قانون الشغل المغربي في مواجهة التحديات التكنولوجية بين واقع الأزمة ومداخل الإصلاح الدكنور : عشعاش مـــلود
قانون الشغل المغربي في مواجهة التحديات التكنولوجية بين واقع الأزمة ومداخل الإصلاح
The Moroccan Labor Law in the Face of Technological Challenges Between the Reality of the Crisis and Paths to Reform
الدكنور : عشعاش مـــلود
دكتور في القانون الخاص، كلية الحقوق عين الشق جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
رابط DOI
https://doi.org/10.63585/LZVM9067
الملخص:
مما لا شك فيه أن التحولات التكنولوجية المعاصرة قد كان لها بالغ الأثر على قانون الشغل المغربي، حيث أنه بقدر ما أتاحت هذه التحولات فرصا وأليات جديدة تساعد طرفي العلاقة الشغلية في أداء العمل وتحسين الإنتاجية، بقدر ما لقته من تحديات قانونية واقعية بفعل جمود مدونة الشغل المغربية والقوانين ذات الصلة بها عن التعديل أو التغيير أو التتميم من أجل إستيعاب ومواكبة الثورة التكنولوجية وما كان لها من أثر على قانون الشغل المغربي برمته.
فظهور الأنماط الجديدة للتشغيل كالعمل عن بعد وغزو التكنولوجية لمجال الشغل والتشغيل والعلاقات المهنية أصبحت معه الضرورة ملحة وآنية لمراعة الترسانة القانونية المنظمة لهذا المجال وعلى رأسها مدونة الشغل وذلك بعدما أبانت عن عجز كبير في تنظيم ومواكبة متغيرات العصر في جانب علاقة التكنولوجية بقانون الشغل.
الكلمات الافتتاحية: قانون الشغل – التحولات التكنولوجية – الأنماط الجديدة للتشغيل- أزمة مدونة الشغل
Abstract:
There is no doubt that contemporary technological transformations have had a significant impact on Moroccan labor law. While these transformations have provided new opportunities and tools that assist both parties in the labor relationship in performing work and improving productivity, they have also posed real legal challenges due to the rigidity of the Moroccan Labor Code and related laws, which have not been amended, modified, or supplemented to absorb and keep up with the technological revolution and its impact on labor law as a whole.
The emergence of new forms of employment, such as remote work, and the infiltration of technology into the realm of work, employment, and professional relations, have made it urgent and necessary to review the legal framework governing this field, especially the Labor Code. This is after it demonstrated significant shortcomings in regulating and keeping up with the changes of the era in terms of the relationship between technology and labor law.
– Keywords: Labor law – Technological transformations – New forms of employment – Labor Code crisis
مقدمة:
ان التكنولوجيا الحديثة ونظرا لأهميتها وحضورها المستمر في عمل المقاولات كان لها أثر بالغ على الشغل، فهذه الثورة التكنولوجية قد عملت على تغيير طرق ونمط الإنتاج، وممارسة المهن، والأجهزة الإلكترونية أصبحت امتداد لجسم الإنسان ولها القدرة على القيام بأكثر حركات الإنسان تعقيدا، بل إنها تقوم بها بسرعة وأكثر إتقان من الإنسان والعقول الإلكترونية أصبحت امتداد للعقول البشرية، فهي قادرة على التعلم وعلى إصدار الأحكام، بل وحتى تصحيح الأخطاء.[1]
وبذلك لقد أدى التطور الكبير في تكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى تغييرات جذرية في مختلف القطاعات، بما في ذلك مجال الشغل والتشغيل والعلاقات المهنية داخل المقاولة الذي تأثر بشكل كبير بهذه الثورة الرقمية، حيث تسببت هذه التحولات التكنولوجية في ظهور فرص ومهن جديدة تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا، خصوصا في قطاع الخدمات الذي استفاد بشكل كبير من أدوات الإعلام والاتصال لتحسين وسائل الإنتاج وتنظيم العمل.
نتيجة لذلك، تغيرت أساليب العمل التقليدية، حيث ظهرت أنماط جديدة مثل المقاولات الافتراضية والعمل عن بعد، بالإضافة إلى تطور شبكة العمال المستقلين، كما أسهمت التقنيات التكنولوجية الحديثة في إعادة تنظيم وإدارة المقاولات، مما مكنها من الرفع من كفاءتها وتلبية متطلبات المنافسة.
إلى جانب ذلك، أفرزت الثورة المعلوماتية أساليب عمل جديدة لا يمكن تحقيقها بالوسائل التقليدية، وأدى هذا التحول إلى ظهور مهن وأنماط جديدة في بيئة العمل، مما فرض على المقاولات التكيف مع هذه المتغيرات التكنولوجية لتظل قادرة على جذب وتوظيف الأفراد ذوي الكفاءات العالية.
وبالإضافة إلى ذلك وفي خضم التطور السريع الذي يشهده في مختلف المجالات بفضل التقدم التكنولوجي أثر بشكل كبير على سلوك الإنسان ونمط حياته وعمله، أصبح مستقبل العلاقة الشغلية في ظل الثورة الرقمية موضع نقاش بين الباحثين، حيث أن الأجير لم يعد العنصر الأساسي في هذه العلاقة، وأن الروبوتات المتطورة المدعمة بالذكاء الاصطناعي يمكنها أداء المهام ذاتها بكفاءة وربما أفضل من الأجير.[2]
كل هذه التحولات وضعت قانون الشغل في المغرب والمتمثل في مدونة الشغل[3] والقوانين ذات الصلة بها في موقف محرج، لأنها أصبحت مجبرة على الإجابة على تساؤلات جديدة مشاكل جديدة، أصبحت مجبرة على إعطاء حلول ناجعة لمواكبة هذه التحولات، هل توفقت في ذلك أم لا؟ هو السؤال الذي أصبح يطرح أكثر من أي وقت مضى.
وعلى العموم يقتصر التشريع الحالي للشغل في المغرب، على تنظيم علاقات العمل وظروف العمل في الأنماط التقليدية مثل العمل الدائم والقار، والتشغيل المؤقت، والمقاولة من الباطن حيث لم يتمكن هذا التشريع حتى الأن من التوسع ليشمل الأشكال الجديدة وغير التقليدية للعمل، مثل العمل عن بعد، والعمل الجزئي، والعمل عبر المنصات الرقمية وغيرها من الأنماط الحديثة التي أفرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة.
لم يصبح العمل عن بعد ظاهرة بارزة في المغرب إلا بعد انتشار وباء كورونا واعتماد الحجر الصحي العام كإجراء وقائي للحد من انتشار الفيروس، لم يكن أحد يتوقع أن تفتح هذه الأزمة الصحية العالمية آفاقا جديدة وتحدث تحولا جذريا في العديد من المجالات، بما في ذلك مجال العمل.
وهكذا ومع انتهاء مرحلة “كوفيد-19″، بدأت فرص العمل وأنماطها تتغير بشكل واضح، خاصة مع توسع استخدام تكنولوجيا المعلومات التي أثرت في جميع جوانب الحياة، هذا التحول دفع العديد من الشركات إلى تبني العمل عن بعد، سواء بناء على اقتراح من المشغلين أو بناء على طلب من الأجراء، وهو ما يبرز الفوائد التي يقدمها هذا النمط للطرفين على حد سواء.
فالعمل عن بعد أحدث تغييرات كبيرة في العديد من المفاهيم القانونية التي كانت أساسا للتشريعات المتعلقة بالعمل، مثل وحدة الزمان والمكان وعلاقة التبعية، حيث أدت الشبكة العنكبوتية إلى تحول المكاتب التقليدية إلى مكاتب عمل افتراضية، مما ساهم في تزايد الإقبال على هذا النوع من العمل[4]، خاصة مع تزايد استخدام الإنترنت الذي ساعد في رفع أعداد الراغبين في العمل عن بعد، وكذلك في تقليص التفاعل المادي للموظف داخل المؤسسة وقد أصبح العمل عن بعد أكثر وضوحا خلال أزمة كوفيد-19، التي شكلت صدمة قوية للعمل التقليدي داخل الشركات، حيث أصبح العمل عن بعد هو السبيل الوحيد لاستمرار النشاط الاقتصادي على المستويين الوطني والدولي خلال فترة الحجر الصحي.
ومن خلال ما سبق فالتطورات التكنولوجية التي نشهدها اليوم تمثل نقطة تحول مهمة في مجال العمل حيث أدت الابتكارات التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل طبيعة العمل وتغيير العلاقات المهنية بشكل جذري، فقد أصبحنا نعيش في عصر يتسم بالسرعة والتغيير المستمر، حيث تتبدل المهارات المطلوبة بشكل سريع، مما يلزم الأفراد والشركات التكيف مع هذه التغييرات من أجل ربح رهان مواكبة هذه التحولات.
وأكثر من ذلك نجد أن مسألة التشغيل والولوج للشغل قد تأثرت كذلك بتكنولوجيا الإعلام والاتصال بشكل كبير حيث تم الاعتماد على تقنيات جديدة لتشغيل الأجراء بشكل قد ينعكس استخدامها سلبا على حقوق الشخص الباحث عن العمل حيث أضحى الإعلان المرتبط بالشغل يغلب عليه الطابع التكنولوجي عوض التعليق في أماكن العمل حيث أصبحت معه شبكة الانترنيت الفضاء الأمثل والأسهل لتلاقي عروض وطلبات العمل.[5]
وبالإضافة إلى ذلك فالأجير يلتزم بتوفير قوة عمله لصالح مشغله وليس شخصه وحياته الخاصة، مما يحول دون المساس بحرية الأجير وحقوقه الأساسية كفرد في المجتمع أولا قبل أن يكون أجير في المؤسسة، لذا ينبغي أن يكون الأجير محميا ضد أي تدخل في حياته الخاصة سواء من قبل المشغل أو زملائه في العمل أو أي جهة أخرى وذلك بمناسبة العمل.
كثير هي التساؤلات والإشكالات التي أفرزتها التحولات التكنولوجية في علاقتها بقانون الشغل المغربي سواء على المستوى التأطير النظري أو على مستوى الممارسة العملية مما يتعين علينا استكشاف كيف تؤثر هذه التطورات على أنماط الشغل والعلاقات المهنية داخل المقاولة، كما نحتاج إلى مناقشة التحديات التي قد تطرأ على عالم الشغل.
والإشكالية الأساسية التي يطرحها هذا الموضوع تتمثل فيما يلي: إلى أي حد استطاع قانون الشغل المغربي المتمثل في مدونة الشغل المغربية والقوانين ذات الصلة بها مواكبة التطورات التكنولوجية المعاصرة؟
ومن أجل الإجابة عن هذه الإشكالية سنتحدث في المحور الأول عن تشخيص واقع قانون الشغل والإشكالات التي أفرزتها الثورة التكنولوجية المعاصرة، لننتقل بعد ذلك للحديث في المحور الثاني عن مداخل إصلاح قانون الشغل المغربي لمواكبة التحولات التكنولوجية المعاصرة.
المحور الأول: تشخيص واقع قانون الشغل والإشكالات التي أفرزتها الثورة التكنولوجية المعاصرة
لقد أفرز واقع الممارسة مجموعة من الإشكالات الجوهرية المرتبطة بقانون الشغل والتحولات التكنولوجية المعاصرة، حيث تغيرت مجموعة من المفاهيم التقليدية وانتفت أخرى وطفت على السطح مجموعة من التساؤلات المشروعة ومن أهمها ماذا أعدت مدونة الشغل والقوانين ذات الصلة بها لمواكبة هذه التحولات؟
وعلى العموم من أجل الإلمام أكثر بهذه الإشكالات سنتحدث أولا عن ظهور ما يسمى بالعمل عن بعد وما رافقه من تساؤلات مروعة، ثم باقي الإشكالات التي تبرز عدم قدرة قانون الشغل بمفهومه التقليدي على مواكبة التحولات التكنولوجية.[6]
– أولا: فيما يخص الإشكالات التي أفرزها ظهور ما يسمى بالعمل عن بعد
يعد العمل عن بعد أحد أنماط التشغيل الحديثة التي تزداد انتشارا في المغرب وفي مختلف أنحاء العالم، ويعتبر من تجليات تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وبقدر ما كان لهذا النمط الجديد من الشغل من أثر إيجابي سواء في مواجهة الجهة المشغلة أو الأجير بما يوفره من مرونة في إنجاز الشغل[7] بقدر ما طرح هذا النمط الكثير من التحديات العملية التي تستدعي وضع إطار قانوني يضمن حماية كافية لكل من العامل عن بعد والمشغل على حد سواء.
هذا النوع من العمل قد جلب مجموعة من المكاسب سواء للجهة المشغلة أو للأجير، حيث يوفر المشغل تكلفة توفير أماكن العمل والكهرباء والنقل والتتبع، كما يتيح هذا النوع من العمل مرونة جلية للأجير من أجل إنجاز عمله ويوفر عنه عبئ التنقل اليومي للمقاولة من أجل القيام بالعمل.
ورغم كل هذه المزايا فالتشغيل عن بعد يطرح مجموعة من الإشكالات العملية القانونية والتي لم تعد لها العدة مدونة الشغل ولم تأتي بنظرة استباقيه لما نحن عليه اليوم، حيث تم المساس بمجموعة من المفاهيم التقليدية التي تنبني عليها العلاقة الشغلية و المؤطرة بمقتضى مدونة الشغل و القوانين ذات الصلة و من أهمها:
1- تحول في مفهوم فضاء العمل
حيث انتقلنا من الفضاء التقليدي للعمل وهو مقر المقاولة إلى الفضاء الإلكتروني للعمل وهذا التحول اضطربت معه مجموعة من المفاهيم الأخرى من قبيل أوقات العمل حيث أصبح من الصعب ضبط حضور الأجير للعمل واحتساب ساعات الشغل القانونية والساعات الإضافية، ذلك أنه من السهل برمجة الحاسوب للدخول إلى منصة العمل الإلكترونية وتسجيل الحضور مكان الأجير وذلك بشكل إلكتروني.
2- تحول في مفهوم وطبيعة الخطأ الجسيم وكيفية ضبطه
ذلك أن الأخطاء الجسيمة الواردة في المادة 39 من مدونة الشغل خاصة تلك التي ترتكب داخل المقاولة أصبحت لا تجد لها مكان فيما يخص العمل عن بعد، وعلى سبيل المثال إذا كان استعمال المخدرات داخل أماكن العمل يعتبر خطأ جسيم فإن تطبيق ذلك في هذا النوع من العمل يطرح مجموعة من الإشكالات و أهمها مسألة الإثبات من جهة ومن جهة أخرى هل العمل عن بعد يعد بمثابة عمل داخل المقاولة لتطبيق هذا النوع من الأخطاء الجسيمة.
3- تحول في مفهوم علاقة التبعية
حيث أن الأجير في هذا النمط الجديد من العمل يمارس عمله عن بعد، بنوع من الاستقلالية، حيث تراجع مع ذلك مفهوم العلاقة التبعية التقليدي وحل محلها مفهوم جديد وهي التبعية الرقمية أو التبعية الإلكترونية إن صح التعبير، ذلك أن الرقابة المباشرة في فضاء العمل العادي لم يعد لها مكان لكن التبعية الاقتصادية قد حافظت على مكانها في ظل هذه المتغيرات.
وبصفة عامة، فالتقنيات الحديثة تلغي مستويات التسلسل المهني داخل المقاولة، فالكتابة تصبح مساعدة والإطار يطبع مراسلاته بنفسه على حاسوبه النقال، ورئيس المقاولة يصبح منسقا للفريق أو منشط للفريق.[8]
4- تحول في مفهوم علاقات الشغل الجماعية
حيث أن اعتماد نمط العمل عن بعد اضطرب معه مفهوم حق التنظيم والحوار الجماعي والمفاوضة الجماعية بفعل عدم تواجد الأجراء في نفس المكان، ذلك أن فضاء العمل الإلكتروني قزم بشكل كبيير من هذه المفاهيم المكرسة لعلاقات الشغل الجماعية.
5– تحول في مفهوم حوادث الشغل
ففي العمل عن بعد يمكن أن يتعرض الأجير لمجموعة من الحوادث سواء في المنزل أو في أماكن أخرى يختارها الأجير لممارسة عمله عبر الأنترنيت كالمقهى مثلا أو عند التنقل بين هذه الأماكن، فهنا يطرح الإشكال هل يمكن اعتبار هذه الحوادث حوادث شغل وكيف يمكن إثباتها وما هو موقف مؤسسات التأمين من ذلك باعتبارها الجهة المسؤولة عن التعويض.
6- صعوبة إجراء عملية الرقابة الموكولة لجهاز تفتيش الشغل
حيث أن أهم الأليات التي يستعملها السادة مفتشو الشغل لمراقبة مدى تطبيق قانون الشغل بالمقاولات هي زيارات المراقبة لأماكن العمل واستفسار الأجراء وترتيب الأثار القانونية، غير أنه في العمل عن بعد يطرح السؤال كيف يمكن لمفتش شغل إجراء عملية المراقبة في غياب الأجراء؟ فهذا التطور فتح الباب أما المشغلين للتهرب من تطبيق قانون الشغل مادام أنه يستحيل ضبطه من طرف الجهاز الموكول له القيام بعملية المراقبة.
وبالإضافة إلى ذلك يطرح إشكال القانون الواجب التطبيق على العلاقة الشغلية التي يكون أحد أطرافها في دولة والأخر في دولة أخرى فما يؤدى العمل عبر الوسائط التكنولوجية وفضاء الأنترنيت.
هذه إذن فقط عينة من مجموعة من الإشكالات التي أفرزها الواقع ووقف القانون أمامها عاجزا عن التنظيم والتأطير وإعطاء الإجابات.
– ثانيا: باقي الإشكالات التي تبرز عدم قدرة قانون الشغل بمفهومه التقليدي على مواكبة التحولات التكنولوجية
على الرغم من اتصاف قانون الشغل بالمغرب بأنه قانون تقدمي قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة فإن هناك مجموعة من المسائل التي عجزت مدونة الشغل والقوانين ذات الصلة بها عن وضع إجابات صريحة لها.
فمدونة الشغل المغربية ومند صدورها سنة 2004 وعلى مدار عشرون سنة لم تخضع للتعديل، فالواقع تغيير لكن القانون بقية جامدا ولم يتغير، لذلك أفرز الواقع مجموعة من التساؤلات والإشكالات التي تبرز عجز مدونة الشغل المغربية والقوانين المتعلقة بها كذلك عن مواكبة هذه التطورات، ومن أهم هذه الإشكالات والتساؤلات ما يلي:
1 –مدى قانونية استعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة في إثبات الحضور للعمل كالبصمة، برنامج قراءة الوجه، إلى غير ذلك؟
حيث أنه وفي غياب تأطير قانوني صريح يجيز إمكانية استعمال هذه الوسائل يطرح معه مجموعة من النزاعات حيث يرفض مجموعة من الأجراء التقييد بهذه الأليات الحديثة لإثبات الحضور بعلة المس بالحياة الخاصة. [9]
2– مدى حجية عقد العمل الإلكتروني؟
حيث أن مدونة الشغل لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى عقد العمل الإلكتروني هذه الصيغة من التعاقد التي أصبحت تطرح نفسها أكثر من أي وقت مضى في ظل التطورات التكنولوجية المعاصرة.
صحيح أن المشرع المغربي أصدر قانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية الذي شكل إضافة نوعية لظهير الالتزامات والعقود المغربي، والذي اعترف ضمنيا بالقيمة القانونية لعقد الشغل الإلكتروني، غير أن عدم إشارة مدونة الشغل لذلك خلق تردد كبير في الاهتداء إلى هذه الطريقة في التعاقد.
– 3 عدم إمكانية مسك سجل العطل السنوية بشكل إلكتروني
كما هو الشأن بالنسبة لسجل الأداء الدي يمكن الإعفاء منه بقرار من طرف السيد مفتش الشغل والاعتماد على سجل أداء إلكتروني وهي الإمكانية الغير ممنوحة بالنسبة لسجل العطلة السنوية.
4– مدى قانونية مراقبة الأجير بالكاميرة وعلاقة ذلك بكرامة الاجير؟
نشير أولا أنه ليس هناك تنظيم قانوني لهذه المسألة، وهنا نرجع إلى المبدأ العام وهو الأصل في الأشياء الإباحة، غير أن ذلك مرتبط بحماية الحياة الخاصة للأجير، ويجب استعمال الكاميرات في الغرض الأساسي لها وليس استعمالها للتجسس على الحياة الخاصة للأجير، كما يجب إخبار الأجراء بوجود كاميرات مراقبة بالمؤسسة.
5- مدى حجية المراسلات الإلكترونية بين الجهة المشغلة والأجير سواء بالبريد الإلكتروني المهني أو عن طريق تطبيقات التواصل كالواتساب؟
حيث أنه وفي ظل التطورات التكنولوجية المعاصرة أضحى الاعتماد على المراسلات الإلكترونية في مجال الشغل يكتسي أهمية كبرى نظير ما تتسم به هذه الطريقة من سرعة وفعالية وقلة التكلفة، في مقابل ذلك يفتقر هذا المجال لتأطير قانوني دقيق رغم أهميته .
غير أنه وطبقا للقاعدة العامة للإثبات في قانون الشغل والمتمثلة في حرية الإثبات فإن المراسلات الإلكترونية بين الجهة المشغلة والأجير بأي شكل من الأشكال تكتسي قيمتها القانونية في الإثبات شريطة أن تكون دقيقة وواضحة ولا يشوبها أي لبس.
ورغم ذلك فإن غياب تأطير قانوني دقيق لهذه المسألة يطرح معه مجموعة من الإشكالات ويضع القضاء في موقف صعب في الأخذ بالمراسلات الإلكترونية من عدمها حسب اختلاف الحالات المطروحة.
وفي هذا السياق وفي قرار حديث صادر عن محكمة النقض[10] اعتبرت أن تطبيق الواتساب وسيلة صالحة لإبلاغ المشغل عن حالات الغياب بسبب المرض، حيث أكدت محكمة النقض أن استخدام الواتساب بشكل منتظم من قبل الشركة للتواصل مع موظفيها يجعل من هذه الوسيلة مناسبة لإبلاغ الغياب.
وفي تعليلها أشارت محكمة النقض إلى أن المشغل لا يمكنه رفض هذا الدليل طالما أن هذا الأسلوب هو جزء من الممارسات المتعارف عليها في البيئة المهنية.
وبناء عليه يعد هذا الحكم خطوة هامة نحو الاعتراف بالمراسلات الرقمية في العلاقات المهنية، ويبرز الحاجة لتكييف الممارسات القانونية مع التقدم التكنولوجي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من بيئة العمل.[11]
يتيح هذا القرار فتح نقاش موسع حول تطور وسائل التواصل في الشركات وكيف يمكن للقانون أن يواكب هذا التغيير لضمان حقوق الأجراء مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجات الشركات في توفير المرونة.
6- مدى حجية الدليل الإلكتروني كفيديوهات كاميرات في إثبات الخطأ الجسيم المسند سواء للأجير أو المشغل؟
في ظل غياب تأطير قانوني مبدئيا القضاء يأخذ بذلك في مجموعة من الحالات سواء كان ذلك في مواجهة الأجير أو المشغل، غير أن الإشكال يطرح في شرعية أخذ ذلك الدليل على اعتبار أن واقع الممارسة أثبت أن مجموعة من الحالات يتم أخد تسجيلات أو فيديوهات خلسة من الطرف الثاني ويتم تقديمها للقضاء.
وبالإضافة إلى ما سبق ومع تقدم تقنيات الإعلام والتواصل الحديثة، التي أصبحت من البنى التحتية الأساسية التي لا غنى عنها في جمع ومعالجة المعلومات وترويجها، فقد أفسحت المجال أمام المشغل للتدخل بشكل مباشر في الحياة الخاصة للأجراء، من خلال مراقبتهم داخل المؤسسة باستخدام وسائل الرقابة الإلكترونية، مثل المراقبة عبر أنظمة متصلة أو فحص الرسائل الإلكترونية أو مراقبة محتويات البريد الصوتي والمكالمات الهاتفية.[12]
من خلال ما سبق يمكن القول أن ما تم سرده أعلاه يبقى فقط عينة صغيرة من مجموعة من الإشكالات التي أفرزها واقع التطور التكنولوجي في علاقته بقانون الشغل المغربي.
المحور الثاني: مداخل إصلاح قانون الشغل المغربي لمواكبة التحولات التكنولوجية المعاصرة
شهد عالم الشغل والتشغيل والعلاقات المهنية في العقود الأخيرة تحولات جذرية بفعل التقدم التكنولوجي المتسارع وقد أثر هذا التقدم في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك قانون الشغل المغربي والمتمثل في مدونة الشغل والقوانين الأخرى ذات الصلة بها، في ظل هذا السياق، يبرز موضوع إصلاح قانون الشغل المغربي كأحد القضايا الملحة التي تستدعي اهتماما خاصا وذلك لربح رهان الحاضر والمستقبل في هذا الجانب المهم الذي يربط بين ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي في نفس الوقت.
إن قانون الشغل المغربي، الذي تم وضعه في أوقات سابقة، يحتاج إلى مراجعة شاملة لمواكبة هذه التحولات التكنولوجية الحديثة، حيث يتطلب الأمر تطوير آليات قانونية جديدة تضمن حماية حقوق العمال وتعزز من تنافسية المشغلين في ظل الاقتصاد الرقمي.
وعليه فبعد التطرق إلى واقع قانون الشغل المغربي في ظل التطورات التكنولوجية وإبراز أهم الإشكالات التي طفت على السطح في ظل هذا التطور سواء فيما يتعلق بالعمل عن بعد أو فيما يخص باقي الإشكالات التي تبرز عدم قدرة قانون الشغل بمفهومه التقليدي على مواكبة التحولات التكنولوجية فأنه يلزم حتى يكون لبحثنا هذا إضافة نوعية البحث في مداخل إصلاح قانون الشغل المغربي لمواكبة التحولات التكنولوجية المعاصرة.
أولا: ضرورة بسط تنظيم قانوني للعمل عن بعد
لقد شهد العالم تحولا جذريا في طرق العمل بسبب التقدم التكنولوجي، الذي مكن العديد من الأفراد من أداء مهامهم الوظيفية من أماكن بعيدة عن المقرات التقليدية للعمل، وقد تزايد هذا الاتجاه بشكل ملحوظ خلال جائحة كوفيد-19، حيث أصبح العمل عن بعد خيارا أساسيا لعدد كبير من المقاولات لضمان استمرارية الأعمال وحماية الصحة العامة، ومع ذلك، ورغم هذه التحولات العميقة، لا تزال مدونة الشغل المغربية، تفتقر إلى تنظيم دقيق وشامل لهذا الشكل من العمل الذي أصبح يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن الراحل الحسن الثاني كان قد دعا في رسالته إلى المشاركين في الأيام الوطنية الثانية للاتصالات، التي انعقدت في الرباط، إلى تبني العمل عن بُعد كأسلوب جديد لتنظيم العمل، معتبرا أنه يعكس بشكل حقيقي التطور الذي أفرزته التكنولوجيات الحديثة للإعلام والتواصل[13].
وعلى العموم إن بسط تنظيم قانوني للعمل عن بعد في مدونة الشغل المغربية يعتبر ضرورة ملحة في ظل التحولات التكنولوجية التي شهدها العالم، وخاصة بعد جائحة كورونا التي أصبح معها العمل عن بعد واقعا معتمدا في العديد من القطاعات، مما يستدعي وجود إطار قانوني ينظم هذه العلاقة بشكل واضح ويضمن حقوق وواجبات الطرفين.
علاوة على ذلك يمكن أن يعزز العمل عن بعد من الإنتاجية والابتكار، ولكن يتطلب ذلك وجود إطار قانوني يحدد المعايير والشروط اللازمة لتحقيق ذلك ومن جهة أخرى، يمكن أن يساعد تنظيم العمل عن بعد العمال في تحقيق توازن أفضل بين حياتهم المهنية والشخصية، مما ينعكس إيجابا على صحتهم النفسية والجسدية.
كما أن وجود إطار قانوني واضح للعمل عن بعد يمكن أن يشجع الشركات المحلية والأجنبية على الاستثمار في المغرب، حيث يشعرون بالاطمئنان تجاه حقوقهم وحقوق موظفيهم في ظل تزايد الاعتماد على التكنولوجيا.
كما يساهم تنظيم العمل عن بعد أيضا في تسهيل التحولات الرقمية ويعزز من استخدام الأدوات الرقمية بشكل آمن وفعال، وأخيرا يمكن أن يوفر تنظيم العمل عن بعد إطارا للتفاوض بين النقابات المشغلين من أجل ضمان حقوق الأجراء وتحديد الشروط المناسبة للعمل، وبشكل عام فإن بسط تنظيم قانوني للعمل عن بعد في مدونة الشغل المغربية يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق التنمية المستدامة وضمان حقوق جميع الأطراف المعنية في سوق العمل.
وبالتالي، أصبح من الضروري تبني تنظيم قانوني واضح للعمل عن بعد، بهدف ضمان حماية حقوق العمال وتوفير إطار قانوني يضمن التوازن بين مصالح أرباب العمل وحقوق العمال في بيئات العمل الرقمية، من خلال تحديد المهام التي يمكن تنفيذها عن بعد، الظروف التي تبرر اللجوء إلى هذه الوسيلة، إضافة إلى التزامات الأجير التي يجب تحديدها بوضوح، كما ينبغي تحديد الوسائل المتاحة للأجير لأداء عمله عن بعد، وكذلك تحديد آليات الرقابة التي تمكن المشغل من متابعة أداء الأجير في إطار سلطته في الإشراف والتوجيه التي تنبع من علاقة التبعية بين الطرفين مع الحفاظ على الحياة الخاصة للأجير، مع تحديد التوقيت الذي يجب أن يتم فيه إنجاز العمل عن بعد.
وبناء على ذلك ففي ما يخص مفهوم العمل عن بعد، حيث أنه ولتفادي كل التأويلات من المفيد جدا إعطاء تعريف دقيق لمفهوم العمل عن بعد وذلك بالاعتماد على التعاريف الفقهية والتوجهات القضائية التي تم بسطها في ظل احتدام النقاش حول هذا الوافد الجديد.[14]
كما أنه من المسائل المهمة التي يلزم الإحاطة بها هي تحديد حالات اللجوء إلى العمل عن بعد والتكاليف المترتبة عن العمل عن بعد والتي قد يتحملها الأجير، مثل مصاريف إضافية تتعلق باشتراك الإنترنت أو فواتير الكهرباء، وفي هذا السياق، نرى أنه لضمان حفظ مستوى معيشة الأجير، يجوز له، في إطار اتفاق مع مشغله، أن يطلب تعويضا ماليا يعادل مبلغا جزافيا يغطي النفقات التي قد يتحملها نتيجة عمله عن بعد.
وفي هذا الصدد، اعتبرت محكمة النقض الفرنسية في أحد توجهاتها أن الأجير الذي يوافق على استخدام منزله لأغراض مهنية بناءً على طلب من مشغله، يتحمل إزعاجا في حياته الخاصة، ولذلك من حقه تلقي تعويض عن استغلال مكان إقامته في أداء المهام المهنية.
نعتقد أن الأمر يتطلب تدخلا من المشرع المغربي لوضع مقتضيات قانونية في مدونة الشغل تنظم مسطرة وحالات الانتقال للعمل عن بُعد، بالإضافة إلى تحديد الآثار المترتبة عليه، كما يجب أن تهدف هذه التدابير إلى توفير الضمانات اللازمة لحماية حقوق الأجير وضمان حقوق المشغل، وذلك من أجل تحقيق التوازن الذي ينعكس إيجابا على العلاقات الشغيلة، هذا التوازن سيسهم في استقرار الأوضاع الاجتماعية للأجير ويعزز تطوير الاقتصاد الوطني في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الراحل الحسن الثاني كان قد دعا في رسالته إلى المشاركين في الأيام الوطنية الثانية للاتصالات، التي انعقدت في الرباط، إلى تبني العمل عن بعد كأسلوب جديد لتنظيم العمل، معتبرا أنه يعكس بشكل حقيقي التطور الذي أفرزته التكنولوجيات الحديثة للإعلام والتواصل.
ثانيا: ضرورة إصلاح مدونة الشغل لاستيعاب الثورة التكنولوجية
كما أسلفنا الذكر فقد مر على صدور مدونة الشغل أكثر من عشرون سنة، ومن خلال التجربة العملية ابانت المدونة عن عجزها وقصورها عن مواكبة التطورات والتغيرات التي يشهدها المجال التكنولوجي، بكون هذا الأخير يعرف حركية دائمة ومتطورة وكان من الضروري وجود ترسانة قانونية تواكب هذا التغيير الدائم الشيء الذي يوفر الحماية القانونية والقضائية للأجراء و المتعاملين مع المقاولات وتشجيع الاستثمار وهو ما لم يتأتى إلى حدود الأن للهم إذا استثنينا بعض الإصلاحات القانونية ذات الصلة بمجال تكنولوجيا المعلومات من قبيل القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، فيما بقيت مدونة الشغل ومند سنة 2004 دون أي إصلاح أو تغيير رغم الحاجة الملحة له مند سنوات عدة وليس فقط اليوم.
وعلى العموم فإن أهم مداخل إصلاح مدونة الشغل من أجل استيعاب ومواكبة التحولات التكنولوجية بالإضافة إلى تنظيم العمل عن بعد كما سبق الذكر يتطلب بسط قواعد قانونية جديدة تمس مجموعة من جوانب العلاقة الشغلية و من أهمها.
– التنصيص بشكل صريح في مدونة الشغل على إمكانية إبرام عقد الشغل بشكل إلكتروني مع تحديد بشكل دقيق إجراءات المصادقة والأمان الضرورية لتفادي المنازعات فيما بعد ذلك.
– الاعتراف بشرعية المراسلات الإلكترونية بين الأجير والمشغل وكذلك بين الهيئات التمثيلية بالمقاولة والمشغل لتيسير وتسريع العمل وتفادي المنازعات حول القيمة القانونية لهذه المراسلات.
– الإشارة إلى قانونية عقد كل الاجتماعات المنصوص عليها في مدونة الشغل كاجتماعات لجنة المقاولة، لجنة الصحة والسلامة بشكل إلكتروني عن طريق تقنية التناظر المرئي.
– شرعنة إجراء الانتخابات المهنية لمندوبي الأجراء بشكل إلكتروني وذلك من أجل تيسير إجراءات عملية الانتخابات.
– ضمان حماية البيانات الشخصية للأجير في الفضاء الرقمي التي قدمها بمناسبة العمل
– بسط تدابير وأحكام يكون من شأنها ضمان حماية الحياة الخاصة للأجير
– عقلنة استعمال كاميرات المراقبة في فضاء العمل بشكل يسير في اتجاه استخدام هذه الكاميرات من أجل التأمين ومراقبة المقاولة وليس مراقبة الأجير وهو يشتغل، ويرجع ذلك بالأساس أن نفسية الأجير المراقب بالكاميرات تتأثر بشكل كبير وهو ما يؤثر على مردوديته في العمل.
– التنصيص على إمكانية استعمال سجل إلكتروني للعطلة السنوية على غرار ما هو معمول به فيما يخص سجل الأداء، حيث أعطى القانون إمكانية للسيد مفتش الشغل لإعفاء المشغل من مسك دفتر الأداء الورقي وإحلال محله سجل إلكتروني للأداء.
– التنصيص على إمكانية تسجيل جلسة الاستماع للأجير وذلك من أجل ضمان التطبيق السليم للقانون ومساعدة القاضي على معرفة حيثيات الجلسة وضمانات الدفاع في حالة تقرر فصل الأجير ووصلت المنازعة للقضاء.
– الإشارة إلى إلزام المشغل باتخاذ التدابير اللازمة لتقييم الوسائل التكنولوجية الموضوعة رهن الأجير بمناسبة العمل مع الحرص على سلامتها وعدم إضرارها بصحة الأجير.
– التفكير في طريقة لبسط الرقابة الإلكترونية لجهاز مفتشية الشغل على المقاولات خاصة منها المقاولات الكبرى، وذلك لضمان رقابة فعالة ومستمرة بأقل جهد ممكن.
– التنصيص بشكل صريح على إمكانية اعتماد المشغل الأليات الإلكترونية لمراقبة حضور الأجراء، ورفع اللبس عن إمكانية استعمال البصمة برامج قراءة الوجه من عدمه لتيسير عمل القضاء في هذا الجانب عند حدوث المنازعات.
كانت هذه إذن الأرضية الأساسية لمجموعة من الإصلاحات التي تمس الجانب التكنولوجي في علاقته بقانون الشغل والتي ينبغي إدراجها في الإصلاح المرتقب لمدونة الشغل المغربية من أجل ربح رهان التحول التكنولوجي الذي أصبح واقع يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة
في الختام يمكن القول أن قانون الشغل المغربي يواجه تحديات كبيرة في مواجهة التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم والتي أرخت بظلالها على علاقات الشغل الفردية والجماعية، وبناء على ذلك أصبحت هناك حاجة ملحة لتطوير وتحديث مدونة الشغل والقوانين ذات الصلة بها بما يتناسب مع تطور التكنولوجيا وأثرها على أنماط الشغل وحقوق الأجراء من خلال تعزيز مداخل الإصلاح التي تركز على تحسين التشريعات لتواكب الثورة الرقمية، ودعم حماية حقوق الأجراء في ظل استخدام التكنولوجيا من جهة وتمكين المقاولات من الاستفادة من التطورات التكنولوجية بما يعزز من مردوديتها.
فاستخدام التكنولوجيا في عالم الشغل اليوم أصبح يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى مما تطلب معه مواكبة قانونية في نفس مستوى التطور خاصة وأننا اليوم انتقلنا إلى مرحلة جديدة من الثورة التكنولوجية ويتعلق الأمر بما يسمى بالذكاء الاصطناعي وما يفرضه من تحديات حالية ومستقبلية في عالم الشغل.
لائحة المراجع:
- كميلي سميرة، قانون الشغل والتطورات التكنولوجية، مجلة المناهج القانونية العدد 13 و 14 السنة 2009 ص 109.
- نتائج الاستشارة التي أطلقها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عبر المنصة الرقمية “أشارك” حول موضوع العمل عن بعد والمنشورة بالموقع الإلكتروني للمجلس https://www.cese.ma.
- Jean Fryssinet, “Nouvelles technologies et protection des libertés dans l’entreprise”, dr. soc., nº 6, 1992
- Jean Emmanuel Ray, “Nouvelles technologies et nouvelles formes des subordination”, dr. soc. n° 6, 1992
- Henri-Joël Tagum Fombeno, “Le droit africain à l’épreuve des nouvelles tehnologies”, p. 6.
[1] – Henri-Joël Tagum Fombeno, “Le droit africain à l’epreuve des nouvelles tehnologies”, p. 6.
[2] – غير أنه وإن كانت الآلات لا يمكنها أن تحل محل الأجير بشكل كامل، لأنها تعتمد على الصيانة والمراقبة البشرية، ولا يمكنها التعامل مع الحالات التي تتطلب تفاعلا إنسانيا مباشرا نظرا لعدم امتلاكها للقدرات العقلية والإنسانية فإنها قد أضعفت التدخل البشري بشكل كبير في عملية الإنتاج كما كان سابقا.
[3] – قانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 103194 بتاريخ 11 شتنبر 2003 جريدة رسمية عدد 5167 بتاريخ 8 دجنبر 2003، صفحة 396.
[4] – خاصة مع تزايد استخدام الإنترنت الذي ساعد في رفع أعداد الراغبين في العمل عن بعد، وكذلك في تقليص التواجد المادي للموظف داخل المقاولة، وقد أصبح العمل عن بعد أكثر وضوحاً خلال أزمة كوفيد-19، التي شكلت صدمة قوية للعمل التقليدي داخل الشركات، حيث أصبح العمل عن بعد هو السبيل الوحيد لاستمرار النشاط الاقتصادي على المستويين الوطني والدولي خلال فترة الحجر الصحي نتيجة تفشي الوباء عالميا.
[5] – حيث استغل المشغلون التقنيات الحديثة في وسائل الإعلام والاتصال للإعلان عن الوظائف الشاغرة، مما أتاح لهم استخدام أساليب جديدة في التشغيل، وقد أصبح نشر هذه العروض من خلال هذه الوسائل هو القاعدة الأساسية، حيث أصبحت شبكة الإنترنت تمثل فضاء جديدا يلتقي فيه العرض والطلب على الوظائف بالنظر لما لهذه الطريقة من مميزات.
[7] – حيث أظهرت استشارة حول العمل عن بُعد، أجراها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في الفترة بين 8 و29 أبريل 2022 عبر المنصة الرقمية التشاركية “أشارك”، أن 81.6% من المشاركين (الذين بلغ عدد تفاعلاتهم 27638، منها 1326 إجابة) أقروا بأن العمل عن بُعد ساعدهم في توفير الوقت والمال المخصصين للتنقل. كما اعتبر أكثر من نصف المشاركين أن العمل عن بُعد ساهم في تقليل مستويات التوتر لديهم، مما منحهم مزيداً من الاستقلالية في إدارة المهام وتحقيق تركيز أعلى في العمل.
– راجع في هذا الإطار نتائج الاستشارة التي أطلقها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عبر المنصة الرقمية “أشارك” حول موضوع العمل عن بعد والمنشورة بالموقع الإلكتروني للمجلس https://www.cese.ma.
[8]– Jean Emmanuel Ray, “Nouvelles technologies et nouvelles formes des subordination”, dr. soc. n° 6, 1992, p. 525.
[9] – للتفصيل أكثر في هذا التوجه يرجى مراجعة :
-Jean Fryssinet, “Nouvelles technologies et protection des libertés dans l’entreprise”, dr. soc., nº 6, 1992,
[10] – قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 23 يناير 2024 في الملف رقم 237/1/5/202، قرار غير منشور.
[11] – وقد جاء هذا القرار بعد أن كانت محكمة الاستئناف قد رأت أن الدليل المقدم من الأجيرة عبر “واتساب” غير مقبول، واعتبرت غيابها بمثابة تخلي عن العمل، وهذا ما يؤكد أن غياب التأطير القانوني يضع القاضي في موقف محرج عند التعامل مع مثل هذه القضايا.
[12] – كما أن استخدام تقنيات مثل قارئات البطاقات لعب دورًا مهمًا في تتبع تحركات الأجير داخل المؤسسة، إلى جانب توفير الأمن فيها، حيث تُفتح الأبواب الرئيسية أو الداخلية بمجرد حمل البطاقة، مما دفع المشغل للتدخل في الحياة الخاصة للأجراء دون تحذير مسبق، راجع في هذا الإطار كميلي سميرة، قانون الشغل والتطورات التكنولوجية، مجلة المناهج القانونية العدد 13 و 14 السنة 2009 ص 109.
[13] – الرسالة الملكية السامية التي وجهها المغفور له الحسن الثاني للمشاركين في الايام الوطنية الثانية للاتصالات المنعقدة بالرباط خلال يومي 16 و 17 ماي 1994.
[14] – إن العمل عن بعد أصبح جزءا من الواقع المعاصر في العديد من الدول، ويشكل تحديا وفرصة في الوقت نفسه ويجب على التشريعات الوطنية، بما في ذلك قانون الشغل المغربي، أن تتطور لتواكب هذا التحول وتضمن حقوق العاملين والشركات على حد سواء، مع مراعاة مرونة العمل وضمان العدالة والمساواة بين جميع الأطراف.






