اختراق الوعي البشري في البيئة الرقمية: قراءة قانونية في علم النفس الإلكتروني في ظل التشريع المغربي والدولي – الدكتور حسن الرحيية – الدكتور هشام اسواني
اختراق الوعي البشري في البيئة الرقمية:
قراءة قانونية في علم النفس الإلكتروني في ظل التشريع المغربي والدولي
“Breaching Human Consciousness in the Digital Environment:
A Legal Analysis of Cyberpsychology within Moroccan and International Legislation”
الدكتور حسن الرحيية
أستاذ باحث ومدير مختبر البحث إقلاع: القانون، الفلسفة والمجتمع- عضو فريق البحث في العلوم الجنائية والتحولات المجتمعية والرقمنة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
الدكتور هشام اسواني
أستاذ باحث ورئيس فريق البحث في العلوم الجنائية والتحولات المجتمعية والرقمنة بمختبر البحث إقلاع: القانون، الفلسفة والمجتمع بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

الملخص:
أصبح اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية من أخطر تجليات الثورة التكنولوجية الحديثة، إذ لم يعد المساس بالإنسان مقصورًا على بياناته أو خصوصيته، بل امتد إلى وعيه ومشاعره وسلوكياته.
تعتمد هذه الدراسة مقاربة قانونية تحليلية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاختراق النفسي الرقمي بوصفه شكلاً جديدًا من السيطرة غير المرئية على الإرادة الإنسانية، يهدد جوهر الحرية والكرامة الرقمية.
وتبرز من خلال التحليل أن المنظومة القانونية المغربية، رغم تقدمها في حماية المعطيات الشخصية، لم تصل بعد إلى استيعاب البعد النفسي للاختراق الرقمي، ما يستدعي تطوير مفهوم الحصانة النفسية الرقمية في التشريع الوطني. ومن خلال المقارنة مع التجربتين الأنجلوسكسونية واللاتينية، يظهر أن المغرب قادر على بلورة نموذج قانوني خاص يوازن بين حرية الابتكار وضمان سلامة الوعي الإنساني في الفضاء الرقمي.
الكلمات المفتاحية:
الاختراق النفسي الرقمي – الحصانة النفسية – الكرامة الرقمية – القانون المغربي – الإرادة الحرة – التشريع المقارن
Abstract
Digital environments have introduced a new and subtle threat to human autonomy: psychological infiltration. Beyond data breaches, technology now targets emotions, perceptions, and decision-making, reshaping human behavior through invisible manipulation.
This study provides a legal and analytical exploration of digital psychological infiltration, highlighting its impact on freedom of will and mental dignity. While Moroccan law has advanced in privacy protection, it still lacks a framework addressing psychological integrity in cyberspace.
Through comparison with Anglo-Saxon and Latin systems, the research argues for a new legal paradigm that recognizes digital mental immunity as a fundamental human right.
Keywords:
Digital psychological infiltration – Mental immunity – Digital dignity – Moroccan law – Free will – Comparative legislation
مقدمة :
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد امتداد افتراضي للواقع المادي، بل تحول تدريجيًا إلى مجال يتجاوز حدود التقنية نحو السيطرة الرمزية على الإدراك الإنساني. فمع التحولات الكبرى التي أحدثتها الثورة الرقمية في أنماط التواصل والمعرفة والتعبير، ظهر نمط جديد من التأثير الخفي يستهدف بنية الوعي ذاته، وهو ما يمكن تسميته بـ”الاختراق النفسي في البيئة الرقمية”. هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على الدعاية التجارية أو التوجيه السياسي، بل امتدت إلى عمق التجربة الإنسانية ذاتها، حيث أصبح السلوك الرقمي، والاختيارات الافتراضية، وحتى ردود الأفعال العاطفية، قابلة للتنميط، التوقع، والتوجيه الخفي عبر خوارزميات معقدة[1].
إنّ الإشكالية التي يطرحها هذا التحول ليست تقنية بحتة، بل ذات طبيعة قانونية وإنسانية مركبة، تتعلق أساسًا بالحدود الجديدة لحماية الكيان النفسي للفرد في ظل بيئة رقمية تتجاوز مفهوم “الخصوصية” نحو ما يمكن نعته بـ”الملكية الإدراكية”. فالقانون الذي كان تقليديًا يحمي الجسد والممتلكات والمجال الخاص، يجد نفسه اليوم أمام ضرورة بلورة أدوات جديدة تضمن صون النفس البشرية من التلاعب والاختراق عبر الوسائط الرقمية[2].
من هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة لتسلّط الضوء على ظاهرة “اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية”، بوصفها إشكالية قانونية معاصرة تتطلب إعادة بناء المفاهيم التقليدية للذات الإنسانية، وللحرية، وللمسؤولية القانونية في العصر الرقمي.
وقد أبان الواقع المغربي، كما هو الشأن في التجارب المقارنة، عن تزايد الحاجة إلى مقاربة قانونية أكثر عمقًا لحماية الأفراد من هذا النمط الجديد من الانتهاكات غير المرئية، فعلى الرغم من كون المشرّع المغربي قد خطا خطوات مهمة في هذا المجال عبر إصدار القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي[3]، فإنّ نطاق الحماية ظلّ محصورًا في البيانات المعلوماتية الملموسة دون أن يمتد إلى البنية الإدراكية والنفسية التي أصبحت بدورها هدفًا للهجمات الرقمية الحديثة.
فالممارسات الجديدة، التي توظف الذكاء الاصطناعي والتحليل السلوكي في التنبؤ واتخاذ القرار، تؤدي إلى خلق فضاء تتحكم فيه الخوارزميات في الميول والرغبات والمعتقدات، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة القانون على حماية الإنسان ككائن نفسي، لا كمجرد صاحب بيانات[4].
هذه الإشكالية تجد جذورها أيضًا في التجارب القانونية المقارنة، خاصة الأنجلوسكسونية، التي عرفت تطورًا مبكرًا في مجال حماية الذات الرقمية عبر مفاهيم مثل “الهوية الإدراكية”و “الاستقلال النفسي الرقمي”، كما في التشريعات البريطانية والكندية[5]. بالمقابل، ظلت الأنظمة اللاتينية، ومنها التجربة الفرنسية، أكثر ارتباطًا بمفهوم الكرامة الإنسانية كأساس للحماية القانونية، مما يمنح المقاربة المغربية فرصة فريدة لبناء نموذج قانوني متوازن يستلهم هذين التوجهين.
إنّ الحديث عن اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية ليس من قبيل المجاز الأدبي أو المبالغة الفكرية، بل هو توصيف دقيق لمرحلة جديدة من التاريخ الإنساني؛ مرحلة أصبح فيها العقل الإنساني ذاته مجالًا للتقنية، وموضوعًا للتأثير الخفي عبر الخوارزميات والمنصات الرقمية[6].
لقد تجاوزت الرقمنة حدود المعطيات والبيانات إلى ما يمكن تسميته بـ”المجال الإدراكي”، حيث لم يعد الإنسان مجرد منتج للبيانات، بل تحوّل إلى ذاتٍ مراقَبةٍ في وعيها ولا وعيها على السواء.
من هذا المنظور، لا تبدو حماية النفس البشرية اليوم مجرد مطلب أخلاقي أو حقوقي، بل هي ضرورة قانونية تستدعي إعادة صياغة مفهوم الحماية القانونية ذاته، فالقانون الذي نشأ لحماية الجسد والممتلكات، يجد نفسه أمام مهمة جديدة: حماية الإدراك البشري من الاختراق غير المرئي، وصون الوعي الإنساني من التلاعب الذكي الذي تمارسه أنظمة رقمية فائقة التطور[7].
وتنبع أهمية هذا الموضوع من كونه يسائل الحدود القصوى للسلطة القانونية في مواجهة السلطة التقنية؛ فبينما تتطور أدوات السيطرة الرقمية بسرعة مذهلة، ما تزال النصوص القانونية، خاصة في السياق المغربي، تراوح مكانها عند مفاهيم الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية، دون أن تمتد إلى البعد النفسي والإدراكي الذي أصبح يُختَرق بأساليب خفية[8].
ولعلّ ما يضفي على هذه الدراسة طابعها الخاص هو سعيها إلى بناء مقاربة قانونية تحليلية لا تكتفي برصد الظاهرة، بل تسعى إلى فهم آلياتها العميقة، واستكشاف الأفق الممكن لتأطيرها تشريعيًا في ضوء التجارب الدولية. فالتجربة المغربية، رغم ما حققته من تقدم ملحوظ عبر القوانين المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية والجريمة المعلوماتية[9]، لا تزال بحاجة إلى تجاوز الإطار المادي للحماية نحو تصور أكثر شمولًا يتضمن البعد النفسي والإدراكي للإنسان.
أما التجارب المقارنة، فقد شهدت في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في هذا الاتجاه، ففي العالم الأنجلوسكسوني، برزت مقاربات جديدة تعتمد مفهوم الاستقلال الذهني كحق أساسي للفرد في مواجهة التأثيرات الخوارزمية.[10]
وفي المقابل، سارت الأنظمة اللاتينية – كالتجربة الفرنسية – في اتجاه تأصيل الكرامة الإنسانية الرقمية كإطار قانوني جامع للحماية الإدراكية والنفسية[11].
وبين هذين التوجهين، تبرز التجربة المغربية كفضاءٍ قانونيٍّ خصبٍ لبناء نموذج متوازن يستلهم من التجربتين دون أن يفقد خصوصيته التشريعية والقيمية.
ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تدّعي الإحاطة الكاملة بالظاهرة، بقدر ما تسعى إلى فتح نقاش علمي جاد حول المساحات الخفية التي لم يبلغها القانون بعد، تلك المساحات التي تتقاطع فيها النفس البشرية بالتقنية، والإدراك الإنساني بالخوارزمية. إنها محاولة لتأسيس وعي قانوني جديد ينطلق من سؤال بسيط في ظاهره، معقّد في جوهره:
كيف يمكن للقانون أن يحمي ما هو غير مرئي؟ كيف يمكنه أن يصوغ نصوصًا تصون الفكر، والوعي، والإدراك من الاختراق؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية الكبرى، اخترنا ان تعتمد الدراسة في هذا الموضوع تقسيمًا ثنائيًا يوازن بين التحليل النظري والمقاربة القانونية المقارنة؛ بحيث إن هذا التقسيم لا يهدف إلى التوصيف المجرّد، بل إلى بناء فهم علمي متكامل يربط بين الفلسفة القانونية، والتحليل النفسي، والتقنيات الحديثة، بما يُعيد الاعتبار للإنسان في زمن أصبحت فيه قراراته ومشاعره تُقاس وتُوجَّه دون وعي منه.
وبناء عليه، فإنّ هذه الدراسة، إذ تنطلق من الإطار المغربي كأرضية للتحليل، فإنها تنفتح على التجارب الأنجلوسكسونية واللاتينية لا من باب المقارنة الشكلية، بل من أجل استلهام النماذج القانونية القادرة على إلهام المشرّع المغربي في مسعاه نحو بناء حماية قانونية متكاملة للنفس البشرية داخل الفضاء الرقمي. فهي دراسة تُزاوج بين التحليل النقدي للنصوص والتأمل في المفاهيم، بين الرؤية الوطنية والانفتاح الدولي، في محاولة لتأسيس خطاب قانوني جديد يُعيد للإنسان مركزه في قلب المنظومة الرقمية الحديثة.
إن هذا الطرح، يستدعي منا التعاطي مع الموضوع دراسة وتحليلا من زاويتين: أولاهما بحث إشكالية اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية – التأصيل والمقاربة القانونية (المبحث الأول)، وثانيهما المعالجة القانونية لاختراق النفس البشرية في ظل التشريعات المغربية والدولية (المبحث الثاني).
المبحث الأول: اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية – التأصيل والمقاربة القانونية –
لقد شكّل التحول الرقمي أحد أعنف الزلازل المعرفية التي عرفتها الإنسانية في تاريخها الحديث، ليس فقط على مستوى إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ولكن –وهذا الأخطر– على مستوى اختراق الوعي البشري ذاته، فقد باتت النفس الإنسانية موضوعًا قابلاً للرصد، التحليل، ومن ثم التأثير، من خلال أدوات رقمية متقدمة تستند إلى الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والخوارزميات السلوكية. وهنا ينتقل السؤال من نطاق التكنولوجيا إلى عمق الفلسفة القانونية: من يحمي النفس البشرية حين تصبح بياناتها، مشاعرها، واختياراتها مادة تجارية أو سياسية؟
إن اختيار مقاربة “الاختراق النفسي في البيئة الرقمية”، يهدف إلى تفكيك هذا التحول العميق من زاوية قانونية تحليلية تُبرز مدى قدرة المنظومة التشريعية المغربية، والمقارنة معها في التجارب الأنجلوسكسونية واللاتينية، على استيعاب ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ القانوني الحديث: ظاهرة التلاعب الخفي بالعقل البشري تحت غطاء التحليل الرقمي[12].
المطلب الأول: البعد النفسي لاختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية
إن الحديث عن اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية ليس مجرد تناول لمسألة تقنية أو أخلاقية، بل هو بحث في قلب التحولات العميقة التي مست الكيان الإنساني ذاته. فالمجتمع الرقمي، بما يحمله من خوارزميات متقدمة ومنصات تفاعلية، أعاد رسم العلاقة بين الإنسان ووعيه، بحيث لم يعد الإدراك ملكًا خالصًا لصاحبه، بل أصبح مجالًا مفتوحًا للاستغلال والتوجيه. لقد انتقل الإنسان من مرحلة كان فيها متحكمًا في التكنولوجيا إلى مرحلة أصبح فيها الوعي الإنساني نفسه موضع اختبار وتحليل واستثمار.
إن هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة لتراكم علمي ونفسي وتقني، جعل من النفس البشرية موضوعًا للدراسة الرقمية، ومن الانفعالات العاطفية مادة خامًا تُوظف في أغراض سياسية وتجارية وأمنية. يكفي أن نتأمل كيف تحولت البيانات الشخصية إلى بيانات سيكولوجية، حيث يمكن عبر تحليل بسيط لأنماط التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي معرفة الحالة المزاجية للشخص، أو توجيه اختياراته الاستهلاكية والسياسية.[13]
الفقرة الأولى: تطور العلاقة بين النفس والتكنولوجيا
لقد كانت النفس البشرية دائمًا محور اهتمام الفلاسفة وعلماء النفس، من أفلاطون الذي اعتبرها جوهر الإنسان، إلى فرويد الذي حلل أعماقها اللا واعية. غير أن دخول التكنولوجيا الرقمية على هذا الحقل غيّر من طبيعة العلاقة بين الإنسان ونفسه. فقد أصبحت التكنولوجيا ليست مجرد أداة خارجية، بل امتدادًا إدراكيًا للنفس ذاتها، قادرة على قراءتها بل والتنبؤ بتصرفاتها المستقبلية.
فالتقنيات الحديثة كتحليل المشاعر “Emotion Analytics” والتعرف على الوجه والصوت، أصبحت أدوات لاختراق البنية الداخلية للعقل الإنساني. هنا يتجلى ما يسميه الفيلسوف الفرنسي برنار ستيغلر بـ “الاستلاب الإدراكي”Aliénation cognitive”، حيث تُنتزع من الإنسان سيادته على ذاته لصالح آلة تتعلم منه أكثر مما يتعلم منها.[14]
إن هذا التداخل بين النفس والتكنولوجيا أوجد نمطًا جديدًا من التبعية النفسية، جعلت الفرد يعيش داخل “صدى غرفة رقمية ” تُعيد عليه أفكاره ورغباته، فتغذي قناعاته دون وعي منه، وتدفعه تدريجيًا إلى الانغلاق على ذاته. إن هذه الظاهرة تمثل أخطر مظاهر الاختراق النفسي، أنها لا تمارس قهرًا ظاهريًا، بل تمارس الإقناع الخفي عبر تدفق مستمر من المحتوى المصمم خصيصًا للتأثير.[15]
الفقرة الثانية: آليات الاختراق النفسي في الفضاء الرقمي
تتجلى آليات الاختراق النفسي في البيئة الرقمية في مجموعة من التقنيات والممارسات التي تستهدف اللاوعي الفردي والجماعي. ومن أبرز هذه الآليات ما يلي:
أ – جمع وتحليل البيانات النفسية
لم تعد البيانات الرقمية مجرد أرقام عن العمر أو الجنس أو الموقع الجغرافي، بل أصبحت تتضمن مؤشرات عاطفية وسلوكية يمكن عبرها استنتاج الحالة النفسية للمستخدم. فكل إعجاب “Like” أو تعليق أو تفاعل، يمثل معلومة عن المزاج أو الميول أو مستوى القلق، مما يجعل النفس البشرية مكشوفة أمام من يمتلك أدوات التحليل الرقمي.
وقد أظهرت دراسات جامعة كامبريدج أن تحليل 150 تفاعلًا رقميًا يمكن أن يكشف عن سمات الشخصية بدقة تفوق معرفة أقرب المقربين.[16] وهذا ما يجعل المشرع في مواجهة مع سؤال جديد: هل تندرج المعطيات النفسية ضمن فئة “المعطيات الشخصية الحساسة” التي تستوجب حماية مضاعفة؟.
ب – الاستهداف الخوارزمي والسلوكي
تقوم المنصات الرقمية على خوارزميات قادرة على تعديل محتوى الواجهة الرقمية بناءً على ردود أفعال المستخدم، هذه الخوارزميات لا تكتفي بتوقع السلوك، بل تُعيد برمجته تدريجيًا عبر خلق بيئة رقمية مشحونة بالمحفزات الانفعالية. ومن خلال هذا الأسلوب، يتحول المستخدم إلى “موضوع للتجريب النفسي”، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين “الاستعمار العاطفي للذات”.[17]
ج – تقنيات الواقع المعزز والذكاء العاطفي الاصطناعي
من أخطر مظاهر الاختراق النفسي ما نشهده اليوم من اندماج الذكاء الاصطناعي في مجالات المشورة النفسية الرقمية أو التعليم العاطفي، حيث يتم استخدام روبوتات قادرة على قراءة الإيماءات والتفاعل العاطفي مع المستخدم، هذه التقنيات وإن كانت تُسوَّق لأغراض علاجية أو تربوية، فإنها تفتح الباب أمام تحكم غير مرئي في الحالة الشعورية للفرد.[18]
الفقرة الثالثة: انعكاسات الاختراق النفسي على حرية الإرادة والوعي
يشكل الاختراق النفسي في البيئة الرقمية تهديدًا مباشرًا لحرية الإرادة باعتبارها الأساس الجوهري للمسؤولية القانونية والأخلاقية. ففي النظام القانوني المغربي، كما في الأنظمة المقارنة، لا تُعتد بالإرادة إلا إذا كانت “حرة وسليمة من كل عيب”. غير أن هذا المبدأ يصبح مهددًا في ظل تقنيات التأثير الخفي التي تُحدث انحرافًا في مسار اتخاذ القرار دون أن يعي الفرد ذلك.
إن الخطر هنا مزدوج: فهو من جهة يمسّ الحرية الإدراكية، أي قدرة الفرد على تكوين قناعاته باستقلالية، ومن جهة أخرى يهدد المسؤولية القانونية، لأن القرار الناتج عن توجيه خوارزمي خفي لا يمكن أن يُعتبر فعلًا إراديًا خالصًا.[19]
وقد بدأ الفقه القانوني الحديث يتحدث عن مفهوم “الحق في السلامة الإدراكية” كحق جديد من الجيل الرابع، إلى جانب الحق في الخصوصية والحق في حماية البيانات. هذا الحق يعني أن للفرد حرمة في وعيه لا يجوز المساس بها عبر أدوات التأثير النفسي الرقمي.[20]
في السياق المغربي، لا يزال الإطار القانوني في طور التطور، إذ ينص القانون رقم 09-08 على حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لكنه لا يتضمن نصوصًا صريحة حول المعطيات النفسية أو الإدراكية. غير أن فلسفة الحماية التي يقوم عليها هذا القانون، والمستندة إلى مبدأ كرامة الإنسان المنصوص عليها في الدستور، تفتح المجال لتوسيع مفهوم الحماية ليشمل البعد النفسي للإنسان.[21]
مما سبق يمكننا ان نقول إن اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية ليس مجرد ظاهرة تقنية بل أزمة حضارية تُعيد تعريف مفهوم الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي، فالبيئة الرقمية لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت فضاءً للتأثير العميق في البنى النفسية والفكرية للأفراد، ومن ثمّ، فإن أي مقاربة قانونية لهذه الظاهرة ينبغي أن تتجاوز مجرد حماية البيانات لتؤسس لحق جديد: الحق في سلامة الوعي والإدراك، بوصفه الركيزة الأساسية لحرية الإنسان وكرامته.
المطلب الثاني: المقاربة القانونية لاختراق النفس البشرية بين التشريع المغربي والأنظمة المقارنة
يبدو أن ظاهرة اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية أصبحت من أعقد الإشكاليات القانونية المعاصرة، لأنها تمس جوهر الإنسان في عمقه الذهني والشعوري، وليس فقط في جسده أو ماله، فقد انتقلت السيطرة من الأجساد إلى الوعي، ومن الفضاء الواقعي إلى المجال السيبراني الذي يصنع الإدراك ويوجه الانفعال.
وبينما تطورت التكنولوجيا بوتيرة مذهلة، ظل القانون يلهث خلفها، في محاولة يائسة لتطويق فضاء لا تُرى حدوده ولا تُقاس آثاره إلا بما يحدث في أعماق النفس البشرية.
فالقانون المغربي، الذي تأسس على فلسفة حماية الكيان المادي والمعنوي للإنسان، لم يُصمم أصلًا للتعامل مع تدخلات تكنولوجية تستهدف الوعي، مما يفرض مراجعة فكرية شاملة لمفهوم الحماية القانونية، وهذا ما يجعل من المقارنة مع الأنظمة الأنجلوساكسونية واللاتينية خطوة ضرورية لفهم كيف تُبنى الحماية النفسية في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
الفقرة الأولى: الحماية القانونية للنفس البشرية في التشريع المغربي
منذ مطلع الألفية الثالثة، أدرك المشرع المغربي أن الثورة الرقمية لا يمكن أن تمر دون قواعد قانونية تضبط علاقتها بالفرد، خاصة في مجال المعطيات الشخصية، فصدر القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي شكل خطوة تأسيسية في بناء مفهوم “الخصوصية الرقمية” في المغرب.[22]
غير أن قراءة دقيقة لهذا القانون تبرز محدوديته في التعامل مع اختراق النفس البشرية، لأن نطاق حمايته يظل مرتبطًا بالبيانات القابلة للتعريف، دون التعمق في المعطيات ذات الطابع الشعوري أو النفسي التي تعكس ميولات الفرد وتوجهاته الإدراكية. فالمشرع لم يكن يتصور أن تصل التكنولوجيا إلى حدّ القدرة على قراءة الانفعالات وتحليل المزاج والتنبؤ بالسلوك.
وقد جاء دستور 2011 ليؤكد في الفصل 22 منه أن “السلامة الجسدية والمعنوية لأي شخص لا يجوز المساس بها بأي شكل من أشكال المعاملة المهينة أو الحاطة بالكرامة الإنسانية”، وهو نص يمكن أن يشكل الأساس الدستوري لحماية النفس البشرية من أي تدخل رقمي غير مشروع يمس التوازن النفسي أو الإدراكي للفرد.[23]
لكن الإشكال العملي يظل في تفعيل هذا المقتضى ضمن نطاق الفضاء الرقمي، حيث يغيب التجريم الصريح للتلاعب بالوعي أو التأثير النفسي عبر المنصات.
كما أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي “CNDP”، رغم جهودها في ضبط مساطر التصريح ومعالجة البيانات، لم تطور بعد آليات لمراقبة الاستعمالات النفسية للمعطيات، مثل تحليل السلوك والانفعالات لأغراض تجارية أو سياسية[24].
إن هذا الفراغ التنظيمي يعكس غياب تصور متكامل للبعد النفسي في المنظومة القانونية المغربية، ويستدعي إعادة النظر في تعريف “المعطيات الشخصية” لتشمل “المعطيات الإدراكية والنفسية” باعتبارها امتدادًا للكرامة الإنسانية.
الفقرة الثانية: التجربة الأوروبية – من حماية البيانات إلى حماية الوعي
تُعد التجربة الأوروبية، منذ صدور اللائحة العامة لحماية البيانات “GDPR” سنة 2016، نقطة تحول في التفكير القانوني بشأن علاقة الإنسان بالمعطيات الرقمية، فقد اعتمدت هذه اللائحة مفهومًا واسعًا للبيانات الشخصية يشمل “أي معلومة تتعلق بشخص طبيعي محدد أو قابل للتحديد”، ما يسمح بإدراج بعض المعطيات النفسية ضمن نطاق الحماية.[25]
إلا أن النقاش الأوروبي تجاوز الإطار التقني نحو البعد الإدراكي للحقوق الرقمية، فمع تصاعد استعمال الذكاء الاصطناعي في تحليل المشاعر والتنبؤ بالقرارات، ظهرت موجة من الدراسات القانونية تدعو إلى الاعتراف بما يسمى “الحق في السلامة الإدراكية.[26] وقد استجابت بعض الدول، مثل إسبانيا وفرنسا، لهذا التوجه من خلال إدراج قواعد خاصة لحماية البيانات العصبية والنفسية.
فالقانون الإسباني رقم 3/2018 أقر حماية للمعطيات المتعلقة بالمشاعر والانفعالات متى كانت معالجة رقمية لها تأثير مباشر على سلوك الفرد.[27]
أما فرنسا، فقد اعتمدت في تعديلات قانونها المعلوماتي والحريات لسنة 2021 توصية مفادها أن البيانات المستخلصة من تفاعل الإنسان مع الآلات يجب أن تُعامل كبيانات حساسة، لأنها تمس الذات الواعية للفرد.[28]
وتوج الاتحاد الأوروبي هذا المسار بإقرار قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act) سنة 2024، بعد ان تمت المصادقة عليه في ديسمبر 2023، هذا الاخير الذي يحظر بشكل صريح “استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لاستغلال الثغرات النفسية أو الإدراكية للأشخاص قصد التأثير غير المشروع في سلوكهم”.[29] وبذلك يكون المشرع الأوروبي قد انتقل من حماية “البيانات” إلى حماية “العقل”، في تحول نوعي يضع الأساس لحق جديد في الوعي الذاتي.
الفقرة الثالثة: المقاربة الأنجلوساكسونية – من التنظيم الذاتي إلى مفهوم الوعي الحُر
على خلاف النهج الأوروبي الذي يميل إلى التقنين الصارم، تبنت الأنظمة الأنجلوساكسونية، خاصة في الولايات المتحدة وكندا، فلسفة أكثر مرونة ترتكز على مبدأ الاستقلال الذاتي للفرد في مواجهة التكنولوجيا.
ففي الولايات المتحدة، لا يوجد قانون فدرالي شامل لحماية البيانات، ولكن العديد من المبادرات القضائية والأكاديمية دفعت نحو الاعتراف بمخاطر التلاعب الذهني الخوارزمي، كأحد أشكال الاعتداء على حرية الإرادة.[30]
وقد اعتبر القضاء الأمريكي في بعض القضايا أن التوجيه الخفي للمستهلك عبر خوارزميات تستغل نقاط ضعفه النفسية يشكل خرقًا لمبدأ “الموافقة المستنيرة”[31]، أما في كندا، فقد أصدرت لجنة الخصوصية الفدرالية تقريرًا سنة 2022 أكدت فيه ضرورة تطوير حماية للمعطيات النفسية الناتجة عن تفاعل المستخدم مع المنصات الرقمية، واقترحت إدراج مفهوم “البيانات الإدراكية” ضمن قانون الخصوصية الكندي الجديد (Bill C-27).[32]
هذه التجارب تُبرز أن العالم الأنجلوساكسوني، رغم غياب التقنين الشامل، يتجه نحو مقاربة أخلاقية وقانونية تعتبر الوعي الإنساني مجالًا للحرية لا يجوز التدخل فيه دون علم صاحبه، وهو ما يتقاطع مع الفلسفة المغربية في حماية الكرامة الإنسانية، وإن اختلفت الوسائل القانونية.
الفقرة الرابعة: نحو تأصيل حق جديد في السلامة النفسية الرقمية
انطلاقًا من التحليل المقارن، يمكننا القول أن الفجوة الكبرى في الأنظمة القانونية ليست في غياب النصوص، بل في غياب تصور فلسفي للإنسان الرقمي، فالقوانين الحالية تحمي ما هو خارجي كالبيانات، الصور والهوية، لكنها تغفل ما هو داخلي كالشعور، الوعي والإرادة.
من هنا، وحسب منظورنا البسيط تبرز الحاجة إلى تأصيل حق جديد يمكن تسميته بـالحق في السلامة النفسية الرقمية، يقوم على مرتكزات ثلاثة:
- الكرامة الإنسانية باعتبارها أصل الحماية؛
- حرية الاختيار والإرادة الواعية كمضمون الحق؛
- السلامة الإدراكية كامتداد للسلامة الجسدية.
هذا الحق يجب أن يجد مكانه في المنظومة القانونية المغربية، إما من خلال تعديل القانون رقم 09-08 أو عبر سنّ قانون خاص بالذكاء الاصطناعي والأمن النفسي الرقمي، بحيث تُمنح النفس البشرية حماية قانونية صريحة من كل شكل من أشكال الاستغلال الرقمي غير المشروع.
حيث أن اختراق النفس البشرية في البيئة الرقمية يمثل أخطر أشكال المساس بالكرامة الإنسانية، لأنه لا يُرى ولا يُلمس، ومع ذلك يغير في أعماق الإنسان دون وعيه، وإذا كان القانون المغربي قد وضع لبنات أولى لحماية الخصوصية، فإن الزمن الرقمي يستدعي منه اليوم الانتقال إلى حماية الوعي ذاته. فالحق في “أن يبقى الإنسان سيدًا على وعيه” هو التحدي الأكبر للعدالة القانونية في القرن الحادي والعشرين.
المبحث الثاني: المعالجة القانونية لاختراق النفس البشرية في ظل التشريعات المغربية والدولية.
لقد كشفت التحولات التكنولوجية الكبرى التي رافقت الثورة الرقمية عن أبعاد جديدة للهيمنة تتجاوز السيطرة الاقتصادية أو المعلوماتية، لتبلغ صميم النفس البشرية ذاتها، فالذكاء الاصطناعي، ومنصات التحليل السلوكي، وتقنيات القياس العصبي، باتت قادرة على التغلغل في أعماق الإدراك الإنساني، وإعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات.
هذا الوضع المستحدث أفرز سؤالًا قانونيًا غير مسبوق: هل تمتلك القواعد الدولية الحالية القدرة على حماية الوعي الإنساني من الاختراق الرقمي؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستوجب تفكيك المرجعيات القانونية الدولية التي تتقاطع في هذا المجال، من حقوق الإنسان إلى قوانين الفضاء السيبراني، ثم إلى المبادرات الحديثة حول “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”.
المطلب الأول: الإطار القانوني الدولي لاختراق النفس البشرية الرقمية
يُعد الإطار القانوني الدولي المتعلق بالحقوق الرقمية والنفسية في طور التبلور، إذ لم تصل المنظومة الدولية بعد إلى مرحلة النضج المفاهيمي التي تسمح بتقنين حماية الوعي الإنساني بشكل صريح. ومع ذلك، يمكن رصد تطور تدريجي في النصوص الدولية الكبرى التي بدأت تتعامل مع “الإنسان الرقمي” بوصفه كيانًا قانونيًا متميزًا يستحق حماية مركّبة تشمل البعد النفسي والإدراكي.
الفقرة الأولى: حماية النفس البشرية في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان
تعتبر الإعلانات الدولية الكلاسيكية لحقوق الإنسان الأساس الأول لأي تحليل قانوني يتعلق بحماية النفس البشرية، فـالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 نص في مادته الأولى على أن “جميع الناس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق”، وهي قاعدة شمولية تشمل بطبيعتها الحماية من أي مساس بالكرامة النفسية أو العقلية.[33]
أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 فقد أقر في مادته السابعة منع أي تجربة أو معاملة تمس السلامة الجسدية أو العقلية للإنسان دون رضاه، مما يفتح الباب لتأويل معاصر يدرج الاختراق النفسي الرقمي ضمن هذه الفئة من المعاملات غير المشروعة.[34]
ورغم أن هذه المواثيق وُضعت في سياقات ما قبل الرقمنة، فإن فقه القانون الدولي بدأ منذ العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين في توسيع مفاهيمها لتشمل أشكال الأذى غير المادي الناتجة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تؤثر في التوجهات والسلوكيات الذهنية.[35]
الفقرة الثانية: المقاربة الأممية الحديثة – نحو حماية “الوعي الإنساني”
في السنوات الأخيرة، اتجهت الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة إلى التفكير في حماية جديدة للإنسان تتناسب مع تطور التكنولوجيا، فظهرت مبادرات تعترف ضمنيًا بأن “النفس البشرية” أصبحت مجالًا مهددًا في البيئة الرقمية.
ففي تقرير اليونسكو لسنة 2021 حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تم التأكيد لأول مرة على ضرورة حماية “الاستقلال الإدراكي” للأفراد في مواجهة الأنظمة الذكية التي تملك القدرة على التأثير في القرارات البشرية.[36]
وقد اعتمدت الدول الأعضاء في اليونسكو في نوفمبر 2021 التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تنص في مادتها الرابعة على مبدأ “احترام الكرامة والوعي الإنساني”، معتبرة أن أي استخدام للذكاء الاصطناعي يجب ألا يخل بحرية الفكر أو يوجّه السلوك البشري بطريقة خفية.[37]
وهذا النص يُعد أول اعتراف أممي صريح بـأن “الوعي” مجال من مجالات الحماية القانونية.
كما أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان سنة 2023 تقريرًا بعنوان “الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان: حماية الذات الواعية”، حذّرت فيه من مخاطر الاستعمال المفرط للتقنيات التنبؤية التي تستغل الثغرات النفسية للأفراد لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية.[38]
هذه المبادرات، وإن كانت غير ملزمة قانونًا، تؤسس لاتجاه جديد في الفكر القانوني الدولي يقوم على دمج البعد النفسي والإدراكي ضمن نطاق حقوق الإنسان الرقمية.
الفقرة الثالثة: المنظمات الإقليمية ودورها في تقنين الحماية النفسية الرقمية
إلى جانب الأمم المتحدة، برزت منظمات إقليمية حاولت تقديم صيغ قانونية متقدمة لحماية البعد النفسي في الفضاء الرقمي، فالمجلس الأوروبي من خلال الاتفاقية 108 المعدّلة سنة 2018، وسّع نطاق حماية البيانات ليشمل المعطيات “المستخلصة من تحليل السلوك البشري أو النشاط العصبي”، وهو تطور جوهري يعكس إدراكًا لأهمية حماية النفس من التتبع الرقمي الخفي.[39]
كما أصدر الاتحاد الإفريقي سنة 2019 “اتفاقية مالابو حول الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية”، التي تؤكد في مادتها الثالثة على ضرورة حماية “سلامة الأفراد الجسدية والنفسية” في كل ما يتعلق بمعالجة المعلومات الرقمية.[40]
ورغم الطابع العام للعبارة، فإنها تمثل سابقة على المستوى الإفريقي في ربط الأمن السيبراني بالسلامة النفسية، لا الأمنية فقط.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد شهدت الأرجنتين والبرازيل نقاشات برلمانية حول ضرورة إدراج “الحق في التوازن النفسي الرقمي” ضمن تشريعات حماية الخصوصية، وقد أصدرت المحكمة العليا الأرجنتينية سنة 2022 قرارًا اعتبرت فيه “تحليل الحالة العاطفية للمستخدمين دون علمهم” ممارسة تمس الكرامة الإنسانية.[41]
الفقرة الرابعة: الإشكال المعياري في بناء مفهوم “الحق في الوعي”
رغم تعدد المرجعيات، يبقى القانون الدولي مترددًا في منح الوعي الإنساني صفة موضوع حماية قانونية مستقلة، فالمنظومات الحالية تتعامل مع الوعي باعتباره جزءًا من حرية الفكر أو الخصوصية، بينما يتطلب الأمر اعترافًا صريحًا بـأنه مجال مستقل من مجالات الكرامة الإنسانية.
ويرى بعض فقهاء القانون المعاصرين أن الوعي الإنساني يجب أن يُدرج ضمن الجيل الرابع لحقوق الإنسان، إلى جانب الحق في البيئة والحق في التنمية المستدامة.[42]
ففي زمنٍ لم يعد فيه الاعتداء المادي هو الخطر الأكبر، بل “الاختراق النفسي” الذي يعيد تشكيل الوعي الجمعي للأمم، يصبح من الضروري أن تتبنى المواثيق الدولية المقبلة “حقًا في السلامة الإدراكية” يكفل للفرد السيطرة على ذاته في البيئة الرقمية.
هذه الدعوة تجد سندها في الفلسفة القانونية الحديثة التي ترى أن حماية الإنسان لا تكتمل إلا بحماية وعيه، لأن الحرية الحقيقية تبدأ من داخل الذهن، لا من خارجه.[43]
يُستفاد من استقراء النصوص الدولية أن حماية النفس البشرية في البيئة الرقمية ما تزال في طور الإنشاء، لكنها تسير في اتجاه واضح نحو الاعتراف بالوعي كحق قانوني مستقل، فالتحولات الأممية من مجرد حماية المعطيات إلى حماية الفكر والإدراك تمثل ثورة مفهومية صامتة في القانون الدولي.
ويبقى الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا الوعي الأخلاقي إلى التزام قانوني ملزم للدول والشركات، ضمانًا لحق الإنسان في أن يبقى سيدًا على ذاته، مهما بلغت قوة التكنولوجيا.
المطلب الثاني: الآفاق التشريعية لحماية النفس البشرية في البيئة الرقمية
لقد كشف التحليل السابق أن الإطار القانوني الوطني، رغم تطوره في مجال حماية المعطيات الشخصية، ما زال يفتقر إلى رؤية تشريعية متكاملة لحماية النفس البشرية من الاختراق الرقمي.
فإذا كانت القوانين المغربية قد نظمت حماية الجسد والممتلكات، فإنها لم تُصغ بعد أدوات قانونية تحمي الوعي والوجدان البشري من الاعتداءات غير المرئية التي تُمارس عبر الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، من هنا، تبرز الحاجة إلى تصور إصلاحي شامل، يجعل من النفس البشرية موضوعًا للحماية القانونية في حد ذاته، لا مجرد عنصر تابع للحق في الخصوصية.
الفقرة الأولى: الإصلاح التشريعي الوطني – نحو تجريم الاختراق النفسي الرقمي
يبدو من خلال تتبع النصوص الجنائية المغربية أن المشرع لم يواكب بعد التحول العميق الذي عرفته الجرائم الرقمية في بعدها النفسي، فالقانون الجنائي المغربي ظل أسير المنطق المادي التقليدي الذي يربط الجريمة بالنتائج الحسية الملموسة، متجاهلاً الأفعال التي تستهدف البنية الذهنية للإنسان عبر التأثير العاطفي أو الإقناعي الخوارزمي؛ وهذا ما يستدعي:
- الحاجة إلى تكييف جنائي جديد
إن الاختراق النفسي، من زاوية علم الجريمة الحديث، يُعد من الجرائم اللامادية التي تُحدث ضررًا معنويًا بالغًا، إذ تمس بالحرية الفكرية والإرادة الواعية للفرد، دون أن تترك أثرًا مادياً ملموسًا.
ولذلك، فإن إدراجه ضمن خانة الأفعال المجرمة يتطلب تطوير نظرية السببية الجنائية، بحيث تشمل الأضرار الذهنية والنفسية بوصفها نتائج مجرّمة في حد ذاتها.
وقد سبق لبعض الفقه المغربي أن أشار إلى أن مفهوم “السلامة المعنوية” الوارد في الفصل 431 من القانون الجنائي، يمكن تأويله توسيعياً ليشمل “الاختراق الذهني” الناتج عن معالجة رقمية خفية تؤثر على التوازن النفسي للفرد.[44]
وهو تأويل يجد سنده الدستوري في الفصل 22 من دستور 2011، الذي يمنع المساس بالسلامة المعنوية لأي شخص[45].
كما أن تطور العلوم العصبية الرقمية يُظهر أن الخطر لم يعد نظرياً، بل أصبح واقعيًا بفعل أنظمة تحليل المشاعر والبرمجيات القادرة على التلاعب بالقرارات، وهو ما يجعل إدماج الاختراق النفسي الرقمي كجريمة مستقلة ضرورة تشريعية وليست ترفًا فقهيًا[46].
- إدماج الحق في الحصانة النفسية ضمن المنظومة الحقوقية
من منظور تشريعي حديث، أصبح من الضروري اعتبار السلامة النفسية الرقمية حقًا قائمًا بذاته، موازٍ للحق في الخصوصية الرقمية، ذلك أن الخصوصية تحمي ما يُفصح عنه الفرد، بينما الحصانة النفسية تحمي ما يُخفيه داخله، أي مجاله الذهني والعاطفي، وفي غياب نص صريح يضمن هذا الحق، تبقى الحماية ناقصة وغير فعّالة.
يمكن للمشرع المغربي، استلهامًا من تجارب دول مثل تشيلي وإسبانيا وفرنسا، أن يُدرج مادة جديدة في القانون 09.08 تُجرّم كل معالجة رقمية أو خوارزمية تهدف إلى تحليل أو استغلال الحالات الذهنية دون موافقة صريحة من الشخص المعني.[47] كما يمكن أن يُدرج ضمن القانون الجنائي نص خاص يُعاقب على كل فعل يؤدي إلى اضطراب نفسي ناتج عن تلاعب رقمي، أسوة بالفصل 431 الذي يعاقب على المساس بالسلامة المعنوية.[48]
وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) بدأت سنة 2023 دراسة حول البيانات الذهنية والعاطفية، معتبرة أنها تمثل الجيل الجديد من المعطيات الحساسة التي تستدعي مقاربة قانونية دقيقة.[49]
الفقرة الثانية: التوجهات الدولية وتوصيات التشريع المغربي
- المبادئ الدولية الناشئة
تُظهر الوثائق الدولية الحديثة أن الوعي العالمي بدأ يتجه نحو إدراج الحماية النفسية الرقمية ضمن منظومة حقوق الإنسان، ففي سنة 2021، تبنّت منظمة اليونسكو توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي أكدت على ضرورة حماية “سلامة العقل الإنساني” ومنع كل معالجة رقمية تؤدي إلى التلاعب النفسي دون إذن[50].
كما اعتمد مجلس أوروبا ضمن مشروعه حول الذكاء الاصطناعي ” CAHAI Report, 2022″، توصية تنص على أن “الوعي البشري يمثل منطقة محمية قانونياً لا يجوز استغلالها لأغراض اقتصادية أو سياسية”[51].
في السياق نفسه، ناقش البرلمان الأوروبي سنة 2023 مقترح “الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان في الفضاء الرقمي”، الذي أدرج لأول مرة “الحق في السلام النفسي الرقمي” كحق مستقل عن الحق في الخصوصية[52]. هذه المبادرات تُبرز ميل التشريعات المتقدمة إلى اعتبار النفس البشرية مصلحة قانونية محمية، ما يمهد لتطور تشريعي عالمي في هذا الاتجاه.
- مقترحات لتطوير المنظومة المغربية
انطلاقًا من التجارب الدولية، يمكن اقتراح رؤية إصلاحية مغربية تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة:
أولاً، على مستوى الدستور: إضافة فقرة إلى الفصل 24 من الدستور تضمن “الحق في الحصانة النفسية في البيئة الرقمية” انسجامًا مع مضمون الفصل 22 المتعلق بالسلامة المعنوية.
ثانيًا، على مستوى القانون 09.08: إحداث باب خاص يتعلق بـ“المعطيات الذهنية والعاطفية”، مع تحديد شروط معالجتها وأشكال الموافقة القانونية عليها؛ ثالثًا، على مستوى السياسة العمومية، وذلك بإدماج البعد النفسي في الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، تحت مسمى “الأمن النفسي الرقمي الوطني”، بشكل يوازي الأمن المعلوماتي والتقني.
إن بناء منظومة تشريعية متكاملة لحماية النفس البشرية رقمياً، لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يستلزم أيضًا تطوير قضاء متخصص في الجرائم النفسية الرقمية، وتكوين خبراء في الأدلة الرقمية النفسية لضمان إثبات الجرائم التي لا تترك أثراً مادياً واضحاً.[53]
تُظهر المعطيات التحليلية أن إدماج النفس البشرية في المنظومة القانونية الرقمية لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة تشريعية وأخلاقية لمواكبة التطور السريع للذكاء الاصطناعي وتقنيات التلاعب الذهني.
فالقوانين التقليدية التي تركز على حماية البيانات المادية باتت عاجزة عن مواجهة الخطر الجديد المتمثل في استهداف الوعي ذاته، ومن ثم، فإن الرهان التشريعي المغربي يجب أن ينصرف إلى بلورة نموذج وطني للحماية النفسية الرقمية، يستلهم التجارب الدولية المتقدمة، ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصية المنظور المغربي القائم على التكامل بين القيم الإنسانية والضمانات القانونية.
خاتمة
لم تعد البيئة الرقمية مجرد فضاء للتواصل أو تبادل المعطيات، بل تحولت إلى ساحة جديدة لإعادة تشكيل الإدراك البشري وتوجيه السلوك الفردي والجماعي من خلال أدوات تقنية ذات قدرة تحليلية غير مسبوقة، فالإنسان الرقمي لم يعد يحيا في عالمين منفصلين، مادي وافتراضي، بل أصبح يعيش حالة اندماج تام بين الجسد الواقعي والذات الرقمية، بحيث غدت النفس البشرية معرضة لاختراقات خفية تستهدف الوجدان، الإرادة، الوعي والادراك أكثر مما تستهدف البيانات والمعلومات.
ومن ثم، فإن حماية الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي تقتضي أن يتجاوز القانون نطاق حماية “المعطيات الشخصية” إلى حماية “الذات النفسية الرقمية” باعتبارها الكيان الأكثر هشاشة أمام التطور التكنولوجي.
فلقد أبرزت الدراسة أن الاختراق النفسي الرقمي يمثل تحديًا غير مسبوق للمنظومات القانونية، لأنه يتجاوز الوسائل الإجرامية التقليدية نحو أساليب تعتمد على تحليل المشاعر، واستقراء الميول، واستغلال نقاط الضعف الإدراكية عبر الخوارزميات والتقنيات السلوكية، وهي ممارسات تؤدي في نهاية المطاف إلى المسّ بالحرية الفكرية، وبتوازن الشخصية الإنسانية، دون أن تكون مشمولة بنصوص قانونية صريحة في التشريع المغربي أو أغلب التشريعات العربية[54].
من هذا المنطلق، فإن البعد النفسي للقانون الرقمي يجب أن يحتل موقعًا مركزيًا في النقاش القانوني المعاصر، خاصة وأن أغلب المقاربات الحالية تنحصر في الجوانب التقنية والأمنية، متجاهلة الأبعاد الإنسانية التي تشكل جوهر الحماية القانونية الحديثة.
إن حماية الوعي، كما يقول “Alain Supiot”، أصبحت شرطًا للحفاظ على “كرامة الإنسان الرقمية”[55]، لأن السيطرة على الانتباه والوجدان تمثل شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة غير المرئية، يتعين على القانون مواجهتها كما واجه في الماضي أشكال العبودية والاستغلال الجسدي.
أولاً: ضرورة إعادة بناء مفهوم “السلامة المعنوية” في التشريع المغربي
إن المفهوم التقليدي للسلامة المعنوية، كما ورد في الفصل 431 من القانون الجنائي، لم يعد كافيًا في ظل التطور التقني، فهو يفترض وقوع اعتداء مادي أو معنوي مباشر، في حين أن الاختراق النفسي الرقمي يتم بوسائل ناعمة وغير محسوسة، ولذلك، فإن تطوير هذا المفهوم بات ضرورة، لتشمل دلالته القانونية كل الأفعال الرقمية التي تستهدف التأثير غير المشروع على المشاعر أو القرارات أو التصورات الفردية.
ومن شأن هذا التوسيع أن يخلق أساسًا قانونيًا جديدًا لتجريم “التلاعب النفسي الرقمي”، بوصفه سلوكًا يهدد الأمن النفسي للمواطن، مثلما يهدد الاختراق المعلوماتي أمنه التقني، كما يمكن للمشرع المغربي أن يستلهم التجربة التشيلية التي أقرت “الحق في السلامة العصبية” ضمن دستورها لسنة 2021، معتبرة أن النشاط العصبي جزء من الهوية الإنسانية[56].
ثانياً: إدماج البعد النفسي ضمن السياسة الجنائية الوطنية
إن إشكالية الاختراق النفسي لا تقتصر على الفراغ التشريعي، بل تمتد إلى غياب وعي مؤسساتي بخطورته، فالمؤسسات الأمنية والقضائية لا تمتلك بعدُ أدوات الخبرة اللازمة لاكتشاف الجرائم التي تمس بالسلامة النفسية عبر الوسائط الرقمية، ولذلك، فإن أحد التوجهات الاستراتيجية يتمثل في تكوين قضاة وخبراء في الطب النفسي الرقمي “Cyberpsychology” قصد تقييم الأضرار الذهنية والإثبات القضائي لها[57].
كما ينبغي تطوير وحدات مختصة داخل المديرية العامة للأمن الوطني تتولى تحليل السلوكيات الرقمية ذات الطابع التلاعبـي، بالتنسيق مع اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، وهذا ما بدأته بعض الدول الأنجلوسكسونية، حيث تم إحداث وحدات في بريطانيا وكندا لدراسة “الجرائم النفسية عبر الإنترنت”، مستندة إلى تداخل علم النفس الجنائي والتكنولوجيا[58].
إن السياسة الجنائية المغربية مدعوة إلى تجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق الوقاية النفسية، عبر التثقيف الرقمي، وتعزيز الوعي بخطورة مشاركة المعطيات الانفعالية على المنصات الذكية، فالردع القانوني وحده غير كافٍ دون بناء ثقافة رقمية تُمكّن الفرد من الدفاع عن ذاته النفسية أمام محاولات الاختراق الخوارزمي المتزايد[59].
ثالثاً: الحاجة منظومة دولية لحماية النفس البشرية رقمياً
أثبتت المقارنة مع التجارب الأجنبية أن المقاربة الأنجلوسكسونية تميل إلى حماية حرية الإرادة عبر آليات السوق، في حين تعتمد المقاربة اللاتينية على الضمانات القانونية ذات الطابع الحقوقي، وبين هذين الاتجاهين، يبرز المسار المغربي كفرصة لبناء نموذج وسطي يستمد شرعيته من القيم الدستورية التي تجعل من الإنسان محورًا لكل السياسات العمومية.
إن الانخراط المغربي في النقاش الدولي حول “الحقوق العصبية” و”الوعي الآمن رقمياً”، ينبغي أن يكون مبنيًا على رؤية استباقية تجعل من التشريع أداة لحماية الإنسان قبل وقوع الضرر، لا بعده، ويُعد الانفتاح على التجربة الأوروبية في مجال “الأمن الذهني” و”الخصوصية الإدراكية” خطوة أساسية نحو بلورة اتفاقيات دولية تُجرّم التلاعب النفسي عبر الوسائط الذكية، كما أوصت بذلك تقارير المجلس الأوروبي ومنظمة اليونسكو في السنوات الأخيرة[60].
رابعاً: الرؤية المستقبلية للتقنين المغربي
إن مستقبل التشريع المغربي في مواجهة الاختراق النفسي الرقمي يجب أن يستند إلى منظور شمولي يجمع بين الفلسفة القانونية وعلم النفس العصبي الرقمي، ذلك أن القانون في صورته المستقبلية لن يقتصر على ردع الجريمة، بل سيغدو أداة لضمان التوازن النفسي للمجتمع في مواجهة الطغيان التكنولوجي.
يمكن اقتراح إنشاء مرصد وطني للأمن النفسي الرقمي، يعنى بدراسة آثار الذكاء الاصطناعي على البنية الذهنية للمواطن، وإصدار تقارير دورية للبرلمان، كما يُستحسن أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بابًا خاصًا بحماية الوعي البشري، تماشياً مع المبادئ الدستورية ومع التوجهات الأخلاقية العالمية.
إن بناء هذا الإطار التشريعي لا يعني فرض قيود على الابتكار، بل تحقيق توازن بين الإبداع التكنولوجي والكرامة الإنسانية، فكلما تطورت الخوارزميات، وجب أن يتطور معها القانون، ضمانًا لعدم انزلاقها نحو تدمير الجوهر الإنساني الذي يشكل أساس الدولة الحديثة[61].
إن التحدي الحقيقي في عصر الرقمنة ليس فقط في تأمين البيانات، بل في حماية الإنسان من أن يُختزل إلى معطى قابل للتحليل والتوجيه، فالاختراق النفسي الرقمي يشكل أخطر أشكال السيطرة، لأنه يستهدف الإرادة الحرة التي تُعد جوهر المسؤولية القانونية والأخلاقية، وعليه، فإن مستقبل التشريع المغربي، كما العربي والدولي، يجب أن يتجه نحو تكريس الحق في الحصانة النفسية الرقمية، باعتباره الركيزة الجديدة لحقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين.
لائحة المراجع
أولا: المراجع بالعربية
- المؤلفات:
- الإدريسي، شفيق، علم النفس والذكاء الاصطناعي: نحو قراءة قانونية جديدة، دار الأمان، الرباط، 2022.
- البكري، عبد القادر، الحماية الجنائية للحياة الخاصة في التشريع المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، 2021.
- بنسعيد، الحسين، التطورات الحديثة في السياسة الجنائية المغربية، دار الأفق، الدار البيضاء، 2021.
- بنسعيد، عبد السلام، القانون والمجتمع الرقمي: حماية الحقوق الشخصية في الفضاء السيبراني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2022.
- بنضو، عبد الرحيم، التحولات الجنائية في مواجهة الجرائم الرقمية، منشورات كلية الحقوق بالدار البيضاء، 2022.
- خليل، محمد، التحليل النفسي للجرائم المعلوماتية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2020.
- السعدي، عبد الإله، “الخوارزميات كسلطة اجتماعية جديدة: قراءة في أثر الذكاء الاصطناعي على حرية الإنسان”، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، عدد 48، 2023.
- السفياني، عبد الله، “الحق في الهوية الرقمية كضمان لحماية الكرامة الإنسانية”، المجلة المغربية للإدارة والحقوق، عدد 42، 2023.
ب- النصوص القانونية والتشريعية المغربية
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليو 2011.
- القانون الجنائي المغربي، ظهير شريف رقم 1.59.413 بتاريخ 26 نوفمبر 1962، الجريدة الرسمية عدد 2640 بتاريخ 5 يونيو 1963.
- القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 18 فبراير 2009، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 5 مارس 2009.
- اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، تقرير حول المعطيات الذهنية والبيانات العصبية، الرباط، 2023.
- التقرير السنوي لسنة 2023 حول حماية الحياة الخاصة في المغرب، اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الرباط، 2024.
ثانيًا: المراجع باللغات لأجنبية
-
- النصوص والقواعد القانونية
- Déclaration universelle des droits de l’homme, Nations Unies, 1948.
- Pacte international relatif aux droits civils et politiques, Nations Unies, 1966.
- Council of Europe Convention 108+ for the Protection of Individuals with regard to Automatic Processing of Personal Data, Strasbourg, 2018.
- General Data Protection Regulation (EU) 2016/679, Official Journal of the European Union, L 119, 4 May 2016.
- Ley Orgánica 3/2018 de Protección de Datos Personales y Garantía de los Derechos Digitales, Boletín Oficial del Estado n° 294, 6 December 2018.
- African Union Convention on Cyber Security and Personal Data Protection (Malabo Convention), Addis Ababa, 2019.
- Constitution Política de Chile, Reforma sobre Neuroderechos, Ley N° 21.383, Diario Oficial de la República de Chile, 14 octubre 2021.
- EU Artificial Intelligence Act, Official Journal of the European Union, C 275, 2024.
- European Parliament, Draft Charter on Digital Human Rights, Brussels, 2023.
- United States v. Meta Platforms Inc., Federal Court Records, 2021.
ب.المراجع الأكاديمية الأجنبية
- Balkin, Jack, Digital Speech and Democratic Culture: A Theory of Freedom of Expression for the Information Society, New York University Law Review, Vol. 79, 2020.
- Capurro, Rafael, Digital Ethics and Human Rights, Springer, Berlin, 2022.
- Floridi, Luciano, The Ethics of Information, Oxford University Press, Oxford, 2021.
- Floridi, Luciano, The Logic of Information: A Theory of Philosophy as Conceptual Design, Oxford University Press, Oxford, 2019.
- Gazzaniga, J., The Ethical Brain: The Science of Our Moral Nature, HarperCollins, New York, 2020.
- Greenfield, C., Digital Emotions and Mental Safety, Oxford University Press, 2022.
- Han, Byung-Chul, Psychopolitics: Neoliberalism and New Technologies of Power, Verso Books, London, 2017.
- Julia, Luc, L’intelligence artificielle n’existe pas, First Éditions, Paris, 2021.
- Kosinski, Michal et al., “Private traits and attributes are predictable from digital records of human behavior”, PNAS, Vol. 110, No. 15, 2013.
- Lee, S. D., Cyberpsychology and Digital Crime, Routledge, London, 2021.
- Nussbaum, Martha, The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy, Cambridge University Press, 2019.
- Sadin, F., L’intelligence artificielle ou l’enjeu du siècle, Grasset, Paris, 2023.
- Solove, Daniel J., Understanding Privacy, Harvard University Press, Cambridge, 2021.
- Stiegler, Bernard, La société automatique: L’avenir du travail, Fayard, Paris, 2015.
- Supiot, Alain, La gouvernance par les nombres, Fayard, Paris, 2015.
- Van Dijck, José, The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media, Oxford University Press, 2013.
- Zuboff, Shoshana, The Age of Surveillance Capitalism, PublicAffairs, New York, 2019.
جـ- التقارير والوثائق المؤسساتية الدولية
- Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL), Avis sur l’éthique des données comportementales, Paris, 2021.
- Conseil d’État (France), Étude annuelle 2022: Numérique et droits fondamentaux, La Documentation Française, Paris, 2022.
- Council of Europe, CAHAI Report on Legal Framework for AI, Strasbourg, 2022.
- Information Commissioner’s Office (UK), Guidance on AI and Data Protection, London, 2022.
- Office of the Privacy Commissioner of Canada, Annual Report 2022 on Emerging Digital Rights, Ottawa, 2022.
- UNESCO, Ethics of Artificial Intelligence: Global Report, Paris, 2021.
- UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, Adopted by the General Conference, Paris, 24 November 2021.
- United Nations Human Rights Council, AI and Human Consciousness: Emerging Legal Challenges, Geneva, 2023.
- Floridi, Luciano, The Logic of Information: A Theory of Philosophy as Conceptual Design, Oxford University Press, Oxford, 2019, p. 152. ↑
- Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, Public Affairs, New York, 2019, p. 98. ↑
- ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 18 فبراير 2009 بتنفيذ القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 5 مارس 2009. ↑
- Daniel J. Solove, Understanding Privacy, Harvard University Press, Cambridge, 2021, p. 211. ↑
- Information Commissioner’s Office (UK), Guidance on AI and Data Protection, London, 2022, p. 34. ↑
- Byung-Chul Han, Psychopolitics: Neoliberalism and New Technologies of Power, Verso Books, London, 2017, p. 62. ↑
- Floridi, Luciano, The Ethics of Information, Oxford University Press, Oxford, 2021, p. 95. ↑
- عبد القادر البكري، الحماية الجنائية للحياة الخاصة في التشريع المغربي، مطبعة الأمنية، الرباط، 2021، ص. 244. ↑
- ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 18 فبراير 2009 بتنفيذ القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، نفس المرجع السابق. ↑
- Information Commissioner’s Office (UK), Op cit, p. 19. ↑
- Conseil d’État (France), Étude annuelle 2022: Numérique et droits fondamentaux, Paris, La Documentation Française, 2022, p. 76. ↑
- عبد السلام بنسعيد، القانون والمجتمع الرقمي: حماية الحقوق الشخصية في الفضاء السيبراني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2022، ص. 17. ↑
- شفيق الإدريسي، علم النفس والذكاء الاصطناعي: نحو قراءة قانونية جديدة، دار الأمان، الرباط، 2022، ص. 33. ↑
- Bernard Stiegler, La société automatique: L’avenir du travail, Fayard, Paris, 2015, p. 92. ↑
- عبد الإله السعدي، “الخوارزميات كسلطة اجتماعية جديدة: قراءة في أثر الذكاء الاصطناعي على حرية الإنسان”، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، عدد 48، 2023، ص. 77. ↑
- Michal Kosinski et al., “Private traits and attributes are predictable from digital records of human behavior”, Proceedings of the National Academy of Sciences, Vol. 110, No. 15, 2013, p. 5804. ↑
- Shoshana Zuboff, , Ibid, p. 363. ↑
- Luc Julia, L’intelligence artificielle n’existe pas, First Éditions, Paris, 2021, p. 142. ↑
- José van Dijck, The Culture of Connectivity: A Critical History of Social Media, Oxford University Press, 2013, p. 211. ↑
- عبد الله السفياني، “الحق في الهوية الرقمية كضمان لحماية الكرامة الإنسانية”، المجلة المغربية للإدارة والحقوق، عدد 42، 2023، ص. 26. ↑
- القانون رقم 09-08، المرجع السابق، ↑
- القانون رقم 09-08، المرجع نغسه، ↑
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011. ↑
- التقرير السنوي 2023 حول حماية الحياة الخاصة في المغرب، صادر عن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الرباط، 2024، ص. 15. ↑
- General Data Protection Regulation (EU) 2016/679, Official Journal of the European Union, L 119, 4 May 2016. ↑
- Luciano Floridi, op cit, p. 212. ↑
- Ley Orgánica 3/2018 de Protección de Datos Personales y Garantía de los Derechos Digitales, BOE n° 294, 6 December 2018. ↑
- Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL), Avis sur l’éthique des données comportementales, Paris, 2021, p. 4. ↑
- EU Artificial Intelligence Act, Official Journal of the EU, C 275, 2024. ↑
- Shoshana Zuboff, Ibid, p. 325. ↑
- United States v. Meta Platforms Inc., Federal Court Records, 2021. ↑
- Office of the Privacy Commissioner of Canada, Annual Report 2022 on Emerging Digital Rights, Ottawa, 2022, p. 33 ↑
- Déclaration universelle des droits de l’homme, Nations Unies, 1948, Article 1 ↑
- Pacte international relatif aux droits civils et politiques, Nations Unies, 1966, Article 7. ↑
- Jack Balkin, Digital Speech and Democratic Culture: A Theory of Freedom of Expression for the Information Society, New York University Law Review, Vol. 79, 2020, p. 36. ↑
- UNESCO, Ethics of Artificial Intelligence: Global Report, Paris, 2021, p. 17. ↑
- UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, Adopted by the General Conference, Paris, 24 November 2021, Article 4. ↑
- United Nations Human Rights Council, AI and Human Consciousness: Emerging Legal Challenges, Geneva, 2023, p. 11. ↑
- Council of Europe Convention 108+ for the Protection of Individuals with regard to Automatic Processing of Personal Data, Strasbourg, 2018, Article 2. ↑
- African Union Convention on Cyber Security and Personal Data Protection (Malabo Convention), Addis Ababa, 2019, Article 3. ↑
- Corte Suprema de Justicia de la Nación (Argentina), Decision No. 203/2022 on Emotional Data Collection, Buenos Aires, 2022. ↑
- Rafael Capurro, Digital Ethics and Human Rights, Springer, Berlin, 2022, p. 97. ↑
- Martha Nussbaum, The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy, Cambridge University Press, Cambridge, 2019, p. 45. ↑
- الحسين بنسعيد، التطورات الحديثة في السياسة الجنائية المغربية، دار الأفق، الدار البيضاء، 2021، ص. 211 ↑
- دستور المملكة المغربية، الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 30 يوليو 2011. ↑
- J. Gazzaniga, The Ethical Brain: The Science of Our Moral Nature, New York: HarperCollins, 2020, p. 198. ↑
- Constitución Política de Chile, Reforma sobre Neuroderechos, Ley N° 21.383, Diario Oficial de la República de Chile, 14 octubre 2021. ↑
- القانون الجنائي المغربي، ظهير شريف رقم 1.59.413 بتاريخ 26 نوفمبر 1962، الجريدة الرسمية عدد 2640 بتاريخ 5 يونيو 1963. ↑
- اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، تقرير حول المعطيات الذهنية والبيانات العصبية، الرباط، 2023، ص. 12. ↑
- UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, op cit, p. 15. ↑
- Council of Europe, CAHAI Report on Legal Framework for AI, Strasbourg, 2022, p. 43 ↑
- European Parliament, Draft Charter on Digital Human Rights, Brussels, 2023, art. 12. ↑
- A. Rouvroy & T. Berns, Le gouvernement algorithmique de l’humain, Bruxelles: Presses Universitaires de Belgique, 2022, p. 64. ↑
- عبد الرحيم بنضو، التحولات الجنائية في مواجهة الجرائم الرقمية، منشورات كلية الحقوق بالدار البيضاء، 2022، ص. 57. ↑
- Alain Supiot, La gouvernance par les nombres, Paris: Fayard, 2015, p. 289. ↑
- Constitución Política de Chile, op cit. ↑
- محمد خليل، التحليل النفسي للجرائم المعلوماتية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2020، ص. 95. ↑
- S. D. Lee, Cyberpsychology and Digital Crime, London : Routledge, 2021, p. 134. ↑
- C. Greenfield, Digital Emotions and Mental Safety, Oxford University Press, 2022, p. 76. ↑
- UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence, op cit, p. 27. ↑
- F. Sadin, L’intelligence artificielle ou l’enjeu du siècle, Paris : Grasset, 2023, p. 112. ↑





