في الواجهةمقالات قانونية

تحفظٌ بوسيلة غير منضبطة – عبد الصمد نيت أكني

 

تحفظٌ بوسيلة غير منضبطة

إنجاز: عبد الصمد نيت أكني

بسم الله الرحمان الرحيم

يبدو أنه من غير المنصف إبداء تحفظات من الفلسفة بحجة كونها مفضية بأصحابها إلى تبني ٱراء جريئة حول قضايا الوجود، والمعرفة، والقيم؛ لأن هذا التحفظ بهذه الوسيلة فاسد الاعتبار؛ وذلك من جهة أن إبداء التحفظ ينبغي أن يكون من الفلسفة نفسها، ومن منطق اشتغالها، لا أن تُتخذ أفكار الفلاسفة ذريعة للتحفظ منها، لوجود أفكار أخرى من المحتمل أن تكون منسجمة مع توجهات المتحفظ، ولِمَا يلزم من هذه الوسيلة التحفظ من كل العلوم والفنون، لِمُجرد أن بعض روادها أبدوا أفكارا مثيرة للجدل، كما هو الحال مثلا في علم الكلام، وفن الشعر، وغيرهما.
ومعلومٌ في النظر أن الحجة قبل طرحها لا بد من تقليب النظر فيها من جميع الجهات، حتى تكون منضبطة، وأكثر متانة، وإلا فسيسهل نقضها -كحجة المتحفظ هنا- بإحدى القوادح المعروفة في ٱداب البحث والمناظرة.

وإذا أراد المتحفظ سلوك طريق الإنصاف -وإن كان الإنصاف عزيزا (1) كما يقول الحافظ الذهبي- فينبغي له طرح سؤال حقيقة الفلسفة أولا، للاقتراب من صورتها، واستجلاء طبيعتها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما هو مقرر في علم المنطق؛ ولأن “رد الشيء قبل فهمه محالٌ”(2) بتعبير الفيلسوف أبي حامد الغزالي في مستصفاه، أما أفكار الفلاسفة فليست معيارا منضبطا يتوسل به للتحفظ من الفلسفة، رغم ذيوعه بين منتقديها كما هو مذكور في بعض الكتب قديما، وحديثا.

فلو جعل المتحفظ من «التساؤل» منطلقه الأول لِكَشْفِ حقيقة الفلسفة؛ لمَا اهتدى إلى هذا الطرح المختزل لها في صورة ذهنية سَلبية، ولكان –فعلا- فيلسوفا يمارس فعل التفلسف باعتباره مبدأ متجذرا في الإنسان، لا يستغني عنه إلا من تبلّد عقله، وفسد مزاجه.

فالتساؤل -إذن- مرحلة أساسية يخوضها المتفلسف للوصول إلى الحقيقة، وهو مدخل مهم من المداخل الكاشفة عن حقيقة الفلسفة، وروح الفعل التفلسفي.

حينما يتأمل المتحفظ في اللحظات الأولى التي تسبق التساؤل؛ سيرى أن هناك إشكالا ما انقدح في ذهنه، واحتاج معه إلى تفكيكه، وحله، فهرول إلى التساؤل باعتباره منهجا سقراطيا للتعبير عما استبطن في ذهن المندهِش من التباس، وإبهام.

ولا يمكن أن ينقدح الإشكال في الذهن إلا إذا كان الإنسان دائم «التفكير» في تلك الثلاثية الٱنفة الذكر؛ لأن عدم التفكير لا يمكن أن يفتح لصاحبه باب اللبس، بقدر ما يجعله متلقيا للجاهز دون إعمال النظر في تفاصيله، والتأمل في مكنوناته.

والتفكير من مقومات فعل التفلسف، ومن المداخل المبرزة لحقيقة الفلسفة، ولا إخال المتحفظ يجادل فيه وفي قيمته، اللهم إن كان قد تخلى عن قصد الإنصاف، وما ينبغي له !

إن من شرط التفكير الفلسفي أن يصدر من ذات تنعم بقدر معتبر من «التحرر»، والتجرد، أما من كان تفكيره مقيدا بمقولات تلقاها بلا روية ولا مراجعة؛ فلا حظّ له من التفكير في شيء، وإنما هو تبرير للموجود، وتوطين لأصوله وفصوله، وتسويغ له بذريعة الاقتداء بٱثار الٱباء، والأقدمين، وهو داخل -بلا ريب- في باب التقليد الأعمى المذموم نقلا وعقلا.

ومن مقومات التحرر: إعمالُ النظر في ٱثار الأولين، وإخضاعها للشرائط العلمية، والمقتضيات المنهجية، قبل الإهراع على سنتهم، وتختلف هذه الشروط باختلاف طبيعة الموروث، والقصدُ من ذلك ربط الاعتقاد اليقيني بذرائع يستسيغها العقلاء، ويتلقاها بالقَبول عامة الحكماء، والفهماء.

إن الفيلسوف الحر بقلقه المعتبر، وبتفكيره المستمر في تساؤلاته، يصل إلى إجابات يعيد إخضاعها للمساءلة من جديد، حتى يرتقي إلى الإجابة المثلى التي تطمئن إليها نفسه، ويصفو بها خاطره.
هذا «الترقي» يأتي نتيجة إيمانه بأهمية النقد الذاتي لإجاباته، وضرورته لترصين أفكاره، وما يزال ينقد إجاباته إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتغياها، ويسعى لنشدانها.
ولا يُفهم من هذا أن فعل التفلسف يستغني عنه الفيلسوف باهتدائه إلى الحقيقة، وإنما يظل ملازما له ما دام فكره منشغلا بتساؤلاته الوجيهة، وارتياباته المبررة.
فهو دائمُ التفكير قبل الحقيقة، وبعدها، إلى ٱخر لحظات حياته؛ مما يعني أن الفلسفة لصيقة بالإنسان ما دام يفكر، والقولُ بموتها بعد استقلال العلوم عنها قولٌ حائد عن محجة الصواب، لا يخفى ما فيه من تشيّع مبالغ فيه للمذهب العلموي.

فهي –إذن- أربع تاءات فلسفية: «التحرر»، «التفكير»، «التساؤل»، «الترقي»، من خاض غمارها كان متلبسا بالفلسفة كيفما كانت أفكاره، وٱراؤه، وهي منسجمة مع طبيعة الإنسان، بغض النظر عن الاختلاف الفلسفي في كيفية تنزيلها، وحدود العمل بها.
وليس من الحكمة إنكار ما هو متجذر في الإنسان بدعوى أنه يؤدي به إلى بناء تصورات جريئة حول الأسئلة الوجودية، والمعرفية، والقيمية، لاحتمال نتيجة أخرى مناقضة؛ فتكون -بذلك- وسيلة التحفظ من الفلسفة غير جديرة بالاعتبار.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، والحمد لله رب العالمين.


1- ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1985م، (ج: 13، ص: 120)، و(ج: 20، ص: 203).

2- المستصفى، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1993م، (ص: 171).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى