في الواجهةمقالات قانونية

خصوصيات الوساطة البنكية في فض النزاعات

 

                   خصوصيات الوساطة البنكية في فض النزاعات 

هشام الناصري

                                                                            باحث في سلك الدكتوراه، جامعة ابن زهر                          

مقدمة:

لطالما كانت الطرق البديلة لتسوية المنازعات آليات فريدة لفك الخلافات القائمة بين أطراف العلاقة التعاقدية دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، خاصة في الوقت الذي أصبح فيه اللجوء إلى المحاكم يتطلب وقتا طويلا، وتكلفة مادية باهضة، إذ تتجه معظم الدول إلى تنظيم هذه الوسائل لحل النزاعات، لما أتبته من قبول لدى أطراف النزاع، إلا أن هذه الوسائل تختلف باختلاف نجاعتها، ومن ذلك أن الوساطة كآلية حديثة الميلاد أظهرت قوتها، خصوصا وأن أغلب الإحصائيات تثبت أن الوساطة غالبا ما تنجح في التوصل إلى حلول ودية بين الأطراف، إذ يتوصلون إليها بأنفسهم، فيتقبلونها بحسناتها وسيئاتها، على خلاف باقي طرق حل النزاعات الأخرى حيث يفرض طرف ثالث الحل. فالوساطة لم تعد محصورة في القضايا الأسرية والجنائية، بل تعددت وتطورت لتغزو مجالات مختلفة تهم عالم المال والاستثمار، ومن أهمها النزاعات المتعلقة بالمعاملات البنكية.

وقد اهتدت المجموعة المهنية لبنوك المغرب إلى اعتماد آلية الوساطة البنكية، بهدف التسوية الحبية للنزاعات التي قد تنشأ بين الزبون ومؤسسته البنكية بخصوص المعاملات البنكية[1]، ويشير الفصل الثاني ميثاق الوساطة البنكية، إلى إقرار تجربة الوساطة البنكية دون الإضرار بالحق في اللجوء إلى القضاء أو سلوك مساطر التحكيم، وعليه فسلوك مسطرة الوساطة البنكية يعد إراديا وبالمجان[2].

وتلعب الوساطة دورا مهما في حل النزاعات خاصة في القضايا المتعلقة بالمعاملات البنكية، ذلك أن التجربة العملية أثبتت نجاعة آلية الوساطة في حل النزاعات في هذا المجال، عبر ضمان سرعة البت في النزاع، وتقليص المصاريف، وبالتالي ضمان استمرار العلاقات بين الأطراف، وخاصة بين المؤسسات البنكية وزبنائها.

وقد انتهج المغرب سياسة الحلول البديلة لفض النزاعات من خلال تنظيمه لمجموعة من تلك البدائل والتي عرفت صداها من خلال الإطار القانوني الجامع و المانع لهذه الأخيرة، وذلك بمقتضى القانون رقم 08-05[3] المتعلق بالوسائل البديلة، و قد شمل هذا القانون التحكيم و الصلح و الوساطة الإتفاقية كآليات لفض المنازعات وديا، وتم تنظيم الوساطة بمقتضى الفصول 55-237 إلى 70-327من نفس القانون.

أما الوساطة البنكية، فقد استمدت مرجعيتها القانونية في إطار الوساطة الاتفاقية، وكذا ميثاق الوساطة البنكية الصادر عن المجموعة المهنية لبنوك المغرب، وذلك من أجل التوصل إلى حلول ودية للنزاعات التي قد تنشأ بين الزبون ومؤسسته البنكية خلال المعاملات البنكية.

وقد حظيت الوساطة عموما باهتمام المشرع المغربي، خصوصا بعد دخول وزارة العدل في عدة شراكات مع بعض المؤسسات الدولية من أجل إدخال الوسائل البديلة لحل النزاعات إلى النظام القانوني والقضائي المغربي ومأسسة هذه البدائل، لكن اعتماد هذه الآلية تطلب وقتا كبيرا من أجل القيام بالدراسات اللازمة المتعلقة بإنجاز الاتفاقية بين البنوك، التي تلتزم بمقتضاها البنوك بهذا المبدأ، وكذا الميثاق الأخلاقي، وبعد المصادقة على كل هذه الوثائق التي تشكل الإطار التنظيمي للوساطة البنكية، وعين وسيط من طرف لجنة الوساطة البنكية التي يترأسها والي بنك المغرب، وتتكون من رؤساء البنوك وشخصيات من المجتمع المدني لها دراية بالمجال القانوني والقضائي، والذي لا تربطهم أي علاقة بالبنوك وانطلق العمل رسميا بهذا النظام في 7 دجنبر 2009.

وإذا كان القانون 08-05 وكذا ميثاق الوساطة البنكية قد وضعا الإطار القانوني للوساطة البنكية، إلا أنهما لم يعطيا تعريفا واضحا لمفهوم الوساطة تاركين ذلك للفقه والقضاء.

فقد عرف معظم الفقه المغربي الوساطة على أنها تلك المساعي التي يقوم بها وسيط محايد بين طرفي النزاع، وتتمثل في تقديم المساعدة لهما معا حتى يتمكنا منهما من تقييم مركزه القانوني والواقعي في النزاع، ويكون على بينة من المكاسب والأضرار الكامنة وراء استمرار النزاع[4].

و تتميز الوساطة البنكية بمجموعة من الخصائص والمميزات التي تشجع الأطراف على اعتماد هذه التقنية من بينها أن الوساطة رد على حاجة ملحة وعاجلة للتوصل إلى تسوية عاجلة، وأن إجراءاتها تتسم بالمرونة والسرية والسرعة، فهي مرنة لأنها مقيدة بإجراءات وشكليات وتعقيدات، وهي سريعة لأنها يجب أن تنجز داخل شهرين من توصل الوسيط بالشكاية.

وتتميز أيضا بالسرية بحيث لا يمكن الإدلاء بأي تصريحات أو اقتراحات تمت أمام الوسيط ولا يمكن استعمالها لاحقا في أي إجراءات قضائية أو تحكيمية.

هذه الخصائص تجعل نظام الوساطة فريدا من نوعه، ومميزا عن باقي الوسائل البديلة.

وتختلف الوساطة عن التحكيم في بساطة إجراءاتها مقارنة بإجراءات التحكيم، كما أن الوسيط يلعب دورا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين للتوصل إلى تسوية على خلاف المحكم الذي يمارس هذا الدور، كما أن الوسيط لا يتمتع بسلطة إصدار الأحكام في النزاعات المعروضة عليه، وإنما يقدم اقتراحات عكس المحكم الذي يصدر أحكاما.

ويكتسي موضوع الوساطة البنكية أهمية بالغة تكمن في المساهمة في الكشف عن التأسيس لتجربة الوساطة البنكية لأول مرة في سيرورة العمل البنكي بالمغرب لتتماشى مع خصوصيات القطاع البنكي، في تسوية النزاعات بين الزبون والبنك، وكذا التعريف بخصوصيات الوساطة البنكية كما أسس لها ميثاق الوساطة البنكية، وكذا الوقوف على مدى احترام ميثاق الوساطة البنكية للمبادئ العامة التي أتى بها القانون 08-05 بالإضافة إلى تعزيز الثقة المتبادلة بين الزبناء ومؤسساتهم البنكية، ثم أخيرا إبراز علاقة النظام القضائي بالوساطة البنكية والدور الذي يمكن أن يقوم به من أجل تطوير هذه التجربة.

وتطرح دراسة موضوع الوساطة البنكية العديد من الإشكالات، والتي سنحاول التطرق لها في من خلال التساؤل التالي:

ما مبررات اللجوء إلى الوساطة البنكية؟ وكيف تتم عملية الوساطة البنكية؟

وإلى أي حد تعتبر الوساطة البنكية السبيل الأنسب لحل النزاعات البنكية؟

وسنحاول تقسيم هذا الموضوع إلى فصلين أساسين سنتناولهما كالآتي:

الفصل الأول: الإطار العام للوساطة البنكية

إن الرغبة في تجاوز الآثار السلبية التي تخلفها الأحكام والقرارات القضائية في نفوس المتقاضين، أدى إلى ظهور أصوات تنادي بضرورة التفكير في وسائل بديلة للتقاضي الاحترافي الذي تتوله الدولة، بهدف الخروج مما يعاني منه القضاء من معضلات والابتعاد عن بطء وتعقيد المساطر وارتفاع كلفتها، وعدم فعاليتها، وتعدد طرق الطعن، واستمرار مشاكل تنفيذ الحكام والقرارات القضائية…[5] خاصة في النزاعات المتعلقة بالمعاملات البنكية بين الزبون ومؤسسته البنكية.

ومن أجل معالجة بعض المشاكل التي تثور بين الزبون ومؤسسته البنكية، فقد اختار المغرب إحداث الوساطة البنكية كمؤسسة مستقلة يجد فيها زبناء المؤسسات البنكية الملاذ الآمن خصوصا وأنهم يشتكون من عدم احترام المؤسسات البنكية لالتزاماتها، والتي لا تحتاج في بعض الحيان إلى سلوك المساطر القضائية.

وتعد الوساطة البنكية آلية تغري المتضرر بسلوك مساطرها، التي تجد مبرراتها من الخصائص التي توفرها للمتضرر، بحيث تضمن لمن اختارها سرعة البت في النزاع، ومرونة الإجراءات، وسرية الجلسات خذا من جهة، ومن جهة ثانية، تمتاز العمليات البنكية بخصائص ومميزات تجعل من الوساطة السبيل الأنسب لحل هذا النوع من النزاعات، بحيث تقوم على عامل أساسي وهو الثقة الذي يعد المحرك وراء تعاقد الزبون مع البنك[6].

إلا أن سلوك مسطرة الوساطة البنكية يقتضي بالضرورة احترام مسطرة محددة، تتمثل أساسا في ضرورة توجيه شكاية إلى المؤسسة البنكية، وانتظار أجل 21 يوما وفي حالة عدم التوصل بجواب مقنع آنذاك يمكن التوجه إلى الوسيط، الذي يكون ملزما بمعالجة الشكاية داخل أجل لا يتعدى شهرين من توصله بالشكاية. وهذا ما يجعلنا في حاجة إلى دراسة خصائص ومميزات الوساطة البنكية (المبحث الأول)، ثم بعد ذلك التطرق إلى مسطرة الوساطة البنكية (المبحث الثاني).

المبحث الأول: خصائص ومميزات الوساطة البنكية

تكتسي آلية الوساطة البنكية أهمية بالغة في فض النزاعات البنكية و تعد عملية مفيدة لطرفي النزاع لاتسامها بمجموعة من الخصائص والمميزات التي تميزها عن غيرها من الوسائل البديلة لحل النزاعات، فالوساطة تضمن لمن اختارها سرعة البت في النزاعات وتفادي معضلة البطء التي تلازم الدعوى القضائية، كما تمكن من تامين المصاريف المختلفة واختزال الجهد، وتضمن مشاركة الأطراف في صنع الحل الودي للنزاع[7] وبالتالي تجنبهم صدمات الأحكام والقرارات القضائية.

المطلب الأول: السرعة والسرية في آلية الوساطة البنكية

كما سبقت الإشارة، فالوساطة البنكية تملك من المميزات ما يجعلها ذات خصوصية مقارنة بباقي الوسائل، من أهمها السرعة في البث ( الفقرة الأولى)، إضافة إلى سرية المساطر (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: سرعة البث في الملفات.

يلعب عامل الوقت الذي يتطلبه إيجاد الحل النهائي للنزاع دورا مهما في تحديد مدى نجاعة وفعالية النظام القضائي أو الوسيلة لحل النزاعات، وقد استطاعت الوساطة أن تحقق نتائج إيجابية ومحفزة والأنظمة القانونية التي أخذت بها[8].

ومن تم فاللجوء إلى الوساطة من أجل حل النزاعات الناشئة بين الزبون ومؤسسته البنكية يساهم في إيجاد حلول ودية لهذه النزاعات بشكل سريع وفعال.

فالوساطة البنكية مسطرة اختيارية لا تمنع الأطراف من اللجوء إلى المحاكم أو إجراء التحكيم[9] غير أنه في حالة اختيار اللجوء إلى الوساطة فإن هذا يمنع الأطراف من اللجوء إلى القضاء ومن هنا تأتي أهمية الوساطة البنكية وهي سرعة البت في النزاعات.

فالوسيط يكون ملزما بمعالجة الشكاية المعروضة عليه داخل أجل لا يتعدى شهرين من تاريخ وضع الشكاية لديه، ما عدا إذا كان التمديد مقبولا كتابيا من قبل الأطراف.

وفي كل الأحوال تعتبر السرعة في حسم النزاعات خاصية إيجابية ومهمة تغري الأطراف باعتمادها خاصة في المعاملات البنكية.

بحيث يتم تعين الوسيط الذي يتوفر على الكفاءة والتجربة المهنية حسب ما جاءت به المادة 12 من ميثاق الوساطة البنكية حيث يتم الحرص على استقلال الوسيط بحيث لا يمكن للجنة الوساطة البنكية أن تؤثر على قرارات الوسيط، غير أنه يمكن للجنة المذكورة أن تقدم توصيات لتحقيق فعالية كبيرة لآلية الوساطة البنكية[10].

ومن هنا تأتي أهمية الوساطة البنكية وهي سرعة البت في النزاع والذي يتم تسوية في أجال قصيرة قد تكون قياسية في بعض الأحيان بحيث لا تتعدى في بعض الأحيان ساعات معدودة.

الفقرة الثانية: سرية نظام الوساطة البنكية

تمتاز المسطرة في الوساطة على غرار باقي الوسائل البديلة بالسرية التامة والحفاظ على أسرار الأطراف ويتجلى ذلك بشكل واضح في النزاعات المتعلقة بالعمليات البنكية، بحيث تفضل جل المؤسسات البنكية عدم عرض نزاعاتها على الملأ لأن من شأن ذلك التأثير على سمعتها التجارية في الأسواق المالية، ويهدد قدرتها التنافسية أمام باقي المؤسسات البنكية الأخرى.

فالوساطة البنكية تحافظ على السرية التامة مهما كانت نتائج اللجوء إلى هذه الآلية، سواء كانت النتيجة إيجابية أو سلبية حيث يمنع على الأطراف نشر المرافعات أو الاقتراحات، والملاحظ عمليا أن هذه الميزة لا توفرها الدعوى القضائية التي تمتاز بميزة مناقضة لها تماما وهي العلنية التي يمكن من خلالها لأي طرف استغلال أي معلومة عن خصمه يراها مفيدة في كسب هذه الدعوى.

بالإضافة إلى أن المادة العاشرة من ميثاق الوساطة البنكية أكدت على أن الوسيط يقدم معلومات لكل شخص يطلب مع ذلك الالتزام بمبدأ السرية المهنية.

وتتميز الوساطة البنكية  كذلك بمرونة في مسطرتها، والتي تميزها عن الدعوى القضائية، ولا تتجلى هذه المرونة فقط في كيفية اللجوء إليها بالإرادة الحرة للأطراف، لكنها تتجلى كذلك في بساطة الإجراءات، وذلك نظرا لطابعها غير القضائي، واستقلالها التام عن الجهاز القضائي فاستقلال الوسيط يساهم بشكل كبير إلى الوصول حلول توفيقية تحظى بثقة الأطراف.

المطلب الثاني: مشاركة الأطراف في حل النزاع وانخفاض التكلفة

إن خاصية إشراك أطراف النزاع في إعداد الحل تتسم بأهمية بالغة، خصوصا وأنها تمكنه من فرض ذاته في النقاش، وذلك على عكي المساطر القضائية التي تترك الحسم لذوي الاختصاص، زد على ذلك أن التكلفة الباهظة للتقاضي تجعل الأطراف في حاجة إلى تسوية حبية بديلة للمحاكم.

الفقرة الأولى: مشاركة الأطراف في حل النزاع

تتطلب أغلب الوسائل لحل النزاعات الحضور الشخصي لأطراف النزاع ومشاركتهم في كافة أطوار الإجراءات، وهو ما يتيح لهم فرصة لتقديم عروض وتنازلات متبادلة، بعد أن يكون كل طرف قد وقف على مكامن القوة والضعف في مركزه القانوني الشيء يمهد الطريق إلى الوصول إلى الأول ودية يتقبلها الأطراف بشكل تلقائي لإحساسهم بأنهم واضعوها ولم تفرض عليهم كما هو الشأن بالنسبة للأحكام والقرارات القضائية.

فاللجوء إلى الوساطة البنكية يمكن من إيجاد حل ودي للنزاع وذلك عبر تمكين الزبون من الإدلاء بكافة الوثائق التي شكايته والمؤسسات البنكية تكون ملزمة بالرد على الشكايات المعروضة عليها من طرف زبنائها داخل أجل 21 يوما وفي حالة عدم التوصل إلى حل النزاع ودي يتعين على المعني بالأمر التقدم إلى الوسيط من أجل عرض شكايته[11].

وهنا تظهر أهمية مشاركة الأطراف في صنع حل ودي، بحيث تعتبر المرحلة السابقة للوساطة مرحلة أساسية تؤكد بشكل واضح ما قلناه في هذا الصدد.

وبالتالي فمساهمة الأطراف في تنفيذ اتفاق الوساطة بشكل رضائي وتحقيق مكاسب مشتركة لطرفي النزاع يوفر ضمانا قويا لتسوية النزاع بين الزبون ومؤسسته البنكية قبل عرضه على أنظار القضاء للفصل فيه، وذلك على اعتبار أن أغلب النزاعات الناشئة بين الزبناء ومؤسساتهم البنكية، نزاعات بسيطة يمكن التوصل بشأنها لحلول ودية سريعة دون سلوك المساطر القضائية، مما يؤثر إيجابا على  العلاقات القائمة بين المؤسسات البنكية وزبنائها، واستمرار المعاملات الاقتصادية والتجارية بينهم، لأن اتفاق الوساطة لا يفرز غالبا ولا مغلوبا.

 

الفقرة الثانية: انخفاض تكلفة الوساطة البنكية

لعل ما يميز الوساطة البنكية هي خاصية المجانية التي تخفف العبء الملقى على كاهل المتقاضين في الدعاوي القضائية

و بالرجوع إلى ميثاق الوساطة البنكية نجده يؤكد بصريح العبارة على أن اللجوء إلى مسطرة الوساطة البنكية يعد اختياريا وبالمجان بحيث لا يؤدي الشخص الذي يلجأ إلى الوسيط أي مقابل مالي، وهذا ما يشجع الكثير من الأشخاص وبشكل كبير على اللجوء إلى الوساطة البنكية من أجل إيجاد حلول ودية للنزاعات التي قد تنشأ بين الزبون ومؤسسته البنكية دون أدنى تكلفة.

إن سلوك الأطراف آلية الوساطة البنكية لا تمكنهم من تسوية النزاع فقط، بل تمكن كذلك من اختزال المصاريف المختلفة التي إنفاقها في الدعوى القضائية، وليس هذا فقط بل يساهم في ضمان استمرار المعاملات بين الزبون ومؤسسته البنكية.

إلا أن الأساسي من هذا أن الوساطة بشكل عام تساهم وبشكل كبير في تخفيف العبء على القضاء نظرا لتراكم عدد هائل ومتنوع من القضايا على المحاكم، بالإضافة إلى ضعف الموارد المادية والبشرية، وعدم توفير التجهيزات الحديثة، مما يحول دون قيام الجهاز القضائي بالدور المنوط به على أكمل وجه.

المبحث الثاني: مسطرة الوساطة البنكية

تشكل لجنة الوساطة الآلية التنفيذية لميثاق الوساطة البنكية والتي تتكون من تسعة أعضاء، خمسة أعضاء مستقلين عن المهنة البنكية ويتوفرون على مؤهلات في المجال البنكي وثلاثة منتمين إلى المجموعة البنكية بالإضافة إلى ممثل لبنك المغرب، وتختار هذه اللجنة وسيطا يقوم بمهام الوساطة بين المؤسسات البنكية وزبنائها في الخلافات التي قد تنشأ بينهم خلال المعاملات البنكية.

وتستغرق مهام الوسيط ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وتكمن مهمة الوسيط في اقتراح حلول حبية للنزاعات التي يعرضها عليه زبناء البنوك، ويتمتع بالسيادة في القيام بمهمته قصد الوصول إلى التوفيق بين وجهات نظر الأطراف.

ويمكن إرسال الشكاية إلى البنك بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل أو إيداعها مقابل وصل لدى الوكالة البنكية التي يوجد بها الحساب وتتعهد البنوك بأن تجيب على المطالبات المستلمة من زبنائها داخل أجل أقصاه واحد وعشرين يوما، ابتداء من تاريخ التسلم، وفي حال لم يتوصل الزبون بأي رد من طرف مؤسسته البنكية، يمكنه آنذاك اللجوء إلى الوسيط البنكي.

وعلى إثر التحقيق في النزاع وسماع الأطراف، يدون الوسيط اقتراحه لحل النزاع في محور يحمل اتفاق مصالحة، ويدعون الزبون وكذا ممثل البنك ليوقعا على المحضر، وإذا رفض أحد الطرفين مقترح الوسيط، يحرر محضر يعاين مواقف كل طرف وتسلم نسخة لكل واحد مهما. وبغض النظر عن ذلك، فإن البنوك تقر، في الفصل 28 من الميثاق، كل مقترح للوسيط إن كان مبلغ النزاع المعترض عليه 100 ألف درهم.

المطلب الأول: لجنة الوساطة البنكية

تشكل لجنة الوساطة البنكية ذلك الإطار المؤسساتي الذي يساهم بشكل واضح في تفعيل مقتضيات ميثاق الوساطة البنكية. ويتضح ذلك من خلال التنظيم القانوني الذي حظيت به هذه اللجنة سواء من حيث التكوين (الفقرة الأولى)، أو من حيث المهام المسندة إلى هذه اللجنة(الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: تكوين لجنة الوساطة البنكية

لقد تم اعتماد مبدأ الوساطة البنكية، في إطار الوساطة الاتفاقية، وذلك باعتبارها المرجعية العامة لنظيرتها في المجال البنكي،وقد عنيت الوساطة البنكية بتنظيم خاص من حيث المساطر لمعالجة النزاعات المتعلقة بالمعاملات البنكية بين الزبون ومؤسسته البنكية في إطار اتفاقي و حبي، و يظل حق الأطراف في اللجوء إلى المحاكم أو المساطر التحكيمية قائما ما دامت هذه الآلية ذات طابع اختياري.

أما في ما يخص جهاز الوساطة البنكية فإنه يتكون بالأساس من لجنة الوساطة البنكية، والوسيط البنكي.

و تتكون هذه اللجنة من تسعة أعضاء وهم كالآتي:

-ممثل بنك المغرب.

-خمسة أعضاء مستقلين يملكون خبرة وكفاءة في المجال البنكي.

-ثلاثة أعضاء ينتمون إلى القطاع البنكي.

ويتم اختيار الأعضاء الثمانية المشار إليهم باستثناء ممثل بنك المغرب من طرف المجموعة المهنية للبنوك المغربية، بعد استشارة بنك المغرب.

ويقوم أعضاء اللجنة بانتخاب رئيس للجنة من بينهم لمدة سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك على غرار لجنة الوساطة البنكية الفرنسية.

وتتولى لجنة الوساطة أساسا تنظيم عمل جهاز الوساطة البنكية، وتقوم بإنشاء المواثيق الأخلاقية المهنية، وتحدد طرق ومواصفات ممارسة نشاط الوساطة، بالإضافة إلى ذلك تسهر لجنة الوساطة على ضمان استقلال الوسيط.

وتجدر الإشارة أنه لا يحق للجنة الوساطة التأثير على قرارات الوسيط، لكنها في المقابل يحق لها إبداء اقتراحات أو توصيات قصد التوصل إلى حلول ودية سريعة وفعالة.

وتجتمع لجنة الوساطة مرة كل سنة، أو كل ما اقتضت الضرورة ذلك، بدعوة من رئيس اللجنة أو غالبية أعضائها.

بالإضافة إلى ذلك تقوم لجنة الوساطة باختيار الوسيط الذي يجب أن تتوفر فيه جميع ضمانات الاستقلالية تجاه البنوك والزبناء، وكذا التقيد بمبادئ النزاهة والكفاءة المهنية في المجالات القانونية والقضائية.

ويمارس الوسيط مهامه لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، إلا إذا اتخذت اللجنة قرارا يقضي بالتجديد لأكثر من المرة الواحدة المنصوص عليها في ميثاق الوساطة البنكية.

ويتولى الوسيط اقتراح الحلول التوفيقية للنزاعات المحالة عليه من طرف زبناء المؤسسات البنكية، ويشرف الوسيط على مختلف المراحل التي يتطلبها صنع الحل الودي للنزاع، ويجوز له أن يطلب من الزبون المشتكي الإدلاء بكل الوثائق التي يراها ضرورية لممارسة مهامه على الوجه المطلوب.

ويمكن للوسيط اختيار مساعدين به، وكذا مساعديه أو أي طرف آخر يشارك في معالجة القضايا المعروضة عليه احترام مقتضيات مسطرة الأخلاقيات المهنية الذي تعده لجنة الوساطة البنكية.

ويتوفر الوسيط على ميزانية عمل يتم تمويلها بواسطة اشتراكات البنوك في الميثاق المعدة من طرف لجنة الوساطة.

ويتولى مراقب مالي (خارج هياكل جهاز الوساطة البنكية) مراقبة كيفية صرف ميزانية عمل الوسيط البنكي، ويحرر تقريرا يوجهه إلى أعضاء لجنة الوساطة البنكية للاطلاع عليه.

ويحرر الوسيط البنكي تقريرا سنويا يتضمن جميع الأنشطة والتدخلات التي قام بها، ويتضمن التقرير أيضا إحصائيات بخصوص مختلف الشكايات المعروضة عليه، والشكايات المتوصل بشأنها إلى حلول ودية[12].

ويحث للجنة الوساطة تقديم اقتراحات أو توصيات لتفادي المنازعات المحالة على الوسيط، ويتم إنهاء مهام الوسيط في الحالات التالية:

بطلب منه، بعد تقديم إخطار مدته ثلاثة أشهر، أو بقرار لجنة في حالة عدم قيامه على أكمل وجه، أو فشله فيها.

و في كل الأحوال لا يمكن للجنة الوساطة البنكية أن توافق على تسريح الوسيط إلا بعد اجتماع أغلبية أعضاء اللجنة.

الفقرة الثانية: مجالات تدخل الوسيط البنكي

لقد تدخل ميثاق الوساطة البنكية لتحديد مجال اختصاص الوسيط، وذلك لكثرة وتشعب المعاملات البنكية بين الزبناء والمؤسسات البنكية وإقرار نوعية القضايا التي تدخل ضمن اختصاصات الوسيط. فالوسيط يتوصل بشكايات كثيرة ومتنوعة، ومن خلال إعداد النظام الأساسي للوساطة البنكية تم تحديد مجال اختصاص الوسيط لأن هذا الأخير لا يمكنه معالجة كافة الشكايات المعروضة عليه، والناشئة بين الزبناء ومؤسساتهم البنكية بخصوص المعاملات البنكية، إذ ليس من اختصاص الوسيط البت في النزاعات التي فصل فيها حكم قضائي أو قرار تحكيمي، كما لا يمكنه دراسة الملفات المتعلقة باستيفاء مستحقات البنوك…[13].

و تدخل ضمن اختصاصات الوسيط البنكي بعض القضايا التي يمكن إجمالها في ما يلي:

*القضايا المتعلقة بالحسابات وهي:

_ الحساب لأجل وحسابات الادخار.

_ الحساب تحت الطلب سواء بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين.

_ وسائل الأداء، وتسيير حسابات الودائع.

*القضايا المتعلقة بالتسيير و التنفيذ:

_ تسيير حسابات السندات والتأمين البنكي

.             _ تدبير الحسابات المشتركة والجماعية

_ إغلاق الحسابات

_ تنفيذ العمليات والتعهدات الملتزم بها في إطار العقود البنكية

*المنازعات في القيود المحاسبية.

ولعل الملاحظ من خلال استقراء مهام الوسيط البنكي أن حصر مجالات تدخل هذا الأخير يساهم بشكل أو بآخر في تقليص فعالية الوساطة في حل النزاعات الناشئة بين الزبناء ومؤسساتهم البنكية، وبالتالي أصبح معه لزوما توسيع نطاق الوساطة البنكية لتشمل كافة المعاملات البنكية، وتعميم تجربة الوساطة لتشمل كافة مؤسسات الائتمان، بالإضافة إلى ضرورة تمثيل الزبناء على مستوى لجنة الوساطة، مما يحتم التدخل الفعلي للمشرع في هذا المجال للحيلولة دون فقدان هذه الوسيلة لفعاليتها.

المطلب الثاني : الإجراءات المسطرية للوساطة البنكية

لقد تم استحداث آلية للوساطة البنكية من اجل التوصل إلى حلول ودية للنزاعات الناشئة بين الزبون و مؤسسته البنكية ، فدور الوسيط ينصب على دراسة كافة الشكاية المعروضة عليه.

ولكن وقبل اللجوء إلى الوسيط ، يتعين على المشتكي أن يتوجه إلى المؤسسة البنكية من أجل إيجاد صيغة ودية للنزاع ، بحيث يتعين توجيه شكاية إليها، و المؤسسة البنكية تكون ملزمة بدراسة هذه الشكاية داخل أجل معقول و في حالة عدم رد المؤسسة البنكية على الشكاية أو في الحالة التي لم يكن فيها الرد مقنعا للزبون آنذاك يمكن للمتضرر اللجوء إلى الوسيط وبذلك يصبح الملف في أيدي الوساطة البنكية

وسنحاول في هذا المطلب دراسة المرحلة السابقة للوساطة ( الفقرة الأولى)، ثم بعد ذلك مرحلة الوساطة ( الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: المرحلة السابقة للوساطة البنكية

إن الهدف من إحداث تقنية الوساطة البنكية هو محاولة إيجاد حلول توفيقية بين الزبون ومؤسسته البنكية ، لكن وقبل ذلك يتعين اللجوء إلى المؤسسة البنكية ، وذلك عبر توجيه شكاية من أجل إيجاد صيغة توافقية بين المؤسسة وزبونها والتي في بعض الأحيان تتطلب وقتا كبيرا مما يثير قلق الزبون .

وفي إطار نظام الوساطة يتعين توجيه الشكاية إلى المؤسسة البنكية من طرف الزبون الذي لحقه ضرر جراء معاملاته مع مؤسسته البنكية[14].

وفي المقابل تكون المؤسسة البنكية ملزمة بالرد على الشكاية داخل أجل لا يتعدى 21 يوما من تاريخ التوصل بها.

ويتعين توجيه الشكاية إلى المصالح المختصة لدى المؤسسة البنكية ، ويمكن إرسال الشكاية عبر البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ، أو إيداعه لدى الوكالة البنكية مقابل وصل .

فالهدف من هذه المرحلة هو فتح جسور التواصل بين الزبون ومؤسسته البنكية من أجل إيجاد صيغة توافقية بين الطرفين دون تدخل طرف ثالث في النزاع.

ففي الكثير من الأحيان تكون النزاعات بسيطة و لا تتطلب سوى مراجعة بسيطة نتيجة فهم خاطئ لبعض المقتضيات إلى غير ذلك…

و في العديد من الحالات يتم التوصل إلى حلول ودية لبعض النزاعات دون تدخل الوسيط.

وقد أزم ميثاق الوساطة البنكية كافة المؤسسة البنكية بإخبار زبنائها عن وجود آلية الوساطة البنكية وعن المزايا التي توفرها عبر كافة الوسائل التي تراها كفيلة بذلك.

غير أن الملاحظ أن غالبية زبناء المؤسسات البنكية يجهلون تماما وجود هذه التقنية ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل فحتى العديد من أطر المؤسسات البنكية يجهلونها، وينتظر أن تشهد تقنية الوساطة البنكية إقبالا واسع بعد إطلاع زبناء المؤسسات البنكية عليها و على المزايا التي توفرها .

الفقرة الثانية : مرحلة الوساطة

في إطار ميثاق الوساطة البنكية يحق للزبون الذي لم يتوصل برد مقنع على شكايته، من طرف مؤسسته البنكية داخل الآجال المنصوص عليها في ميثاق الوساطة البنكية ، أن يلجأ إلى الوسيط من أجل عرض شكايته قصد التواصل إلى نهائي للنزاع.

و توجه الشكاية إلى الوسيط عبر البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، أو عبر وضعها مباشرة لدى مكاتب الوساطة مقابل وصل، هذا الأخير يقوم بإرسال الشكاية إلى المؤسسة البنكية المعينة  ، وبدلك يكون الملف في أيدي الوسيط

ويتعين على المشتكي أن يرفق شكايته بكل المعلومات و المعطيات الكاملة عن النزاع بالإضافة إلى تعزيزها بجميع الوثائق و المبررات الكتابية التي تؤكدها[15]

ومن أجل ذلك يتعين على المشتكي تحرير طلب مصادق عليه، و ملئ وثيقة تتضمن أمرا موقعا ومصادقا عليه من طرف المشتكي لمؤسسته البنكية ، برفع السرية على حسابه، ليتمكن الوسيط من الإطلاع عليه، و إعفاء المؤسسة البنكية من جريمة إفشاء السر المهني ، وذلك من أجل تسهيل مأمورية المؤسسة البنكية ، و التعاون مع الوسيط عبر مده بكافة الوثائق التي يتطلبها النزاع.

عندما يصبح الملف جاهزا يتعين على الوسيط دراسة الملف، و إيجاد حل ودي للنزاع داخل أجل لا يتعدى شهرين من تاريخ وضع الشكاية لديه، مع إمكانية الزيادة في هذا الأجل ، وذلك بمقتضى موافقة كتابية من قبل طرفي النزاع.

وبعد إحالة كل الوثائق على الوسيط يقوم هذا الأخير بفحصها، ويقترح حلا كتابيا ، يوقعه الطرفان، و التوقيع الخاص بالزبون يجب أن يكون مصادقا عليه.

وفي حالة رفض أحد طرفي النزاع للحل الذي يقدمه الوسيط يتعين إنجاز  محضر حول ذلك، و يتوجب على المؤسسات البنكية الموافقة على الاقتراح الذي يقدمه الوسيط إذا كان مبلغ النزاع أقل من 100.000 درهم، بحيث تعد قراراته في هذا الصدد ملزمة للمؤسسات البنكية.

إلا أن المشاع على مستوى الواقع أن مؤسسة الوساطة البنكية تتوصل في العديد من الأحيان بشكايات من بعض زبناء المؤسسات البنكية لكنها غير مرفقة بأي وثيقة، ورغم أن هذه الشكاية غير مكتملة و لا تتوفر فيها شروط الوساطة، فإن مؤسسة الوساطة تحيل الملف إلى المؤسسة البنكية المعنية بالنزاع ، التي تبت فيها وتدرسها أحيانا رغم أنها غير ملزمة ذلك لأن ملف الوساطة غير مكتمل .

 

 

الفصل الثاني: خصوصيات الوساطة البنكية ودور القضاء في إنجاح هذه التجربة

لقد انطلق العمل بآلية الوساطة البنكية التي تهدف إلى تسهيل و تسريع التسوية الحبية لبعض النزاعات بين البنوك و الزبناء.

وقدم الوسيط البنكي في بداية السنة الجارية تقريرا يتضمن حصيلة عمل مؤسسة الوساطة البنكية ، وقد تضمن التقرير حصيلة عمل المؤسسة ، وقد أشارت الإحصائيات أن المؤسسة توصلت بالعديد من الشكايات، لكنها تبقى ضعيفة جدا بالمقارنة مع العدد الهائل من زبناء المؤسسات البنكية ، لكن هذا لا يمنع من القول بأن لجنة الوساطة تمكنت من معالجة نسبة كبيرة من هذه الشكايات، بحيث أن العديد من زبناء المؤسسات البنكية لم يطلعوا على هذه التقنية و بالمزايا و الفوائد التي توفرها لهم فمقياس معرفة مدى نجاعة هذه الآلية يصب في عدد من القضايا التي توفقت اللجنة في معالجتها و التوصل بشأنها إلى حلول ودية ن و ذلك من اجل دراسة الآثار المترتبة عن تجربة الوساطة البنكية .

و لا يجب إغفال نقطة مهمة تتمحور حول علاقة الوساطة البنكية بالنسيج القانوني والقضائي المغربي فقد سار المغرب منذ سنوات خلت  في خطى ثابتة نحو إدماج الوساطة والوسائل البديلة سواء في النسيج القانوني أو القضائي المغربي.

و انطلاقا مما سبق سنحاول في هذا الفصل دراسة خصوصيات الوساطة البنكية ” المبحث الأول ” ثم علاقة هذه التقنية لحل النزاعات البنكية بالجهاز القضائي ” المبحث الثاني “.

المبحث الأول: خصوصيات الوساطة البنكية

لقد شكل إحداث تجربة الوساطة البنكية، فرصة ملائمة للوقوف حول مدى نجاعة هذه الآلية لفض النزاعات الناشئة بين الزبون و مؤسسته البنكية، دون سلوك المساطر القضائية.

بعد التقرير الذي أنجزته مؤسسة الوساطة البنكية بمناسبة حوالي ثلاث سنوات تقريبا من اشتغال لجنة الوساطة البنكية تقريرا حول نشاط مؤسسته و يتضمن هذا التقرير إحصائيات بخصوص مختلف الشكايات التي عرضت على اللجنة .

و تشير الإحصائيات إلى أن المؤسسة توصلت خلال سنة واحدة بحوالي 427 شكاية ويضل هذا العدد هامشيا بالمقارنة مع العدد الهائل لزبناء المؤسسات البنكية و على الرغم من ذلك فقد توصلت لجنة الوساطة البنكية بشكايات من عدة مدن مغربية، كما توصلت اللجنة إلى معالجة حوالي 85% من الشكايات المعروضة عليها مما يدل على الآثار الإيجابية التي يخلفها[16] .

ومن خلال ما سبق يتضح أن الوساطة البنكية قد تمكننا من الحسم بأنها ذات خصوصية تجعلها مستقلة عن باقي الوسائل الأخرى، وذلك من خلال الآثار التي تنتجها (المطلب الأول) ،زد على ذلك أن تقييم تجربة الوساطة البنكية تجعلنا مقتنعين تماما من أهمية هذه الوسيلة (المطلب الثاني).

المطلب الأول : آثار اتفاق الوساطة في المعاملات البنكية

إن الوساطة البنكية وعلى غرار باقي الوسائل يرتب اتفاق عدة آثار، وبمعنى آخر قد تؤثر هذه الوسيلة سلبا أو إيجابا سواء على محاكم الدولة أو على الوسيط

 

الفقرة الأولى الأثر السلبي بالنسبة لمحاكم الدولة

إن الإشكال المطروح في مجال التأثير السلبي للوساطة على محاكم الدولة يتجلى في أنه إذا تم الاتفاق على الوساطة بصورة صريحة أو ضمنية بين الخصوم وجب عليهم تسوية النزاع بهذه الوسيلة مما يعني سلب الاختصاص من المحاكم الوطنية بالنظر في النزاع المتعلق بشأنه على الوساطة وهذا أكده الفصل 64-327 حيث جاء فيه ( يجب المحكمة المحال إليها نزاع في مسألة أبرم الأطراف في شأنها اتفاق الوساطة وفقا لمقتضيات هذا الفرع أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة[17].

وإذا كان الوسيط لم يعرض عليه النزاع بعد وجب على المحكمة أن تصرح بعدم القبول ما لم يكن اتفاق الوساطة باطلا بطلانا واضحا.

غير أن المحكمة لا يجوز لها في كلتا الحالتين أن تصرح تلقائيا بعدم القبول وبمفهوم المخالفة فلابد أن يطلب أحد الأطراف ذلك.

و في الحالة التي يكون فيها النزاع لم يعرض على الوسيط يجوز للمحكمة أن تحدد بطلب من الطرف الذي رفع الأمر إليها الأجل الأقصى الذي يجب أن تبدأ فيه الوساطة تحت طائلة بطلان الإتفاق[18].

الفقرة الثانية:الأثر الإيجابي بالنسبة للوسيط

إن أهم أثر يمكن أن ينتجه اتفاق الوساطة يتمحور حول الالتزام باحترام ما جاء في الاتفاق، فاتفاق الوساطة يلزم الأطراف بأن يعهد بالمنازعة الناشئة بينهم والمتفق على حلها بواسطة الوساطة إلى الوسيط وهو التزام يجب تنفيذه عينا ومن المسائل المستقرة و التي لا تثير جدلا، ويجد هذا المبدأ صداه في ميثاق الوساطة البنكية و الذي يجعل الوسيط في مكانة تجعله المسيطر على المنازعة وقت عرضها على أنظاره.

المطلب الثاني : تقييم تجربة مؤسسة الوساطة البنكية

لا شك أن الوساطة تلعب دورا مهما في التخفيف على جهاز القضاء من العبء الذي ينوء به بالنظر إلى العدد الهائل من القضايا ، خاصة منها القضايا المتعلقة بالمعاملات البنكية .

وإذا كانت الوساطة البنكية قد عرفت بالنظر إلى مزاياها انتشارا واسعا في أنظمة قانونية مقارنة ، فإنها أصبحت مهما اختلفت الآراء بشأن دورها و مدى ملائمتها للنسيج القانوني المغربي ولمكونات واقعه، تكتسي أهمية في حل النزاعات على أسس تخدم مصالح الأطراف بعيدا عن أحكام القضاء.

وعليه فمسألة نجاح الوساطة رهن بنقطتين أساسيتين ، تتعلق الأولى بوجود ترسانة قانونية متكاملة و محكمة ، تنظم آلية الوساطة ، لا تقبل التأويل أو التفسير الخاطئ ، أما الثانية فتتعلق بضمان تمثيل الزبون على مستوى لجنة الوساطة .

وبناءا على ذلك تقتضي دراسة هذا المطلب تقسيمه إلى فقرتين ، الأولى تتمحور حول تجربة الوساطة البنكية ، و الثانية تدور حول ضرورة إشراك جمعيات حماية المستهلك في عملية الوساطة .[19]

الفقرة الأولى : تجربة لجنة الوساطة البنكية

في خطوة وصفت بالمتأخرة انطلقت منذ دجنبر 2009 تجربة لجنة الوساطة البنكية ، يترأسها بنك المغرب لحل النزاعات المتعددة التي تقع بين الزبون و مؤسسته البنكية ، بشكل ودي و دون سلوك المساطر القضائية .

و رغم أن المبادرة خطوة أساسية في اتجاه تحسين العلاقة بين القطاع البنكي و زبنائه، إلا إن اعتماد هذه الآلية لم تصاحبه حملة إعلامية بحيث لم تبادر المؤسسات البنكية إلى شن حملات تواصلية للتعريف بهذه الآلية و مزاياها ما عدا بعض الخطوات المحتشمة، كالإشارة إليها في ورقة الكشوفات البنكية ، لكنها لم تولي الاهتمام اللازم لهذه الآلية و النتيجة إن لجنة الوساطة البنكية لم تتوصل بملفات كثيرة ، و ذلك بالمقارنة مع العدد الهائل من زبناء المؤسسات البنكية ، و قد فسر ذلك بجهل الكثير بهذه التجربة و ما تقدمها من خدمات .

و في هذا الصدد طلب والي بنك المغرب من الوسيط البنكي الانفتاح أكثر على الرأي العام، و التعريف بلجنة الوساطة البنكية التي تضم في عضويتها ممثلين عن القطاع البنكي ، و اطر لها دراية و تجربة في المجالين القانوني و القضائي .

و أبانت التجربة القصيرة للجنة أن نزاعات كثيرة تنشأ بين الزبون و مؤسسته البنكية ، تتعلق أساسا بإغلاق الحساب، خصوصا مع استمرار العديد من المؤسسات البنكية في مراكمة اقتطاعات على الزبون بعد طلبه إغلاق حسابه، حيث يفاجئ بعد مدة باحتساب البنك مبلغا كبيرا يمثل مجموع تلك الاقتطاعات لحساب كان يعتقد أنه نهائي.

كما أن المؤسسات البنكية تعتمد مسطرة مختلفة عن بعضها البعض في عملية إغلاق الحساب، و هو ما يخلف متاعب كثيرة للزبناء، و بالتالي تضيع معه حقوقهم  و لهذا تقرر إن تم خلق لجنة تحت إشراف المؤسسات البنكية كلها مع تحديد أجال صارمة لتنفيذ الإغلاق .

لكن و بالرغم ما سبق ذكره . فإن تجربة الوساطة البنكية حققت نتائج ايجابية و مهمة ، و الدليل ما أشارت إليه الإحصائيات السالفة الذكر في المطلب السابق ، بحيث تمكنت لجنة الوساطة البنكية من التوصل إلى حلول ودية لحوالي 85 في المائة من نسبة الشكايات المعروضة عليها، وهذا ما يؤكد فعالية هذه الآلية لفض هذا النوع من النزاعات .

و تعرف هذه الآلية إقبالا واسعا بعد اطلاع زبناء المؤسسات البنكية عليها، نظرا لما توفره من خدمات، و كذا بعد إدمجاها في النسيج القانوني و القضائي المغربي .

فتجربة الوساطة البنكية استطاعت إن تحد نسبيا من بعض الخروقات التي تمارسها بعض المؤسسات البنكية ضد زبنائها خاصة الدورية الصادرة عن بنك المغرب و التي حددت 16 خدمة مجانية تكون المؤسسات البنكية ملزمة بتقديمها لزبنائها، لكن الملاحظ أن بعض المؤسسات البنكية ما تزال تقتطع مبالغ مالية على هذه الخدمات .

و عموما فمسألة نجاح الوساطة البنكية رهين بتعميم هذه التجربة على كافة مؤسسات المؤسسات البنكية ، و توسيع نطاق القضايا التي مكن إن تبث فيها لجنة الوساطة البنكية ، دون إغفال نقطة أساسية و هي ضرورة تمثيل الزبون على مستوى هذه اللجنة .

الفقرة الثانية : ضرورة إشراك جمعيات حماية المستهلك في تجربة الوساطة البنكية

بالتمعن في تكوين لجنة الوساطة البنكية ، فإن أول ملاحظة يمكن إبدائها هي غياب أي تمثيلية للزبون في هذه التجربة باعتبارها طرفا أساسيا فيها .

وفي هذا الصدد دعت جمعيات حماية المستهلك في المغرب كل من بنك المغرب و المجموعة المهنية لبنوك المغرب إلى إشراكها في تجربة الوساطة البنكية للتدخل في النزاعات التي قد تنشأ بين الزبون و مؤسسته البنكية .

فقد توخى قانون حماية المستهلك، حماية هذا الأخير من العديد من الممارسات التي تشوب معاملاته مع الجهات المنتجة و قد حاول إرساء مقتضيات قانونية من شأنها ضمان حماية للمستهلك ، و من بين الأمور التي تم التركيز عليها هو مسألة الوساطة التي ستخلص المحاكم من مئات الملفات التي تعرض عليها يوميا .

و انطلاقا منه تبرز لنا الحاجة الملحة لضرورة إشراك جمعيات حماية المستهلك في تجربة الوساطة البنكية ، من اجل تطوير أدائها و ضمان فعالية أكثر .

وفي هذا السياق أكد رئيس جمعية مستهلكي الخدمات البنكية إلى إن عدم تطبيق بعض المؤسسات البنكية للقوانين المعمول بها في علاقتها بزبنائها ، رغم أنها واعية بأهميتهم بالنسبة لاستمرارها. وأكد إن جمعيته تقدم نفس الخدمات التي يقوم بها الوسيط البنكي .

و من جهة ثانية أكد السيد رئيس لجنة العقود و الالتزامات التابعة لجمعية حماية المستهلك بالجديدة إن 45 في المائة من شكايات المواطنين التي ترد على اللجنة تخص التي قروض السكن ، بحيث لا تراعي العديد من المؤسسات البنكية حالة العجز عن السداد التي قد تحدث للزبون أحيانا بسبب ظروف قاهرة كالتوقف عن العمل، و أضاف إن نسبة 35 في المائة تهم قروض السيارات[20] .

و يكمن المشكل أساسا في وجود فارق بين الثمن المعلن عند الاتفاق بين الزبون و البنك، و بين الثمن المدون في العقد ، و تم تفسير ذلك بأن الزيادة في الثمن المتفق عليه تخص صوائر الملف وهي أمور لم يخبر بها الزبون منذ البداية .

و بالرغم إن العديد من المؤسسات البنكية ترتكب خروقات في حق الزبناء ، دون إن يكون لهؤلاء سند يقف معهم للدفاع عن حقوقهم ، إلا إن جزءا من المسؤولية يقع على الزبناء الذين لا يبادرون إلى تنظيم أنفسهم في جمعيات للدفاع عن مصالحهم خلال المعاملات البنكية .

و إطلاقا منه تبرز الحاجة الأساسية لضرورة إدماج جمعيات حماية المستهلك في لجنة الوساطة البنكية نظرا للدور الذي يمكن إن تقوم به في توعية الزبناء ، بحقوقهم و الدفاع عن مصالحهم ، و كذا لإعطاء لجنة الوساطة البنكية مصداقية أكثر لتسهل أداء مهامها بشكل يضمن حقوق أطراف النزاع .

 

 

المبحث الثاني :علاقة الوساطة البنكية بالقضاء

إذا كانت الوساطة البنكية قد حققت نتائج ايجابية و محفزة في أنظمة قانونية و قضائية مقارنة ، فإن تهيئ المناخ المناسب بالمغرب و تحسيس المواطن سواء كان شخصا طبيعيا أو اعتباريا إلى جانب فعاليات المجتمع المدني و الفاعلين الاقتصاديين ، على سلوك هذه الوسيلة الودية و دفع الجهاز القضائي إلى اعتمادها بعد توسيع نطاقها و انفتاحها على قواعد العدالة و الإنصاف ، هذه الأسباب التي من شأنها إن تلعب دورا أساسيا في تخفيف العبء على الجهاز القضائي ، خاصة في القضايا التي لا تكتسي التعقيد ، و خاصة منها القضايا المتعلقة بالمنازعات البنكية ، حتى يتمكن من إيلاء الاهتمام اللازم للقضايا الأكثر تعقيدا ، و البث فيها بالسرعة و الفعالية المطلوبة ، و بالتالي تحقيق انتظارات و تطلعات المتقاضين[21].

 

المطلب الأول: واقع نظام الوساطة البنكية بالمغرب

تجدر الإشارة إلى إن اتخاذ قرار إدماج الوساطة عموما كوسيلة بديلة لحل النزاعات في النظامين القانوني و القضائي المغربي حاول الإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع .

و هكذا ثم اعتماد مبدأ الوساطة البنكية من اجل التوصل إلى حلول ودية للمشاكل التي قد تثور بين الزبناء و مؤسساتهم البنكية خلال المعاملات البنكية .

و تدخل هذه الآلية كما سبق ذكره في إطار الظهير رقم 169-07-1 الصادر بتاريخ 30 نونبر 2007 ، لكن اعتماد هذه الآلية تطلب وقتا من أجل القيام بالدراسات و الأبحاث اللازمة المتعلقة بإنجاز الاتفاقية بين البنوك التي بمقتضاها تلتزم بهذا المبدأ ، و كذا الميثاق الأخلاقي الذي يعد بمثابة القانون المنظم للوساطة البنكية ، و بعد المصادقة على كل هذه الوثائق التي تشكل الإطار التنظيمي للوساطة البنكية .

فقد تابع مسار المشروع مختلف مراحله التي سنحاول الوقوف عليها إلى إن أدرك مراحله النهائية التي سيقبل عليها النظام القانوني و القضائي المغربي من خلال تنظيم التحكيم و الوساطة الاتفاقية .[22]

و يمكن القول بأن التوجهات العامة و الخطوط العريضة التي سيقبل عليها النظام القانوني و القضائي المغربي من خلال تنظيم التحكيم و الوساطة الاتفاقية استنادا إلى مقتضيات القانون المذكور و تتمثل في : الإرادة السياسة التي تسرع إلى إيلاء الأهمية اللازمة للحلول البديلة و لمساطر الصلح و الوساطة في النزاعات .

التفكير في الإجراءات المواكبة و يدخل فيها الحرص على تحقيق الرهان بتشجيع اللجوء إلى هذه الوسائل.

الفقرة الأولى : مؤشرات الأخذ بنظام الوساطة

يلاحظ إن الاهتمام بالطرق البديلة لحل النزاعات و الوساطة الاتفاقية من ضمنها حظيت باهتمام السلطات العليا فتم التركيز عليها على اعتبار العناصر التالية :

– أن طرق العمل بالوسائل البديلة يجاري مسار عصرنة الجهاز القضائي

_أنها تدخل في إطار ما تسعى إليه الإرادة من رغبة في تطوير الوسائل البديلة لحل النزاعات.

و تتمثل بعض التوجهات الملكية في بعض الخطب و الرسائل الملكية و التي نذكر منه :

– الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول بتاريخ 9 يناير 2002 حول موضوع التدبير اللاتمركز للاستثمار ، حيث تضمنت اقتراح الحلول التوفيقية لحل منازعات الاستثمار

– الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة القضائية باكادير المؤرخ في 29 يناير 2003

– الرسالة الملكية الموجهة إلى مؤتمر 49لاتحاد المحامين العرب المنعقد أيام 1-3غشت 2005.

– الخطاب الملكي ل 20 غشت 2009 الذي رسم فيه الملك خارطة الطريق للإصلاح القضائي .

و يعتبر كذلك التصريح الحكومي للوزير الأول أمام البرلمان من بين المؤشرات الرسمية التي اتضح معها توجه العمل الحكومي نحو إقرار نظام للوسائل البديلة لفض النزاعات و كذا إبرام المغرب لاتفاقيات دولية في هذا المجال [23].

ومن هنا يمكن القول أن الإهتمام بهذا المجال بالمغرب آخذة في التطور، وذلك راجع بالأساس إلى إرادة سياسية واضحة في هذا الصدد.

الفقرة الثانية : ضرورة إدماج الوساطة البنكية في النظام القانوني المغربي

تم اعتماد تقنية الوساطة البنكية من أجل إيجاد حلول ودية للنزاعات التي قد تنشا بين الزبون و مؤسسته البنكية خلال المعاملات البنكية ، في إطار القانون 08-05، و كذا ميثاق الوساطة البنكية ، التي صادقت عليه المجموعة المهنية لبنوك المغرب، في إطار الوساطة الاتفاقية بهدف الرغبة في تجاوز التي تخلفها الأحكام و القرارات القضائية على علاقة الأطراف، وكذا ضمان السرعة و الفعالية في البث في النزاعات خاصة المتعلقة منها بالنزاعات البنكية .

و بالفعل انطلق العمل رسميا بهذا النظام في 7 دجنبر 2009 ، لكن من الملاحظ إن غالبية زبناء المؤسسات البنكية يجهلون هذه الآلية و فوائدها ، لأنها لم تكن مصحوبة بحملة إعلامية للتعريف بها و بمزاياها ، و من المنتظر إن تشهد إقبالا واسعا بعد اطلاع زبناء المؤسسات البنكية عليها. خاصة و إن النظام القانوني المغربي سار منذ سنوات خلت على إدخال هذه الآلية في نظامه القانوني ، و قد حققت نتائج مهمة في حل النزاعات بشكل ودي دون سلوك المساطر القضائية 52. خاصة و إن غالبية المنازعات البنكية لا تستدعي سلوك المساطر القضائية و يمكن التوصل بشأنها إلى حلول ودية .

والوساطة البنكية تمكن من إيجاد حلول ودية ، فعالة و سريعة ، فجل المؤسسات البنكية تتفادى عرض نزاعاتها أمام القضاء حفاظا على سمعتها التجارية في الأسواق المالية[24].

و أمام هذه الأهمية التي تكتسيها الوساطة في حل النزاعات المتعلقة بالمعاملات البنكية ، بات لزوما على المشرع التدخل من اجل مأسسة هذه التجربة ، و إدماجها في النظام القانوني المغربي بشكل مستقل ، و التنصيص على إلزامية سلوك هذه المسطرة .

بالإضافة إلى تعميم هذه التجربة لتشمل كافة مؤسسات الائتمان فإدخال الوساطة البنكية ضمن النسيج القانوني يضفي عليها القوة الإلزامية .

المطلب الثاني : دور القضاء في إنجاح تجربة الوساطة البنكية

لا شك أن من رهانات نجاح كل تجربة مؤسسة، على غرار تجربة إدماج الوساطة في النظامين القانوني و القضائي بالمغرب، عدم الاقتصار على الجوانب التي تعنى بالأرضية القانونية و التنظيم القضائي، بل لابد من ايلاء الجهة المعنية من قريب أو بعيد بتطبيق هذا التشريع الأهمية اللازمة، بما في ذلك الاهتمام بتفعيل دور القضاء في هذا التطبيق.

فالوساطة تلعب دورا مهما في تخفيف العبء على الجهاز القضائي خاصة في الجانب المتعلق بالمنازعات البنكية .

فالوساطة لئن كانت وسيلة ودية لحل النزاعات إلا إن لها صلة بالقانون و القضاء ، فمن حيث القانون لا يمكن إن تؤدي وظيفتها في النزاعات إلا في ضوء القانون ، على اعتبار إن الأطراف عليهم يدركوا حقوقهم حتى يتمكنوا من التمتع بها ، و من جهة القضاء يجب إن يحترم حدود القانون تحت طائلة بطلانه ، و إعطائها حجية الشيء المقتضي به حتى تصبح غير قابلة لا تعرض أو استئناف …

وأول سؤال يتبادر إلى الذهن ، و نحن بصدد الحديث عن الوساطة كوسيلة بديلة للتقاضي، و عن الدور الذي يمكن أن يقوم به في إغناء و تطوير هذه التجربة.

هذا يجرنا إلى الحديث عن نقطتين أساسيتين ، الأولى تهم دور القضاء قبل و أثناء الوساطة ، و الثانية تتمحور حول ضرورة تفعيل دور القضاء بشكل مباشر في نظام الوساطة البنكية .[25]

الفقرة الأولى : دور القضاء في تفعيل الوساطة البنكية

يلعب القضاء دورا مهما في تفعيل نظام الوساطة و الرقي بها ، و يتجلى هذا الدور في تشجيع – ولو بشكل ضمني – القضاء على سلوك مسطرة الوساطة البنكية ، تبديله لاتفاق الصلح بالصيغة التنفيذية.

و تشجيعا على اللجوء إلى الوساطة و تلافيا لأي غموض أو تضارب في العمل القضائي بشأن اللجوء إلى الوساطة ، رغم عدم وجود اتفاق وساطة فقد نص القانون على حلول واضحة بهذا الخصوص بمقتضى الفصل 64-327 من ق م م و يتم التمييز في هذا الصدد بين حالتين :

أولا: اللجوء إلى القضاء أثناء سريان مسطرة الوساطة

في الحالة التي يلجأ فيه أحد الطرفين إلى القضاء و الحال أن مسطرة الوساطة جارية التنفيذ، يجب آنذاك على المحكمة التي عرض عليها نزاع في مسألة ما ابرم بشأنها اتفاق وساطة أن تصرح بعدم قبول الدعوى، إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة، و يتعين أن يثير الطرف المعني الدفع بعدم القبول، مما يتبين معه أن المحكمة لا تثير المسالة تلقائيا لأنه ليس من النظام العام و قائم فقط على مصلحة الطرفين.

ثانيا: حالة اللجوء إلى القضاء قبل عرض النزاع على الوساطة :

إذا كان النزاع لم يعرض بعد على الوسيط، ورغم ذلك تم رفع القضية إلى القضاء، فإنه يجب على المحكمة أيضا أن تصرح بعدم القبول، هذا ما في خالة ما تبث للمحكمة كون اتفاق الوساطة باطلا بطلانا مطلقا، فإنها آنذاك تستمر في النظر في دعوى لانعدام موجب عدم القبول .

و في الحالة الثانية يتعين على المعني بالأمر أن يثير الدفع بعدم القبول ، و لا يجوز للمحكمة إن تصرح من تلقاء نفسها بعدم القبول .

كما أنه بالنسبة للحالة المذكورة للمحكمة إن تحدد بطلب من الطرف رفع الأمر إليها ، الأجل الأقصى الذي يجب إن تبدأ فيه الوساطة، تحت طائلة بطلان اتفاق الوساطة .

من هنا يجب تفعيل المحكمة لاتفاق الوساطة البنكية، و منحها الصيغة التنفيذية لتصبح قابلة للتنفيذ.[26]

الفقرة الثانية : ضرورة منح القضاء دورا مهما في تفعيل نظام الوساطة البنكية

تلعب الوساطة دورا مهما في تخفيف العبء على الجهاز القضائي، و التقليل من حجم القضايا المعروضة عليه .

لكن و بالرجوع إلى ميثاق الوساطة البنكية ، نجدها لم يحدد أي إشارة للدور الذي يمكن إن يطلع به القضاء في تفعيل اتفاق الوساطة البنكية ، مما يدفعنا إلى التفكير في مدى إلزامية القرارات الصادرة عن الوسيط، و فعالية نظام الوساطة البنكية عموما .

فباستثناء ما أكده ” الوسيط البنكي ” حول التزام البنوك بتنفيذ قراراته في الملفات التي قمتها عن 100.000 درهم ، لا توجد أي إشارة لمدى إلزامية قرارات الوسيط . مما يدفعنا إلى الرجوع إلى الواعد العامة التي أسندت في الفقرة 2 من الفصل 69-327 من ق م م ، مهمة النظر في طلبات اتفاق الصلح 57 الناتج عن الوساطة بالصيغة التنفيذية ، إلى رئيس المحكمة المختصة بالنظر في موضوع النزاع .[27]

و انطلاقا منه يجب منح القضاء نفس الدور في تجربة و ذلك عبر منحه الصيغة التنفيذية لاتفاق الصلح الصادر عن الوسيط ، و ذلك لمنح القرارات الصادرة عن الوسيط القوة الإلزامية .

و عليه فإن الجهة المختصة بالنظر في طلبات تذييل اتفاق الصلح بالصيغة التنفيذية مبدئيا هي المحكمة، وهي لا تنظر فيما يخص المقال إلا في الجوانب الشكلية دون المساس بالموضوع .حيث تتأكد من إن اتفاق الصلح مستوف لكل الشروط المنصوص عليها في القانون 08-05 وانه غير معيب أو مخالف للنظام العام .[28]

[1] – الفصل الأول من ميثاق الوساطة البنكية.

[2] _ الفصل الثالث من نفس الميثاق.

[3] – ظهير شريف رقم 169-07-1 صادر في 19 ذي القعدة 1428 موافق 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون 08-05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 5584 صفحة 3894 وما بعدها.

[4] _ لحسن بيهي ”الوساطة الاتفاقية في ضوء مشروع قانون 08-05” مقال منشور بمجلة الواحة القانونية العدد 3 ، ص 251.

[5] – بنسالم أوديجا ”الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض النزاعات”، دار القلم للنشر والطباعة، الطبعة الأولى، السنة 2009، صفحة: 10 -11.

[6] _ أمين علوي الكاموني، الوساطة البنكية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا و المعمقة، وحدة التكوين: المهن القضائية والقانونية، جامعة محمد الخامس السويسي الرباط، السنة الجامعية 2011 ، الصفحة10 .

[7] – لحسن بيهي ”الوساطة الاتفاقية في ضوء مشروع قانون 08-05” مقال منشور بمجلة الواحة القانونية العدد 3 ، صفحة 259.

[8] – بنسالم أوديجا ”الوساطة من الوسائل البديلة لفض النزاعات” مرجع سابق.صفحة 85

[9] – المادة 2 و 3 من ميثاق الوساطة البنكية.

[10] – المادة 6 من نفس القانون.

[11] – أمين علوي الكاموني، مرجع سابق، الصفحة22

[12] _ملخص لما جاء في مذكرة تقدم بها الوسيط محمد العلوي القاسمي لمؤسسة البنك الشعبي للوسط الجنوبي لأكادير

[13] -الوساطة البنكية، مقال منشور بالموقع الإلكتروني للعلوم القانونية marocdroit.com.

[14]  _الوساطة البنكية

[15]_تصريح للوسيط البنكي محمد علوي قاسمي، منشور بالموقع الإكتروني لجريدة الصباح بتاريخ 18أكتوبر2011

[16] _ الوساطة البنكية، مقال منشور بالموقع الإلكتروني للعلوم القانونية marocdroit.com

[17] _ الفصل 64-327 من القانون رقم08.05

[18] _أمين علوي الكاموني، مرجع سابق، الصفحة 43

[19] _أمين علوي الكاموني، مرجع سلبق، الصفحة45

[20] _ أمين علوي الكاموني، مرجع سلبق، الصفحة51

 

[21] فض المنازعات البنكية بين الوساطة والتحكيم، رسالة لنيل دبلوم الماستر،جامعة محمد الخامس السويسي، السنة الجامعية2008.2009، صفحة 89

[22] _قدم هذا القانون كمشروع أمام البرلمان لدراسته و مناقشته بعد ان اقتضت الملائمة السياسية عرضه في شكل مشروع قانون يقضي بنسخ الباب الثامن من الكتاب الخامس من ق م م بشأن التحكيم و الوساطة الاتفاقية فتمت المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين بتاريخ 22/05/2007 و من لدن مجلس النواب بتاريخ 18-07-2007

[23] أمين علي الكاموني ، مرجع سابق، الصفحة

[24] احمد اد الفقيه ” قراءة في مشروع قانون الوساطة بالمغرب مقال منشور في الندوة الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى ” الصلح و التحكيم و الوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ” الندوة الجهوية الحادية عشر العيون أيام 2 و 2 نونبر 2007 منشورات جمعة التكافل الاجتماعي للقضاة و موظفي المجلس الأعلى مطبعة الأمنية الرباط ص 446

[25]بنسالم اوديجا ” الوساطة كوسيلة لحل النزاعات ” مرجع سابق

[26] الفصل 69-327 من قانون المسطرة  المدنية.

[27] عبد اللطيف ادزي : ” الصلح القضائي في القانون المغربي بين التأصيل و التطبيق العلمي , الطبعة الأولى 2008 , المطبعة و الوراقة الوطنية مراكش ص 98

[28] يعرف الفصل 1098 من قانون الإلتزامات و  العقود على انه ” عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه , و ذلك بتنازل كل منهما للأخر عن جزء مما يدعيه لنفسه . أو إعطائه مالا معينا أو حقا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: