
مظاهر السلطة التقديرية في أركان القرار الإداري
Manifestations of Discretionary Power in the Elements of the Administrative Decision
أسامة المجاوي باحث بسلك الماستر
ملخص المقال باللغة العربية:
تعد السلطة التقديرية من أبرز مظاهر النشاط الإداري وأكثرها دلالة على طبيعته القانونية الخاصة، إذ تخول للإدارة هامشا من الحرية في تقدير ملاءمة قراراتها واختيار التصرف الأنسب لمواجهة الحالات الواقعية المتعددة، تحقيقا للمصلحة العامة، دون أن يخرجها ذلك عن نطاق الخضوع لمبدأ المشروعية. ومن ثم فإن القرارات الإدارية لا تخضع لدرجة واحدة موحدة من التقيد أو التقدير، بل إن القرار الإداري الواحد تتفاوت أركانه ذاتها من حيث خضوعها لسلطة الإدارة التقديرية أو تقيدها بأحكام القانون، إذ تتباين درجة هذا التقييد أو التقدير باختلاف كل ركن من أركان القرار الخمسة: الاختصاص، والشكل، والسبب، والمحل، والغاية.
Summary of the article in English:
Discretionary power is one of the most prominent manifestations of administrative activity and one of the clearest expressions of its distinctive legal nature. It grants the administration a margin of freedom in assessing the appropriateness of its decisions and selecting the most suitable course of action to address the various factual situations it encounters, in pursuit of the public interest, without thereby escaping the scope of the principle of legality. Consequently, administrative decisions are not all subject to a single, uniform degree of constraint or discretion; rather, within a single administrative decision, its constituent elements themselves vary in the extent to which they are subject to the administration’s discretionary power or bound by the provisions of the law. The degree of this constraint or discretion thus differs according to each of the five elements of the decision: competence, form, cause, subject matter, and purpose.
مقدمة:
يشكل مبدأ المشروعية أحد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها الفكر القانوني المعاصر، باعتباره أساس قيام دولة القانون، إذ يفرض خضوع جميع كافة السلطات العامة، بما فيها الإدارة، لأحكام القانون في تصرفاتها وقراراتها. غير أن خضوع الإدارة للقانون لا يعني بالضرورة تجريدها من كل هامش للحرية في مباشرة مهامها؛ إذ يترك لها المشرع أحياناً سلطة تقديرية تمكنها من تقدير ملاءمة قراراتها بما يحقق المصلحة العامة، تفادياً لجمود النص القانوني أمام تنوع الوقائع وتعدد الحالات التي تعرض عليها.
تعد السلطة التقديرية إحدى أبرز الآليات القانونية التي تتيح للإدارة قدرا من الحرية في اختيار التصرف المناسب لمواجهة الحالات الواقعية التي تعرض عليها، بحيث تنتقل الإدارة من وضعية الخضوع الحرفي لنص القانون إلى وضعية تقدير الحل الأنسب من بين عدة حلول مشروعة، دون أن يعني ذلك انفلاتها من الرقابة القانونية.
غير أن هذا الهامش من الحرية الممنوح للإدارة، وإن كان ضرورة وظيفية تقتضيها طبيعة العمل الإداري، فإنه يظل محفوفاً بمخاطر جسيمة قد تمس بحقوق الأفراد وحرياتهم إذا ما تُرك دون ضابط أو رقيب، الأمر الذي استدعى تدخل القضاء الإداري بوصفه الحامي الطبيعي للمشروعية وضمانة أساسية لتحقيق التوازن بين مقتضيات الفعالية الإدارية ومتطلبات دولة الحق والقانون.
وكما سبق القول فإذا كانت الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية واسعة تمكنها من حرية الاختيار بين عدة حلول ممكنة، فإن هذه الحرية لا تعني الانفلات من الرقابة أو التحرر التام من الضوابط القانونية، بل تظل مقيدة بحدود المشروعية. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة السلطة التقديرية للإدارة لا يمكن أن تكتمل دون الوقوف عند أثرها المباشر في القرار الإداري، باعتباره الأداة القانونية التي تترجم من خلالها الإدارة هذه السلطة إلى واقع عملي ملموس. فالقرار الإداري، بوصفه تعبيرا عن الإرادة المنفردة للإدارة، يحمل في طياته مظهرين متلازمين: مظهر التقدير الذي تملك فيه الإدارة هامشا من الحرية، ومظهر التقييد الذي تخضع فيه لأحكام القانون.
وتكمن أهمية هذا الموضوع من كون القرار الإداري لا يخضع في مجمله لدرجة واحدة من التقيد أو التقدير، بل قد تتفاوت أركانه ذاتها من ركن إلى آخر، بين ما هو مقيد بقوة القانون لا تملك الإدارة فيه أي هامش للاختيار، وما تتمتع فيه الإدارة بسلطة تقديرية واسعة تمكنها من اختيار الحل الأنسب.
وانطلاقا من العناصر أعلاه تبرز الإشكالية الرئيسية:
إلى أي مدى يمكن التمييز بين عناصر التقيد وعناصر التقدير داخل أركان القرار الإداري؟ وكيف تتفاوت درجة هذا التقدير من ركن إلى آخر؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية سنعتمد على المنهج التحليلي الذي من خلاله يمننا تحليل مختلف جوانب التقييد والتقدير في القرار الإداري.
وذلك وفق التصميم التالي:
الفقرة الأولى: جوانب التقدير والتقييد في الأركان الخارجية للقرار الإداري.
الفقرة الثانية: جوانب التقدير والتقييد في الأركان الداخلية للقرار الإداري.
الفقرة الأولى: جوانب التقدير والتقييد في الأركان الخارجية للقرار الإداري.
إذا كانت الأركان الخارجية للقرار الإداري، المتمثلة في ركني الاختصاص والشكل، تشكل المظهر الشكلي الذي يفرغ فيه تصرف الإدارة، فإن درجة التقيد والتقدير بشأنها ترتبط أساساً بمدى تنظيم المشرع لها. فبينما يبقى ركن الاختصاص في الغالب من العناصر المقيدة التي لا تترك للإدارة أي هامش للاختيار، فإن ركن الشكل قد يتفاوت بين التقيد والتقدير تبعاً لما إذا كان القانون قد حدد إجراءات وأشكالاً معينة لإصدار القرار أم تركها لتقدير الإدارة.
- ركن الاختصاص:
يقصد بالاختصاص مجموع السلطات والصلاحيات القانونية التي يخولها المشرع للجهة الإدارية المختصة بإصدار القرار، وذلك في إطار الحدود الموضوعية والمكانية والزمنية التي يحددها القانون لممارسة هذه الصلاحيات. تبعا لذلك، يقتضي ركن الاختصاص أن يصدر القرار الإداري عن الجهة التي حدد لها القانون صلاحية إصداره دون غيرها، إعمالا لمبدأ التخصص الذي يمنع أي جهة أخرى من ممارسة اختصاص لا تملكه أصلا.
يعد عيب عدم الاختصاص العيب الوحيد المتعلق بالنظام العام والذي يمكن للقاضي إثارته تلقائيا حتى ولو لم يثره الخصوم، ويتخذ عدم الاختصاص عدة صور، فقد يكون بسيطا إذا كان واقعا فيما بين السلطات الإدارية المختلفة، ويسمى حينئذ اعتداء على الاختصاص أو تجاوزا للاختصاص، وقد يكون عيب عدم الاختصاص جسيما فيسمى غصبا للسلطة.
ولا تملك الإدارة أية سلطة تقديرية في مجال الاختصاص. فسلطتها اتجاه هذا الركن سلطة مقيدة بقواعد الاختصاص التي هي من النظام العام، فلا تملك الإدارة الخروج عليها أو مخالفتها[1]. ويعني هذا أن مسألة تحديد الجهة أو السلطة أو الموظف المخول له اتخاذ قرار إداري معين لا تخضع لتقدير الإدارة أو لملاءمتها، بل يحددها المشرع سلفا بنص صريح، فيكون الاختصاص محددا وموزعا بمقتضى القانون أو النصوص التنظيمية، دون أن يترك للإدارة أي هامش لاختيار الجهة التي تريد أن تسند إليها ممارسة اختصاص معين، ولو كان ذلك بدافع تحقيق المصلحة العامة.
ويترتب عن الطابع الآمر لقواعد الاختصاص أنها لا تقبل التجزئة أو التنازل أو التفويض إلا في الحدود وبالشروط التي يقررها القانون صراحة، إذ إن الإدارة صاحبة الاختصاص الأصيل لا يجوز لها أن تتنازل عنه لجهة أخرى من تلقاء نفسها، كما لا يجوز لجهة إدارية أن تحل محل جهة أخرى في ممارسة اختصاص مسند إليها بنص، حتى وإن كانت أعلى منها درجة في التسلسل الإداري، ما لم يُجِز القانون ذلك عبر آليات محددة كالتفويض أو الحلول.
وبذلك يتبين ان عنصر الاختصاص يعتبر دائما من العناصر المقيدة في القرار الإداري والذي لا يتمتع رجل الإدارة بصدده بأية سلطة تقديرية ، بحيث يكون عمله باطلا او معدوما إذا لم يراع قواعد الاختصاص[2].
- ركن الشكل:
يمثل ركن الشكل والإجراءات المظهر الخارجي الذي يتجسد من خلاله القرار الإداري، ويعكس الكيفية التي يتعين أن يصدر بها وفقا لما تقرره القواعد القانونية المنظمة لذلك، ومن المعلوم أن القانون قد يشترط بعض الشكليات والإجراءات لإصدار القرارات الإدارية، وفي هذه الحالة ينبغي على الإدارة احترام إرادة المشرع وعدم الخروج عليها،
ففي مثل هذه الحالات تصبح الإدارة أمام سلطة مقيدة تستلزم إصدار القرار الإداري طبق الإجراءات والشكليات التي ينص عليها القانون[3].
غير ان الأصل او القاعدة العامة أن القرارات الإدارية لا تقتضي اتباع إجراءات معينة أو اتخاذ أشكال محددة أو إفراغها في قوالب خاصة[4].
ويرتكز هذا المبدأ على اعتبارات عملية ووظيفية، أهمها ضرورة تمكين الإدارة من التصرف بمرونة وسرعة تتناسب مع طبيعة النشاط الإداري المتجدد والمتنوع، إذ لو أُلزمت الإدارة في كل تصرفاتها باتباع شكليات وإجراءات محددة سلفا، لتعطل سير المرفق العام وتعرضت المصلحة العامة للإضرار. ولذلك فإن القاعدة العامة هي عدم الشكلية، بمعنى أن القرار الإداري يمكن أن يصدر كتابيا أو شفويا أو حتى ضمنيا (كما في حالة القرارات الضمنية بالرفض أو بالقبول الناتجة عن سكوت الإدارة مدة معينة)، ما لم يشترط المشرع خلاف ذلك صراحة.
ففي الحالات التي لا يشترط فيها القانون اتباع شكليات أو إجراءات محددة لإصدار القرار الإداري، تتمتع الإدارة بهامش من الحرية في اختيار الشكل الملائم لقرارها، وتكون بذلك أمام سلطة تقديرية في هذا المجال، وتتجلى هذه السلطة التقديرية في تمكين الإدارة من اختيار الوسيلة والشكل الذي تراه مناسبا لإصدار قرارها، سواء تعلق الأمر بالشكل الكتابي، الذي يبقى الأكثر شيوعا واستعمالا لما يوفره من ضمانات الإثبات والاستقرار، أو بالشكل الشفوي في الحالات التي لا يستلزم فيها القانون الكتابة، كبعض الأوامر الإدارية ذات الطابع المستعجل.
غير أن هذه الحرية التقديرية لا تعني انعدام أي رقابة على الإدارة في هذا الشأن، إذ ميز الفقه والقضاء الإداريان، حتى في غياب نص صريح، بين الشكليات الجوهرية والشكليات الثانوية أو غير الجوهرية. فالشكلية تعد جوهرية كلما كانت مقررة لمصلحة الأفراد أو كان لها أثر حاسم في مضمون القرار أو في الضمانات الممنوحة للمخاطبين به، بحيث يترتب عن إغفالها بطلان القرار أو إمكانية الطعن فيه بالإلغاء لعيب تجاوز السلطة؛ أما إذا كانت الشكلية ثانوية، أي لا تمس جوهر الضمانات المقررة للأفراد ولا تؤثر على مضمون القرار، فإن إغفالها لا يشكل عيبا يمس بمشروعية القرار.
الفقرة الثانية: جوانب التقدير والتقييد في الأركان الداخلية للقرار الإداري.
أما فيما يتعلق بالأركان الداخلية للقرار الإداري، والمتمثلة في أركان السبب والمحل والغاية، فإنها تعكس جوهر القرار ومضمونه، وتتسم بدرجة أكبر من التداخل بين التقيد والتقدير مقارنة بالأركان الخارجية.
- ركن السبب:
يعرف السبب أنه الحالة الواقعية أو القانونية التي تسبق القرار وتدفع الإدارة إلى إصداره، فقيام رجل الإدارة بممارسة اختصاصاته يجب أن تتم في حدود القانون وبقصد تحقيق الصالح العام، ومن ثم يلزم أن يستند رجل الإدارة في كل ما يصدره من قرارات إلى أسباب واقعية تبيح له ذلك وتجعل تدخله مبررا ومشروعا.
وانطلاقا مما سبق يتبين أن الإدارة لا تملك سلطة تقديرية في تقدير وجود السبب من عدمه. فهو حالة قانونية أو واقعية إما أن تكون أو لا تكون، فلا تستطيع أن تؤسس قراراتها على أسباب وهمية وغير موجودة.
و تجدر الإشارة، أن الاجتهاد القضائي قد استقر على أن الإدارة لا تملك سلطة تقديرية فيما يتعلق بركن السبب، وخاصة فيما يتعلق بوجود الوقائع من الناحية القانونية والمادية، ولا تظهر تلك السلطة التقديرية إلا فيما يتعلق بتقدير أهمية الوقائع وخطورتها وعلاقتها بالقرار، فذلك مما تستقل الإدارة بتقديره بكامل الحرية، لأنه يدخل ضمن عناصر الملاءمة وهو ما أكده قرار للغرفة الإدارية رقم 1896 المؤرخ في 2021/12/23 جاء فيه : إن للإدارة وحدها حق تقدير حدود الخطر أو التهديد الذي يمثله تواجد الأجنبي للنظام العام، ولا يمكن للمحكمة أن تراقب هذا التقدير إلا في حدود انحراف في استعمال السلطة[5].
- ركن المحل:
يقصد بمحل القرار الإداري، موضوعه أو فحواه أو هو الأثر الذي ينتج عنه مباشرة وفي الحال، ويتمثل بالأثر القانوني العام أو الخاص الذي يحدثه القرار فيما إذا كان تنظيمياً أو فردياً. فالقرار التنظيمي ينشئ مراكز قانونية عامة ومجردة سواء بإلغاء أو إحداث أو تعديل المراكز القانونية لكل من يخاطب به بينما القرار الفردي ينشئ أو يعدل أو يلغي مركزاً قانونياً خاصاً مفرداً ن أو مجموعة محددة من الأفراد، فمحل القرار إذا هو الأثر الذي ينتج عنه مباشرة وفي الحال[6]، ومثاله صدور قرار بتعيين موظف فمحل القرار هو تعين موظف.
حيث تتفاوت سلطة الإدارة فيما يتعلق بركن المحل بين كونها سلطة مقيدة وأخرى تقديرية. فالسلطة تكون مقيدة عندما تنص القواعد القانونية صراحة على الأثر القانوني الذي يتعين على الإدارة الالتزام به في قرارها، بقصد التعامل مع وضع أو أوضاع واقعية محددة، أما السلطة التقديرية فتظهر في الحالات التي تترك فيها القواعد القانونية للإدارة حرية الاختيار بين عدة حلول قانونية ممكنة لمعالجة وضع أو أوضاع واقعية معينة، إذ يكون لها في هذه الحالة أن تقرر الأثر القانوني الذي تجده أكثر مناسبة للواقعة المطروحة عليها. وتمتد هذه السلطة التقديرية أيضا إلى تحديد الوقت الذي تختاره الإدارة للتدخل واتخاذ قرارها.
- ركن الغاية:
يقصد بالغاية الهدف النهائي الذي يستهدف مصدر القرار الإداري تحقيقه، ذلك أن إصدار القرارات الإدارية ليس هدفاً في حد ذاته بل هو وسيلة لتحقيق المصلحة العامة، فالغاية من إصدار قرار بتعين موظف عمومي هو ضمان حسن سير واستمرار خدمات المرفق العام، والغاية من إصدار قرار بإغلاق محل مقلق لراحة السكان هو الحفاظ على النظام العام وخاصة السكينة العامة[7].
وبذلك فانه من المسلم به في الفقه والقضاء أن الغاية من إصدار القرار الإداري هي المصلحة العامة وحدها، وكل محاولة تهدف تحقيق غايات أخرى غير الغاية التي كلفت السلطة بتحقيقها تجعل القرار مشوبا بعيب الانحراف في استعمال السلطة،
انطلاقا من ذلك، يتعين على جهة الإدارة أن تستعمل هذه السلطة في الحدود التي يفرضها الصالح العام، ولهذا السبب فإن مجال السلطة التقديرية في هذا الركن يكاد يكون ضيقًا للغاية.
وبالرجوع للاجتهاد القضائي المغربي عند بسطه لرقابته على السلطة التقديرية للإدارة، فقد اعتبر أن الإدارة لا يمكن لها أن تفلت من الرقابة القضائية ولو كان ذلك على الأقل في إطار المشروعية، أي مراقبة القرار الإداري مما قد يشوبه من عيوب خصوصا عيب الانحراف في استعمال السلطة، الذي يعتبر العيب الملائم للسلطة التقديرية الممنوحة لجهة الإدارة في حدود ما تمليه مقتضيات المصلحة العامة [8].
خاتمة:
يتضح من خلال هذا التحليل أن القرار الإداري لا يخضع لمنطق واحد من التقيد أو التقدير، بل إن أركانه الخمسة تتفاوت فيما بينها بشكل واضح، بحيث يعكس كل ركن منها درجة خاصة من التداخل بين القيد والحرية، الأمر الذي يعكس مرونة النظرية القانونية للقرار الإداري وقدرتها على استيعاب تنوع الحالات التي تواجهها الإدارة في ممارسة نشاطها.
فبينما يبقى ركنا الاختصاص والسبب من العناصر المقيدة التي لا تملك الإدارة بشأنها أي هامش للحرية، إذ يفرض المشرع تحديدا صارما للجهة المختصة بإصدار القرار، كما يشترط قيام حالة واقعية أو قانونية تبرر التدخل الإداري، فإن ركن الشكل يتراوح بين التقيد والتقدير تبعا لمدى تنظيم المشرع له، فقد يكتفي أحيانا بترك حرية اختيار الشكل للإدارة، وقد يفرض في أحيان أخرى إجراءات وأشكالا محددة لا يجوز تجاوزها تحت طائلة البطلان.
في حين يتسع نطاق السلطة التقديرية بشكل أكبر في ركني المحل والغاية، حيث تملك الإدارة هامشا أوسع لاختيار مضمون القرار وتوقيته وأسلوب تنفيذه بما يتلاءم مع مقتضيات المصلحة العامة، مع بقاء الغاية مقيدة دوما بضرورة تحقيق المصلحة العامة، بحيث لا يمكن للإدارة أن تستعمل سلطتها لتحقيق أغراض شخصية أو منحرفة عن الهدف الذي شرعت من أجله السلطة.
وبهذا يتبين أن السلطة التقديرية ليست سلطة مطلقة أو متحررة من كل ضابط، بل هي سلطة محكومة بمبدأ المشروعية وخاضعة لرقابة القضاء الإداري، الذي يسهر من خلال نظرية الانحراف في استعمال السلطة وغيرها من أوجه الرقابة، كرقابة الملاءمة ورقابة التناسب، على ضمان عدم انحراف الإدارة عن الغاية التي خولها المشرع من أجلها هذه السلطة، وذلك حماية لحقوق الأفراد وصونا لمبدأ سيادة القانون.
ويبقى التوازن بين منح الإدارة المرونة اللازمة لمواجهة تنوع الحالات الواقعية، وبين ضمان خضوعها للرقابة القضائية، رهينا بمدى تطور الاجتهاد القضائي في ترسيخ معايير دقيقة تحكم حدود هذه السلطة وتمنع تحولها إلى تعسف في استعمال السلطة، بما يحقق في نهاية المطاف التوفيق بين فعالية العمل الإداري وضمانات المشروعية التي تستلزمها دولة القانون.
- محمد الاعرج، القانون الإداري المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية سلسلة مواضيع الساعة، الطبعة الثامنة 2024، مطبعة البيضاوي ص 684. ↑
- محمد بن محمد بن حمد بن سيف السكيتي، الرقابة القضائية على السلطة التقديرية والمقيدة في مجال القرار الإداري دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة السنة الجامعية 2022.2023 ص 150. ↑
- محمد الاعرج، القانون للإداري المغربي، مرجع سابق ص 684 ↑
- محمد الصغير بعلي، الوجيز في المنازعات الإدارية، طبعة مزيدة ومنقحة دار العلوم للنشر والتوزيع 2005 ص 172 ↑
- محمد الاعرج، القانون للإداري المغربي، م س ص 685 ↑
- عماد عوني رباح مسعود، وقف تنفيذ القرار الإداري قضائيا دراسة مقارنة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة السنة الجامعية 2022.2023 ص 96. ↑
- عبد الكريم حيضرة القانون الإداري المغربي، النشاط الإداري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2017 ص .131 ↑
- عبد الغني التكتاكي، رقابة القضاء الإداري على السلطة التقديرية للإدارة، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ماستر القانون والعلوم الإدارية للتنمية، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية 2024 2025، ص 35. ↑





