في الواجهةمقالات قانونية

الدكتور مصطفى الفوركي : انتخابات 2026: المغرب في حاجة إلى بديل يعيد الثقة إلى السياسة

انتخابات 2026: المغرب في حاجة إلى بديل يعيد الثقة إلى السياسة

بقلم: الدكتور مصطفى الفوركي

يدخل المغرب الأسابيع الأخيرة الفاصلة عن الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وسط سياق سياسي واجتماعي لا يسمح بالتعامل مع هذا الاستحقاق باعتباره مجرد موعد دوري لتجديد أعضاء مجلس النواب. فالمسألة اليوم أكبر من التنافس حول 395 مقعداً، وأعمق من سؤال الحزب الذي سيتصدر النتائج؛ إنها تتعلق بقدرة السياسة على استعادة ثقة المواطن، وبإمكانية تحويل الانتخابات إلى لحظة حقيقية للمحاسبة والاختيار وصناعة البديل.

وفق البرنامج الرسمي، يُفتح باب إيداع الترشيحات ابتداءً من 31 غشت، بينما تُجرى الحملة الانتخابية بين 10 و22 شتنبر، بمشاركة معلنة لسبعة وعشرين حزباً. غير أن وفرة الأحزاب والمرشحين لا تعني، في حد ذاتها، وجود تعددية سياسية فعالة. فالتعددية تقاس بتباين البرامج، ووضوح البدائل، ونزاهة المنافسة، وقدرة الناخب على التمييز بين من يريد خدمة الصالح العام ومن يتعامل مع الانتخابات باعتبارها طريقاً إلى النفوذ والامتياز.

أغلبية أنهكها صراع المواقع

كان يفترض في مكونات الأغلبية الحكومية أن تصل إلى نهاية الولاية وهي تدافع بصورة جماعية عن حصيلتها. لكن ما نشاهده اليوم هو انتقال سريع من خطاب الانسجام إلى تبادل الاتهامات بشأن استقطاب المرشحين والمنتخبين.

وقد اتهم التجمع الوطني للأحرار حليفه حزب الأصالة والمعاصرة باستعمال أساليب الترغيب والترهيب لاستمالة بعض أعضائه، بينما نفى المعنيون هذه الاتهامات وقدموا انتقالهم باعتباره نتيجة مراجعة سياسية وقناعة شخصية. وتزامن ذلك مع إعلان شغور أربعة عشر مقعداً بمجلس النواب بعد استقالات وتغييرات في الانتماء الحزبي، وفق ما تداولته الصحافة الوطنية والدولية.

بصرف النظر عن مسؤولية هذا الطرف أو ذاك، فإن ما يحدث يعيد إلى الواجهة ظاهرة «الترحال السياسي» وتحويل التزكيات إلى سوق موسمية. ولا يمكن مطالبة المواطن بالثقة في الأحزاب إذا كان بعض المنتخبين يغيرون انتماءاتهم قبيل الاقتراع، أو إذا أصبحت قوة الحزب تقاس بعدد الأعيان الذين يستطيع استقطابهم، لا بجودة مشروعه السياسي.

إن المعارضة المسؤولة مطالبة برفض هذه الممارسات داخل الأغلبية وخارجها. فلا معنى لانتقاد الترحال السياسي حين يكون في مصلحة الخصم، ثم تبريره عندما يخدم حساباتنا الانتخابية. تخليق السياسة يبدأ بوضع معايير شفافة لاختيار المرشحين، والكشف عن تضارب المصالح، وربط المسؤولية الحزبية بالمحاسبة.

الأرقام الحكومية والواقع الذي تعيشه الأسر

تقدم الحكومة حصيلتها باعتبارها مرحلة لتوسيع الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات وتسريع مشروعات الماء والبنية التحتية. ولا يمكن للمعارضة الجادة أن تنكر كل ما تحقق، لأن وظيفتها ليست إنتاج خطاب عدمي، بل قياس النتائج بالوعود والاعتمادات المرصودة والأثر الذي وصل فعلياً إلى المواطنين.

المشكلة الأساسية أن المواطن لا يعيش داخل العروض الحكومية، وإنما يختبر السياسات العمومية في فاتورة الغذاء والسكن والنقل، وفي فرصة العمل، وفي المدرسة والمستشفى.

صحيح أن المندوبية السامية للتخطيط سجلت خلال يوليوز 2026 انخفاضاً سنوياً بنسبة 0.6 في المائة في مؤشر الأسعار، مدفوعاً بتراجع أسعار المواد الغذائية. لكن هذا التحسن الظرفي لا يمحو سنوات من تآكل القدرة الشرائية، كما لا يعني أن دخل الأسر استعاد تلقائياً ما فقده بسبب موجات الغلاء السابقة.

أما التشغيل، فيظل من أكثر الملفات إلحاحاً. فبحسب المنهجية الجديدة للمندوبية، بلغ المؤشر المركب للبطالة الصارمة والقوة العاملة المحتملة خلال الفصل الثاني من 2026 نحو 14.7 في المائة، وارتفع إلى 37.6 في المائة لدى الشباب بين 15 و24 سنة، وإلى 24.2 في المائة لدى النساء. كما توقعت 57.2 في المائة من الأسر التي شملها بحث الظرفية ارتفاع البطالة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.

هذه المؤشرات تقول إن أزمة الثقة ليست نتيجة خطاب المعارضة أو ضعف التواصل الحكومي وحده؛ إنها مرتبطة أيضاً بصعوبة الحصول على عمل لائق، وبشعور فئات واسعة بأن ثمار الاستثمار والنمو لا تصل إليها بالسرعة والعدالة المطلوبتين.

سبتة: عندما تتحول الهجرة إلى رسالة سياسية

أعادت محاولات الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة ملف الشباب إلى قلب النقاش الوطني. وقد قدمت وزارة الداخلية تفسيراً يقوم على تداخل عدة عوامل، مع التشديد على مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتنسيق مع الشركاء وحماية الحدود.

لكن المعالجة الأمنية، رغم ضرورتها لحماية الأرواح والنظام العام، لا تكفي وحدها. فحين يخاطر شاب بحياته في البحر، لا يجوز أن نكتفي بسؤال من حرّضه عبر مواقع التواصل؛ بل ينبغي أن نسأل أيضاً عن الظروف التي جعلته مستعداً لتصديق الوهم والمغامرة بمستقبله.

إن الهجرة غير النظامية ليست رقماً حدودياً فحسب، بل مؤشر على أزمة أمل وانتماء وثقة. والجواب السياسي الحقيقي عنها يبدأ من التشغيل والتعليم والعدالة المجالية، ومن فتح المؤسسات أمام الشباب، لا من استدعائهم فقط خلال الحملات الانتخابية.

نزاهة الانتخابات تتجاوز يوم الاقتراع

تم تفعيل لجان مركزية وجهوية وإقليمية لتتبع الانتخابات ورصد المخالفات وتحريك الأبحاث والمتابعات عند الاقتضاء. كما وضعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قواعد لضمان التعددية والحياد الإعلامي، ومنع الدعاية الانتخابية المقنّعة والمحتويات الزائفة المنتجة بالذكاء الاصطناعي.

إنها خطوات ضرورية، لكنها تحتاج إلى تطبيق صارم ومتساوٍ. فنزاهة الانتخابات لا تقتصر على حماية صناديق الاقتراع؛ بل تشمل شفافية التمويل، وتكافؤ الولوج إلى الإعلام، وحياد الإدارة، ومنع استغلال النفوذ والمال والمساعدات الاجتماعية، والتصدي للتضليل الرقمي.

كما يتعين نشر المعطيات المتعلقة بالمخالفات والإجراءات المتخذة بشأنها بالقدر الذي يسمح به القانون. فالشفافية هي أفضل وسيلة لحماية المؤسسات من الإشاعات ولإقناع المواطن بأن صوته لن يتحول إلى مجرد رقم في عملية محسومة سلفاً.

معارضة تقترح ولا تكتفي بالاحتجاج

المغرب لا يحتاج إلى معارضة ترفع مستوى الغضب فقط، ولا إلى أغلبية تعتبر كل انتقاد تشويشاً على المنجزات. المطلوب بديل سياسي واضح، قابل للقياس والمحاسبة، يقوم على أولويات محددة:

أولاً، إطلاق برنامج استعجالي للتشغيل، خصوصاً لفائدة الشباب والنساء، مع توجيه الدعم إلى المقاولات التي تخلق وظائف مستقرة، بدل الاكتفاء بإحصاء فرص مؤقتة وهشة.

ثانياً، حماية القدرة الشرائية من خلال تقوية المنافسة، ومراقبة مسالك التوزيع والاحتكار، وتقييم برامج الدعم على أساس أثرها الفعلي في الأسعار.

ثالثاً، إعادة الاعتبار إلى المدرسة والمستشفى العموميين، وتقليص الفوارق بين الجهات، حتى لا تتحول جودة العلاج والتعليم إلى امتياز مرتبط بالدخل أو بمكان الإقامة.

رابعاً، إخضاع المشاريع الكبرى، بما فيها الاستعدادات لمونديال 2030، للشفافية والمراقبة البرلمانية. فنحن نريد إنجاح هذا الاستحقاق الدولي، لكن النجاح لا يقاس بجمالية الملاعب وحدها؛ بل أيضاً بما تتركه الاستثمارات من نقل عمومي وفرص عمل وتجهيزات يستفيد منها المواطن بعد انتهاء التظاهرة.

خامساً، تجديد النخب الحزبية وإفساح المجال للكفاءات والشباب والنساء، بعيداً عن منطق توريث المواقع وإعادة تدوير الأسماء نفسها تحت ألوان حزبية مختلفة.

من أجل تعاقد سياسي جديد

تظل قضية الصحراء والوحدة الترابية موضع إجماع وطني، وقد تعزز الموقف المغربي بتجديد الولايات المتحدة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي واعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. غير أن قوة المغرب في الخارج تحتاج كذلك إلى جبهة داخلية متماسكة، ومؤسسات تحظى بالثقة، وتنمية يشعر المواطن بعدالتها.

انتخابات 23 شتنبر ليست مناسبة لتوزيع الوعود من جديد، بل موعد لمحاسبة الحكومة على ما التزمت به، ومساءلة المعارضة عن البديل الذي تقترحه، ومطالبة الأحزاب جميعاً بالكشف عن مرشحيها ومصادر تمويل حملاتها وبرامجها القابلة للقياس.

من زاوية معارضة وطنية ومسؤولة، لا يكفي أن يتغير اسم رئيس الحكومة أو ترتيب الأحزاب. المطلوب تغيير طريقة ممارسة السياسة نفسها: من منطق التدبير المغلق إلى المشاركة، ومن هيمنة الأعيان إلى التنافس بالكفاءة، ومن استعراض الأرقام إلى قياس الأثر الاجتماعي، ومن الوعود الموسمية إلى تعاقد واضح مع المواطنين.

إن استعادة الثقة لن تتحقق بخطاب واحد، ولكنها تبدأ حين يشعر المغربي بأن صوته حر، وأن اختياره مؤثر، وأن المسؤول الذي لم يفِ بالتزاماته يمكن أن يغادر منصبه بواسطة صناديق الاقتراع. عندها فقط تصبح الانتخابات مدخلاً للإصلاح، لا مجرد محطة لإعادة ترتيب المواقع.

مصادر المعطيات: البوابة الرسمية للانتخابات التشريعية، المندوبية السامية للتخطيط: سوق الشغل، مؤشر الأسعار خلال يوليوز 2026، قواعد التعددية الإعلامية خلال الانتخابات، بلاغ تتبع الانتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

https://dolanlink.com/

https://dolankumau88.com/

https://opalsaya88.com/

https://gokumania88.com/

https://gokunih.com/

https://opalkhusus01.org/

https://opalsaya89.com/

https://opalutama.com/

https://skwslot.net/

https://cairbos569.com/

https://cairbosjp.com/

https://caiboswild.com/

https://cairbos.net/