في الواجهةمقالات قانونيةوجهات النظر

المجتمع الطرف الثاني في الجريمة‎

 

تسعى كل النظم القانونية جاهدة الى محاولة ضبط سلوكات الأفراد داخل مجتمعاتها، وذلك عبر سن جملة من القوانين من أجل معاقبة كل من انحرف أو تعدى على أي قاعدة سلوكية، لذلك فغالبا ما تتجه سياسة المشرع نحو ردع ما أمكن الإنحرافات الصادرة عنالمنحرفين بعقوبات حسب درجة إجرامهم ومنعهم من لحالة العود.

لهذا فالمشرع اثناء تطبيقه الجزاء المادي فهو يراعي طبيعة السلوك المنحرف والاعتداء الموجه ضد المعتدى عليه سواء كان فردا أو جماعة، لكن هل يتم الأخذ بعين الاعتبار نظرة المجتمع اتجاه المجرم ؟

           لقد استقرت العادة في كثير من الدول إن لم تكن جميعها على تهميش كل مخالف لأي عرف دأبت عليه الجماعة بل ستفرض الضرورة  عزله في هامش، بغض النظر عن كون هذا العرف يعاقب عليه قانونا أم لا، لهذا ففي المجتمع المغربي أنموذجا نجدأشخاصه يجسدون مقولة ” مع من رأيتك شبهتك ” بمعنى أنه بمجرد الإلتحاق لجماعة معينة تعد سيئة أو منحرفة كافي للقول على أنك شخص منحرف وذلك، دونما إعتبار  السلوك الحقيقي، وهذا طبعاً قد يؤدي بالشخص الذي اكتسب هذه الصفة الإجرامية الجديدةالى تجسيد سلوكات تتماشي و الوصمة التي لحقته، بمعنى سوف يشكل سلوكاته طبقا لما ينتظر منه كشخص مجرم.

كما لعوامل التربية أن تساعد ايضا في بلورة شخصية المجرم فالحرمان أو التعرض لإعتداء بدني عنيف في مرحلة الطفولة، الشيء الذي يخلق مجرما عدوانيا يعتدي على الآخرين محاولاً في إعتقاده رد الإعتبار لنفسه، على إعتبار أن مجتمعنا لا يرحم الأشخاصالذين يتعرضون لأضرار ولو كان ذلك بدون رضاهم، حيت لازالت تسود المجتمع النظرة التقليدية في كل جانب خاصة وأنه مجتمع يؤمن بثقافة الإنتقام ورد الإعتبار لنفسه دون اللجوء للمصالح المختصة بتطبيق العقاب.

لهذا فقد يكون المنحرف بريئا، أو اندفع مضطرا إلى اقتراف جريمة ما، أو ارتكبها دون أن يكون متعمدا أو عن طريق الخطأ وهنا يتعرض لمفعول الوصمة الاجتماعية، حيث يأتي دور المجتمع في استهجان ونفي ذلك المجرم، وكنتيجة لذلك سيعرضه هذا الى تكرارجرائمه، وفي هذا الصدد يقول العالم لوميير :” ليس السلوك المنحرف هو من يولد المراقبة الاجتماعية، بل إن هذه الأخيرة هي من تساعد على ارتكاب الإجرام والانحراف معاً” .

لذا فمراقبة الشخص و اعطاؤه صفة المنحرف يتولد عنها نبذه خارج إطار التعامل معه، في الوقت الذي يحتاج الى احتضانه أو إعادة تأهيله للإندماج ما أمكن في المجتمع، وفي هذا السياق سنعرض لقصة واقعية، تسرد “نادية . م”، قصتها فتقول: “زوجي دائما كانيتشاجر معي، وفي إحدى الليالي طردني من المنزل بملابس النوم، فظللت أهرول في الطرقات في الظلام الدامس لا أجد من يحميني من أخطار الطريق، إلى أن أوقفت تاكسي، ولم أدر إلى أين أخذني، فقد أخبرني بأنه سيجعلني أقيم في فندق، ولكنه ذهب بي إلىشقة بها مجموعة من الرجال يجالسون فتيات ليل، وفي نفس اللحظة اقتحمت الشرطة المكان، وتم القبض على الجميع، وتم سجني بتهمة ارتكاب الرذيلة، وخلال هذه الفترة لم يزرني أحد من أهلي، ولا حتى زوجي، فقد صدقوا أنني مذنبة، وحينما تم الإفراجعني علمت أن زوجي طلقني وتزوج بأخرى، فحرمت من رؤية ابني الوحيد، وحينما ذهبت إلى أهلي قاموا بطردي، وظللت في الشوارع والطرقات شاردة لا أعرف هدفا أسعى إليه، ولم أستطع الحصول على عمل شريف، فضاقت بي الدنيا ولم أجد غير طريقالرذيلة فسرت فيه، ليتم القبض عليّ مرة أخرى”.

ان استعراض هذه القصة يستند على أساسين هما:

الأول هو أن سوء فهم المجتمع للشخص المرتكب لفعل منحرف قد يزيده اصراراً على تضخيم سلوكه وتكثيفه بل وجعله أكثر حدة مما ارتكبه في السابق.

الثاني هو دليل على عدم صحة نظرية العالم الإيطالي لومبروزو،  أحد أعمدة المدرسة الوضعية الذي بنى نظرياته على أساس ان هناك مجرم بالفطرة، بمعنى ان مرتكب الجريمة هو مجرم بطبعه، وبالتالي فهذه النظرية خاطئة.

فحتى العالم العربي عبدالرحمان ابن خلدون يدحض فكرة وجود مجرم بالميلاد أو بالفطرة، مؤكدا على أن الإنسان يولد على الفطرة طبيعيا لا يحمل أي صفات إجرامية، ولكن المجتمع والظروف الاجتماعية التي نشأ فيها هي من تدفع بعض الناس الى ارتياد مسالكالجرائم، موضحا بذلك أن الإنسان ابن البيئة التي يعيش فيها، والظروف و الأحوال السائدة هي التي تتحكم فيه، وبالتالي تلعب هذه الظروف دورا مؤثرا في السقوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق