ظل توقف تام للجلسات داخل المحاكم؟

كيف سيتم البث في القضايا داخل آجال معقول في غياب تام لمتطلبات هذا المبدأ ومحدداته في الحالة العادية؟ فكيف سيتحقق ذلك في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الأول : التأطير القانوني و  التشريعي لنظام التقاضي عن بعد

تعد تقنية التقاضي عن بعد من أهم ثمار جهود بناء المغرب الرقمي إذ تعتبر هذه الوسيلة خروجا عن الطابع التقليدي في ميدان التحقيق والمحاكمة  الذي يتسم به مرفق العدالة الجنائية، إلى طابع تكنولوجي و إلكتروني عصري لتحقيق محاكمة  عادلة عن بعد، والتي تعتمد إحدى وسائل الاتصال المرئي السمعي والبصري من خلال شبكة الإنترنيت ، حيث يتم نقل الصوت و الصورة لمجموعة من الأشخاص المجتمعين في مكان ما إلى مجموعة أخرى من الأشخاص المجتمعين في مكان آخر، وهي تقنية تطلبت وجود إنترنيت ذات جودة مقبولة و ميكروفونات وسماعات ذات جودة معقولة وكذلك كاميرات الويب ليستطيع المشتركون من خلالها  التحقيق والمحاكمة عبر  سماع ورؤية الطرف الأخر في نفس الوقت كما لو كان الاجتماع في نفس المكان وليس في مكانين متباعدين.

وأنه ارتباطا بهذا التطور التكنولوجي العلمي، لم نجد ضمن التشريع الجنائي ببلادنا أية نصوص إجرائية سواء في قانون المسطرة الجنائية أو سواء ضمن مجموعة القوانين الجنائية ما يوثق ويؤطر لاستعمال تقنية التقاضي عن بعد، فبالرجوع إلى مشروع قانون المسطرة الجنائية في مجمل مستجداته وفي ظل غياب أي نص تشريعي أو سند قانوني يمكن من الاستناد إليه لتبرير اللجوء إلى هذه التجربة، من غير مشروع  ق.م.ج في بعض نصوصه أتاح استثناءات في بعض مقتضياته إمكانية اللجوء إلى تقنية التقاضي عن بعد وعنونها باستعمال  وسائل الاتصال عن بعد، وفق ما نصت على المادة 1-193 في الباب العاشر مكرر بعنوان (استعمال تقنيات الاتصال عن بعد)[1] و التي خولت لقاضي التحقيق تلقائيا عندما تحول أسباب جدية دون حضور الضحية أو المتهم أو الشاهد أو الخبير أو المطالب بالحق المدني أو لسبب البعد عن المكان الذي يجري فيه التحقيق إمكانية تلقي التصريحات  أو الاستماع إليهم عبر تقنية الاتصال عن بعد تضمن سرية البث ، كذلك المادة 2 -193 من المشروع منحت لقاضي التحقيق إمكانية الاستماع إلى الشهود عن طريق وسائل الاتصال عن بعد في إطار إنابة قضائية يوجهها إلى قاضي التحقيق بالمحكمة التي يوجد بدائرتها الشخص المراد الاستماع إليه عن بعد ، أيضا بالرجوع لمقتضيات المادة 4-347 التي منحت للمحكمة إمكانية تلقائية أو بناء على ملتمس النيابة العامة أو أحد الأطراف أو من ينوب عنهم تطبيق مقتضيات المادة 1-193 من هذا المشروع بسبب البعد الجغرافي عن مكان المحاكمة ، كما أن المشروع  في المادة 347 قيد سلطة هيئة المحكمة  وألزمها  بتعليل وتبيان أسباب اللجوء لتقنية الاتصال عن بعد للاستماع إلى الأشخاص موضوع الإجراء القانوني، وخولت لهيئة المحكمة توجيه إنابة قضائية إلى المحكمة التي يوجد بدائرتها الشخص أو الأشخاص المعنيون بالأمر للسهر على عملية الاستماع إليهم عن بعد ، يتولاها رئيس المحكمة الموجهة إليها الإنابة القضائية في الإشراف على هذا الإجراء بتعينه لقاضي  تكون مهمة تنفيذ الإنابة القضائية باستدعاء الشخص أو الأشخاص و الاستماع إليه أو استنطاقه أو المواجهة أو تلقي تصريحات مباشرة من قبل الهيئة القضائية التي أصدرت الإنابة، وما نستنتجه أن في ظل هذا المشروع الذي نعتبره من حيث المبدأ نقلة تشريعية مهمة في مواكبة التطور التكنولوجي الدولي وضرورة ملحة في استحداث قواعد ووسائل اتصال جديدة لخدمة وتطوير العدالة الجنائية[2].

 

 

 

 

 

المحور الثاني : المقاربة الحقوقية للإجراءات الجنائية في زمن كورونا و مدى تكريس مبدأ المحاكمة داخل الأجل المعقول

كما لا يخفى على علمكم إذا كان المبدأ الحقوقي شموليا في تكريس مبادئ حقوق الإنسان ومنها الحق في الحياة كأول الحقوق وحق الفرد في السلامة الصحية وصحة أسرته طبقا للفصل 20، 21 من دستور 2011[3]، وإذا كانت المقاربة الصحية في ظل الوضع الوبائي الذي تعيشه جل دول العالم ومنها بلادنا تعرف تفشي جائحة خطيرة من فيروس مستجد (كوفيد 19) تدعوا إلى اتخاذ إجراءات احترازية، فإن اللجوء في اعتقادنا المتواضع إلى تقنية التقاضي عن بعد إن كان يهدف إلى حماية سلامة وصحة الأفراد من خطر جائحة فيروس كورونا الذي يعد من الأخطار التي قد تذهب بحياة الأفراد و أسرهم، فإن المقاربة الحقوقية تقتضي احترام ما هو قانوني من حقوق المتقاضين وقواعد تسيير العدالة كما نص على ذلك الفصل 117 وما يليه من دستور 2011، وأن الفصل 120 منه أسس لشروط المحاكمة العادلة بأن تكون المحاكمة داخل أجل معقول، لأن تأجيل محاكمة أشخاص يوجدون رهن الاعتقال يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة التي هي حق من حقوق المتهم و التي تلازمه مند ولادته وطيلة  حياته وقاعدة الشك يفسر لصالح المتهم، فاحترام هذه الضمانات الإجرائية كلها رهين بسلامة نظام قضائي جنائي وإذا كان مبدأ الملائمة يقضي أن يكون أي تشريع وطني ملائم للاتفاقيات الدولية وأنه في ظل غياب تشريع إجرائي يبيح المحاكمة[4].

عن بعد، وتطبيقا للقاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات” فإنه في نظرنا المتواضع، تبقى تقنية إجراء المحاكمة عن بعد في ظل غياب السند القانوني وفي ظل المقاربة الصحية يتطلب من القاضي باعتباره مشرع الأزمات أن يجتهد في تدبير المرحلة من خلال اتخاذ إجراءات لا تتعارض مع قانون المسطرة الجنائية من خلال استحضار البعد الإنساني والحقوقي لهذه المحاكمة تطبيقا للمادة 75 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية: ” يراعي المجلس عند ترقية القضاة الحرص على إصدار الأحكام في أجل معقول”[5]  و المادة 45 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة التي نصت أنه ” يحرص القاضي على البت في القضايا داخل أجل معقول، مع مراعاة الآجال المحددة بمقتضى نصوص خاصة ”[6]، و كذلك تماشيا مع المواثيق الدولية باعتبارها قوانين  تسمو على التشريعات الوطنية,  حيث نجد المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تنص “ يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة الوظائف القضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه” ، كذلك المادة 14 من الاتفاقية سالفة الذكر نصت على ” لكل شخص الحق في محاكمة تتوفر فيها الضمانات الكافية خلال مدة زمنية معقولة أمام محكمة مستقلة وغير منحازة ومشكلة طبقا للقانون ” و كذلك الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في الفصل 6 نصت على أنه ” لكل شخص الحق في أن تسمع دعواه هيئة محكمة بصورة عادلة وعلنية خلال مهلة معقولة”.

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

في الختام و كاستنتاج لم سبق فمبدأ الشرعية الإجرائية وإن كان يعد من أهم ضمانات تحقيق المحاكمة العادلة في السير العادي للقواعد المسطرية في الأحوال العادية ففي هذه الظرفية الاستثنائية فالصالح العام و السلامة الصحية و الحفاظ على الأمن الصحي هي حقوق أساسية  مكفولة دستوريا ودوليا ولا يمكن المخاطرة بها  كما أن الحفاظ على سلامة أطراف الخصومة الجنائية تسمو على أي خروج إستثنائي على الشرعية الإجرائية بالمقابل لا يمكن نكران أن المحاكمة عن بعد المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد هي محاكمة تعتريها بعض الصعوبات اللوجستيكية تقنية وأخرى بشرية فرضتها حالة الطوارئ التي تعيشها كل دول العالم وتبقى تجربة ضرورية تبررها حالة الطوارئ الصحية ومقاربة الأمن الصحي في إطار حماية منظومة النظام العام لأن السلامة الصحية جزء لا يتجزأ من النظام العام في انتظار إعادة النظر في الصياغة القانونية لمشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد وشرعنة تقنية المحاكمة عن بعد مع ملائمتها لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

[1]– الباب العشر مكرر من مشروع قانون المسطرة الجنائية ( المواد 193 , 347 ).

[2] دورية السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عدد 1/151 بتاريخ 16/03/2020 بشأن تنظيم العمل داخل المحاكم.

[3] دستور 2011 ( المواد 20,21 , 117 , 120 ).

[4] الإتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية.

[5] القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ( المادة 75 ).

[6] القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة ( المادة 45 ).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى