في الواجهةمقالات قانونية

كوفيد 19 و مبدأ استمرارية خدمة المرفق العمومي بالمغرب

 

كوفيد 19 و مبدأ استمرارية

خدمة المرفق العمومي بالمغرب

 

 

بقلم :عبد القادر لحريشي

دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية

تصميم المقال

المحور الأول : تجليات استمرارية المرفق العمومي و رقمنة خدمته في ظل إجراءات الطوارئ الصحية .

  • المرفق العمومي : أهدافه و أنواعه .
  • مظاهر استمرارية المرفق العمومي في ظل حالة الطوارئ الصحية .
  • استمرارية المرفق العمومي من خلال التشريع الاستثنائي .
  • استمرارية المرفق العمومي من خلال رقمنة خدمته .

المحور الثاني :مبدأ المساواة أمام خدمة المرفق العمومي في ظل إجراءات الطوارئ   الصحية .

  • أسس مبادئ المساواة .
  • مظاهر مساواة المرتفقين أمام التحملات العمومية في ظل إجراءات حالة الطوارئ الصحية.

تقديم:

يلاحظ أن حياة المجتمعات عبر التاريخ قد تعرضت بين الفينة والأخرى لظروف استثنائية ، كالحروب و الأوبئة ، و الكوارث الطبيعية ، و غيرها . و كانت تشكل لها خطورة كبيرة ، بالنسبة لاستقرارها ، و أمنها ، حيث كانت تتخذ في هذه الأحوال إجراءات استثنائية من أجل إرجاع الوضع إلى حالته الطبيعية و العادية .و تشكل جائحة “كوفيد 19” واحدة من أكثر الأخطار التي تلوح في الأفق ، بسبب الخسائر البشرية ، و المادية الناجمة عن هذا الفيروس الفتاك ، و بسبب سرعة انتشاره عبر القارات.

و في ظل غياب أي لقاح ، أو علاج ضد هذا الوباء القاتل ، و تفاديا لكل ما قد ينتج عنه من حدوث كارثة صحية ، اتخذت السلطات الإدارية بالمغرب على غرار باقي دول العالم مجموعة من الإجراءات  و التدابير الوقائية  لمواجهة هذه الجائحة العالمية ، بموجب مرسوم بقانون رقم 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية ، الذي يشكل سندا قانونيا للسلطات العمومية ، من أجل التدخل الفوري و العاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية ، و تعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حق الأشخاص في الحياة و ضمان سلامتهم.

فتم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية على مجموع التراب الوطني ، و فرض نظام الحجر الصحي، و حظر التنقل والتجول والتجمع وتقييد بعض الحقوق الأساسية و الحريات العامة ،

و أنشطة الأفراد  خلال مدة سريان حالة الطوارئ الصحية الممتدة ما بين 20مارس و 20ماي  بمقتضى المرسوم 2.20.293 و المرسوم قم 2.20.330 .و قد تم الإقرار بتمديد هذه المدة لثلاثة أسابيع أخرى إلى غاية 10 يونيو 2020. و في سياق الإجراءات و التدابير التي تم الإعلان عنها ، للتصدي لجائحة كورونا و التخفيف من الآثار السلبية التي خلفتها على الاقتصاد العالمي و على جل القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني ، اتخذت السلطة الحكومية تشريعات ثانوية استثنائية  لدعم استمرارية المؤسسات و المقاولات العمومية تطبيقا لمبدأ استمرارية خدمة المرفق العمومي. مما يؤدي إلى طرح سؤالين هامين :

السؤال الأول : ماهي الإجراءات و التدابير المتخذة في حالة الطوارئ الصحية للحفاظ على استمرارية  خدمة المرفق العمومي؟

السؤال الثاني : كيف تم تكييف خدمة المرفق العمومي في ظل إجراءات حالة الطوارئ الصحية؟

و سنعالج هذين السؤالين من خلال محورين أساسيين.بحيث نتناول في المحور الأول تجليات استمرارية المرفق العمومي ورقمنة خدمته في ظل حالة الطوارئ الصحية، في حين نقوم ببسط مبدأ المساواة  أمام خدمة الرفق العمومي في ظل إجراءات الطوارئ الصحية من خلال المحور الثاني.

المحور الأول: تجليات استمرارية المرفق العمومي ورقمنة خدمته في ظل إجراءات الطوارئ الصحية

  • المرفق العمومي : أهدافه وأنواعه

يعتبر نشاط المرفق العمومي الوسيلة التي تستخدمها الدولة بهدف إشباع الحاجات العامة وتحقيق المصلحة العامة ، وتضمن من خلال خدماتها المتنوعة الأمن العام ،والأمن الصحي ،والأمن الغدائي، والأمن التعليمي ، والأمن القضائي …

ونظرا للتحولات لتي لحقت دور الدولة داخل المجتمع ، وكذا التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها العالم نتيجة اكتساح المفهوم الرأسمالي لخدمة الرفق العمومي ،تعددت وتنوعت المرافق العمومية بتعدد الأنظمة القانونية وأنظمة التسيير والتنظيم المطبقة عليها .

ويمكن تصنيفها إلى أربعة أصناف أساسية :

 

الصنف الأول:   المرافق العمومية المسيرة من طرف الأشخاص العامة ،كمرفق الأمن ،ومرفق   الصحة، ومرفق القضاء.

الصنف الثاني:   المرافق العمومية المسيرة من طرف الخواص الموكول لها تنظيم ومراقبة بعض الحرف ،وبعض الهيآت المهنية كهيأة الأطباء مثلا .

الصنف الثالث:   المرافق العمومية ذات الصبغة الاجتماعية، التي تهدف من خلال أنشطتها تمكين بعض الشرائح الاجتماعية من الاستفادة من خدمات محددة ومعينة ،وحمايتها من المخاطر المحدقة بظروفها الاجتماعية كما هو الحال بالنسبة لمرفق المندوبية السامية لقدماء المحاربين،ومرفق الصندوق الوطني  للضمان الاجتماعي ،والصندوق المغربي للتقاعد.

الصنف الرابع:  المرافق العمومية ذات الصبغة الاقتصادية –الصناعي والتجارية – والتي ظهرت مع فترة تدخل الدولة في ممارسة أنشطة صناعية وتجارية التي كان يقوم بها الخواص كالقطاع البنكي والمالي ، والقطاع الفلاحي،والقطاع الصناعي، والقطاع السياحي والإنعاش العقاري،والإشغال العمومية وغيرها.

وفي إطار انفتاح المرافق العمومية  ذات الطابع الإداري على محيطها الاقتصادي والاجتماعي،بهدف الرفع من جودة  ومرودية خدماتها ،وإرضاء مرتفقيها ،والبحث عن موارد مالية تغطي نفقاتها،انتقلت خدماتها من الخدمة المجانية إلى الخدمة التجارية باعتمادها على ثلاثة أنظمة :

النظام الأول:  نظام الخوصصة عبر التمويل كما هو الحال بالنسبة لمرفق الإعلام الذي تدخل فيه الخواص بتمويل برامجه مقابل الاستفادة من خدماته كالدعاية،والاشهار.

ونفس الشيء بالنسبة لمرفق الصحة الذي قبل بتدخل الخواص للمساهمة في تجهيز المصحات الخاصة، والمستشفيات الحرة. وينطبق هذا النمط على مرافق عمومية أخرى كمرفق التعليم،ومرفق المواصلات والطرق وغيرها.

النظام الثاني:  الخوصصة عبر عمومية خدمات المرفق العمومي،الذي يتيح للخواص الحق في استغلال معداته وتجهيزاته مقابل مبلغ مالي كما هو الشأن بالنسبة لمرفق الصحة

 

النظام الثالث:  تدخل الخواص عن طريق نظام عقود البحث التي تبرم من طرف الشركات والمقاولات الخاصة  مع المعاهد والمختبرات والكليات من أجل تمويل البحوث وفق العقد المبرم بين الطرفين ،ونتيجة لكل هذه التغيرات التي عرفها مفهوم المرفق العمومي عبرا لظروف التي مر منها فقد أثرت على مبدأ مجانية خدماته.

لكن بالرغم من كل هذه التحولات التي تعرض لها المرفق العمومي فإن نشاطه ظل خاضعا إلى مبادئ كبرى تتمثل في مبدأ الاستمرارية ومبدأ المساواة.

 

 

2  مظاهر استمرارية المرفق العمومي من خلال الإجراءات الاستثنائية في ظل حالة الطوارئ الصحية:

يستند مبدأ استمرارية المرفق العمومي إلى ثلاثة أسس هامة وهي :

 

 الأساس لأول:  تحقيق المصلحة العامة تقتضي استمرارية خدمة المرفق العمومي

الأساس الثاني:  ارتباط استمرارية المرفق العمومي ضمان للمحافظة على النظام العام بكل مكوناته

الأساس الثالث:  ارتباط استمرارية المرفق العمومي باستمرارية الدولة لكونها تعتبر مجموعة مرافق عمومية

 

  • استمرارية المرفق العمومي من خلال التشيع الاستثنائي.

 

في السياق الوبائي لجائحة “كوفيد 19″عملت السلطة الحكومية على اتخاذ تدابير استعجالية لضمان استمرارية خدمات المرافق العمومية وتكييفها مع الظروف الطارئة التي أثرت سلبا على كل القطاعات الحيوية عالميا ووطنيا.

بحيث شكلت المبادرة الملكية بإحداث  حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم الصندوق الخاص بتدبير جائحة كورونا “كوفيد 19″بواسطة المرسوم رقم 2.20.269 أول إجراء تشريعي استثنائي يندرج في إطار تجسيد مبدأ استمرارية  خدمة المرفق العمومي، لمواجهة النفقات الطارئة وغير المتوقعة التي تم تحديدها في المجالات التالية:

 

  • تأهيل المنظومة الصحية
  • دعم الاقتصاد الوطني
  • الحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الاجتماعية لجائحة فيروس كورونا
  • المبالغ المدفوعة لفائدة المؤسسات العمومية، أو الهيات العمومية أو الخاصة
  • المبالغ المدفوعة للجماعات الترابية
  • المبالغ المدفوعة إلى الميزانية العامة
  • النفقات المختلفة

وفي سياق المحافظة على الأمن الصحي،والتحرر من القواعد والإجراءات القانونية الجاري بها العمل في الظروف الطبيعية ،لمواجهة الطابع الاستعجالي والضرورة الملحة الناتجة عن فيروس كورونا يأتي مرسوم رقم 270.20.2 صادر بتاريخ 21 من رجب 1441 (16 مارس 2020) المتعلق بمساطر تقنية النفقات المنجزة من لدن وزارة الصحة.

واستنادا لمقتضيات هذا التشريع الاستثنائي ، أصبحت النفقات المنجزة في مرفق الصحة خلال هذه الظرفية الاستثنائية المتميزة بالمرونة و التحرر من القواعد القانونية المتعلقة بالصفقات العمومية و تشمل القواعد الاستثنائية المتعلقة بنفقات مرفق الصحة خلال هذه الظرفية الطارئة على ما يلي:

*تنجز النفقات عن طريق سندات الطلب ، دون التقيد بمقتضيات البندين 1 و 2 من المادة 88 من المرسوم 2.12.349 الصادر في جمادى لأولى 1434 (20 مارس 2013) المتعلق بالصفقات العمومية كما وقع تغييره و تتميمه.

*اعتبار كل عملية نفقة دون التقيد بأي سقف .

*إبرام إمكانية صفقات تفاوضية دون إشعار مسبق ، و دون إجراء منافسة و دون تقديم شهادة إدارية.

*عدم خضوع النفقات المنجزة لمراقبة مشروعية الالتزام بالنفقات . و يمكن اعتبار هذه القواعد القانونية الاستثنائية المتعلقة بالنفقات العمومية بمرفق الصحة، بمثابة شيك على بياض  يسلم للسلطة الإدارية المكلفة بالمرفق الصحي لتأهيله بما يتطلبه من معدات و أجهزة و وسائل طبية ،من أحل حماية حق الأشخاص و المحافظة على سلامتهم ، و هو تجسيد لمبدإ الثقة الذي يعتبر من المبادئ العامة في التدبير الحديث للمال العام.

كما يندرج مرسوم 2.20.320 الصادر في 13 من شعبان 1441(7 ابريل 2020) المتعلق بتجاوز سقف التحويلات الخارجية ، لتزويد خزينة الدولة بالعملة الصعبة ،لمواجهة النفقات العامة ذات الطابع الطارئ والاستعجالي طبقا للفصل 81 من الدستور.

وظمانا لاستمرارية القطاعات الحيوية ،ودعم النسيج الاقتصادي الوطني خلال مدة سريان إجراءات حالة الطوارئ الصحية . تم اعتماد أحكام استثنائية تتلاءم وطبيعة الظرفية الاستثنائية بواسطة مشروع قانون رقم 27.20 بسن أحكام خاصة تتعلق بأشغال أجهزة إدارة شركات المساهمة ،وكيفيا ت انعقاد جمعياتها العامة بمقتضى القواعد الاستثنائية التالية:

  • استثناء انعقاد الهيآت التداولية من مقتضيات المواد 50و110و111 التي تنص على إلزامية الحضور الفعلي لأعضائها المشكلين للنصاب القانوني لمداولاتها طبقا للقانون 17.95
  • يعطي الحق للشركات في الدعوة لانعقاد مجالسها الإدارية بواسطة مختلف وسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة
  • الإقرار بمشروعية انعقاد مجالسها الإدارية العادية أو الاستثنائية عبر وسائل الاتصال بالصوت والصورة ،أو أي وسائل مماثلة.

وتندرج هذه الأحكام في إطار التكييف القانوني لاستمرارية خدمات المرفق العمومي حسب ما تتطلبه الظروف الاستثنائية من مرونة وتبسيط المساطر ،وعدم التقيد بمبدأ الشرعية المعمول به في حالة الظروف العادية.

  • استمرارية المرفق العمومي من خلال رقمنة الخدمة

 

وحرصا على  الالتزام  باستمرارية  خدمة المرفق العمومي في إطار الالتزام بالإجراءات المتخذة في حالة الطوارئ الصحية تم تكييف خدمات المرافق العمومية ،عبر استغلال الإمكانات التي تتيحها الوسائل التكنولوجية الحديثة، والأنظمة المعلوماتية لرقمنة خدماتها ، وتقديمها عن بعد.

وفي هذا الصدد أعدت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي منصة إلكترونية تم بموجبها استمرارية خدمة مرفق التعليم المدرسي والتكوين المهني عن بعد،فظلا عن استمرارية التمدرس بوسائل الاتصال والتكنولوجيات الحديثة المتاحة بين الأطر التروية وأطر التكون المهني والمتعلمات والمتعلم.

كما تم اعتماد رقمنة عملية التسجيل المدرسي برسم الموسم الدراسي 2020- 2021 بمقتضى مراسلة وزاري تحت رقم 308.20 بتاريخ 8 مايو 2020 المتعلقة بالتدابير التنظيمية لرقمن التسجيلات المدرسية ونزع الصفة المادية عن تدبير التسجيلات المدرسة على صعيد المؤسسات التعليمية.

كما تم اعتماد منصة الكترونية بالنسبة لبعض المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود ورقمنة مسطرة ولوجها وفقا لمبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص.

وفي سياق رقمنة خدمات المرافق العمومية تقدم وزير الداخلية بمشروع مرسوم رقم 2.18.1005 المتعلق بخدمة الحالة المدنية لوضع الأرضية القانونية للعمل بالنظام ألمعلوماتي للحالة المدنية والتبادل الالكتروني لمعطياتها، بهدف تجويد خدماتها  والرفع من مردوديتها عن طريق إدماج تكنولوجيات الإعلام والاتصال ، ووضع رقمنة لقاعدة البيانات لتكون رهن إشارة القطاعات والمؤسسات الإدارية والاجتماعية لاستثمارها في التخطيط والسياسات العمومية حسب حاجياتها.

وفي نفس الاتجاه ،قامت وكالة التنمية الرقمية بإحداث منصة لرقمنة مكتب الضبط بشكل يسمح للإدارات والهات العمومية بإحداث مكاتب ضبط رقمية من أجل التدبير الالكتروني لتدفقات المراسلات الواردة والصادرة ،والخدمة الالكترونية آليا ،والخدمة الالكترونية للمراسلات الإدارية التي تسمح بالتجريد المادي لتدفق مختلف الوثائق الإدارية التي تستلزم قيمة إثباتية بمختلف التقنيات الالكترونية.

ونهج مرفق القضاء نفس تقنية تقديم الخدمات القضائية عن بعد ،واعتمد بدوره على الوسائط الالكترونية في الإجراءات القضائية بإحداثه لمنصة إلكترونية رسمية للتقاضي عن بعد،وأقر بشرعية المقالات والمذكرات والمرفقات وكافة الإجراءات المحررة على كل دعامة إلكترونية المدلى بها،أو المتوصل بها عبر الوسائط الالكترونية.

كما أحدثت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بريدا الكترونيا لتقديم الخدمة عن بعد بالنسبة لطلبات  تأهيل وتصنيف مقاولات البناء ،والأشغال العمومية بواسطة نسخة رقمية ، لتي تعقد لجنتها عن بعد كل أسبوع ،وكذا معالجة شكايات واستفسارات المقاولين ، ونشر المقاولات المؤهلة والمصنفة عبر هذا الموقع الالكتروني .

ولم تقتصر عملية رقمنة الخدمات المرفقية على المرافق الإدارية فحسب ،بل امتدت إلى المرافق الاقتصادية بحيث نجد أن شركة “مجموعة كوسومار” قد أحدثت مشروع “تيسيير” لرقمنة الإنتاج ألفلاحي ،الذي تستعمل وظائفه في جميع عملية السلسلة الإنتاجية لمادة السكر ابتداء من برمجة قلع النباتات إلى غاية الأداء عبر التحويل البنكي لفائدة الفلاحين المتدخلين في عملية إنتاج هذه المادة الحيوية .وذلك ضمانا لاستمرارية المرفق في أحسن ظروف السلامة لجميع المتدخلين

وللإشارة فان هذا النظام المعلوماتي المبتكر في ظل حالة الطوارئ الصحية لتكييف استمرارية خدمته ،قد نال شرف اختياره كأفضل مشروع ومبادرة ابتكارية لمواجهة جائحة “كوفيد19” من  لدن المنظمة العالمي للتغدية والزراعة .

وفي سياق إجراءات وتدابير الحجر الصحي التي  تعيشها بلدان المهجر في ظل جائحة “كوفيد19”  وفي إطار استمرارية المرفق العمومي المكلف بالتواصل مع الجالية المغربية ،أطلق مجلس الجالية المغربية في الخارج على قناته “أواصر تيفي” الالكترونية قائمة متنوعة من البرامج الثقافية ،والدينية ،والفكرية بهدف مد جسور التواصل بين مغاربة العالم.

وهذه النماذج ماهي إلا زمرة من الأمثلة التي تمثل تكييف خدمة المرفق العمومي في ظل إجراءات حالة الطوارئ الصحية المعلن عنه من قبل السلطات العمومية  المغربية للحد من انتشار فيرس كورونا “كوفيد19”.

وفي إطار تكييف استمرارية خدمة المرفق العمومي مع واقع الظروف الطارئة ،فانه يلزم  موظفيه ومستخدميه والمتعاقدين معه  بالتزامين أساسين:

  • الالتزام الأول: التزام الموظفين والمستخدمين بالإسهام في السير العادي والمنتظم للمرفق العمومي ،وقبولهم بكل التغيرات والتعديلات الناتجة عن تكييف خدمة المرفق العمومي حسب ما تقتضيه طبيعة الظروف القانونية والواقعية  لتحقيق المصلحة العامة. كما هو الحال بالنسبة  للظروف الحالية التي فرضت تغيير أسلوب تقديم خدمة المرافق العمومية.
  • الإلتزام الثاني: إلزام المتعاقدين مع المرفق العمومي بتأمين الاستغلال العادي والمستمر للنشاط الذي تم بموجبه العقد،وقبولهم بكل التغييرات والتعديلات التي تضعها الإدارة لتكييف خدمات المرفق  حسب ما تتطلبه المصلحة العامة ،مالم تحدث حالات القوة القاهرة. ويتعرضون للجزاءات في حالة الإخلال بالتزاماتهم طبقا لمقتضيات العقد .

المحور الثاني : مبدأ المساواة أمام خدمة المرفق العمومي في ظل إجراءات الطوارئ                                                                     الصحية

  • أسس مبدأ المساواة

يستند مبدأ مساواة المرتفقين أمام خدمة المرافق العمومية إلى أسس فلسفية وأخرى دستورية.

فعلى المستوى الفلسفي فان مبدأ المساواة يستند إلى المثالية الديمقراطية.

فأما على المستوى الدستوري فانه يستند للفصل 154 من الدستور المغربي الحالي، التي تنص  مقتضياته على أن تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها ،والإنصاف في تغطية التراب الوطني،والاستمرار في أداء الخدمات.

وتتجسد مساواة المرتفقين أمام خدمة المرفق العمومي من خلال الحالتين التاليتين.

الحالة الاولى: مساهمة المرتفقين في التسيير غير المباشر للمرفق العمومي عن طريق الهيآت الممثلة، أو المنتخبة إلى جانب الهيآت الإدارية المعينة من لدن السلطات الإدارية.

الحالة الثانية: تتجسد في حق المواطنات والمواطنين بصفتهم مرتفقين من الخدمات التي تقدمها مختلف المرافق العمومية ،والتي تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ،على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في الصحة، والتعليم،والتكوين،والتشغيل ،وولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق طبقا للفصل 31 من الدستور.

إلا أن مبدأ المساواة يمكنه أن يتسع ويضيق حسب طبيعة نشاط المرفق العمومي.

فالمرافق العمومية ذات الصبغة الإدارية تلتزم بهذا المبدأ،وكل إخلال به يؤدي إلى بطلان قراراتها الإدارية المتسمة بالتعسف في السلطة بناءا على عدم احترام المساواة بين المرتفقبن.في حين أن المرافق العمومية ذات الصبغة الاقتصادية فان الالتزام بهذا المبدأ يتقلص بتحول المرتفق  إلى زبون ،ويصبح حجم تعاملات الزبناء تفرض تفاوتات في المساواة ،لان العلاقة التي تربطهم هي علاقة تعاقدية يحكمها القانون الخاص.

ومقابل مساواة المرتفقين في الانتفاع من خدمات المرافق العمومية تفرض مساواة إزاء التحملات العمومية كل حسب استطاعته.

 

  • مظاهر مساواة المرتفقين أمام التحملات العمومية في ظل إجراءات حالات الطوارئ الصحية

تتجسد المساواة إزاء التحملات  العمومية في التزامين بمقتضيات دستورية تتضمنها الفصول 38و39و40 من الدستور المغربي،وهما:

  • الالتزام الأول: قبول المواطنات والمواطنين للتحملات الوطنية التي تفرضها الظروف الطارئة للدفاع عن الوطن ووحدته الترابية اتجاه أي عدوان أو تهديد طبقا للفصل 38 من الدستور.

وتشكل جائحة ” كوفيد 19″ تهديدا حقيقيا على الصحة العامة لكل مجتمعات دول العالم ،وهو لا يقل خطورة عن التهديدات التي تفرضها الحروب بسبب الآثار السلبية التي خلفها على جميع المستويات ،بحيث يمكن ترتيبه في مقدمة تهديدات الأمن القومي.

 

  • الالتزام الثاني: تحمل الجميع للالتزامات المالية الناتجة عن التضامن الوطني لمواجهة الظروف غير العادية ،كالكوارث الطبيعية، أو البيئية ،أوالصحية.

بحيث على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور “الفصل39”.

و على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، و بشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها ، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد ، و كذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد . “الفصل 40 ”

و على أساس هذا الالتزام تندرج مساهمات الجميع في الصندوق الخاص بتدبير جائحة كورونا المشار له سابقا  ،بحيث تم تحديد موارده على الجميع ، و ذلك من خلال المبالغ المدفوعة من الميزانية العامة ، و مساهمة الجماعات الترابية و القطاع الخاص ، و المنظمات و الهيآت الدولية ،و الهبآت، و الوصايا و الموارد المختلفة ،و حصيلة العقوبة المالية التي أصدرتها الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات طبقا للقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة .

و يمكن إدراج مساهمة جميع موظفي الدولة بأجرة ثلاث أيام في حساب هذا الصندوق الخاص ضمن الموارد المختلفة .

كما يندرج منشور رئيس الحكومة رقم 03/2020 الذي يقضي بتأجيل تسوية جميع الترقيات المبرمجة في السنة الجارية 2020 ، غير المنجزة لحد الآن ، و جميع مباريات التوظيف ، ماعدا تلك التي سبق الإعلان عن نتائجها ، مع استثناء هذه الإجراءات للموظفين و الأعوان التابعين للإدارات المكلفة بالأمن الداخلي و مهنيي قطاع الصحة.

و يأتي هذا المنشور في سياق مواجهة الأزمة الصحية الطارئة ، التي تقتضي تضافر جهود الجميع ،

و تعبئة كل الموارد المتاحة لتجاوز هذه الظرفية الاستثنائية ، بهدف تخفيف العبء على ميزانية الدولة

و تمكينها من توجيه الموارد المالية نحو التحديات المطروحة.

و ختاما ، فإن استمرارية خدمة المرفق العمومي ، سواء كان  المرفق وطنيا أو محليا ، في ظل الإجراءات المعلن عنها في حالة الطوارئ الصحية ، و أمام تراجع الموارد المتوقعة في الميزانية العامة للدولة ، أو في ميزانيات الجماعات الترابية ، و زيادة النفقات الطارئة و غير المتوقعة ، و زيادة انتظارات المواطنين. فإن هذه المعطيات تفرض ثلاث نتائج حتمية و ثلاثة تحديات كبرى ،

و هي كالتالي:

  • النتيجة الأولى : لجوء الدولة إلى الأسواق المالية الدولية للاقتراض ، من أجل تمكينها من العملة الصعبة ، لمواجهة النفقات الطارئة و المتزايدة ، و ذلك ما جسده  صدور المرسوم بقانون رقم 2.20.320 السالف الذكر ، نتيجة تقلص الإدارات العمومية بسبب الآثار السلبية التي خلفتها هذه الجائحة على الاقتصاد العالمي و جل القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني.
  • النتيجة الثانية : اللجوء إلى تعديل الميزانية العامة للدولة، و كذا ميزانيات الجماعات الترابية ، من أجل ملاءمتها مع الظرفية الاستثنائية، و في هذا الصدد أصدرت وزارة الداخلية دورية بتاريخ 28 مارس 2020 تسمح من خلالها لرؤساء مجالس الجماعات الترابية ، بمختلف مستوياتهم بتعديل الميزانيات دون اللجوء إلى مداولة المجالس ، سواء ببرمجة اعتمادات جديدة ، أو بإعادة البرمجة عن طريق التحويلات ، و ذلك بتنسيق و تأشيرة المرقبة الممثلة في الوالي

أو العامل .

  • النتيجة الثالثة:هو أن جائحة كورونا أتاحت الفرصة للسلطات الإدارية على وضع سياسة عمومية في المدى القصير ، لاعتماد التكنولوجيات الحديثة و رقمنة خدمات المرافق العمومية

و نزع الصفة المادية على علاقة المرتفق بالمرفق العمومي.

وهذه النتائج التي فرضتها الظرفية الطارئة تسمح لنا باستخلاص ثلاثة تحديات كبرى يمكن تلخيصها فيما يلي :

  • التحدي الأول : إعادة تأهيل البنية التحتية و اللوجيستيكية بمختلف المرافق الإدارية ، من أجل تقديم خدماتها عن طريق الأنظمة المعلوماتية ، تفعيلا للبرنامج الحكومي الهادف إلى تطوير الإدارة الإلكترونية .
  • التحدي الثاني : يتمثل في تكوين و إعادة تكوين موظفي المرافق العمومية ، في مجال استغلال الوسائل التكنولوجية لرقمنة الخدمات المرفقية.
  • التحدي الثالث: التغلب على الأمية المعلوماتية للمواطنات و المواطنين ،التي تنضاف في بعض الأحيان إلى الأمية الأبجدية من أجل نجاح مشروع الإدارة الإلكترونية و رقمنة الخدمات.

و لبلوغ أهداف هذه التحديات  و الوصول إلى تحقيق إدارة إلكترونية ، لابد من استغلال قدرات العنصر اللامادي  و الاهتمام بالكفاءات الوطنية  التي أبانت عن المجهودات الابتكارية المتواصلة في شتى المجالات خلال فترة الطوارئ الصحية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق