في الواجهةمقالات قانونية

 ألية الدفع بعدم الدستورية في ظل أحكام القانون العضوي18/16

 ألية الدفع بعدم الدستورية في ظل أحكام القانون العضوي18/16

دكتور : شامي يسين ،أستاذ محاضر ” أ ”

المركز الجامعي تيسمسيلت/الجزائر

ملخص

بعد صدور التعديل الدستوري لسنة 2016 سمح المؤسس الدستوري للمتقاضين بالدفع بعدم دستورية النص التشريعي في حال كان ماسا بحقوقهم وحرياتهم التي يضمنها الدستور وعليه فقد أصدر مؤخرا القانون العضوي 18/16 المتضمن شروط وكيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية وهو القانون الذي سمح بمعرفة كيفية قيام المتقاضين بممارسة حقهم في رفض تطبيق التشريع الذي يمس بحقوقهم وحرياتهم الاساسية.

Abstract

After the constitutional amendment of 2016, the constitutional founder allowed the litigants to pay for the unconstitutionality of the legislative text in the case of Massa’s rights and freedoms guaranteed by the Constitution and has recently issued Organic Law 18/16 containing the terms and modalities of application of the payment of unconstitutionality which allowed the law to know how the litigants exercise their right In rejecting the application of legislation affecting their fundamental rights and freedoms.

كلمات مفتاحية :   الدفع ، عدم الدستورية ، قانون عضوي ، نظام التصفية ، الرقابة على دستورية القوانين

مقدمة :

تقوم الرقابة على دستورية القوانين بشكل عام والدفع بعدم دستورية القوانين بشكل خاص على مبدأ الشرعية الدستورية والتي تعنى أن يكون الدستور بحسبانه القانون الأسمى في البلاد وهو المرجع لتحديد مؤسسات الدولة واختصاصات هذه المؤسسات والقائمين بتمثيلها والمعبرين عن ارادتها .

وتجسيدا لهذا الإتجاه استحدث المؤسس الدستوري الجزائري بموجب التعديل الدستوري لسنة 2016 ألية جديدة للرقابة على دستورية القوانين حيث أنه تماشي مع المؤسس الدستوري الفرنسي والذي استحدث هذه الألية بموجب التعديل الدستوري الصادر بتاريخ 23 جويلية 2008 والذي أضاف المادة 61/1 حيث احالت هذه المادة كيفيات وشروط تطبيقها إلى القانون العضوي والذي صدر في 10 ديسمبر 2009 والذي قام بتسمية ألية الدفع بعد الدستورية بـ:” مسألة الأولوية الدستورية” La question prioritaire de constitutionnalité

وقد أصدر المشرع الجزائري في الفترة الاخيرة القانون العضوي 18/16 المحدد لشروط وكيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية وهو القانون الذي بموجبه وضح بشكل كاف النسق الاجرائي الذي ستسري عليه أحكام الدفع بعدم الدستورية من خلال 04 فصول و24 مادة و التى تعتبرا مكملا وموضحا للمادة 188 من دستور سنة 2016

و ينبنى على هذا أن  هذه الآلية أعطت حق إحالة القوانين غير الدستورية على المجلس الدستوري  إلى المتقاضين  من خلال قانون الدفع بعدم الدستورية، مما يشكل ثورة في الحقوق والحريات الفردية ونقلة نوعية وخطوة حاسمة في النظام الدستوري الجزائري من خلال التوجه نحو الرقابة القضائية على دستورية القوانين،

وعليه فالإشكالية المطروحة هي : ما هو النسق الاجرائي الذي إعتمده المشرع الجزائري للبت في الدفع بعدم دستورية القوانين ؟

المبحث الأول مفهوم ألية الدفع بعدم الدستورية

يعتبر الدستور القانون الاسمى في الدولة وسموه من الخصائص الرئيسية لقيا م دولة القانون والتي تعتبر من مقتضيات الديمقراطية الفعلية وحتى يتحقق هذا السمو لابد له من وسائل وأليات ولعل من ابرزها مسألة الرقابة على دستورية القوانين والتي بدورها تتحقق بمكانيزمات خاصة لعل أهمها هو الدفع بعدم الدستورية

المطلب الأول : نشأة فكرة الدفع بعدم الدستورية

إن فكرة الرقابة الدستورية عن طريق الدفع ظهرت للأول مرة في الولايات المتحدة الامريكية[1] ،ومنها انتشرت إلى العديد من دول العالم فعلى الرغم من ان الدستور الاتحادي للولايات المتحدة الامريكية لم ينص في أي من مواده او تعديلاته على حق المحاكم في رقابة دستورية القوانين فقد اعطى القضاء الأمريكي لنفسه الحق في ذلك على إثر حكم مشهور صدر عن رئيس المحكمة الاتحادية العليا ” جون مارشال” في الثالث(03) من فيفري من سنة 1803 وذلك في قضية ” ماربوري ضد ماديسون” وقد بدأت احداث هذه القضية بعد إنتخابات الرئاسة التي جرت في شهر نوفمبر من عام 1800 والتي هزم فيها الرئيس “جون أدامز” والذي كان من حزب الاتحاديين وإزاء هذه النتيجة شعر الاتحاديون ان جهودهم التي توجوها بالموافقة على دستور سنة 1789 والتي حاولوا فيما وسعهم لتدعيمها خلال فترة حكمهم قد غدت مهددة بالانتكاس على يدي جيفرسون -والذي كان من الجمهورين المعارضين للاتحاديين – وعملا بالقاعدة الدستورية التي تقر بأنه لا يتولى رئيس الجمهورية الجديد مهام منصبه إلا في (04) الرابع من مارس من السنة التالية أي سنة 1801 فقد قرر الاتحاديون ألا يفوتوا هذه الفرصة بأن لا يتركوا مناصبهم حتى يعززوا انفسهم في بعض المراكز الحكومية الثابتة بمن يحمل لواء سياستهم بمن يستطيع الوقوف في وجه الرئيس والكونجرس الجديدين واتجهت انظارهم بصفة خاصة إلى “السلطة القضائية ” لما تتميز به مناصبها من الثبات والاستقرار وكان على رأسها المحكمة العليا وكان على رأسها حينذاك القاضي ” أوليفر ايلزورث” والذي استخلف في تلك المرحلة بـ” جون مارشال” ووافق مجلس الشيوخ على هذا الإستخلاف ومنه بدأ تخطيط الاتحادين للسيطرة على السلطة القضائية فعمدوا إلى تعديل قانون السلطة القضائية  ،وأصدر الكونجرس قبيل انفضاضه عام 1801قانونا جديـدا لتنظيم تلك السلطة تضمن فيما تضمنه إنشاء ست محاكم إقليمية جديدة  واقتضى إنشاء تلـك المحـاكم تعيين ستة عشر قاضيا  جديدا  للعمل فيها كما خول الكونجرس للرئيس أن يعين عددا ً آخر مـن قضـاة المحاكم الجزئية -قضاة الصلح- للعمل في مقاطعة كولومبيا  وأخيرا نص القانون على إنقاص عدد قضاة المحكمة العليا من ستة إلى خمسة حتى لا تمنح الحكومة الجديدة فرصة تعيين عضـو جديد في تلك المحكمة إذا عاجلت المنية أحد أعضائها خلال حكم جيفرسون وأنصاره وكان طبيعيـا  أن يسارع الرئيس آدمز إلى شغل هذه المناصب بعدد من أنصاره ذوي الترعة الاتحادية فاختار لهذه الوظائف الجديدة عددا  من الشيوخ والنواب الذين  لم يقدر لهم النجاح في الانتخابات الجديدة.[2]

وفي سنة 1789أصدر الكونغرس الأمريكي قبل انحلاله قانونا جديدا لتنظيم السلطة القضائية وقد قضى بانشاء (06) محاكم اقليمية جديدة وتعيين (16) قاضيا جديدا للعمل بها كما خول الكونجرس كذلك للرئيس أن يعين عددا اخر من قضاة المحاكم الجزائية – قضاة الصلح- للعمل في مقاطعة كولومبيا واخيرا نص قانون المحكمة الاتحادية العليا على إنقاص عدد القضاة من ( 06) الى (05) قضاة .

وقبل يومين من إنتهاء مدة ولاية الرئيس” أدامز “وقع على قرارات تعيين (42) قاضي صلح في مقاطعة كولومبيا من المناصريين للفكر الاتحادي وفي اليوم الموالي صادق مجلس الشيوخ على تلك التعيينات – وهو ما عرف بتعيينات منتصف الليل أو قضاة منتصف اليل-

إلا أن الرئيس أدامز نسي في تلك الفترة تسليم قرارات التعيين لبعض القضاة ومنها قرار تعين ” ويليام ماربوي” والذي ارتبط اسمه فيما بعد بمسألة الرقابة على دستورية القوانين ،وعند تسلم الرئيس الجديد لمنصبه طلب “ماربوري ” ولثلاثة من زملائه من أصحاب تلك القرارات من ” جيمس ماديسون” وزير خارجية الرئيس الجديد تسليمهم قرارات التعيين ليتسنى لهم الالتحاق مناصب عملهم لكن الوزير “ماديسون” رفض ذلك بناء على توجيهات من الرئيس “جيفرسون” فقام” ماربوري” وزملاءه برفع دعوى أمام المحكمة العليا والتي عين لها رئيس جديد وهو ” مارشال”

طالبين إصدار أمر قضائي لوزير الخارجية “ماديسون” يلزمه بتسليم “ماربوري” ورفاقه قرارات تعينهم وقد أسسو مطالبهم تلك على الفقرة 13 من قانون السلطة القضائية والتي تمنح المحكمة العليا سلطة اصدار أمر قضائي يلزم مسؤولا عاما بأن يؤدي مهمة رسمية لا خيار له فيها ،وفي ديسمبر 1801 اجتمعت المحكمة الاتحادية العليا وفي جدول قضاياها دعوى ” ماربوري ضد ماديسون” وفي خضم الظروف السياسية المشحونة بين الاتحادين والجمهورين في تلطك الفترة كان على ” مارشال” أن يصدر حكمه في القضية الا أنه لم يرد أن يبدأ بصدام بين المحكمة الاتحادية العليا والادارة والذي كان متأكدا من رفضها لقرار يلزمها وهو ما سيؤدي إلى هز مكانة المحكمة في هذه الحالة وفي نفس الوقت لم يكن يريد الانسحاب والظهور بمظهر المهزوم ،وفي ظل هذا الصراع ظهرت براعة القاضي ” مارشال” وقدرته القانونية والسياسية فلم يقضي لماربوري بتسليم قرار تعيينه ، وفي نفس الوقت لم ينصاع للإدارة بحقها في رفض التسليم.

فأصدر حكما يقضي بأحقية “ماروبوي” ورفاقه في التعيين ولكن رفض طلبهم بأن تأمر المحكمة بتسليم قرارات التعيين .[3]

وجاء هذا الرفض مبنيا على إعتبار عدم دستورية الفقرة الثالثة عشر من قانون السلطة القضائية لعام 1789 التي منحت المحكمة العليا سلطة اصدار مثل هذه الاوامر ،واستقر لعد ذلك ومن سنة 1830 قضاء المحكمة العليا وقضاء المحاكم الولايات على حقها في النظر في دستورية القوانين ومازالت الأسباب التي استند اليها قاضي القضاة مارشال في قضية “ماربوري ضد ماديسون” تمثل حجر الأساس الذي تعتمد عليه المحاكم الامريكية في قضائها في هذا الموضوع.

بل إن القضاة في كثير من البلاد التي لم ينظم فيها الدستور طريقا لمراقبة الدستورية نهجت الى حد كبير النهج الذي اتبعه مارشال في تسبيبه لحكمه.

ومن بين ما جاء في اسباب ذلك الحكم التاريخي وأصبح بعد ذلك ميراثا قضائيا عاما

” أما أن يكون الدستور هو القانون الأسمى الذي لا يقبل التعديل بالوسائل العادية واما يوضع الدستور على ذات المستوى مع الأعمال التشريعية العادية التي يستطيع المشرع العادي ان يغيرها كلما اراد وعلينا أن نختار ”

حتى أنه ومنذ نهاية القرن التاسع عشر  وحتى سنة 1936 من القرن الماضي توسعت المحاكم الأمريكية في مباشرة هذه الرقابة توسعا دعي إلى القول ” ان الولايات المتحدة الامريكية لا يحكمها السياسيون في البيت الابيض والكونجرس وإنما يحكمها القضاة المحكمة العليا “[4]

المطلب الثاني : ألية الدفع بعد الدستورية وأحكامها

تتميز هذه الألية والتي تعتبر أحد أليات الرقابة على دستورية القوانين بأنها وسيلة دفاعية من جانب أصحاب الشأن حيث يتم الدفع بعدم دستورية القوانين بمناسبة دعوى مرفوعة أمام القضاء ، كما أنها تتميز بأن مهمة القاضي حين تيقنه من مخالفة النص التشريعي للحريات العامة المذكورة في الدستور تقتصر على الإمتناع عن تطبيق الحكم التشريعي في الدعوى المعروضة أمامه دون الذهاب إلى إلغاءه وبالتالي فيضل القانون ساري المفعول .

الفرع الأول :مدلول ألية الدفع بعدم الدستورية

الدفع بعدم الدستورية هي صورة من صور الرقابة على دستورية القوانين وهي في هذه الحالة لا تجيز للمتضرر -الأطراف- من القانون المفترض فيه مخالفة الدستورية باللجوء مباشرة الى المجلس الدستوري بل يشترط وجود دعوى قضائية قائمة منظورة أمام القضاء العادي أو الإداري .

 

أولا : تعريف الدفع

يقصد بإصطلاح الدفع بمعناه العام [5] ،جميع وسائل الدفاع التي يجوز للخصم الإستعانة بها للإجابة على دعوى خصمه بقصد تفادي الحكم لخصمه بما يدعيه، او تأخير هذا الحكم سواء أكانت هذه الوسائل موجهة إلى الخصومة أو بعد  اجراءاتها، او موجهة الى أصل الحق المدعى به، أو إلى سلطة الخصم في استعمال دعواه منكرا إياها.

فالدفع بهذا المعنى حق أساسي من حقوق الدفاع للخصم، ووسيلة المدعى عليه للرد على المدعى تمكينا له من الاعتراض عليها او على إجراءاتها،[6] فأي نزاع قضائي مطروح على إحدى المحاكم او الهيئات ذات الاختصاص القضائي ،فعلى هذه المحكمة أن تفصل فيه وفقا لنصوص قانونية  ،والدفع بعدم الدستورية أو نص من نصوص القانون يدخل ضمن الدفوع الفرعية في القوانين الاجرائية وهي تلك الدفوع التي تستهدف تأجيل الخصومة او وقفها لحين الفصل في مسألة اولية يتوقف عليها الفصل في موضوع النزاع أو بمعنى اخر ان يكون الفصل في هذه المسألة التي يتضمنها الدفع لازمة لكي تتمكن المحكمة التي تنظر الموضوع من الحكم في الدعوى.[7]

ثانيا : تعريف الدفع بعدم الدستورية بموجب القانون 18/16

الدفع بعدم دستورية القوانين هو منازعة قانون ساري المفعول وذلك بمناسبة نزاع معروض أمام القضاء لا يعتبر مطابقا للدستور وقصد التأكد من ذلك تتم إحالته على رقابة المجلس الدستوري للنظر في ذلك باعتباره صاحب الاختصاص الاصيل .

فقد نصت المادة 02 من القانون العضوي 18/16 المتضمن شروط وكيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية على أنه “يمكن اثارة الدفع بعدم الدستورية في كل محاكمة امام الجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي العادي والجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي الاداري

من قبل أحد اطراف الدعوى الذي يدعى أن الحكم التشريعي الذي يتوقف عليه مأل النزاع ينتهك الحقوق والحريات التي يتضمنها الدستور.”

وعليه فان الدفع بعدم الدستورية هو نوع من الرقابة تتم بعد دخول القانون حيز النفاذ ويدفع به احد الاطراف في قضية معروضة امام القضاء كوسيلة للدفاع عن نفسه بحجة أن الحكم التشريعي الذي ينوى القاضي تطبيقه في القضية ينتهك الحقوق والحريات التي يتضمنها الدستور ،عندها يوقف القاضي النظر في النزاع على أن يحال القانون على المجلس الدستوري  الذي يبت يبت بقرار معلل وتكون الاحالة من طرف المحكمة العليا واو مجلس الدولة بحسب طبيعة النزاع .[8]

الفرع الثاني : شروط الدفع بعدم الدستورية

اعترف المؤسس الدستوري في التعديل الدستوري لسنة 2016 للمواطنين بإمكانية ولوجهم الى المجلس الدستوري عن طريق التصفية القضائية عندما يتم انتهاك حقوقهم الاساسية ويتعلق نظام احالة الدفع بعدم الدستورية من قبل جهات النقض الى القضاء الدستوري عبر عملية التصفية اما ببت محكمة الموضوع في جدية الدفع المثار في القضية المعروضة امامها اذا اثير هذا الدفع لأول مرة امام قضاة الموضوع فاذ تبين لهم جديته أوقفوا النظر في الدعوى ورفعوا الدفع الى جهات النقض  -مجلس الدولة /المحكمة العليا –

وهذه الاخيرة بدورها تبت في جديته من جديد وتحيل الدفع الجدي الى القاضي الدستوري .[9]

بما أن مسألة الدفع بعدم الدستورية الية تمكن مبدئيا جميع الافراد من تحريك الرقابة الدستورية عند انتهاك نص تشريعي ما حقوقهم و حرياتهم الاساسية بمناسبة نزاع قائم امام القضاء فقد الزم القانون العضوي الجديد 18/16اشراك القضاء في الحالة طلبات الدفوع بعدم الدستورية ، لكن عملية الاحالة لاتتم إلا بعد التحقق من شروط صحة الدفوع وفحص مدى جديتها لتتفادى الطلبات الكيدية التي تهدر غاية وجدوى الدفع بعدم الدستورية .

وعليه فان القانون العضوي 18/16 المتضمن كيفيات شروط الدفع بعدم الدستورية قد جاء بالمادة 08 والتي نصت على أنه ” يتم إرسال الدفع بعدم الدستورية إذا تم استفاء الشروط الأتية :

  • أن يتوقف على الحكم التشريعي المعترض عليه مأل النزاع او يشكل أساس المتابعة
  • ألا يكون الحكم التشريعي قد سبق التصريح بمطابقته للدستور من طرف المجلس الدستوري باستثناء حال تغير الظروف
  • أن يتسم اولجه المثار بالجدية

يضاف إلى هذه الشروط الشرط الذي اتت به المادة 06 من القانون العضوي 18/16 والتي نصت على أنه ” يقدم الدفع بعدم الدستورية تحت طائلة عدم القبول بمذكرة مكتوبة ومنفصلة ومسببة”

بالإضافة إلى الشرط المذكور في المادة 02 من نفس القانون والتي اشترطت أن يرفع الدفع من أحد أطراف النزاع

أولا : الشروط الشكلية

  • تفعيل ألية الدفع من أحد اطراف النزاع

نصت المادة 02 من القانون 18/16 على أنه ” يمكن اثارة الدفع بعدم الدستورية في كل محاكمة أمام الجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي العادي والجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي الاداري

من قبل أحد اطراف الدعوى الذي يدعى أن الحكم التشريعي الذي يتوقف عليه مأل النزاع ينتهك الحقوق والحريات التي يتضمنها الدستور”

كما أن المؤسس الدستوري الجزائري قد نص في الفقرة الأولى من نص المادة 188 من التعديل الدستوري لسنة 2016 على أن يتم الدفع من أحد الاطراف .

وينبني على هذا ويقوم عليه أن ارتباط الدفع بأحد اطراف الدعوى بشكل عام هو أن الأطراف التي يمكنها استعمال هذا الحق هم جميع الاشخاص المرتبطين مسار هذه الدعوى مهما كانت مراكزهم أي مدعى أو مدعى عليه شرط قيام شرط المصلحة الشخصية للمعنى في الدعوى أو النزاع القائم وعلاوة على ذلك فانه ليس ثمة داع لإقامة تميز بين راشد أو قاصر أو مواطن او رعية اجنبية كما يمكن أن يكون شخصية طبيعية او معنوية  ،ومنه فانه لا يمكن لأي شخص خارج الخصومة أن يثير الدفع بعدم الدستورية .

كما تجدر الإشارة الى أن نص المادة 04 من القانون 18/16 قد نصت على أنه “لا يمكن أن يثار الدفع بعدم الدستورية تلقائيا من طرف القاضي”.

وبالتالي فقد استبعد القانون القضاء من حق اثارة الدفع حيث أنه لا يمكن للقاضي من تلقاء نفسه أن يثير هذا الدفع لأنه ليس طرفا في النزاع أو الخصومة القائمة وهو ما أخذ به المشرع الفرنسي في القانون 2009/1523 المنظم لشروط تطبيق المادة 61/1 من الدستور الفرنسي حين حضر على القاضي في نص المادة 23 تقديم مسألة الاولوية الدستورية بقوة القانون أو اثارتها تلقائيا .

فتدخل القاضي لأثارة مسألة الدفع بعدم الدستورية يجعله ينقض مبدأ الحياد المفروض عليه[10] .

ب-تقديم الدفع بمذكرة مستقلة عن مذكرة الدعوى الأصلية

اشترط المشرع الجزائري بموجب المادة 06 من القانون 18/16 وجوب تقديم الدفع بعدم الدستورية تحت طائلة عدم القبول بمذكرة مكتوبة ومنفصلة ومسببة .

وهو كذلك ما تنص عليه المادة 23 من القانون العضوي 2009-1523 المحدد لشروط تطبيق مسألة الاولوية الدستورية في فرنسا.

وعليه فينبغي تقديم الدفع في مذكرة منفصلة عن عريضة الدعوى الاصلية اما بخصوص الشرط المتضمن أن تكون المذكرة مسببة فماهي إلا أحد الشروط التي ستمكن القاضي من فحص مدى جدية الدفع وصحة تأسيسه قبل احالته على المجلس الدستوري ولذلك فان تسبيب المذكرة المستقلة يعتبر من الشروط الجوهرية لقبول الدفع شكلا وهو ما يتوجب تضمين الاحكام التشريعية المطعون في دستوريتها مع توضيح الأسس القانونية المستند عليها [11].

ثانيا: الشروط الموضوعية

أ -أن يتوقف مأل النزاع على الحكم التشريعي

نصت الفقرة الأولى من المادة 08 من القانون العضوي 18/16 على أن يكون الحكم التشريعي محل الدفع حاسما في مأل النزاع ،وتعلق الدفع بعدم الدستورية بمأل النزاع هو شرط يرتبط بصميم السلطة التقديرية للقاضي وليس ظابطا كبقية الضوابط الأخرى المحددة لسلطة القضاء في النظر في الدفوع كضرورة ارتباط الدفع بوجود نزاع قائم امام القضاء وتعلقه بالحقوق والحريات الاساسية او حتى اثارته من طرف الأطراف المتنازعة بحيث تعد هذه الشروط باعتبارها الضوابط العامة لإثارة مثل هذا الدفع امام القضاء .

إلا أن هذا الشرط له هدف رئيسي يتمثل في التقليل من سبل استعمال هذا الالية حتى لا تصبح اثارته من الاجراءات التي يعتمدها الخصوم بغرض إطالة النزاع او حتى ادخال مثل هذه الالية في خانة الاجراءات الكيدية التي يهدف بها الخصوم إلى تعطيل البت في الخصومة وهو الأمر الذي يفترض من المشرع أنه حسب حسابا لمثل هذه الامور باستبعاده لكل الدفوع الصورية والمؤسسة على أسانيد غير كافية.

ب-عدم أسبقية التصريح بمدى دستورية الحكم التشريعي

نصت الفقرة الثانية من المادة 08 على أنه ” ….ألا يكون الحكم التشريعي قد سبق الصريح بمطابقته للدستور من طرف المجلس الدستوري باستثناء حال تغير الظروف….”.

وهو ما يوافق نص المادة /191 /3من الدستور على حجية أحكام وقرارات المجلس الدستوري بالإضافة إلى طابعها النهائي وتحصينها من جميع واجه الطعن مما يمنع بعدم امكانية عرض مسألة ما أمام المجلس الدستوري لفحص دستوريتها ان تم التصريح سلفا بعدم دستوريتها [12].

ولعل الهدف من هذا الشرط  هو استبعاد النظر في دستورية الدفع لمرتين من طرف المجلس الدستوري .

إلا أن المادة 08/02 من القانون 18/16 تضع استثناء على هذا القيد وهو “حال تغير الظروف “

وعليه فيمكن تفسير تطبيق هذه الحالة باستحداث نصوص جديدة في الدستور يبنى علي اساسها مدى دستورية الحكم التشريعي محل الدفع

ففي حال تغير الظروف يمكن إثارة الدفع بعدم الدستورية النص التشريعي الذي سبق وان نظر فيه المجلس الدستوري وهو ما حدث في فرنسا مثلا  ويظهر هذا في الدفع الذي الذي تقدمت به “ماري لوبان ” والمتعلق بنصوص أقر المجلس الدستوري مطابقتها سابقا للدستور لكن تغيير الظروف المحيطة بها التي مست الحياة السياسية والتنظيم المؤسساتي للدولة جعلها من جديد محل دفع بعدم الدستورية ومن هذا المنطلق تم اعتبار المسألة ذات طابع جديد ونظر فيها المجلس الدستوري.[13]

ج- جدية الدفع بعدم الدستورية

اشترط المشرع في نص المادة08/04  في الدفع بعدم الدستورية أن يكون الدفع جديا بنصه ” …أن أن يتسم الوجه المثار بالجديةّ”.

ويعتبر هذا الشرط الفاصل والمحدد لإحالة الدفع من عدمه إلى المجلس الدستوري ، إلا أن المشرع الجزائري لم يضع معيارا حاسما لكون الدفع جديا من عدمه وترك بذلك الامر للقاضي والذي يفصل فيه بحكم يجوز أن يكون محلا للطعن استقلالا امام الجهات الاعلى .[14]

إلا أن المجلس الدستوري الفرنسي وفي قراره رقم 595 الصادر بتاريخ 03/12/2009 [15]قد حدد مفهوم الطابع الجديد للمسألة حيث بين من جهة متى يمكن لقاضي ” التصفية ” أو ” دراسة الجدية ” ان يصبغ وصف المسألة الجديدة على الدفع المثار أمامه ومن جهة اخرى بين المسائل التي لا تعتبر جديدة

فالجانب الأول من هذا القرار يعطي التعريف الايجابي للمسألة الجديدة حيث بين المجلس الدستوري ان المشرع العضوي وعن طريق اعتماده هذا المعيار جعل اخطار المجلس الدستوري لا يكون الا بمناسبة النصوص الدستورية التي لم تعرض عليه للفحص من قبل وسمح لمجلس الدولة ومحكمة النقض بتقدير المصلحة الكامنة وراء اخطار المجلس الدستوري

أما الجانب الثاني من هذا القرار فيمكن من التعريف السلبي للمسألة الجديدة ، اذا قضى المجلس الدستوري في هذا الاطار بقوله أن مسألة الاولوية الدستورية لايمكن أن تكون جديدة إلا إذا لم يفحص المجلس الدستوري النص التشريعي محل الدفع من قبل ولم يصدر بشأنه قرار بالمطابقة ان هذا المفهوم للمسألة الجديدة يعتبر جد واضح ومحددا لاعتماده على التقدير والفحص ذو الطابع التقني من قبل قضاة التصفية .

 

المبحث الثاني : النظام الإجرائي لإثارة الدفع بعدم الدستورية بموجب القانون 18/16

يعتبر الدفع بعدم الدستورية ألية للرقابة البعدية على القوانين في المنظومات القانونية ولم تعد هذه الألية حكرا على الهيئات الدستورية فقط بل تعدتها إلى المتقاضين.

المطلب الأول :اثارة الدفع امام الجهات القضائية

إن وصول دفع  المتقاضي إلى المجلس الدستوري لا يكون بشكل مباشر وانما يمر عبر مراحل وهو ما يطلق عليه في الفقه الفرنسي بنظام التصفية ” le filtrage” وهي وسيلة اساسية وضرورية تعتمد على إحالة الدفع عبر عدة جهات تبدأ بإثارة الدفع أمام الجهات القضائية الدنيا ليتم تمريره للجهات القضائية العليا لينتهي به المطاف امام المجلس الدستوري للبت في صحته وهو ما سوف نتعرف عليه فيما يلي:

الفرع الأول :دراسة الجهة القضائية الدنيا مدى جدية الدفع

إن عملية دراسة مدى جدية الدفع بعدم الدستورية تتم على مرحلتين قبل وصولها إلى المجلس الدستوري فيثار الدفع امام جهات القضاء الدنيا قبل احالته إلى الجهات القضائية العليا – المحكمة العليا أو مجلس الدولة- وعليه فيكون الدفع قد مر على مرحلتين من التصفية الأولى أمام الجهات القضائية الدنيا والثانية أمام الجهات القضائية العليا ولعل كل هذا لإثبات جدية الدفع والتيقن منها .

ونصت المادة 07 من القانون 18/16 على أنه ” تفصل الجهة القضائية فورا وبقرار مسبب في إرسال الدفع بعدم الدستورية إلى للمحكمة العليا او مجلس الدولة بعد استطلاع راي النيابة العامة أو محافظ الدولة”

في حال تم إثارة الدفع بعدم الدستورية امام المحكمة من قبل أحد أطراف الدعوى تتأكد المحكمة من جدية الدفع وعليه فترى أن كان الدفع سيكون منتجا وأن القانون المطعون في دستوريته متصل بموضوع النزاع فاذ كان ذلك تتوقف عن البت في دعوى الموضوع وتحيل الدفع مباشرة إلى الجهات القضائية العليا وهو ما نصت عليه المادة 09 من نس القانون بنصها” يوجه قرار إرسال الدفع بعدم الدستورية مع عرائض الأطراف ومذكراتهم إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة خلال (10) أيام من صدوره ويبلغ إلى الأطراف ولا يكون قابلا لأي طعن.

أما في حالة رفض إرسال الدفع بعدم الدستورية فان التبليغ يكون بموجب قرار يرسل مع العرائض كما أقر المشرع أن هذا القرار لا يمكن أن يكون محل اعتراض باستثناء الطعن ضد القرار الفاصل في النزاع والذي اشترط له طرقا اجرائية محددة  وهو ما نصت عليه  المادة09/02  ” يبلغ قرار رفض ارسال الدفع بعدم الدستورية مع عرائض الاطراف ولا يمكن أن يكون محل اعتراض ألا بمناسبة الطعن ضد القرار الفاصل في النزاع او في جزء منه ويجب ان يقدم بموجب مذكرة مكتوبة ومنفصلة ومسببة ”

الفرع الثاني : الإجراءات المطبقة أمام الجهات القضائية العليا ( المحكمة العليا ومجلس الدولة)

اتجهت العديد من القوانين المقارنة إلى اعتماد مرحلتين لتصفية الدفوع لعدم الدستورية ينظر خلالهما مطابقة الشروط الشكلية فضلا عن التحقق من جدية الدفوع ومدى تأسيسها مدى علاقة القانون المطعون فيه بحسم النزاع ثم الاحالة إلى الجهات القضائية العليا [16]

وبالتالي فان هذه المرحلة تعتبر المرحلة الثانية لعملية التصفية والتي تتأكد للمرة الثانية من استيفاء شروط صحة الدفع لتقوم بإحالته على المجلس الدستوري وهذا بصرف النظر عن الاختصاص الذي تمارسه كل مرحلة من مراحل التصفية بالضبط.

ففي حالة قبول الطعن وتيقن قضاة المحاكم الدنيا من جدية الطعن يرفع الطعن إلى الجهات القضائية العليا والمتمثلة في المحكمة العليا بالنسبة للقضاء العادي ومجلس الدولة بالنسبة للقضاء الاداري على حسب الحالة .

وعليه فقد نصت المادة 13 من القانون18/16 على أنه ” تفصل المحكمة العليا او المجلس الدولة في احالة الدفع بعدم الدستورية إلى المجلس الدستوري في اجل شهرين (02) ابتداء من تاريخ استلام الارسال المنصوص عليه في المادة 09 من هذا القانون العضوي .”

وبالتالي فإنه ومن استقراء المادة اعلاه يتضح أن المحكمة العليا او المجلس الدستوري بحسب الحالة هي المرحلة الثانية لعملية التصفية وهي الدرجة الاخيرة لعملية التصفية ففي حال قبول مجلس الدولة او المحكمة العليا للدفع بعدم الدستورية فانه يحيله مباشرة إلى المجلس الدستوري .

وقد وضح المشرع الجزائري المدد القانونية والاجرائية اللازمة للفصل في أمر الدفع وحدده بمدة ( شهرين) من تاريخ استلام قرار ارسال الدفع بعدم الدستورية المذكور في المادة 09 من نفس القانون. كما نصت المادة 20 من نفس القانون على أنه” في حالة عدم فصل المحكمة العليا او مجلس الدولة في الآجال المنصوص عليها في المادة 13 يحال الدفع بعدم الدستورية تلقائيا إلى المجلس الدستوري ” وبذلك فقد حل المشرع الجزائري مشكل ممكن الحدوث وهو عدم البت في الدفع بعدم الدستورية من طرف الجهات القضائية العليا وهو ما يحصل في كثير من الحالات بالنسبة للقضايا العادية التى تمر بمدد طويلة قبل البت فيها وهو ما سيسرع الاجراءات ويختصر الوقت على المتقاضين.

كما تجدر الإشارة إلى أن القانون العضوي 18/16 قد سمح بموجب المادة 2/2[17] بإثارة هذا الدفع للمرة الاولى في مرحلتي الاستئناف أو الطعن بالنقض وعليه فقد تعرضت المادة 14 من نفس القانون لكيفية إثارة الدفع المثار لأول مرة في مرحلتي الطعن بالنقض بنصها على أنه “عندما يثار الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا او مجلس الدولة مباشرة يفصلان على سبيل الأولوية في إحالته على المجلس الدستوري ضمن الآجال المنصوص عليها في المادة 13 أعلاه “.

أما وقد تم دراسة الدفع فان قرار المحكمة العليا او مجلس الدولة سيصدر بتشكيلة يرأسها رئيس كل جهة قضائية وعند تعذر ذلك يرأسها نائب الرئيس أما أعضاءها فهم رئيس الغرفة المعنية وثلاثة مستشارين يعينهم حسب الحالة رئيس المحكمة العليا أو رئيس مجلس الدولة[18]، ثم يرسل القرار المسبب إلى المجلس الدستوري مرفقا بمذكرات وعرائض الاطراف وبالتالي تكون مراحل التصفية قد انتهت للتنقل إلى مرحلة البت في مدى دستورية النص التشريعي.[19]

وقد أكد المشرع الجزائري على أن إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى المجلس الدستوري يرجئ الفصل في الدعوى الى حين البت في الدفع  كما يتم تبليغ الاطراف في اجل 10 أيام من تاريخ صدور  قرار المحكمة العليا او المجلس الدستوري .[20]

وعليه فيمكن القول أن المشرع الجزائري قد استعار من نص المادة 61 من الدستور الفرنسي فكرة التصفية المزدوجة أي عن طريق مرحلتين فالأولى على مستوى الجهات القضائية الدنيا والتي تنظر في العديد من الشروط المنصوص عليها قانونا منها تعلق القانون بجوهر النزاع ومدى جديته والثانية على مستوى المحكمة العليا والمجلس الدولة والتي تتحقق مجددا من مدى استيفاء الدفع لهذه الشروط ولعل هذا لتجنب اغراق المحكمة العليا ومجلس الدولة بالطلبات الكيدية والدفوع الغير مؤسسة وعليه فقد وفق المشرع الجزائري في اعتماده على ازدواجية التصفية وجعلها على مرحلتين.

المطلب الثاني : إحالة الدفع من الجهات القضائية العليا إلى المجلس الدستوري

بالإضافة إلى إفتراض مرور الدفع عبر الجهات القضائية الدنيا كمرحلة اولية للتصفية  يعد النص الصريح على احالة الدفع بعدم الدستورية من المحكمة العليا او مجلس الدولة إلى المجلس الدستوري بموجب المادة 17 السابق ذكرها

وبعدها فان المجلس الدستوري يبت في صحة الدفع بعدم دستورية النص التشريعي على مرحلتين وهما مرحلة إخطار المؤسسات الدستورية وثانيا مرحلة البت في مدى صحة الدفع

الفرع الاول : مرحلة إخطار الهيئات الدستورية

تنص المادة 187 من دستور 2016 على أنه ” يُخطر المجلس الدستوري رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الأمة او رئيس المجلس الشعبي الوطني أو الوزير الأول ….”.

وعليه فإن الدستور الجزائري قد حدد الاشخاص الذين لهم حق اخطار المجلس الدستوري في مسألة الرقابة على دستورية القوانين .

وينبني على هذا ويقوم عليه أن هذه المؤسسات الدستورية يجب أن تخطر في حال الطعن في أحد النصوص التشريعية لأنها تعتبر أحد ركائز التشريع الجزائري فبالإضافة إلى البرلمان فان رئيس الجمهورية والوزير الاول لهم علاقة مباشرة او غير مباشرة بالتشريع – بحسب كل حالة- وبالتالي فان إخطارها من طرف المجلس حال وصول الدفع بعدم الدستورية إلى المرحلة الاخيرة وتجاوزه مرحلتي التصفية .

ومن هذا فقد نصت المادة 21 من القانون العضوي 18/16 على أنه ” يعلم المجلس الدستوري فورا رئيس الجمهورية عند إخطاره طبقا لأحكام المادة 188 [21]من الدستور ،كما يعلم رئيس مجلس الامة ورئيس المجلس الشعبي الوطني والوزير الأول الذين يمكنهم توجيه ملاحظاتهم للمجلس الدستوري حول الدفع بعدم الدستورية المعروض عليه” ،وعليه فان المشرع الجزائري قد اعطى فرصة لجهات إصدار التشريع لتقديم ملاحظاتهم حول التشريع محل الدفع بعدم الدستورية بهدف تسهيل مهمة المجلس الدستوري بخصوص البت في مدى دستورية التشريع محل الدفع.

ثانيا : مرحلة البت في صحة الدفع بعدم الدستورية

لقد ساير المؤسس الدستوري في نص المادة 188 من الدستور نظيره الفرنسي في إعتماد نظام الاحالة من الجهات القضائية العليا ممثلة في المحكمة العليا ومجلس الدولة على المجلس الدستوري وهو ما نصت عليه المادة 61/1 من الدستور الفرنسي حيث وضع المؤسس قناة إتصال إلزامية بين الدعوى الموضوعية المعروضة أمام الجهات القضائية وبين الدعوى الدستورية المتصلة باختصاص المجلس الدستوري تجري خلال هذه المراحل عملية تصفية اجبارية .[22][23]

وتعتبر مرحلة البت في مدى صحة الدفع بعدم الدستورية المرحلة الاخيرة وقد نص المشرع الجزائري في نص المادة 22 من القانون العضوي 18/16 على أنه” تكون جلسة المجلس الدستوري علنية الا في الحالات الاستثنائية المحددة في النظام المحدد لقواعد عمله ” ،وعليه فان المشرع الجزائري قد أثر أن تكون جلسات المجلس الدستوري في هذه الحالات علانية لدفع اي شك بخصوص البت في مدى صحة النص التشريعي الا أنه جعل إستثناءا قد يكون منصوصا عليه في نظام عمل المجلس الدستوري

كما أكد المشرع الجزائري على تمكين الاطراف الممثلين من قبل محامييهم من تقديم دفاعاتهم وملاحظاتهم بشكل وجاهي وهو الإجراء الذي يمنح هذه الدعوى شفافية لا يدع أي شك في قراراتها وأحكامها.[24]

وفي الأخير تبلغ قرارات المجلس الدستوري إلى المحكمة العليا او مجلس الدولة لإعلام الجهات القضائية الدنيا بنتيجة الدفع بعدم الدستورية .[25]

خاتمة :

إن ألية الدفع بعدم الدستورية هي من أنجع الميكنزمات التي تصان بها الحقوق والحريات في إطار الرقابة على دستورية القوانين ، ولعل المؤسس الدستوري الجزائري قد أيقن بأنه حان الوقت للاعتراف للمواطنين- بعدما كان يعترف للهيئات الدستورية فقط – بحقهم في ولوج المجلس الدستوري عن طريق الدفع بعدم الدستورية الممنوح للمتقاضين عند إنتهاك حقوقهم الاساسية ،وقد دعم هذا الانجاز بإصدار القانون العضوي رقم 18/16 المحدد لكيفية تطبيق هذه الالية وهو ما جعل هذا الإجراء واضحا ومدعما بالعديد من الأجراءات التي سمحت للمواطن بممارسة حقه في الدفاع عن حرياته الاساسية الت ضمنها الدستور بشكل سلس وبدون تعقيدات .

إلا أن صدور القانون المحدد لكيفيات وشروط الدفع بعدم الدستورية لم يمنع من تجلى بعض النقائص في هذه الألية ولعلنا نذكر أبرزها.

-تعقيد عملية التصفية باعتمادها على مرحلتين في حين أننا نجد نظام المحكمة العليا يسمح بلجوء المواطن مباشرة إلى المحكمة دون الانتظار لشهور لمعرفة مدى قبول دفعه من عدمه.

-إمكانية تعطيل مصالح المتقاضين من خلال انتظارهم لمددة طويلة ليتم الرد في الأخير بالسلب عن طريق عدم قبول الدفع في مرحلة التصفية وعدم وصول الطعن إلى المجلس الدستوري أصلا .

-تأكيد علوية المجلس الدستوري وحرمان المتقاضين من اللجوء اليه مباشرة بإقرار نظام التصفية .

-ضرورة تعديل قانون الاجراءات المدنية والادارية 08/09 ليتماشى مع الدفع بعدم الدستورية بتوضيح مكانة الدفع في إطار الدفوع المعروفة في القانون الإجرائي مع تحديد المدد بطريقة وواضحة.

قائمة المراجع:

1- أحمد أبو الوفا ، نظرية الدفوع في قانون المرافعات ، ط6، منشأة المعارف ،الاسكندرية ،

2-حسن مصطفى البحري ، القضاء الدستوري دراسة مقارنة ،ط1،الاسكندرية ، 2017،

3- يحي الجمل ،القضاء الدستوري في مصر ،دار النهضة العربية ،2008،

4- فتحي والي ، الوسيط في قانون القضاء المدنى ،دار النهضة العربية ، القاهرة ،.2001.

5- أوكيل محمد الامين ،نظام تصفية الدفوع بعدم الدستورية في القوانين المقارنة وأفق تطبيقه في الجزائر، مجلة صوت القانون ، العدد8، 2017،

6- محمد بن أعراب ،منال بن شناف ، ألية الدفع بعدم الدستورية القوانين في الانظمة المقارنة، مجلة الاجتهاد القضائي ،جامعة سطيف،مارس 2018،

7- رواب جمال ، الدفع بعدم دستورية القوانين قراءة في نص المادة 188 من الدستور الجزائري، مجلة الدراسات الحقوقية ، جامعة سعيدة ،عدد ديسمبر 2017 ،

8- القانون العضوي 18/16المؤرخ في 22 ذي الحجة عام 1439 الموافق ل 2 سبتمبر 2018 المحدد لشروط وكيفيات الدفع بعدم الدستورية ، ج ر العدد 54 ، السنة 55

9- Sloan, Cliff & McKean, David; The Great Decision: Jefferson, Adams, Marshall,

 

[1] Sloan, Cliff & McKean, David; The Great Decision: Jefferson, Adams, Marshall,p356

 حسن مصطفى البحري ، القضاء الدستوري دراسة مقارنة ،ط1،الاسكندرية ، 2017،ص 115[2]

 حسن مصطفى البحري مرجع سابق،ص 126[3]

[4] يحي الجمل ،القضاء الدستوري في مصر ،دار النهضة العربية ،2008،ص64

 [5]أحمد أبو الوفا ، نظرية الدفوع في قانون المرافعات ، ط6، منشأة المعارف ،الاسكندرية ، ص11

[6] فتحي والي ، الوسيط في قانون القضاء المدنى ،دار النهضة العربية ، القاهرة ،.2001.ص471

[7] يحي الجمل ،مرجع سابق ، ص157

[8] رواب جمال ، الدفع بعدم دستورية القوانين قراءة في نص المادة 188 من الدستور الجزائري، مجلة الدراسات الحقوقية ، جامعة سعيدة ،عدد ديسمبر 2017 ، ص 35

[9] محمد بن أعراب ،منال بن شناف ، ألية الدفع بعدم الدستورية القوانين في الانظمة المقارنة، مجلة الاجتهاد القضائي ،جامعة سطيف،مارس 2018، ص 11

[10] رواب جمال ،مرجع سابق ، ص36

[11] رواب جمال، مرجع نفسه، ص40

[12] نص المادة 191/3 ” …..تكون أراء  المجلس الدستوري وقراراته نهائية وملزمة لجميع السلطات العمومية والسلطات الادارية والقضائية”

[13] محمد بن أعراب ، منال بن شناف، مرجع سابق ، ص15

[14] يحي الجمل ، مرجع سابق ، ص158

[15][15] محمد بن أعراب ، منال بن شناف ، مرجع نفسه ، ص15

[16] أوكيل محمد الامين ،نظام تصفية الدفوع بعدم الدستورية في القوانين المقارنة وأفق تطبيقه في الجزائر، مجلة صوت القانون ، العدد8، 2017،ص16

[17] نص المادة 2/2 من القانون العضوي 18/16المؤرخ في 22 ذي الحجة عام 1439 الموافق ل 2 سبتمبر 2018 المحدد لشروط وكيفيات الدفع بعدم الدستورية ، ج ر العدد 54 ، السنة 55

[18] نص المادة 16 من القانون العضوي 18/16

[19] نص المادة 17 من القانون العضوي 18/16

[20] نص المادتين 18/19 من القانون العضوي 18/16

[21] نص المادة 188 من القانون 16/01 المؤرخ في 26 جمادي الاولى عام 1437 الموافق ل6 مارس 2016 المتضمن التعديل الدستوري ،ج ر عدد 14 ، السنة 53 ص33

[22]جمال رواب ، مرجع سابق ، ص41

[23] اوكيل محمد الأمين .مرجع سابق ، ص16

[24] نص المادة 22/2 من القانون العضوي 18/16

[25] المادة 24 من نفس القانون العضوي 18/16

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق