في الواجهةمقالات قانونية

دور الوثيقة العدلية في استتباب الأمن القانوني داخل الأسرة

 

دور الوثيقة العدلية في استتباب الأمن القانوني داخل الأسرة

 

  • بوبكر امزياني

حاصل على ماستر الاسرة في القانون المغربي والمقارن

عدل موثق متمرن

 

مقدمة

التوثيق العدلي يعتبر محور أساسي في المنظومة القضائية، لكونه من المهن القانونية والقضائية التي تزاول في إطار مساعدي القضاء، هدفها الأساسي توثيق الحقوق والمعاملات، والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم، وتحضير وسائل الإثبات، التي تمكن القضاء من فض النزاعات والفصل في الخصومات.[1]

الوثيقة العدلية لها أهمية بالغة في الحياة العملية للأفراد فهو يحصل في وقت لا نزاع فيه، وفي وقت تقرر فيه الحقائق على طبيعتها وعلى أوضح صورها قطعا لأي نزاع مرتقب، ورأبا لأي صدع محتمل قد يضر بالأسرة والمجتمع والدولة عامة.

فهو الملجأ الذي يطمئن إليه المغاربة في توثيق سائر معاملاتهم المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث وسائر التصرفات المدنية والعقارية والتجارية، كيف لا يكون على تلك الصورة وهو إحدى الدعامات الأساسية لضمان استقرار المعاملات، وتشجيع وجلب الاستثمارات، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومساعدة القضاء على فض النزاعات والخلافات من خلال تمكينه من وسائل الإثبات.

التوثيق العدلي على مر العصور يسعى دائما لأجل تثبيت القواعد القانونية الأسرية في مكانها الصحيح والأنسب، ويسعى دائما إلى تحقيق الأمن القانوني للأفراد داخل الأسرة.

فإلى أي حد يمكن تحقيق الأمن القانوني داخل الأسرة في العلاقات التعاقدية التي يتولى العدول الموثقين مهام توثيقها وضبطها في المحررات الرسمية؟

الوثيقة ودورها في تطويروتطبيق القانون

هذه الاشكالية تتفرع عنها مجموعة من الاسئلة نجملها وفق الشكل التالي:

  • ما المقصود بالأمن القانوني؟
  • ما هي أهم المبادئ القانونية المرادفة للأمن القانوني؟
  • كيف يساهم العدول الموثقون في استتباب الأمن القانوني داخل الأسرة من خلال الوثائق والعقود التي يحررونها؟

الاجابة على هذه الاشكالية المركزية للموضوع وكذا الأسئلة الفرعية المرتبطة بها سيكون من خلال محورين اساسيين على النحو الاتي:

المحور الأول: ماهية الأمن القانوني

المحور الثاني: مظاهر مساهمة الوثيقة العدلية في تحقيق الأمن القانوني داخل الأسرة

المحور الأول: ماهية الأمن القانوني

لفظ الأمن عرفه عبد القاهر الجرجاني بأنه  عدم توقع مكروه في الزمان الآتي، وقد ورد في القران لفظ الأمن في سورة الانعام الآيتين 81-82 عندما قل عز وجل في محكم تنزيله: ((فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )) .

أما الأمن القانوني فالمشرع المغربي لم يعطي له مفهوما خاصا به ولم يشر إليه في مقتضيات دستور 2011 على غرار الأمن القضائي، فهذا الاخير أشار إليه المشرع في الفصل  117 حيث جاء في هذا الفصل ما يلي: ” يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص و الجماعات و حرياتهم و أمنهم القضائي، وتطبيق القانون

الأمن القانوني لا يقل أهمية عن الأمن القضائي بل هو ذو أهمية قصوى ويعتبر أحد أهم مقومات الدولة القانونية الحديثة القائمة على سيادة القانون، ويعني في التعاريف الفقهية أن تلتـزم السـلطات العموميـة بضـمان قـدر مـن الثبـات للعلاقـات القانونية حدا أدنـى مـن الاستقرار، كي يتمكن الأشخاص من التصرف باطمئنان على هدي من القواعد والأنظمة القانونية القائمة بإعمالها وترتيــب أوضــاعهم علــى ضــوئها دون التعــرض لتصــرفات مباغتــة تهــدم توقعــاتهم المشــروعة وتزعــزع اســتقرار أوضاعهم القانونية.[2]

فالفقه عادة ما يربط الأمن القانوني بمجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تكون سائدة في المجتمع كمبدأ استقرار المعاملات داخل المجتمع، ومبدأ سيادة القانون وعدم تناقض النصوص القانونية، ومبدأ احترام مبدأ الثقة المشروعة، ومبدأ احترام المراكز القانونية إلى غير ذلك من المبادئ القانونية السامية التي هي متعددة وغير محصورة.[3]

ولما كان الأمن القانوني مرتبط أساسا بمبدأ استقرار المعاملات ومبدأ سيادة القانون فإن ذلك لن يتأتى إلا من خلال ترجمة القواعد القانونية في الواقع وافراغها على نحو صحيح، وهذه الترجمة لبلوغ هدف الأمن القانوني قد يكون إما من خلال سهر القاضي على تطبيق القانون تطبيقا صحيحا على نوازل الحال المعروضة على أنظاره، كما يكون أيضا عندما يستحضر الموثق العدلي على نحو صحيح كافة القواعد القانونية الشكلية والموضوعية التي تحيط بالمعاملة الشخصية أو المالية التي سيوثقها  تمهيدا لتقديمها كحجج.

في كلتا الحالتين يتحقق الأمن القانوني للأفراد بحيث تنتقل القاعدة القانونية هنا من دور القاعدة الجامدة إلى دور القاعدة الضبطية التي بموجبها يتحقق أمن واستقرار علاقات الأفراد داخل الأسرة والمجتمع.

المحور الثاني: مظاهر مساهمة الوثيقة العدلية في تحقيق الأمن القانوني داخل الأسرة

هي مظاهر عديدة غير محصورة على حالة أو معاملة واحدة بل نجدها موزعة على طول مدونة الأسرة بداية من الكتاب الأول المتعلق بالزواج وانتهاء بالكتاب المتعلق بالميراث، وسنكتفي على ايراد بعضها فقط.

فالزواج الجاري بين مغربيين مثلا، أو بين مغربي واجنبية التي يوثقها العدول تنشأ بواسطته مجموعة من العلاقات داخل الأسرة على نحو صحيح، فالعدل عندما يوثق هذه العلاقات لا يكون هاجسه التوثيق فحسب، ولا يقف عند حدود ما يوثق بل يمتد إلى استقراء أوضاع تلك الوثيقة مستقبلا التي من المفروض أن تكون خالية من أي نزاع مرتقب، وأن تكون ضامنة لاستقرار العلاقات داخل الأسرة لهذا دائما ما نجد العدل الموثق يستحضر كل الشروط الشكلية والموضوعية لما سيوثقه لدفع أي نزاع على مادته ومن تم بلوغ الهدف الاسمى الذي هو تحقيق الأمن القانوني وبقاء المراكز على نحوها المعتاد.

استحضار القواعد القانونية المنصوص عليها في القانون الأسري والقواعد المنصوص عليها في القواعد العامة كأركان الزواج من أهلية ومحل وسبب، والتأكد من وجود هذه الأركان هي من صميم المساهمة في تأمين الأسرة والمجتمع أيضا إذا  كانت هذه العلاقة التعاقدية تتعلق بالزواج، لأن العدل في مثل هذه العقود يتأكد دائما من مدى اقتران الايجاب بالقبول وتطابقها، ايجاب الزوج مثلا وقبول الزوجة في مجلس العقد دون أجل أو شرط واقف أو فاسخ.[4]

أيضا استحضار الشروط الموضوعية التي يقوم عليها الزواج تعد أيضا من تجليات الأمن القانوني والشرعي للأسرة ونقصد هنا بالشروط: شرط اهلية الزوجين، وشرط سماع العدلين للإيجاب والقبول، شرط انتفاء الموانع الشرعية، هذين الشرطين الاخيرين لا يحققان الأمن القانوني للأسرة فحسب، وإنما يحققان أيضا أمنا شرعيا للأسرة لأن العقد يكون وفق أحكام الشريعة الاسلامية.[5]

أيضا توثيق العقود ذات البعد المالي التي لها علاقة بشؤون الأسرة هي الأخرى تساهم في تحقيق هاجس الأمن القانوني للأسرة الذي عادة يشغل المشرعين، وهنا نتحدث عن العقود التي يتفق فيها الأزواج على تدبير الأموال التي تكتسب أثناء فترة الزوجية، فهذ النوع من الاتفاقات يشعر بها العدلان طرفي العقد في مجلس العقد، ويوثقونها حال وجود ما يفرض توثيقها، فبدل اثارة النزاع حول نصيب كل زوج من هذه الأموال عند حدوث الشنآن، يتم تحديد ذلك سلفا في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج للقطع مع أي نزاع محتمل يضر بأمن الأسرة داخل المجتمع.[6]

توثيق عقود الاراثات وعقود الاقرار بالنسب هي كذلك من صميم تحقيق الأمن الأسري لا تقل أهمية عن عقود الزواج، ولا تقل أهمية عن عقود تدبير الأموال المكتسبة أثناء فترة الزوجية، فعندما يقوم العدل الموثق بتوثيق اراثة ما، أو تلقي اقرار بنسب ما فهو في ذلك يساهم في تحقيق الأمن القانوني لهؤلاء الورثة داخل الأسرة، وأمن الشخص الذي تم الاقرار بنسبه داخل الأسرة،[7] وبالتالي يتم الحفاظ على المراكز القانونية لأولئك الاشخاص داخل المجتمع، ويتم صون حقوقهم وحفظها من الضياع، لأن الأسرة ما هي إلا صورة مصغرة للمجتمع يتأثر بما تتأثر به الأسرة.

 

 

خاتمة

التوثيق العدلي عموما كان ولا يزال يساهم إلى حد كبير في استتباب الأمن القانوني داخل الأسرة، فمن خلال وثائقه الرسمية التي لا حصر لها تستقر العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، ومن خلال وثائقه الرسمية يتم القطع مع النزاعات المستقبلية التي تضر بمؤسسة الأسرة، ويتم قطع الشك باليقين وبالتالي رجوع الأطراف المتنازعة إلى مراكزهم المعتادة، ليس في قضايا الأحوال الشخصية فقط وإنما أيضا في جميع القضايا بما فيها العقارية والتجارية والمالية عموما.

 

[1]  – راجع ديباجة القانون المنظم لمهنة خطة العدالة 16.03 .

[2]  – عبد المجيد غميجة ” مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي” عرض مقدم في إطار الندوة المنظمة من طرف الودادية الحسنية للقضاة بمناسبة المؤتمر الثالث عشر للمجموعة اإلفريقية لالتحاد العالمي للقضاة الدار البيضاء، 82 مارس 8.

[3]  – مصطفى بن شريف ” مفهوم الأمن القانوني والأمن القضائي” مقال منشور بجريدة القانونية الالكترونية تحت عدد152 .

[4]  – جاء في المادة 10 من مدونة الأسرة ما يلي : ينعقد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر، بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا.

يصح الإيجاب والقبول من العاجز عن النطق بالكتابة إن كان يكتب، وإلا فبإشارته المفهومة من الطرف الآخر ومن الشاهدين.

 

[5]يجب أن تتوفر في عقد الزواج الشروط الآتية:

1 – أهلية الزوج والزوجة؛

2 – عدم الاتفاق على إسقاط الصداق؛

3 – ولي الزواج عند الاقتضاء؛

4 – سماع العدلين التصريح بالإيجاب والقبول من الزوجين وتوثيقه؛

5 – انتفاء الموانع الشرعية.

 

[6]لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها.

يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.

يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر.

إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات و ما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة

[7]  – راجع المواد التالية في مدونة الأسرة 151.152.160.267 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق