في الواجهةمقالات قانونية

مستجدات نظام تأديب القضاة بالمغرب

 

مستجدات نظام تأديب القضاة بالمغرب

من إعداد: نورالدين مصلوحي. عدل متمرن وباحث بماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط.

يعد القضاء أحد الركائز الأساسية في دولة الحق والقانون، فعن طريقه تحقن الدماء وتحفظ الأموال وتصان الأعراض، وهو الساهر على تحقيق الأمن القضائي الذي يصبو إليه الناس. وإذا كانت هذه هي المسؤولية الملقاة على عاتق القضاء؛ فإن أي انحراف عنها بارتكاب القضاة لفعل مناف للواجبات والأخلاقيات القضائية يوجب المساءلة التأديبية.

هذا، وقد سعت الدول إلى تنظيم مسؤولية القضاة وكيفية تأديبهم حال ارتكابهم لما يستوجب التأديب بموجب قوانين، وهو نفس ما فعله المشرع المغربي بسنه لقوانين كان آخرها مستجدا وسابقة في المنظومة التشريعية للسلطة القضائية، ويتعلق الأمر بدستور المملكة لسنة 2011 وقوانين السلطة القضائية الجديدة، وسنحاول في مقالنا هذا التعرض لأهم المستجدات بخصوص تأديب القضاة.

أولا: استقلال السلطة التأديبية:

نعني باستقلال السلطة التأديبية أن لا يكون من ضمن أعضاء الهيئة المخول لها تأديب القضاة عضو يمثل السلطة التنفيذية أو التشريعية، وذلك ضمانا لاستقلال السلطة القضائية، فالمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي خولت له صلاحية تأديب القضاة بعد أن كان الوزير المكلف بالعدل عضوا فيه بل ونائبا لرئيس هذا المجلس الذي هو الملك[1]؛ أصبحت اليوم تشكيلة المجلس خالية من عضوية وزير العدل، وذلك بموجب الفصل 115 من دستور 2011، لكن حضور وزير العدل لاجتماعات المجلس لا زال ممكنا بطلب من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو بطلب من الوزير، وتكن الغاية الوحيدة لحضور هذا الأخير هي تقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية[2].

واستقلال السلطة التأديبية إذ يعد تجسيدا لاستقلال السلطة القضائية، فإنه يعتبر كذلك استجابة للمعايير الدولية التي توصي بأن لا يخضع القاضي للتأديب إلا من طرف هيئة مستقلة يعد غالبية أعضائها من القضاة[3]، وحسب الفصل 115 من دستور 2011، فإن عدد القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية هو 13 قاضيا من أصل 21 عضوا، وهو ما يعد ضمانة أساسية لاستقلال السلطة القضائية في تدبيرها للوضعيات الفردية لأعضائها.

ثانيا: إقرار تكييف للإخلال بالالتزامات الواردة في اليمين مع إضافة التزامات جديدة:

من المستجدات حسب النظام الأساسي الجديد للقضاة؛ تكييف المشرع للإخلال بالالتزامات الواردة في اليمين التي يؤديها القاضي عند تعيينه لأول مرة في السلك القضائي، حيث يعتبر الاخلال بالالتزامات المتحدث عنها إخلالا بالواجبات المهنية، وبمقارنة اليمين التي يؤديها القاضي طبقا للنظام الأساسي للقضاة الجديد باليمين التي كان يؤديها بموجب النظام القديم لسنة 1974؛ يلاحظ أن بعض الالتزامات الواردة في اليمين الأولى مستجدة، حيث بموجب النظام الأساسي للقضاة الجديد يلتزم القاضي بقيامه بمهامه بحياد وتجرد وتفان، وبحفاظه على صفات الوقار والكرامة، وبالتطبيق العادل للقانون، وكلها التزامات لا نجد لها أثرا في اليمين المنصوص عليها في النظام الأساسي لسنة 1974 [4].

ثالثا: توضيح حالات إمكانية توقيف القاضي عن مزاولة مهامه والتنصيص على الأخطاء الجسيمة وحصرها:

يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما، وقد سبق لنا في أحد مقالاتنا التأكيد على أن توقيف القاضي حال متابعته جنائيا يعد انتهاكا لقرينة البراءة المضمونة دستوريا وبموجب قانون المسطرة الجنائية[5].

وكأهم مستجد جاء به النظام الأساسي للقضاة؛ التنصيص على الأخطاء الجسيمة مع حصرها[6]، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة قبل إحالته على المحكمة الدستورية جعل الأخطاء الجسيمة على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما اعتبرته المحكمة الدستورية غير دستوري حيث جاء في قرارها ما يلي: ” وحيث إنه، اعتبارا للعواقب الوخيمة المترتبة عن توقيف القاضي ومراعاة لجسامة مسؤولياته، فإن على المشرع أن يحدد الحالات التي يعتبرها مكونة للخطأ الجسيم، وأن يستعمل في ذلك عبارات دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو إبهام. وحيث إنه تأسيسا على كل ذلك، فإن ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 97 من النظام الأساسي للقضاة من أنه يعد خطأ جسيما “بصفة خاصة“، يوحي بوجود حالات أخرى يمكن أن تعد خطأ جسيما غير تلك المذكورة صراحة في هذه المادة، مما يجعل عبارة “بصفة خاصة” مخالفة للدستور.

رابعا: ضرورة مراعاة السلطة التأديبية لمبدأ التناسب مع الخطأ المرتكب أثناء إصدارها لعقوبات في حق القضاة:

نصت على هذا المبدأ المادة 99 من النظام الأساسي للقضاة، وحددت درجات العقوبات التي أصبحت ثلاث درجات بعد أن كانت درجتين في النظام الأساسي لرجال القضاء لسنة 1974[7].

خامسا: استعانة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة التأديبية بقضاة مفتشين من ذوي الخبرة:

من مظاهر استقلال السلطة القضائية إحداث مفتشية عامة للشؤون القضائية[8] تابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد أشار دستور المملكة لهذه المؤسسة عندما تحدث عن أعضائها في الفصل 116 منه الذي ينص على أنه ” يساعد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في المادة التأديبية، قضاة مفتشون من ذوي الخبرة.” ويتولى هؤلاء القضاة المفتشون تحت إشراف المفتش العام للشؤون القضائية إجراء الأبحاث والتحريات[9].

سادسا: حق القاضي الخاضع للتأديب في تجريح القاضي المقرر وفي التزام الصمت:

يحق للقاضي الخاضع للتأديب تجريح القاضي المقرر أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويترتب على ذلك إيقاف كافة الإجراءات إلى حين بت المجلس في طلب التجريح. كما يحق للقاضي كذلك التزام الصمت عند الاستماع إليه[10].

سابعا: وجوب تعليل المقررات التأديبية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية وعن رئيسه المنتدب:

طبقا للفقرة الثانية من المادة 65 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن جميع المقررات المتعلقة بالوضعية المهنية للقضاة “ومنها التأديبية” الصادرة عن المجلس أو رئيسه المنتدب تكون معللة.

ثامنا: إلزام المجلس الأعلى للسلطة القضائية بنشر المقررات التأديبية:

تحقيقا للشفافية وتفعيلا للطابع الردعي للعقوبات التأديبية؛ يجب على المجلس الأعلى للسلطة نشر المقررات التأديبية بموقعه الالكتروني وبأي وسيلة يعتبرها ملائمة لهذا الغرض[11]، وقد استثنت المادة 60 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في فقرتها الثانية وجوب نشر أسماء القضاة المعنيين بالعقوبات من الدرجتين الأولى والثانية المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة[12].

تاسعا: حق القاضي الخاضع للتأديب في الطعن في المقررات التأديبية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية وعن رئيسه المنتدب:

طبقا للفصل 114 من الدستور؛ فإن المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية، الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ تكون قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة، أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة.

وحسب المادة 101 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن الهيئة القضائية الإدارية الأعلى المشار إليها أعلاه هي الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، وتقدم الطعون في المقررات الصادرة عن المجلس خلال أجل ثلاثين يوما من تاريخ تبليغها إلى المعني بالأمر، ولا يوقف الطعن المذكور تنفيذ المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية الصادرة عن المجلس، غير أنه يمكن للغرفة الإدارية بمحكمة النقض أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ المقرر المطلوب إلغاؤه إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة.

وحيث أن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يعد عضوا في المجلس هذا، وله سلطات لا يستهان بها لها تأثير على الوضعية المهنية للقاضي الخاضع للتأديب؛ فإن الفقرة الرابعة من المادة 101 أعلاه أكدت على أنه تطبق مقتضيات المادة هذه على مقررات الرئيس المنتدب للمجلس المتعلقة بالوضعيات الفردية.

 

 

 

[1] أنظر الفصل 86 من دستور 1996، وكانت تسمية المجلس أعلاه “المجلس الأعلى للقضاء”.

[2] أنظر الفقرة 4 من المادة 54 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية رقم 13-100.

[3] أنظر المبدأ 26 فقرة ثانية من مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء والمادة 11 من الميثاق العالمي للقضاة.

[4] ينص الفصل 18 من النظام الأساسي لرجال القضاء لسنة 1974 على ما يلي: “يؤدي كل قاض عند تعيينه لأول مرة وقبل الشروع في مهامه اليمين التالية: أقسم بالله العظيم أن أقوم بمهامي بوفاء وإخلاص وأن أحافظ كل المحافظة على سر المداولات وأسلك في ذلك كله مسلك القاضي النزيه المخلص”.

[5] الفصل 119 من دستور 2011 والمادة 1 من قانون المسطرة الجنائية.

[6] أنظر المادة 97 من النظام الأساسي للقضاة.

[7] قارن بين المادة 99 من النظام الأساسي الجديد للقضاة والمادة 59 من نفس النظام لسنة 1974.

[8] المادة 53 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[9] الفقرة الثالثة من المادة 87 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[10] أنظر الفقرة الثانية والسادسة من المادة 89 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[11] أنظر الفقرة الأولى من المادة 60 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمادة 17 من النظام الداخلي لهذا المجلس.

[12] أنظر المادة 99 من النظام الأساسي للقضاة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock