التحكيمفي الواجهةمقالات قانونية

تقرير خاص بالجلسة النهائية من برنامج شذرات فكرية رمضانية بعنوان المقر الوهمي للتحكيم من إلقاء فضيلة الدكتور رياض فخري من إعداد إبتسام الشرقاوي

تقرير خاص بالجلسة النهائية من برنامج شذرات فكرية رمضانية بعنوان المقر الوهمي للتحكيم من إلقاء فضيلة الدكتور رياض فخري

من إعداد إبتسام الشرقاوي

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه تخصص القانون الجنائي للأعمال

بمختبر البحث قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول سطات

تقديم خاص بشذرات فكرية رمضانية، في إطار رسالتها العلمية الرامية إلى نشر الثقافة القانونية وتعزيز النقاش الأكاديمي الرصين، يقوم المركز الدولي للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية ومجلة الرائدة في العلوم القانونية ومجلة القانون والأعمال الدولية بشراكة مع مختبر البحث اقلاع: القانون، الفلسفة والمجتمع جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سلسلة من اللقاءات العلمية بتنظيم برنامج “شذرات فكرية قانونية”، الذي أضحى موعدًا سنويًا مميزًا خلال شهر رمضان المبارك، على امتداد ستة مواسم متتالية.

لقد شكل هذا البرنامج منصة فكرية خصبة، جمعت نخبة من الباحثين والأكاديميين، وأسهمت في إثارة قضايا قانونية راهنة برؤى تحليلية معمقة، مما عزز من دينامية البحث العلمي، وربط بين المعرفة النظرية والتحديات العملية التي يفرضها مجال قانون الأعمال في سياق وطني ودولي متجدد.

وإن الاستمرارية التي حققها هذا البرنامج طيلة ستة مواسم تعكس نجاحه في ترسيخ تقليد علمي متميز، قائم على الحوار والتبادل المعرفي، كما تؤكد على أهمية المبادرات الأكاديمية الهادفة في الارتقاء بالبحث القانوني وتوسيع آفاقه.

شذرات فكرية رمضانية هو برنامج رمضاني من تنسيق الفريق الخاص بالمجلة الدولية لقانون الأعمال التابعة لمختبر البحث قانون الأعمال بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة الحسن الأول سطات – المغرب من تنسيق وتقديم الدكتور مصطفى الفوركي رئيس المركز الدولي للدراسات القانونية والاقتصادية والإجتماعية

كلمة الأستاذ مصطفى الفوركي:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، أيها الإخوة الكرام الأخوات الفاضلات السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يسعدني أن أرحب بكم مجددا في هذا الفضاء العلمي الرمضاني الجامع، والذي أصبح بفضل تفاعلكم وحضوركم المتميز، موعدا راسخا في وجدان كل المهتمين بالشأن القانوني والفكري، إنه الموسم السادس من برنامج شذرات فكرية رمضانية، ذلك الموعد الذي نحرص فيه كل عام على الجمع بين بهجة الروح في هذا الشهر الفاضل وغداء العقل في نقاش علمي الرصين، ها نحن اليوم في حلقتنا العاشرة والأخيرة من هذا الموسم نواصل هذا المسار بخطى ثابتة وطموح متجدد اخترنا الليلة أن نتوقف عند موضوع يعد من أكثر المواضيع القانونية دقة وحساسية في منظومة التحكيم التجاري المعاصر موضوع يثير جدلا فقهيا حقيقيا على مستوى الفقه والقضاء والممارسة ويطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الإرادة التعاقدية ومدى اعتداد القانون الدولي الخاص بالمقر الصوري أو الوهمي موضوعنا الليلة هو المقر الوهمي للتحكيم، نعم، في علم يتسارع في التحكيم الرقمي وتعبر فيه النزاعات التجارية الحدود بلا قيود فباتى من الشائع أن يتفق الأطراف على مقر للتحكيم، لا تعقد فيه أي جلسة ولا تمارس فيه أية إجراءات فعلية، فأين يقع القانون من هذا الواقع وما مصير الأحكام الصادرة في ظل هذا الفراغ الجغرافي المصطنع لم تظهر إشكالية المقر الوهمي من فراغ بل جاءت نتاج طبيعيا لتحولات عميقة شهدتها بيئة التحكيم الدولي من رقمنة الإجراءات وتطور المؤسسات الخاصة بالتحكيم وتنامي اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني العابر للحدود وفي هذا السياق وجد المحكمون والقضاة أنفسهم أمام معضلة حقيقية هل يكفي الاتفاق على مقر للتحكيم دون ممارسة فعلية فيه لإضفاء الشرعية القانونية للحكم السابق، ما الأثر على تحديد قانون التحكيم الواجب التطبيق، وكيف تتعامل المحاكم الوطنية مع طلبات تنفيذ الأحكام الصادرة، هاته إشكاليات جوهرية تستحق وقفة علمية متأنية ونقاش معمق بعيدا عن السطحية والعمومية مايميز هذا الموضوع ويجعله جديرا بالدراسة والنقاش هو أنه يقع عند تقاطع ثلاث محاور كبرى المحور القانوني للبحث إذ يمس قواعد الإسناد وتنازع القوانين ويعيد طرح السؤال الكلاسيكي حول العلاقة بين الإرادة التعاقدية وسيادة الدولة المحور الاقتصادي والتجاري لأن اليقين القانوني في مألات أحكام التحكيم هو شرط أساسي لثقة المستثمرين وانسياب التجارة الدولية أما بالنسبة للمحور المؤسساتي والمتعلق بدور مؤسسات التحكيم الدولية كغرفة التجارة الدولية مثلا والمركز الدولي لتسوية نزاعات الإستثمار في ضبط هذه الظاهرة وتقنينها وللخوض في غمار هذا الموضوع الشائك يشرفني أن أرحب بضيفي الليلة وأقول يشرفني بكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى عميق وصادق إنه الأستاذ الدكتور رياض فخري مدير مختبر البحث قانون الاعمال بجامعة الحسن الأول بسطات والمحكم والوسيط المعتمد دوليا.

أستاذي الفاضل، يسعدنا اليوم أن تكونوا ضيفنا في هذه الأمسية العلمية وأن نعود إلى هذا الفضاء الذي طالما جمعنا بالعلم والنقاش البناء، أهلا وسهلا بكم وننتظر بشوق إضاءاتكم القيمة التي نعرف مسبقا أنها ستثري النقاش وتنير المتابعين.

ختاما، أتمنى لكم جميعا ليلة علمية مثمرة وأن يوفق الله الجميع لما فيه الخير والنفع إليكم الكلمة أستاذنا الدكتور رياض فخري.

كلمة فضيلة الدكتور رياض فخري: مدير مختبر البحث قانون الأعمال – جامعة الحسن الأول بسطات محكم ووسيط

شكرا جزيلا، الدكتور مصطفى الحقيقة أن من يشرفني كل الشرف أن أكون ضيف في برنامج شذرات ويكفي أن يقال في البرنامج أنه عمر لمدة ستة سنوات وبرنامج علمي رصين مرتبط بمجلة علمية رصينة مرتبط بمختبرات متعدد ومجلات متعددة على مستوى الوطني، برنامج يستضيف قمات علمية من مختلف الدول العربية وليس فقط من المغرب برنامج يطرح مواضيع ذات قيمة مضافة لاشك أنها مطلوبة على مستوى البحث العلمي طبعا تعجز الكلمات لتنويه بكل ما تقومون به الدكتور مصطفى الذي منذ بداية العلاقة الاكاديمية معكم يعني توطدت علاقة إنسانية قبل أن تكون علاقة علمية وعلاقة إنسانية أنتجت مانراه اليوم ماشاء الله من قدرة على تدبير وتسيير مجلة علمية والإرتقاء بها إلى مستوى العالمية وحصولها على الكثير من الإعتمادات الدولية الرصينة ذات القيمة العلمية الكبيرة أنتجت أيضا ماتقوم به من خلال هذه الصفحة في مواقع التواصل الاجتماعي وماتقومون به في المجلة كذلك من مداخلات علمية أنا جد فخور بهذه العلاقة وجد فخور بتواجد أمثالكم إلى جانب زملاء أخرين طبعا في الحياتي العلمية والأكاديمية موضوع اليوم في الحقيقة صدفة وليس بشئ كان مدروس مسبقا يأتي بعد مجموعة من الحلقات التي مرت هذه السنة في برنامج شذرات كلها حول موضوع التحكيم مررنا بالتحكيم الرياضي تم ندوة من حلقتين حول جوانب مختلفة من التحكيم، اليوم نتطرق إلى أحد الموضوعات التي في الحقيقة لازالت تطرح الكثير من النقاش ليس فقط الفقهي بل هو نقاش علمي أولا ونقاش أيضا عملي ويطرح العديد من الإشكالات في الممارسة إن كان على المستوى الوطني أو الدولي موضوع مقر التحكيم بإعتباره مقرا وهميا أو مقرا حقيقيا يجد مجاله الخصب في مجال التحكيم الدولي لكن هذا لا يمنع من أن نجد له أثر أيضا وإشكالات يطرحها أيضا بالنسبة للتحكيمات الوطنية في حالات معينة وربما سنمر على بعض النقط فيها إرتأينا الحديث في هذا الموضوع لتوضيح أو المشاركة في النقاش الذي يتلبس به إن كان على المستوى الفقهي العلمي وإن كان على المستوى الممارسة من خلال بعض المحامين والمحكمين الذين يطرحونه في المؤتمرات العلمية المتخصصة التي تعقد هنا وهناك على المستوى الدولي لكن دعوني في البداية لكي نوضح الأمر بالخصوص لمن هم ليس بالقانونين ويحضورون معنا هذه الجلسة العلمية ولكن لديهم بعض الدراية ربما الغير المعمقة في مجال التحكيم أن نوضح ما المقصود أساسا بمقر التحكيم ونقارنه بمفهوم أخر قد يسمعون عنه وهو مكان التحكيم إذا لدينا مفهومان يفرضان نفسيهما في مجال التحكيم وفي مجال وهما مقر التحكيم ثم مكان التحكيم مفهومان قانونيان اختياريان أحيانا يحددان القانون الذي قد يحكم أحيانا التحكيم فبالتالي قبل المدي قدما في مناقشة التفاصيل الموضوع دعونا نوضح هذاين المصطلحين الذين نستخدمهما أحيانا بشكل عام وبالتالي نبحث عن معناهم المادي الجغرافي القانوني وخصوص عندما يتعلق الأمر بالموقع القانوني للتحكيم فإما أن تتم الإشارة إليه صراحتا أو تستخدم كلمة المقر وبالتالي فهاذين المصطلحين عندما يستبدلان بعضهما قد يطرحان مجموعة من الإشكاليات مقر التحكيم عموما يعني المكان الذي عادة مايختاره خصوم ليكون مكان قانونيا وأسط تحت مكان قانوني لنزاع التحكيم مقر له تأثير بالضرورة على مدى سلاسة إجراءات العمليات التحكيمية ويؤثر أيضا على حدود ضمان أو مستوى ضمان تنفيذ الحكم التحكيمي دون عوائق من مستوى متحكم فيه أو عوائق كبيرة بحسب مانحن بصدد في هذه العلاقة مقر التحكيم أيضا هو محدد أساسي للجهة القضائية المختصة بنظر الطعن ببطلان في الحكم التحكيمي في الكثير من القوانين الوطنية التي تحكم العملية التحكيمية وأخيرا مقر التحكيم يظل طبعا في نهاية الأمر فكرة قانونية مجردة وليست فكرة مادية ستتضح هذه المسألة في ماإذا كان الأمر فعلا يتعلق بفكرة قانونية بعيدا أن تكون فكرة مادية أما مكان التحكيم لكي يفهم الحضور الكريم هو ذلك الموقع الحقيقي المادي الجغرافي الذي يختاره الأطراف أو أحينا المحكمون أو أحيانا هوما معا لعقد كل أو بعض جلسات التحكيم أو حتى أحيانا فقط من أجل توقيع الحكم التحكيمي وبالتالي فلا أثر قانوني لإختياره على المساءل القانونية الإدارية المتعلقة بالتحكيم وغالبا مايتم يعني اختيار هذا المكان أي مكان التحكيم لأسباب مختلفة كلها قد يكون فقط مجرد سهولة الوصول إلى هذا المكان بالنسبة لجميع الأطراف وبالنسبة للهيئة التحكيمية أو أحيانا يتم إختياره لقلة التكلفة التي تنجم عن هذا التحديد بالذات أي التكلفة التي يتحملها الأطراف في التنقلات في الإقامة في مجموعة من الأمور الأخرى التي قد تصاحب العملية التحكيمية سبب ثالث أيضا عادة ما يبرر اختيار مكان للتحكيم وهو الأماكن أو الدول التي توفر تسهيلات أحيانا من الطبيعة التنظيمية اللوجيستيا أفضل يعني سهولة الحصول على الفيزا تواجد فنادق مريحة تواجد قاعات تواجد إمكانية سهلة للتواصل أو مع الخارج مما يتطلب الأمر لوجيستيا مفهوم مقر التحكيم بالمقارنة مع مكان التحكيم لازال مفهوما يطرح نقاشا حادا لأسباب حقيقة ليس أقلها مجموعة من العواقب والتحديات المرتبطة به فعلى الأقل الخلط بين مقر التحكيم ومكان التحكيم عند البعض وعدم فهم الحدود الفاصلة بين هاذين المكانين وبالتالي القول أحيانا بأن المكان مكان التحكيم له أثار قانونية قد تجب للأثار القانونية للتحكيم وهذا الخلط يعني توضيحه يعطي أهمية كبيرة جدا للنقاش حول مقر التحكيم ثم ثانيا وهذا الأمر مهم جدا أيضا القانون واجب التطبيق على إجراءات التحكيم قضاء الإرتكاز المختص محكمة البطلان المختصة هذه كلها أمور ترتبط إرتباطا وثيقا بمقر التحكيمة وليس بمكان التحكيم وبالتالي توضيح مامفهوم مقر التحكيم وتميزه عن مكان التحكيم يحمل من الأهمية بمكان بهذا الصدد. فمقر التحكيم مهم بشكل خاص لأنه غالبا مايؤدي إلى تطبيق قانون مكان التحكيم لأننا كما هومعلوم ومعروف في هذا الصدد بالذات بالسند واجب التطبيق في مجال التحكيم فإن السؤال التقليدي هو ماإذا كانت إجراءات التحكيم التي سنتطبق على العكلية التحكيمية يحكمها ماذا هل هو قانون مقر التحكيم بمعنى مبدأ إقليمية والحقيقة نجد بعض الدول التي ذهبت في هذا الإتجاه أم أنه القانون الذي يختاره الأطراف وهو الذي تسميه الكتابات الفقهية تسميه مبدأ الإستقلالية بين هذين الإختيارين تبرز بالدرجة الأولى أهمية مقر التحكيم بإعتباره المكان الذي يفترض أن تنعقد فيه جلسات التحكيم لأنه عندما يختاره الأطراف في الوهلة الأولى يختارونه إنطلاقا من رغبتهم في ان يكون في الأصل هو المكان الذي ستنعقد فيه جلسات التحكيم وبالتالي يجمع بين الصفتين في الأصل المقر والمكان أيضا الأهمية تتأتى من كما أشرت بعد قليل إلى أنه المكان الذي يلجأ فيه إلى القضاء هذا القضاء بإعتباره مايسمه الفقه بقضاء الإرتكاز والذي نلجأ إليه عادة لمساعدة الهيئة التحكيمية في مجموعة من الأمور التي تتخذها وتقوم بها لاتستطيع إنفاذها إلا من خلال اللجوء ‘لى القضاء المختص أيضا مقر التحكيم هو المكان الذي يطبق قانونها التحكيم إذا لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك كما سنرى بالتفصيل أكثر بعد قليل أيضا هو المكان الذي سيطبق قانونه الإجرائي بشكل عام إذا لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك مرة أخرى هو المكان الذي يفترض أيضا أن يصدر فيه الحكم التحكيمي هو المكان الذي سيختص قضاؤه بالنظر في الطعن ببطلان الحكم التحكيمي الصادر في هذا النزاع وفي هذا المكان بناءا عليه يتحدد ما إذا كنا إيضا أمام تحكيم وطني أو تحكيم أجنبي يعني كل هذه الأهمية لمقر التحكيم تدفعنا إلى طرح سؤاليين لكي نفهم هذين المصطلحين كيف يحدد مقر التحكيم في القوانين المختلفة من المقبول عموما أن مقر التحكيم بإعتباره تلك الصلة بين الهيئة التحكيمية والقانون الوطني هو أن الصلة تنشأ بإرادة الأطراف مدام الأطراف هم من يختار المقر وبالتالي فأغلب القوانين تبعت القانون النموذجي للتحكيم في منح الأطراف حق إختيار مكان التحكيم وإذا لم يتفق طبعا الأطراف على خلاف ذلك فيكون للهيئة التحكيمية المشرف المغربي له نفسه في المادة 32 خصص فقرة كبيرة جدا لهذا الأمر وقال فيها لأطراف التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم داخل المملكة المغربية أو خارجها فإذا لم يوجد إتفاق حددت الهيئة التحكيم وأعطاها مجموعة من المؤشرات والمعاير التي يمكن أن تستعين بها الهيئة التحكيمية من أجل أن تحدد مقر التحكيم.

السؤال الثاني الذي يرتبط بالموضوع هو كيف تحدد القانون الواجب التطبيق على التحكيم أغلب القوانين تنص على مايسمى بمبدأ الإقليمية في تحديد القانون الواجب التطبيق على التحكيم بمعنى أن القانون الدولة التي تعتبر مقرا للتحكيم هو القانون واجب التطبيق على إجراءات التحكيم في حذ ذاتها طبعا بعض القوانين حاولت أن تجمع بين المبدأين مبدأ الإقليمية ومبدأ المعيار إرادة الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم وإحتكمت في ذلك قانون النموذجي حول التحكيم التجاري الجديد لكن هذا المفهوم والذي أتمنى أن يكون الأن واضحا بالنسبة لكم وواضح الفرق بين المقر وبين المكان التحكيم في دراسة بعض حالات التحكيم وبعض أنواع النزاعات نطرح من خلال شكلين حدثين من خلال التحكيم يمكن أن ألقي من خلالهما الضوء على إمكانية التشكيك في مدى وجود مقر حقيقي للتحكيم وكذلك المؤشر على تطورات جديدة تلحق ببعض المفاهيم المرتبطة بالتحكيم من بينها مفهوم المقر ومفهوم مكان التحكيم سنأخذ نموجين أحدهما سالف النقاش منذ حلقات قليلة في هذا البرنامج وهو نموذج التحكيم الرياضي حيث تعتبر المحكمة التحكيم الرياضي في سويسرا هي التي تحكم في مقرها بغض النظر عن المكان الحقيقي التي تتم فيه إجراءات التحكيم الفعلي ويوم أمس المغرب يعيش صدور الحكم الإسثئناف الذي إستعادة من خلال المغرب كأس إفريقيا للأمم وهو موضوع طرح من خلال الحكم الصادر اسثئنافيا أمام هيئة قضائية تحكيمية في المجال الرياضي القاري والخصوم هم بصدد إسثئناف هذا الحكم أمام هذه المحكمة التي سنتحدث الان عن إختصاصها وعلاقتها بالموضوع الذي نحن بصدد مناقشته.

النموذج الثاني يتعلق بالتحكيم عبر الأنترنت التحكيم الإلكتروني لنتخيل تحكيما يتم فيه تقديم الدعوى والمرافعات اللاحقة وتبادل الوثائق عن طرق البريد الإلكتروني عن طريق المنصات الإلكترونية حيث تتبع الأوامر الإجرائية وغيرها من الاتصالات نفس المسار الإلكتروني ويتم فيه حتى الإستماع للشهود والى الأطراف وإلى المرافعات عن طريق الفيديو والمؤتمرات تواصل الفيديو وحيث تعقد أيضا أحيانا بعض الجلسات الإجرائية في شكل دردشات إلكترونية وهي أمور طبعا المشرع المغربي في النسخة الحديثة من قانون التحكيم الأخيرة قد صرح بكل هذه الحالات ما يلفت النظر في التحكيم عبر الانترنيت هو عدم وجود أي مكان مادي للعمليات الإرائية وبالتالي يزداد هذا الأمر لفتا للنظر إذا كان خصوص قانون المنطبق على إدراءات التحكيم سيعتمد في معظم الأحيان على مكان أو مقر التحكيم كيف سنحل هذا الأمر دعونا نبدأ بالتحكيم في المنازعات الرياضية الجميع يعلم طبعا أن محكمة التحكيم الرياضية المسمات بالطاس هي مؤسسة تحكيم مكرسة لحل بعض أنواع النزاعات المتعلقة بالرياضة والحقيقة تعرض على هذه المحكمة فئتين من المنازعات وبعد ذلك تفاصيل أخرى.

أولا هناك المنازعات الناشئة عن العقود التجارية المتعلقة بالرياضة مثل عقود الرعاية ثم لدينا من ناحية أخرى الطعن في قرارات الهيئات الرياضية وهذه الفئة الثانية هي التي يدخل ضمنها موضوع الحالة المغربية التي تحدثنا عنها منذ قليل مقر هذه المحكمة الرئيسي يوجد في سويسرا وإن كان لديها بعض المكاتب لامركزية بعضها ولاية المتحدة الأمريكية وبعضها في استراليا مكاتب أحيانا توفر بعض الخدمات اللجستيا للإجراءات التي يراد لها أن يتم محليا لكن مع ذلك هذه الأماكن مراكز غالبا ما تدار بشكل مباشر وكامل بالتشاور مع المقر الرئيسي بالإضافة إلى ذلك أحيانا ماتنشأ محكمة التحكيم الرياضية هاته هيئة خاصة خلال بعض الأحداث الرياضية الكبرى مثل الألعاب الأولبيا مهمتها تتمثل في حل بعض المنازعات التي بسرعة المنزعات التي قد تنشأ بمناسبة هذه الألعاب في نفس الوقع الذي تحدث فيه هاته الألعاب من حيث المستوى العملي في غضون المدة الأخيرة تمت تجربة هذا الأمر في أكثر من مرة لأول مرة كانت في 1996 في أطلنتا تم بعد ذلك في 1998 في دورة ألعاب وهاته الهيئة تحاول أن تصدر أحكامها في مدة قصيرة وأجل قصير لايتعدى 24 ساعة وغالبا ماتسمى بالغرفة الحرة الغير المنتظمة.

القواعد التي تحكم هذه المحاكم هي قواعد تسوية المنازعات التي تنشأ أثناء الألعاب المختلفة والتي وضعتها طبعا محكمة التحكيم السويسرية قواعد الغرفة المخصصة الغير منتظمة وهي موجودة ولكن إلى جانبها أيضا مدونة التحكيم العامة المتعلقة بالمنازعات الرياضية، كل العمليات التحكيم التي تتخذ يتم إجرائها من قبلا محكمة التحكيم الرياضية مباشرة من مقرها الرئسي بإعتبارها المقر القانوني للتحكيم بغض النظر على المكان الفعلي الذي تجري فيه فعليا وينطبق ذلك طبعا بغض النظر عما إذا كان ذلك التحكيم يدار حصريا من قبل المقر نفسه أو من قبل المكاتب لامركزية التي تحدثنا عنها والأسباب التي دعت في الحقيقة سويسرا أو هاته المحكمة إلى اتخاذ هذا القرار لجعل مقر التحكيم دائم في سويسرا لخصتها في ثلاث أسباب.

السبب الأول: اعتبرت أن من خلال اختيار مقر وحيد فإن جميع العمليات التحكيم ستخضع في المحكمة التحكيمية الرياضية لنظام إجرائي موحد لايشمل فقط القواعد هذه المؤسسة في حد ذاتها بل يشمل أيضا القانون الوطني السويسري وبالتالي سيؤدي برغم من حركية الألعاب وتواجدها في مناطق مختلفة وتغيير هاته المواقع بحسب إختيار الإماكن التي تجري فيها فإن المقر الواحد سيضمن استقرار الإطار القانوني الذي يحكم المنازعات.

السبب الثاني: هو أنها ارتأت الأمر يتوافق على نحوي ما من حيث الإجراءات مع المعاير الموحدة التي تحكم المنافسات الرياضية في حد ذاتها بمعنى مادام ان المنافسات الرياضية تحكمها نفس القواعد الأخلاقية العملية التدبيرية القواعد اللعبة بما انها هي واحدة على المستوى العالم بغض النظر عن المكان الذي تلعب فيه، تكريس هذا الأمر يستدعي تكريس التعامل مع المنازعات التي تحدث بسببها خصوص في إطار مقر الحكم.

السبب الثالث: هناك توافق مع القانون المنطبق مع جوهر المنتزع فموجب يعني قواعد الغرف الحرة غير المنتظمة التي وضعتها تحكم في مثاق الأولمبي قواعد القانون التي ترى هاته الهيئة ضرورة تطبيقها.

يؤدي إختيار مقر واحد بالنسبة لهذا الأمر جميع عمليات التأكيد في المحكمة الدائمة إلى جانب جعل القواعد الإجرائية متماشية مع هذا القانون الموضوعي العالمي الذي يقترب من التوحد على المستوى العالمي.

هناك نقطة جد مهم يثيرها الموضوع مسألة الطعن ببطلان أمام محاكم الدولة وبسبب هذا الأمر سبب دعوى البطلان يبرز بعض الأسئلة ترتبط بعلاقة المقر بهذه المسألة.

أولا: هل ستتولى المحكمة الاتجارية السويسرية العليا الإختصاص القضائي دائما بالنظر في دعاوى البطلان الأحكام التحكيمية التي تصدر عن هذه المحكمة على الرغم من أن التحكيم بأكمله قد جرى خارج سويسرا.

اعتمادا على الإجابة التي سنختار لهذه الأسئلة يمكن أن ينشأ بالنسبة لنا مجموعة من التنازع أحيانا قد يكون إيجابيا وأحيانا قد يكون سلبيا لمسألة الإختصاص القضائي بخصوص بحيث إذا كان تنازعا سلبيا فسيؤدي ذلك إلى حرمان الأطراف أو أحدهما على الأقل من إمكانية الطعن في قرار التحكيم أما إذا كان التنازع ذو الطبيعة إيجابية فسيؤدي إلى ان نكون أمام قرارات متناقضة تصدر عن أكثر من جهة قضائية قضاء الجهة السويسرية والجهة التي كان يوجد فيها مقر التحكيم الحقيقي والذي تمت فيه الإجراءات.

خلاصة مقهوم المقر في تحكيم المنازعات الرياضية هي انه إذا ماتجاوز موضوع الإختصاص القضائي لمحاكم الطعن فإن التحكيم الرياضي يمثل في حقيقة الأمر المثال الأنسب والملفت للنظر لأنه يظهر بالملموس أن مقر التحكيم يمكن فعلا أن يصبح مجرد خيال محض لكن طبعا للأسباب قد تبدوا أحيانا مشروع كما أشرنا إليه منذ قليل، دعونا الان نغادر الملاعب والألعاب نحو فضاء أخر قد يكون أوسع وأرحب وتغيب فيه الحدود فعليا وهو الفضاء الإلكتروني الذي سيوفر لنا مثال اكثر خصوصية فيما يتعلق بالمقر الوهمي للتحكيم منذ قليل ذكرنا في المقدمة أن إجراءا من إجراءات التحكيم يتم عن طريق الشبكات التواصل الإلكترونية في عالم لايمكن أن نصفه إلا بالوهمي والغير واقعي ومع ذلك بعض الأساليب تسوية المنازعات في هذا المجال أصبحت تجد مجالا للوجود ولن تخرج إلى الوجود بالفعل في مجالات محددة معينة على سبيل المثال هناك ما أصبح يسمى القاضي الإفتراضي الذي يديره معهد الفضاء الإلكتروني والرابط الأمريكي للتحكيم وهو إجراءات التحكيم المخصص لحل النزاعات التي قد تحدث بين مشغلي الأنظمة ومستخدمي الخدمات عبر الأنترنت والذين يزعمون أنهم قد كانوا ضحايا لرسائل غير مشروعة مثال أخر مهم جدا فيما يتعلق بالمجال الإلكتروني وهو تتم فيه تسوية المنازعات عبر الأنترنت كألية وهو ماوضعته المنظمة العالمية للملكية الفكرية لتسوية المنازعات بالخصوص المتعلقة بأسماء نطاقات الانترنت بحيث ان هذه المنازعات الناشئة عن تسجيل هذه الأسماء الجديدة تخضع لمجموعة من الإجراءات.

يطرح سؤال مهم اين يتم التحكيم عبر الأنترنت فعلا؟ الإجابة قد تكون بالنسبة للبعض سهلة في الفضاء الإلكتروني وهي قد تبدو إجابة مريحة ولكنها في الحقيقة خاطئة لأنه تسوية الفضاء الإلكتروني لانعرف المكان المادي ملموس قد نطلق عليه الفضاء الإلكتروني هو فقط يعني شبكة أو شبكات اتصالات سلكية أو لاسلكية إذا أين هو هذا لا مكان هل هو المكان الذي يتصل فيه الأطراف ويشاركون في العملية التحكيمية بالشبكة يعني قد يكون هذا حلا ربما ولكن من الصعب ومن غير المحتمل أن يوفر هذا الحل بسبب التعدد الكبير في بعض الحالات تعدد الأطراف وتعدد أفراد الهيئة التحكيمية وبالتالي لايمكن ان يوفر حالا لتحديد القانون الوطني واجب التطبيق على إجراءات التحكيم لأن يجب ان نعرف أي من هذه الأماكن سيكون هو ذلك المكان الذي سنعتمده كمعيار لتحديد القانون الوطني واجب التطبيق انطلاقا من هذا السؤال وهذه الحيرة يفقد المفهوم التقليدي للمقر في مجال التحكيم معناه وخصوص عندما يتعلق الأمر بشبكات الكترونية فهذا المقر يفترض مسبقا المكان والمسافات والأراضي الحدود إلا غير ذلك من المعاير والمحددات والعناصر التي نعتمدها للقول بوجود مقر ما وبالتالي حتى أردنا القول ببقاء المبدأ الإقليمي موجودا بإعتباره هو المؤشر على تحديد هذا القانون فليس أماما خيار أخر سوى افتراض مكان قانوني والذي هو في الحقيقة سيكون مكانا وهميا في جوهره ولكن إرادة الأطراف يمكن أن تختار مكانا أخر تعتبره المكان المقر وإن كان لا صلة له بهذا المجال,

السؤال المطروح كيف تتعامل الإجراءات القاضي الإفتراضي والمنظمة العالمية الفكرية مع هذه المسألة بالذات الإجراءات القاضي الافتراضي الموجودة بالولايات المتحدة الأمريكية إنها تلتزم الصمت في الحقيقة قواعدها المنظمة تلتزم الصمت بشأن هذا الموضوع ومع ذلك تشير أحيانا بشكل عام إلى قواعد التحكيم التجاري لجمعية التحكيم الأمريكي ولمؤسسة التحكيم والتي يمكن أن نجد فيها أحيانا طريقة أو وسيلة لتحديد مكان التحكيم ما لم تتفق الأطراف عليه فبموجب القواعد قانون الحماية الملكية الفكرية أيضا يمكن للمنظمة العالمية للملكية الفكرية التي يقع مقرها في جنيف أن تحدد هي نفسها المقر شريطة أن يكون في سويسرا. بعبارة أخرى فإن الإجراء الذي لايوجد في مكان مادي فهو في الحقيقة يرتبط بشكل تعسفي إلى حد ما بوضع هذه الوضعية قد لاترتبط أحيانا بطرف ما من أطراف الإجراءات التحكيمية. كخلاصة للتعبيرعن الإشكالية التي نحن بصدد بحثها في هاتين الحالتين من النزاع، هناك النزاعات الإلكترونية والنزاعات الرياضية يتبين أن اعتبارات التي تميل إلى جعل مقر التحكيم يصبح أكثر خياليا ولاصلة له ماديا بالضرورة بالمكان الحقيقي الذي تجري فيه العمليات التحكيم على الرغم من أن الموقع المادي في معظم عمليات التحكيم أحيانا يتطابق مع الموقع القانوني الذي اختاره الأطراف هكذا اذا يتم أحيانا الجمع بين النقيضين.

الحقيقة نجد التحكيم عبر الانترنت لايقتصر على الإجراءات التي تتم بالكامل عبر الشبكات وتديرها أحيانا مؤسسات متخصصة تقنيا وقانونيا وعلميا وعمليا في هذا الموضوع بل نجد في بعض العمليات التحكيم التقليدية التي نجريها كمحكمين حيث بدأ الجميع يستخدم وسائل الإتصال الإلكترونية أحيانا جزئيا أحيانا كليا من خلال ارسال المستندات من خلال عقد بعض الإجتماعات دون البعض الأخر رفع المذكرات التوصل بالمذكرات إلى غير ذلك أحيانا حتى الإستماع إلى شهود لأنه أصبح لدينا بعض المؤسسات أو المنصات التقنية التي توفر مستوى عالي جدا، يبقى السؤال عما اذا كان يمكن فصل التحكيم عن أي قانوون وطني.

في النهاية نعتقد أن هذا الدور يتراجع بشكل كبير جدا وما طرحناه منذ قليل من ملاحظات يمكن أن يفسر هذا التراجع من خلال مايلي:

أولا: نعتبر ان الموقع الجغرافي لم يعد له معنى كبير في ماأصبحنا نطلق عليه القرية العالمية لأن الأنشطة التي تؤدي إلى نشوء النزاعات أصبحت بطبيعتها معولمة.

ثانيا: المواقع الإلكترونية المقصود بها مقر المحكمة تسير على خطة العولمة التي تحدثنا عنها من خلال قبول المقر كخيال منفصل عن الموقع المادي للتحكيم خصوص عندما يختاره الأطراف بدل المكان الحقيقي الذي تجري فيه العملية التحكيمية ككل .

أتمنى أن أكون قد بسطت الأمر حتى أصبح واضحا بالنسبة لمن يحضر معنا هذا اللقاء.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى