بحوث قانونيةمقالات قانونية

محاضر الضابطة القضائية والمراقبة الفعلية اداريا وقضائيا على سلامتها

poli

ذ. محمد بوزبع

محام بالرباط،

رئيس الجمعية المغربية للعلوم الجنائية

ان هذا الموضوع مرتبط بالموضوع العام المتعلق بتاملات حول المحاكمة العادلة

وبالتالي سنحاول الربط بينه وبين توفير محاكمة عادلة

وقد تاملت كثيرا في التعريف الذي يمكن ان يعبر عن المحاكمة العادلة ولم اجد احسن من  تعريف واحد هو ان نتكلم عن المحاكمة غير العادلة. لان الأصل بالنسبة للقضاء ان يكون عادلا : { واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل}.

لا شك ان كل من يتعامل مع القضاء من أي موقع كان، لابد وان يستحضر هذه الوثيقة الأولى التي يقوم بتحضيرها افراد ينتمون إلى الشرطة القضائية، ومؤهلون بكيفية قانونية لممارسة البحث عن الجريمة، وجمع الادلة وتقصي اثارها، وكذلك القاء القبض أو إيقاف كل الاشخاص الذين لهم ارتباط بالفعل الاجرامي.

 

فهذه الوثيقة الأولى التي يحضرها هؤلاء والتي نص قانون المسطرة الجنائية على التعريف بهم، وللتاكيد فقط اقول : فهم يدخلون اما كضباط سامين للشرطة القضائية أو ضباط للشرطة القضائية أو كأعوان في هذه الشرطة و كموظفين واعوان مكلفين ببعض مهام الشرطة القضائية.

فهؤلاء اناط بهم القانون مسؤولية وامتياز تحضير هذا الملف الأول للمحكمة لتفصل فيه. ودورهم بدون شك دور خطير.

 

وبهذه الوثيقة الأولى تبتدئ المحاكمة كيفما كان الوصف الذي سيصبغ عليها سواء عادلة أو جائرة.

فهل هؤلاء الذين تسند لهم هذه المهمة الخطيرة، لهم مطلق الحرية في القيام بالبحث التمهيدي ؟ وان يقوموا بالقاء القبض على من أردوا ؟ وان يحتفظوا به متى أرادوا ؟ وان يكيفوا الوصف والتهم والافعال كما بدا لهم ؟ وان يقدموا الملف إلى المحاكم بدون رقيب ام لا ؟

 

هذه هي الأسئلة المهمة  بالطبع، انهم من الناحية القانونية يخضعون لمراقبة من طرف النيابة العامة، اما وكيل الملك لدى المحاكم الابتدائية واما الوكيل العام للملك واما الغرفة الجنائية أو الغرفة الجنحية بمحاكم الاستئناف التي اصبحت تقوم بدور غرفة الاتهام طبقا للقانون ” ظهير الإجراءات الانتقالية” الذي يطبق في عمر يزيد عن عمر المسطرة الجنائية منذ 1974 وما يزال انتقاليا.

 

فهذه السلط الثلاث التي يخضع لها ضباط الشرطة القضائية والاعوان بمناسبة القيام بمهامهم.

هذه المراقبة ما يمكن ان ينتج عنها؟ كل سلطة تراقب سلطة اخرى الا ويجب ان تتوفر على وسائل وامكانيات قصد اخضاع المراقب الى سلطتها.

 

وحسب نصوص القانون فان غرفة الجنح لها ان تقرر اما التوقيف المؤقت عن الوظيفة أو الفصل النهائي عنها بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد ينزلها بها رؤساء الضابطة القضائية حسب الرتبة التسلسلية، وبالرجوع إلى الفصول 244 و245 و246 و247 من ق م ج نجد التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع، وكيفية ممارسة المراقبة القانونية التي يعطيها القانون للغرفة الجنحية.

 

كذلك فاحالة هذا الملف على الغرفة الجنحية  يتم بواسطة مراقبة قبلية تقوم بها النيابة العامة، فهذه الأخيرة هي التي تهيئ ملف المخالفة، وهي التي تامر باجرء البحث، واحالة الملف على الغرفة الجنحية للبت فيه.

وهذا الامر يقتصر على المخالفات المرتبطة بالمهام، اما إذا كان الامر يتعلق بمخالفات  يمكن ان توصف بجرائم، أي مخالفة للقانون الجنائي، كالشطط في استعمال السلطة ازاء الافراد، فالاختصاص يعود للنيابة العامة في احالة الملف على المحاكم قصد البت فيها.

 

وبالطبع، هذه المخالفات يمكن ان تصل إلى الاعتقال التحكمي إلى خضوع الشخص للتعذيب، الى كل انواع المساس بالحريات الشخصية، فهذا من الناحية القانونية ممكن.

 

كذلك تشمل المراقبة حسب القانون مراقبة الوضع تحت الحراسة والمدة، والظروف التي يتم فيها الوضع تحت الحراسة، والامر باجراء خبرة طبية على أي شخص يقدم للنيابة العامة قصد التأكد  من انه تعرض لتعذيب ام لا.

ومن انواع المراقبة أيضا التي اقرها القانون من خلال التعديلات الأخيرة، هناك الزام الضابطة القضائية بارسال لائحة الموقوفين كل 24 ساعة حتى تتاكد النيابة العامة من بداية الوضع تحت الحراسة ونهايته، وكذلك من انواع المراقبة، اخبار عائلة الشخص الموضوع تحت الحراسة، وهذا الاخبار الزامي للضابطة القضائية، كما نجد من انواع المراقبة ما يمكن ان تراقبه النيابة العامة بواسطة التفتيش والحجز والمستندات التي يمكن ان تقوم بحجزها من اجل ربطها بملف التحقيق.

 

كما للنيابة العامة ان تتردد على مخافر الشرطة القضائية للتفتيش والمعاينة من الناحية القانونية، ولكن هل النيابة العامة تمارس هذه الاختصاص ام لا ؟

وبالتالي فالنيابة العامة من الناحية القانونية  ملزمة بمراقبة اعمال الضابطة القضائية في جميع المراحل منذ انطلاق البحث مرورا بالتحقيق والوضع تحت الحراسة والتفتيش والحجز واحالة الملف على المحكمة.

فهذه الانواع من المراقبة يقرها الان قانون من خلال النصوص التي تعرفنا عليها والتي كانت نشأت مع قانون المسطرة الجنائية منذ صدوره سنة1959.

 

وهناك انواع من المراقبة وقع التنصيص عليها بمقتضى تعديل1991 المتعلق بالوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي والايداع في السجن المقرر من طرف النيابة العامة.

 

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو هل بالفعل النيابة العامة تمارس هذا النوع من الرقابة ؟  بحيث ما يلاحظه الدفاع في عدد كبير من الملفات ان النيابة العامة لا تقوم بهذه المهمة كما يلزم، اذ ان الامر يختلف بحسب اختصاص الاشخاص الساهرين على تسيير الدعوى العمومية في المحاكم، فهناك من لهم غيرة على سلطتهم من اجل ممارسة جميع الاختصاصات وهناك من لا يمارسوا ولا يروا ان هناك حاجة لخلق مشاكل ومتاعب مع الشرطة القضائية.

لكن أمورا موضوعية  يجب ان نصارح بها انفسنا وهو ان عدم اخضاع الشرطة القضائية للنيابة العامة رغبة منشودة لدى السلطات التي تتبع لها الشرطة القضائية من داخلية وإدارة الدفاع الوطني اذ نجد حرصا هذه السلطات الأخيرة على الحد من تدخلات النيابة العامة. ويستفحل الامر إذا كان ممثل النيابة العامة ضعيفا مما تطغى معه سلطة الشرطة القضائية ولا يستطيع ممثل النيابة العامة القيام بمهامه.

 

ونجد عاملا اخرا يزكي هذا الطرح هو عدم وجود حماية للنيابة العامة من طرف الوزارة التابعة لها، أي وزارة العدل. فليس هناك حصانة  كافية ودفاع  عن هؤلاء كي يمارسوا مهامهم التي يحتمها لهم القانون في مواجهة هذه السلطات، وهذا ما نلاحظه بالنسبة لعدد كبير من الملفات،  وكم لاحظنا في عدة محاكمات ان النيابة العامة لم تكتف بعدم ممارسة مهام الرقابة على الضابطة القضائية، بل كانت تقوم  بتنقية وملء الثغرات التي كانت تتركها الضابطة القضائية في خرق المسطرة.

 

فاذا اخذنا الوضع تحت الحراسة مثلا، نجد بان النيابة العامة تقوم  بالتوقيع على طلبات تمديد الحراسة النظرية ولو كانت قد قدمت خارج الاجل القانوني

كما انها لا تقوم بالبحث والتدقيق في التشكيكات التي يثيرها اما عائلة المقبوض عليه أو الدفاع بخصوص تجاوز مدة الوضع تحت الحراسة للمدة القانونية، وبالتالي القيام بالاجراءات اللازمة ان ثبت لها انه فعلا تم خرق هذه القاعدة.

فهذه إشكالية اولية لم نستطع لحد الان التغلب عليها وان كان انه بعد التعديلات التي عرفها الوضع تحت الحراسة لاحظنا بانه وقع تقليل فيما يخص تجاوز هذه المدد.

 

الا انني لا أخفيكم بالاحباط الذي اصبنا به اثر المحاكمات الأخيرة التي عرفها المغرب والتي سمعنا عن طريق زملائنا وكذا العديد من المنظمات الحقوقية انه وقع خرق ورجوع إلى عهد اعتبرناه انه انقضى وانتهى، عهد الاحتفاظ  بالاشخاص خارج المدد المنصوص عليها في القانون والتهديد والعنف ونزع الاعترافات بالاكراه، ورفض النيابة العامة اخضاعهم للخبرة الطبية، وكذلك عدم استجابة المحاكم لهذه الطلبات. وهذه الوقائع سجلها عدد كبير من المحامين ووصلت إلى جمعية هيئة المحامين بالمغرب، وكان لهذه الأخيرة موقف مشرف من هذا الموضوع،

 

وهذه الاشكالية هي موضوع نقاش بيننا، خاصة وان المجتمع المدني يشكل رقابة مهمة على كل التصرفات الجائرة التي يمكن ان يقوم بها رجل السلطة، من انواع المراقبة التي نرتئيها والتي يمكن ان تكون موضوع مناقشة من طرف هذه الندوة، وهي إمكانية حضور المحامي في هذه المرحلة، هل حان الوقت لطرح هذا الاقتراح، فقد تطورنا خطوات، والخطوة تمثلت في إمكانية حضور المحامي لدى النيابة العامة، وحضور المحامي ايضا اثناء الاستنطاق الابتدائي،  والان السؤال المطروح  هو هل حان الوقت لكي نقفز قفزة اخرى ونطالب بالحاح على ان حضور المحامي ضروري لحماية حقوق الدفاع والسهر على حسن تطبيق القانون في هذه المرحلة الخطيرة والمتجلية في مرحلة البحث التمهيدي الذي تقوم به الشرطة القضائية.

 

ومناط النقاش في هذا الموضوع ان هناك دول تاخذ بهذا النظام، كما ان هناك دول لا تاخذ بهذا  النظام، لكن كل دولة تاخذ بالنظام الذي يخدم مصلحتها ومصلحة مجتمعها.

اما المحور الثاني فيتعلق بالمحاضر المحررة من طرف هؤلاء الضباط وقيمتها القانونية.

يقوم ضباط الشرطة القضائية بالبحث عن الجرائم والتثبت من وقوعها، وفي هذه المرحلة تكون المسطرة سرية، وكل من شارك فيها ملزم بكتمان السر المهني الفصل15 من ق م ج

وبعد الانتهاء من البحث يتعين عليها تحرير محاضر، عما أنجزته وتوجيهها مباشرة إلى وكيل الملك ومع المستندات والوثائق المحجوزة.

 

النيابة العامة تتعامل مع هذه المحاضر بأسلوبين : اما بأسلوب الحفظ إذا لم تكن هناك عناصر تكون في نظرها الجريمة، أو ان تطبق مبدا ينص عليه قانون المسطرة الجنائية وهو مشروعية المتابعة ومناسبة المتابعة.  فاذا لم تر من  المناسب والملائم ان تتابع، فلها حق الحفظ تطبيقا لهذا المبدأ، واما ان  تحيل الملف على المحكمة المختصة  أو قاضي التحقيق.

 

فهذه المحاضر عندما تحال على المحاكم، ما هي قيمتها القانونية وحجيتها أمام المحاكم؟  لقد حاولت ما أمكن ان ادرس هذه النقطة من وجهة  نظر القانون ثم من ناحية التطبيق، وفي الأخير من وجهة نظر الاجتهاد القضائي.

 

  1. من وجهة نظر القانون

كلنا نعلم مقتضيات الفصل 292 من ق م ج الذي يقول بان : ” المحضر لا يتوفر على قوة الاثبات القاطع الا إذا كان صحيحا في الشكل وضمنه واضعه وهو يزاول مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصيا في شان امور راجعة إلى اختصاصه،

 

هذا النص طبعا علق قوة الاثبات بالنسبة للمحاضر على توفر شرطين أساسيين الأول ان  يكون صحيحا في الشكل ومعنى ذلك ان يكون أولا صادرا من الموظف المختص أي متصفا بصفة ضابط من ضباط الشرطة القضائية والفصل 23  من ق م ج يلزمه ان يشير في المحضر إلى انه له هذه الصفة.

ثانيا ان يحترم القواعد المنصوص عليها في قواعد المسطرة الجنائية المتعلقة بالبحث وجمع الادلة والحجز… وهنا يطرح مبدأ مشروعية الحجة المنصوص عليها في الفصل765 من ق م.

 

فالحجة يجب ان تحضر بكيفية مشروعة، فلا يمكن  استعمال وسائل غير مشروعة للحصول على حجة ضد شخص معين. وهنا اجتهاد مشهور في صدر الاسلام والمتعلق بالشخص الذي حاول ان يوشي بشخص اخر كان يرتكب جرما في بيته. فصعد إلى السطح ليراقبه، وبالتالي اتضح له ان الجار يرتكب جرما معينا، فذهب عند رسول الله (ص) واخبره بان فلان يرتكب فعلا جرما فكان جواب رسول الله (ص) هو انك قمت بمخالفات، فالمخالفة الأولى هو انني اقول لكم ادخلوا البيوت من أبوابها، اما انت فقد ولجت البيت من سطحه. ثانيا :  ان المسكن  هو شيء مقدس وانت خرقت حرمة المسكن، ثم خرقت مبدا ” من ابتلي منكم فليستتر”

 

ومن هنا يستنتج الفقهاء مشروعية الحجة، ومن هنا أيضا نستنتج بانه لا يمكن إكراه انسان عن طريق الضرب لكي يعترف، وبالتالي فان هذا الاعتراف الناتج عن الضرب  يلزمه  وهو حجة ضده، فهذا شرط من شروط صحة المحضر المرتبط بجهة الشكل.

ثم هناك مسالة مراعاة مدة الوضع تحت الحراسة، فأنا اعتبر ان تجاوز مدة الوضع تحت الحراسة يبطل صحة المحضر ويفسد صحة المحضر.

 

وهناك اجتهادات قضائية صدرت باستبعاد محاضر، ومع كل الاسف ان هذه الاجتهادات صدرت في بداية المحاكم التي يمكن اعتبارها محاكم خاصة واستثنائية كمحكمة العدل الخاصة والمحكمة العسكرية، فتبعتها من بعد المحاكم العادية التي بدات تحكم باستبعاد المحاضر عندما  يثبت لها بان مدة الحراسة وقع تجاوزها.

وكذلك عدم اخضاع المتهم للضغط والتهديد والعنف، واذا ثبت ان هناك تهديدا وضغطا وعنفا بالإضافة إلى ما يمكن ان يتعرض له مرتكب التهديد أو الضغط أو العنف من عقوبة، ولكن تاثير هذا على المحضر، فان هذا الأخير يصبح غير صحيح شكليا وبالتالي باطل.

 

ثانيا، ان يتضمن المحضر ما عاينه ضابط الشرطة القضائية أو ما  تلقاه شخصيا،

فالفصل 292 من ق م ج يتكلم عن هذا الشرط الثاني المتعلق بما عاينه ضابط الشرطة القضائية أو تلقاه  شخصيا،  فلا يمكن اعتبار ما تلقاه شخصيا الا ما هو صادر عن المتهم شخصيا وليس ما هو صادر عن افراد اخرين غير المتهم.

ونفس الشيء ينطبق على المعاينة، اذ ان المقصود بما عاينه ضباط الشرطة القضائية نفسه وليس اخبره به احد الاشخاص، لاعتبار حالة التلبس.

 

كما أنه كما أوضحنا سابقا،  فعندما نتكلم عن ضباط الشرطة القضائية المقصود بهم الضابط فعلا وليس عون الشرطة أو شرطي عادي يمكن ان يخبر عن اعتراف صادر عن شخص أو بجريمة قام بها شخص ويكتفي به ضابط الشرطة القضائية، ويقول بانها معاينة، فهذا امر خطا لان القانون يلزمه هو شخصيا كضابط للشرطة القضائية بالقيام بالمعاينة وتلقي التصريحات والمشرع حدد هؤلاء الضباط على سبيل الحصر.

 

ومع توفر شرط صحة الشكل وتوفر صفة الشخص المحرر للمحضر ومع ذلك فان الحجة القطعية  للمحضر تنصب فقط على الوقائع التي شاهدها  ضابط الشرطة القضائية أو ما سمعها بنفسه من الاشخاص الذين استمع إليهم، اما اسناد الفعل فيرجع لاقتناع المحكمة.

كما ان الاعتراف نفسه الصادر عن المتهم في محضر الضابطة القضائية فيرجع امر تقدير صحة هذا الاعتراف إلى سلطة المحكمة.

 

كما ان هذا الشرط المتعلق بالمعاينة والاستماع فهو لا ينطبق على الاستنتاجات التي يقوم بها ضابط الشرطة القضائية وبالتالي فهي غير ملزمة للنيابة العامة عند المتابعة وبالأحرى للمحكمة وليس لها نفسية الحجية لانها مجرد اجتهاد صادرة عن محرر المحضر ولا ترتبط بالمعاينة أو السماع.

 

وهذا ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي، ونظرا لاهميته سنورده كاملا :

” ان المحضر المستوفى لما يشترطه القانون يقوم حجة لا يمكن دحضها الا بقيام الدليل القاطع على مخالفتها للواقع بواسطة حجة تماثلها في قوة الاثبات كشهادة الشهود أو تقارير الخبراء أو ما شابه ذلك من الوثائق الموثوق بصحتها قانونا، وعليه فمجرد الادعاءات الخالية من اية برهان لا يصوغ باية حال اعتبارها حجة مضادة”.  قرار جنائي عدد 306 الصادر في5/2/1963.

 

وقرار اخر يقول : ” بالنسبة للتنصيصات الواردة في كل محضر يحرره رجال الدرك والذي يتضمن تصريحات ما فانه يوثق بحقيقة صدور تلك التصريحات من اصحابها لا من فحوى  التصريحات التي افضت بها الضحية، وتلقاها المحققون من رجال الدرك،  واثروا عليها الانكار الصريح الذي تمسك به الظنين ليكونوا قد استعملوا في مادة لا تقيد بها الحجة بقيد سلطتهم التقديرية”  قرار عدد26 صادر بتاريخ 12/11/1960.

 

كما ان المحاضر المنجزة من طرف رجال الجمارك وكذا مراقبو المياه والغابات لها حجية غير مطلقة وقد اتخذ منها الاجتهاد القضائي مواقف جد متقدمة، فهناك اجتهاد قضائي يقول بان        ” المحاضر التي يحررها ويمضيها اعوان إدارة المياه والغابات تقوم حجة على الأفعال المادية التي يشهد بوقوعها ما لم يطعن في تلك المحاضر بالزور” الفصل82 من ظهير11/4/1922، وعليه فان المحكمة التي تقضي ببراءة متهم بعلة ان التهمة غير ثابتة مع انها تستند إلى محاضر حررها اربعة من الاعوان تكون  قد خرقت مقتضيات الفصل28.

 

ففي هذه النازلة لم يكن هناك أي طعن بالزور، مما يتعين معه الاخذ بحجية تلك المحاضر.

لكن هناك اجتهاد مهم يتعلق بالمخالفات الجمركية صدر سنة1991 يقول : ” حيازة بضائع أجنبية لا يتهم بها من كان بعيدا عن مكان وجودها محضر ضباط الجمارك الذي حرر في غيبة من يتهم بحيازتها يقبل اثبات عكس ما ورد فيها. والمحكمة لم تعتبر اعتراف الظنين بما هو وارد في المحضر تكون قد عللت بما فيه الكفاية” قرار 9648 الصادر بتاريخ26/12/1991.

 

فو ان المحاكم التي نظرت في ملفات التهريب لو كانت على اطلاع على هذا القرار وطبقت هذا الاجتهاد لكانت النتيجة مخالفة لما شاهدناه.

الخلاصة تتلخص في ثلاثة اقتراحات وهي

 

  1. احاطة هذه المرحلة الخطيرة بضمانات يمكنها ان تؤدي إلى المساهمة في المحاكمة العادلة، وذلك عبر عدة اقتراحات.

أ- الحاق الشرطة القضائية الحاقا تاما بجهاز العدالة، أي ان تفصل عن الاجهزة الاخرى، وبالتالي تصبح تابعة للسلطة القضائية.

 

وهذا راي موجود ورائج، ولكن لم يفصل فيه بعد ويحتاج إلى المزيد من النقاش، والنظر إلى سلبيات هذا الاقتراح ومعوقاته من حيث الامكانيات والهيكلة والانضباط الخ…

ب ـ نزع  كل حجية قطعية على محاضر الضابطة القضائية وجعلها مجرد بيان أمام المحاكم واعطاء  السلطة التقديرية للمحاكم لتقييمها باعتبارها بداية حجة ولكنه غير مقيد بها وبالتالي الغاء جميع النصوص القانونية التي تمنع الحجية القطعية لمحاضر الضابطة القضائية الشيء الذي سيلغى الدور القسري الذي تقوم به ش. ق في سحب الاعترافات وانما عليه القيام بدوره والوظيفة المنوطة به دون ضغط ولا إكراه.

لكن هذا الاقتراح بدوره يحمل في طياته جوانب سلبية والنقاش هو الكفيل بتوضيح الفكرة وبلورتها للوصول إلى الحل الانجع.

 

  1. ان نترك النظام كما هو عليه ولكن مع اعادة النظر في دور النيابة وهيكلتها لكي تقوم بمهمة المراقبة وممارسة كل الاختصاصات المخولة لها قانونا في مراقبة اعمال ش. ق

وهذا يعني أولا رفع مستوى ض. ش. ق من حيث المحققين بالرفع من مستواهم الثقافي وتكوينهم تكوينا خاصا يتلاءم ومهام البحث والتحقيق الموكولة إليهم والتكوين المستمر وتلقينهم مبادئ حقوق الانسان وتشبعهم بها امر اساسي ومهم.

الرفع من المستوى المادي لضباط ش. ق لكون العمل الذي يقومون به معرضون فيه لمخاطر جمة وبالتالي منحهم تعويض عن المخاطر ومن جهة عند توفرهم على اجرة محترمة تحميهم من السقوط في الاغراءات والرشوة.

 

ان تتزامن هذه الضمانات مع حضور المحامي اثناء البحث التمهيدي واخيرا الحرص على معاقبة كل من ارتكب مخالفة أو مساس بالقانون أو بحقوق الانسان في هذه المرحلة وذلك دون هوادة أو تسامح وبالتالي فهذا الاختراع الأخير، إذا أحطناه بكل هذه الضمانات يمكن ان يكون هو الحل الانجع مرحليا ذلك ان بلادنا في حاجة إلى قفزة اكبر والى حل اكثر جرأة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق