في الواجهةمقالات قانونية

قراءة نقدية للنصوص المنظمة لصفقات الجماعات الترابية وأوجه تجويدها

قراءة نقدية للنصوص المنظمة لصفقات الجماعات الترابية وأوجه تجويدها

عادل فرتاح

أستاذ زائر بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بمراكش

نصت المادة 210[1] من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات على أن  صفقات الجماعات والهيآت التابعة لها ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجماعات طرفا فيها تبرم في إطار احترام مبادئ حرية الولوج إلى الطلبية العمومية والمساواة في التعامل مع المتنافسين وضمان حقوق المتنافسين والشفافية في اختيارات صاحب المشروع وقواعد الحكامة الجيدة. وأضافت نفس المادة على أن إبرام الصفقات المذكورة يتم وفق الشروط والشكليات المنصوص عليها في النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية.

بالإضافة إلى ذلك فمن بين الإصلاحات التي جاء بها المرسوم رقم 2.12.249 بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية إفراده لباب مستقل[2] خصَّصَّهُ للمقتضيات الخاصة بصفقات الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات.

لكن الممارسة أبانت عن وجود عدة إشكالات عند تطبيق النصوص المنظمة للصفقات العمومية على صعيد الجماعات الترابية سواء تعلق الأمر بالمرسوم رقم 2.12.249 بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية أو المرسوم رقم 2.14.394 بتاريخ 13 ماي 2016 بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال أو المرسوم رقم 2.01.2332 بتاريخ 04 يونيو 2002 بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الخدمات المتعلقة بأعمال الدراسات والإشراف على الأشغال أو عند تطبيق بعض النصوص الأخرى التي لها ارتباط وثيق بمجال الصفقات العمومية. وعليه وجب التدخل من أجل تجويد هذه النصوص أخذا بعين الاعتبار خصوصية الجماعات الترابية.

لمقاربة هذا الموضوع سوف نتطرق أولا إلى الواقع المالي للجماعات الترابية بالمغرب (المبحث الأول) ثم إلى قراءة نقدية لبعض مقتضيات النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية أو النصوص الأخرى المرتبطة بها، حيث أفرزت الممارسة العملية عدة إشكالات عند تنفيذ الصفقات العمومية من طرف الجماعات الترابية (المبحث الثاني). تجد هذه الورقة أهميتها في كون مستقبل التنمية ببلادنا مرتبط أكثر بالتنمية الجهوية وما يتطلب ذلك من إجراءات تتعلق بتنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز واللاتركيز الإداري وأيضا ضرورة توفير الموارد اللازمة. وبالتالي فإنجاز وتنفيذ الصفقات العمومية سوف يتم بوثيرة متزايدة ومتسارعة على صعيد الجهات وباقي الجماعات الترابية المكونة لها وكذا المؤسسات التابعة لها.

 

 

المبحث الأول : الواقع المالي للجماعات الترابية بالمغرب

يوجد بالمغرب 1590 جماعة ترابية منها 12 جهة و75 عمالة وإقليم و1503 جماعة بالإضافة إلى مؤسسات التعاون ومجموعات الجماعات الترابية التابعة لها وشركات التنمية الجماعية التي لا تتوفر إحصاءات رسمية ومحينة حول عددها.

بالاعتماد على وضعية تحملات وموارد الجماعات الترابيى إلى غاية نهاية شهر أكتوبر من سنة 2020  التي نشرتها الخزينة العامة للمملكة[3] يتبين أن مجموعة موارد الجماعات الترابية كانت في حدود 29.996,00 مليون درهم منها 25.150,00 مليون درهم كموارد ضريبية و 4.846,00 مليون درهم كموارد غير ضريبية مسجلة تراجعا بنسبة 16,6% مقارنة مع نفس الفترة سنة قبل ذلك وذلك نتيجة تداعيات الأزمة الصحية التي تجتاح العالم حاليا. بالنسبة للنفقات فقد بلغت خلال نفس الفترة إجمالي 27.681,00 مليون درهم منها 10.870,00 مليون درهم خصصت لنفقات الموظفين والأعوان وتعويضات الرؤساء والأعضاء وفوائد الديون. وهو ما يعني أنه تم إنفاق تقريبا 17 مليار درهم لأداء مقابل توريدات أوخدمات أو أشغال تم إنجازها سواء عبر إبرام صفقات عمومية اعتمادا على طلب العروض أو سندات طلب أو عقود أو اتفاقيات خاضعة للقانون العادي، علما أن المتوسط السنوي خلال الخمس الأخيرة لهذه النفقات كان في حدود 26.500 مليون درهم تقريبا وهو مبلغ مهم رغم الحاجة الملحة للرفع منه.

تطور مداخيل ونفقات الجماعات الترابية عند نهاية شهر أكتوبر من كل سنة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2017 و2020*

دجنبر 2016دجنبر 2017دجنبر 2018دجنبر 2019أكتوبر 2020**
مجموع المداخيل37.15239.01141.98042.84529.996
مداخيل ضريبية29.93531.38033.57333.96425.150
مداخيل غير ضريبية7.2177.6318.4078.8824.846
مجموع النفقات34.67939.21740.57942.57527.681
نفقات الموظفين والتعويضات وفوائد الديون12.25412.83012.77213.05910.870
نفقات السلع والخدمات ونفقات الاستثمار22.42526.38727.80729.51616.811

* المصدر: النشرات الشهرية الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة حول مالية الجماعات الترابية

** آخر الإحصائيات المنشورة

تجدر الإشارة أن نفقات الجماعات الترابية تمثل حوالي 10% فقط من نفقات الدولة (نفقات الميزانية العامة بالإضافة إلى ميزانية المرافق المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية التي بلغت حسب تقديرات ميزانية السنة المالية 2019 ما مجموعه 430,535 مليار درهم). وهو ما يعني أن هناك مزيدا من الجهود يجب أن تبدل من أجل تمكين الجماعات الترابية من الموارد اللازمة للعب دورها التنموي المنشود.

المبحث الثاني : قراءة نقدية لبعض مقتضيات النصوص المنظمة للصفقات العمومية

1- أول ما يمكن إثارته في هذا الإطار هو عدم تجميع النصوص القانونية والتنظيمية التي تهم الطلبيات العمومية في مدونة واحدة

وهنا نقصد الطلبيات العمومية وليس فقط الصفقات العمومية، فبالإضافة إلى هذه الأخيرة هناك أيضا عقود الامتياز المبرمة سواء عن طريق التفاوض أو عن طريق مسطرة طلب العروض.

فالتدوين يمكن من تجميع جميع النصوص القانونية والتنظيمية التي تهم القواعد التي تأطر عقود الطلبيات العمومية وتضمينها في حزمة قانونية وحيدة عوض تركها مشتتة يتيه المسؤول والمهتم للبحث عنها وهو ما نهجته مجموعة من الدول. نشير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن راهن على الجمع بين القانون والنصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية واقترح ابعد من ذلك بأن تدخل القواعد الأساسية للصفقات العمومية في إطار القانون مع ترك التفسير لمجال السلطة التنظيمية[4].

فعلى سبيل المقارنة نجد أن فرنسا اعتمدت منذ ثلاث سنوات مدونة الطلبيات العمومية[5] (فاتح أبريل 2019) بعد تجميع أول تم خلال سنة 2016 بحيث ضمت هذه المدونة قسمين : قسم تشريعي partie législative وقسم تنظيمي partie réglementaire بالإضافة إلى واحد وعشرين (21) ملحقا.

تجدر الإشارة في هذا الإطار، أن المشرع الفرنسي تخلى عن بعض التسميات التي مازالت مستعملة في قاموسنا المغربي بحيث استبدل تسمية تفويض المرافق العمومية délégation de service public والشراكة بين القطاع العام والخاص بمصلح وحيد  جامع وهو صفقات الشراكة les marchés de partenariat.

نجد في هذه المدونة أيضا أن المشرع الفرنسي عرف عقود الطلبيات العمومية على أنها عقود بعوض أو بمقابل مالي يقوم بإبرامها المشتري العمومي أو السلطة العمومية مانحة الامتياز مع شريك أو أكثر للاستجابة إلى حاجياتها في مجالات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات.

« Les contrats de la commande publique sont des contrats à titre onéreux conclus par un acheteur ou une autorité concédante pour répondre à ses besoins en matière de travaux, de fournitures ou de service avec un ou plusieurs partenaires. »

وعليه، فإن المدونة الفرنسية أصبحت تتضمن كافة القواعد المتعلقة بمختلف عقود الطلبات العمومية والتي تدخل سواء في إطار الصفقات العمومية أو عقود (منح) الامتياز بحيث تم تخصيص القسم الأول للتعاريف والمبادئ العامة أما القسم الثاني فقد خصص للصفقات العمومية فيما خصص القسم الثالث لعقود الامتياز.

الملفت أن مدونة الطلبيات العمومية الفرنسية تضم مجموعة من النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية وهي إلى حدود نهاية سنة 2019 إثنان وثلاثون (32) نصا يمكن اعتمادها من طرف الإدارات والمقاولات والمهتمين (نصوص تتعلق بأصحاب المشاريع maitrise d’ouvrages publics أو إدارة المشاريع العامة وعلاقتها بالمقاولات، نصوص تتعلق بالتعاقد من الباطن la soutraitance، بآجال الأداء les délais de paiement، بالفوترة الإلكترونية la facturation électronique إلى غير ذلك من النصوص).

إن المثال الفرنسي ليس هو الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه، فهناك تجارب أخرى على الصعيد العربي اعتمدت نفس المنهج وإن بصيغة أقل تطورا.

فدولة مصر مثلا، سَنَّت مند 1983 قانون ينظم في نفس الوقت المناقصات والمزايدات وهو القانون رقم 9 وبعده القانون رقم 89 لسنة 1998 وأخير القانون رقم 182 لسنة 2018 لتنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة سواء التعاقد على الشراء، الاستئجار، الأشغال والخدمات أو على البيع أو تأجير المنقولات أو العقارات أو الترخيص بالانتفاع أو استغلال العقارات والمشروعات؛

على مستوى دولة الإمارات، فقد تم إصدار قرار وزاري في عام 2000 ينظم القواعد الإجرائية القانونية المتعلقة بعقود الإدارة بصفة عامة ثم صدر بعده قرار رقم 32 لسنة 2014 بشأن لائحة المشتريات وإدارة المخازن. كما أنه على صعيد إمارة أبو ظبي، صدر القانون رقم 77 سنة 2008 ثم سنة 2017 بشأن المشتريات والمناقصات والمزايدات والمستودعات وعلى صعيد إمارة دبي كان قد صدر قانون سنة 1997 بشأن الدوائر الحكومية ينظم العقود الإدارية بصفة عامة.

كما أنه على مستوى دولة قطر، هناك عدة قوانين تم استصدارها مند سنة 1976 بشأن المناقصات والمزايدات كالقانون رقم 8 لسنة 1976 والقانون رقم 26 لسنة 2005 والقانون رقم 24 لسنة 2015 ثم قرار مجلس الوزراء رقم 16/2019 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم المناقصات والمزايدات.

رغم أن الأمثلة العربية لا ترقى إلى تدوين فإنها محاولات تطرقت إلى تنظيم المناقصات والمزايدات في نص واحد، على خلاف المغرب حيث نجد مرسوم الصفقات العمومية والقانون المنظم لعقود الشراكة بين القطاع العام والخاص والقانون المنظم للتدبير المفوض للمرافق العمومية مع نصوص تطبيقية متناثرة يستلزم الأمر جمعها وتدوينها في مدونة واحدة.

2- الإشكال المتعلق بالأشخاص الخاضعين لمرسوم الصفقات العمومية

يسجل في هذا الإطار ملاحظتين

أولا : عدم الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التنصيص على مؤسسات التعاون ومجموعات الجماعات الترابية والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع ضمن الأشخاص الخاضعة لهذا النص.

رغم أن المادة المادة 210 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات نصت على أن صفقات صفقات الجماعات والهيآت التابعة لها ومؤسسات التعاون بين الجماعات ومجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجماعات طرفا فيها تبرم وفق الشروط والشكليات المنصوص عليها في النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية، فقد لوحظ أن المادة الثانية من المرسوم رقم 2.12.349  بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية نصت على أن هذا المرسوم يحدد الشروط والأشكال التي تبرم وفقها صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات لحساب الدولة والمؤسسات العمومية الواردة في اللائحة المحددة بقرار للوزير المكلف بالمالية. كما أكدت نفس المادة في فقرتها الثالثة على أنه بصفة انتقالية يحدد هذا المرسوم أيضا الشروط والأشكال التي تبرم وفقها صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات لحساب الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات ولم تأتي الفقرة على ذكر ”مجموعاتها“ كما أنه لم يُعْمَل على تعديل هذه الفقرة بعد اعتماد القوانين التنظيمية للجهات والأقاليم والجماعات بإضافة “مؤسسات التعاون ومجموعات الجماعات الترابية والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع”.

تجدر الإشارة، أن الحكومة حاولت استدراك هذا الخطأ لكن ليس بالشكل الكافي. فعندما تم تعديل المرسوم رقم 2.16.344 بتاريخ 22 يوليوز 2016 بتحديد آجال الأداء وفوائد التأخير المتعلقة بالطلبيات العمومية  وذلك بموجب المرسوم رقم 2.19.184 بتاريخ 25 أبريل 2019 أصبحت مادته الأولى تنص على أنه ”يحدد هذا المرسوم أجال الأداء وشروط وكيفيات دفع فوائد التأخير لأصحاب الطلبيات العمومية المبرمة لحساب الدولة والجماعات الترابية والهيآت التابعة لها ومجموعات الجماعات الترابية ومؤسسات التعاون بين الجماعات وكذا المؤسسات العمومية الواردة في اللائحة المنصوص عليها في المادة 19 من القانون رقم 69.00. لكن هنا النص ليس هو المنظم للصفقات العمومية بل هو فقط مكمل له والتعديل والتتميم يجب أن يتم على مستوى المرسوم رقم 2.12.349  بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية.

ثانيا: إن الحكومة لم تكن جريئة بتنصيصها على أشخاص أخرى ضمن الأشخاص الخاضعة لمرسوم الصفقات العمومية والتي تعنى بتسيير مرفق عامة أو تضع يدها على أموال عامة.

بحيث يمكن التساؤل : ماذا عن المقاولات العمومية خاصة على الصعيد الجهوي والمحلي ويتعلق الأمر بشركات التنمية المحلية وشركات التنمية الجهوية وشركات التنمية ؟

فبعض التجارب المقارنة كانت أكثر جرئة في هذا المجال. مثلا في تونس نص الفصل الثالث من الأمر الحكومي رقم 1039 لسنة 2014 بتاريخ 13 مارس 2014 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية على أنه :

“تخضع للمبادئ العامة المنظمة للصفقات العمومية ولرقابة الهياكل المختصة كل ذات معنوية تطبق القانون العام أو القانون الخاص تتولى إبرام صفقات لفائدة ذوات عمومية أو بواسطة أموال عمومية لتلبية حاجات ذات مصلحة عامة”.

3- عدم اعتماد أو تحيين بعض النصوص التنظيمية الضرورية

يتعلق الأمر في هذا الإطار، بدفاتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات التوريدات وعلى الخدمات المتعلقة بأعمال الدراسات والإشراف على الأشغال.

فالأول لم يسبق اعتماده، أما الثاني فلم يتم تحيينه أخذا بعين الاعتبار المستجدات التي جاء بها المرسوم رقم 2.12.349  بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية.

تجدر الإشارة، أن دولة تونس مثلا تتوفر على دفتر للشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات التوريدات يعود إلى سنة 1996.

4- الإشكال المتعلق بالعقارات التي يمكن أن تستوعب بعض مشاريع الصفقات العمومية  والتي تتواجد بالتجزئات العقارية المنجزة من طرف الخواص

تنص المادة 18 من القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات على أنه لا يجوز الإذن في إحداث تجزئات عقارية إلا إذا كانت مشاريعها تنص على أشغال التجهيز المتعلقة بإقامة الطرق الداخلية ومواقف السيارات وتوزيع الماء والكهرباء وصرف المياه والمواد المستعملة وبتهيئة الساحات غير المبنية كالساحات والمناطق الخضراء والملاعب وكذا وصل كل بقعة من بقع التجزئة بمختلف الشبكات الداخلية للتجزئة ووصل الطرق ومختلف الشبكات الداخلية للتجزئة بما يقابلها من الشبكات الرئيسية، إقامة الطرق ووسائل الإيصال الكفيلة بتسيير النفود إلى شاطئ البحر.

وأضافت نفس المادة على أنه لابد أن تنص على المساحات المخصصة للتجهيزات الجماعية والمنشآت ذات المصلحة العامة التي تقتضيها متطلبات التجزئة من مركز تجاري ومسجد وحمام وفرن ومدرسة ومستوصف ومساحات معدة للنشاطات الرياضية.

بعد ذلك، نصت المادة 22 على أن أشغال التجزئة تكون محل تسلم مؤقت وتسلم نهائي. أما المادة 23 فقد نصت على أن التسلم المؤقت يتيح لإدارة الجماعة أن تتحقق من أن الأشغال قد تم إنجازها وفق ما ينص عليه المشروع. فيما أقرت المادة 27 بأن التسلم النهائي يتم سنة بعد تحرير التسلم المؤقت ويدعى لحضور التسلم النهائي كل من صاحب التجزئة والمقاول والمهندس المعماري والمهندس المختص. وجاءت بعد ذلك المادة 29 لتنص على أنه يترتب على التسلم النهائي تسليم شهادة تثبت أن الطرق ومختلف الشبكات توجد في حالة جيدة.

لكن المهم ما جاء بعد ذلك وهو أنه يتوقف على تسليم الشهادة إلحاق طرق التجزئة أو المجموعة السكنية وشبكات الماء والمجاري والكهرباء والمساحات غير المبنية المغروسة بالأملاك العامة للجماعة.

وهنا نسجل إشكالين:

الإشكال الأول، يتمثل في استعمال المشرع لمصطلح ”مساحات مغروسة“ علما أن هناك عدة مساحات غير مبنية أخرى يتم تهيئتها كالساحات والملاعب والمساحات المخصصة للتجهيزات الجماعية والمنشآت ذات المصلحة العامة.

في هذا الإطار، كان على المشرع أن يشمل بالإلحاق جميع المساحات وهو ما يتم بالفعل في الواقع العملي في حالة القيام بالتسلم النهائي للتجزئات.

ثم كان على المشرع أن يكون أكثر دقيقة بحيث أن الطرق والشبكات والمساحات المخصصة لتجهيز جماعي يجب أن تلحق بالممتلكات العامة الجماعية، أما الممتلكات المخصصة لمنشآت ذات مصلحة عامة كالمستوصفات والملحقات الإدارية والملاعب ودور الثقافة والمساجد إلى غير ذلك يجب أن تلحق بممتلكات الإدارات المعنية تجنبا للتعقيدات الإدارية التي تحول دون إنجاز هاته المرافق فيما بعد أو تعيق إنجازها داخل أجال معقولة.

الإشكال الثاني يتمثل فيما تم التنصيص عليه في المادة 33 وما بعدها المتعلقة وهي مقتضيات تطرقت لعقود البيع والإيجار والقسمة التي تهم التجزئات بحيث تم التنصيص على أن عقود البيع والإيجار والقسمة يمكن مباشرتها بعد التسلم المؤقت لأشغال التجزئة. بل الأكثر من ذلك، تمت الإشارة إلى أنه إذا أنجزت أشغال التجهيز قطاعا قطاعا (par tranche) جاز إبرام العقود في القطاعات التي تم تسلم أشغالها مؤقتا.

الإشكال الواجب الإشارة إليه هو أن المشرع لم يُضَمِّن أيَّ مقتضيات تفرض وتجبر كل الأطراف (خاصة صاحب المشروع) على التسلم النهائي للتجزئة والذي وحده يخول إلحاق المساحات والطرق والشبكات بالملك الجماعي. فلا يوجد أي مقتضى يفرض على صاحب المشروع الحضور والقيام بالتسلم النهائي، بحيث إن القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء لم يعاقب على عدم العمل على تسليم الأشغال نهائيا.

فقد كان من الأجدر، على غرار الصفقات العمومية فرض ضمان نهائي يتم تسليمه قبل تسليم رخصة التجزئة ولا يتم إرجاعه إلا بعد القيام بالتسلم النهائي للتجزئة، بالإضافة إلى جزاءات أخرى كالإقصاء وعدم الحصول على رخص أخرى للتجزيء (للمقاولة ومسيرها) على صعيد تراب المملكة.

ثم يجب توضيح بالدقة اللازمة الإجراءات الواجب اتخادها من طرف الجماعة وباقي الأطراف في حالة امتناع صاحب المشروع أو المهندس المعماري أو المهندس المختص عن الحضور.

5- إشكالية الضمان المتعلق بالمسؤولية العشرية للمقاول والمهندس

نص الفصل 769 من ظهير الالتزامات والعقود على أن المهندس المعماري أو المهندس والمقاول يتحملان المسؤولية إذا حدث، خلال العشر سنوات التالية لإتمام البناء أو غيره من الأعمال …، أن إنهار البناء كليا أو جزئيا، أو هدده خطر واضح بالانهيار بسبب نقص المواد أو عيب في طريقة البناء أو عيب في الأرض. وأضاف نفس الفصل على أنه تبدأ مدة العشر سنوات، وهنا المهم، من يوم تسلم المصنوع.

و بالرجوع إلى دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال خاصة في مادته 73 نجده ينص على أنه يترتب عن التسلم المؤقت حيازة وتحويل الملكية لفائدة صاحب المشروع وهو ما يستفاد منه تسلم  المصنوع وفق الفصل 769 من ظهير الالتزامات والعقود سالف الذكر.

لكن المادة 78 من نفس الدفتر، والتي تطرقت إلى مسؤولية المقاول بعد التسلم النهائي، نصت في فقرتها الثانية على أنه يشكل تاريخ التسلم النهائي للمنشأة بداية فترة الضمان المتعلق بالمسؤولية العشرية للمقاول المنصوص عليها في الفصل 769 من ظهير الالتزامات والعقود وهو ما يتناقض مع مقتضيات هذا الفصل الأخير كما تم تقديمه.

وهذا يعني أن الفترة الفاصلة بين التسلم المؤقت والتسلم النهائي لا يشملها الضمان العشري (سنة و10 أيام على الأكثر في حالة عدم وجود عيوب وسنة وشهران على الأكثر في حالة وجود عيوب)

والمعلوم حسب الدراسات الاكتوارية أن احتمالية وقوع انهيار مبنى تكون أكبر في السنة الأولى من التشييد مقارنة مع باقي السنوات وكل هذا في صالح مؤسسات التأمين التي تم إعفاؤها من تحمل المسؤولية عن خطر انهيار المباني خلال السنة الأولى التي تلي التسلم المؤقت.

6- إشكالية فسخ الصفقة في حالة التسوية القضائية

نصت المادة 52 من CCAG-T أنه في حالة التسوية القضائية تفسخ الصفقة بقوة القانون وبدون تعويض (وهي آثار وخيمة على المقاولة) إذا لم ترخص السلطة القضائية المختصة للمقاول بمواصلة استغلال مقاولته.

وهنا يسجل إشكالان:

الإشكال الأول يتعلق بالمصطلح المستعمل وهو ”المقاول“. فإذا رجنا إلى تعريف المقاول وفق CCAG-T ومرسوم الصفقات العمومية فهو صاحب الصفقة (المادة 4 من مرسوم الصفقات العمومية) الذي هو نائل الصفقة الذي تم تبليغ المصادقة إليه ونائل الصفقة هو كل متنافس تم قبول عرضه قبل تبليغ المصادقة على الصفقة. وبالرجوع إلى تعريف المتنافس فهو كل شخص ذاتي أو اعتباري يقترح عرضا بقصد إبرام صفقة.

إذا كان الإشكال لا يطرح بالنسبة للشخص الذاتي، فهو موجود بالنسبة للشخص الاعتباري لأن المقاول يقصد به الشخص الاعتباري أي المقاولة.

التوضيح والتدقيق نجده في الباب الخامس من مدونة التجارة الذي يتحدث عن رئيس المقاولة الشخص الذاتي والممثل القانوني للمقاولة لأن المنع يصدر تجاه رئيس المقاولة الممثل القانوني للشخص الاعتباري وليس المقاول.

وحتى مع هذا المنع فهناك تعسف على المقاولة بهذا المقتضى لأنه في الحالات الثلاث التي يكون عليها حكم فتح مسطرة التسوية القضائية وهي :

1- الحالة التي يستمر فيها رئيس المقاولة بممارسة نشاطه ويكون السنديك مراقبا؛

2- الحالة التي يساعد فيها السنديك رئيس المقاولة في جميع أعمال التسيير أو في بعضها؛

3- والحالة التي يمنع فيها كليا رئيس المقاولة من تسيير المقاولة وتوكيل السنديك بذلك (تسيير كلي أو جزئي)

نجد أن المادة 586 تنص على أن المقاولة تتابع نشاطها بعد صدور حكم فتح مسطرة التسوية القضائية بمعنى أن المقاولة في الحالات الثلاث مستمرة في نشاطها طوال فترة إعداد الحل التي تمتد 4 أشهر يمكن أن تمدد مرة واحدة أي 8 أشهر على الأكثر بالإضافة إلى عشرة أيام ليصدر حكم غرفة المشورة الذي  يمكن أن يكون “تقرير استمرارية نشاط المقاولة ” وبالتالي استئناف نشاطها بصفة عادية.

إذا السؤال المهم هو لماذا تقرير فسخ الصفقة طالما أن المقاولة مستمرة في نشاطها إلى حين صدور الحكم سواء بالاستمرارية أو التفويت أو التصفية أو حل مركب، طالما ليس هناك إخلال من طرف المقاولة خلال هذه الفترة ؟

إن مثل هذه المقتضيات هي التي تجعل الكثير من المقاولين لا يتشجعون على سلك مسطرة التسوية القضائية.

7- الإشكال المتعلق بطرق التراسل والتبليغ

نصت المادة 9 من المرسوم رقم 2.14.394 بتاريخ 13 ماي 2016 بالمصادقة على دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال على المراسلات المتعلقة بتنفيذ الصفقة بين صاحب المشروع والمقاول تتم كتابة وأضافت نفس المادة على أنه يمكن التراسل بصفة تكميلية بالفاكس المؤكد أو بالبريد الإلكتروني. لقد بينت الحالة الوبائية الراهنة أنه أصبح من الضروري اعتبار التراسل عبر الفاكس أو البريد الإلكتروني كطرق أساسية للتراسل وليس فقط تكميلية لكون التوجه الآن بات نحو اللجوء أكثر إلى الوسائل الإلكترونية مع أهمية التفصيل في كيفيات التراسل الالكتروني القانوني بموجب نصوص تطبيقية.

8- الغموض المسجل في تعرييف ”سجل الصفقة“

جاء في دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال المصادق عليه بموجب المرسوم رقم 2.14.394 بتاريخ 13 ماي 2016 خاصة في مادته الثالثة (3) المتعلقة بالتعاريف أن سجل الصفقة هو سجل يمسكه صاحب المشروع ويتضمن (où sont répertoriés) جميع الوثائق المتعلقة بالصفقة التي أصدرها صاحب المشروع أو التي تسلمها وهنا يكون السجل بمعنى ملف. لكن في مواقع أخرى، كالمادتين 48 و49، نجد الصياغة المعتمدة تتحدث عن تدوين الأوامر بالخدمة بتأجيل الأشغال أو توقيفها في سجل الصفقة وكذا المادة 18 التي تتحدث عن ضرورة إصدار مقرر حجز الضمان المبلغ بواسطة أمر بالخدمة يُدون في سجل الصفقة وهذا خلق نوعا من الارتباك عند أصحاب المشاريع حول ماهية سجل الصفقة.

في نظري المتواضع يتعلق الأمر بالإثنين معا، بملف يضم كافة الوثائق وإضافة إلى ذلك سِجِلٍّ تُدَوَّن فيه جميع أوامر الخدمة الصادرة مع تواريخها ومواضعها بالإضافة إلى الوثائق الأخرى المتوصل بها من طرف باقي المتدخلين خاصة صاحب الصفقة، مكتب الدراسات، الإدارات الأخرى لأن تدوين هذه المعلومات في سجل معين سوف يمكن من تتبع كرونولوجيا تنفيذ وإنجاز الأشغال والخدمات أو تسليم التوريدات.

في الأخير، نشير أن المغرب قطع أشواطا مهمة في مجال تجويد النصوص المنظمة للصفقات العمومية، لكن مع مرور الوقت وبالممارسة الميدانية تتأكد الحاجة المستمرة للتعديل والتغيير لأخذ بعين الاعتبار الإشكالات سواء المستجدة أو التي تم إغفال حلحلتها عقب الإصلاحات والتعديلات السابقة.

[1]– توافقها بالنسبة للجهات المادة 223 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات وبالنسبة للعمالات والأقاليم المادة 201 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم.

[2] – الباب السادس من المرسوم رقم رقم 2.12.249 بتاريخ 20 مارس 2013 المتعلق بالصفقات العمومية.

[3] – المصدر: Bulletin mensuel de statistiques des finances locales – Octobre 2020  المنشور على موقع الخزينة العامة للمملة https://www.tgr.gov.ma

[4] – رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي معنون “الصفقات العمومية: رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية”، إحالة ذاتية رقم 7/2012، ص 9.

[5] –  Ordonnance n°2018-1074 du 26 novembre 2018 portant partie législative du code de la commande publique et le décret n°2018-1075 du 3 décembre 2018 portant partie réglementaire du code la commande publique (B.O du 5 décembre 2018) entré en vigueur le 1er avril 2019.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى