قراءة في قرار محكمة النقض والمتعلق بجنحة التقاط وتثبيت صورة شخص دون موافقته – يوسف بنشهيبة

قراءة في قرار محكمة النقض والمتعلق بجنحة التقاط وتثبيت صورة شخص دون موافقته
يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية
قرار محكمة النقض
رقم: 30
الصادر بتاريخ: 05 يناير 2022
في الملف الجنائي رقم: 10812\6\3\2020
جنحة التقاط وتثبيت صورة شخص دون موافقته _ عناصرها التكوينية
إن جنحة التقاط وتثبيت صورة شخص دون موافقته، كما هي منصوص عليها بالفصل 1-447 من القانون الجنائي، تتوقف على استجماع أركانها المادية والمعنوية، وذلك بالقيام بفعل مادي يتمثل في التقاط صورة شخص في مكان خاص دون موافقته، بأي وسيلة كانت بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، على أن يتم ذلك عمدا بشكل يمس بالحق في الصورة المضمون لكل شخص سيما عند تواجده بمكان خاص.
تلخيص الوقائع:
تتلخص وقائع القضية في ظهور أحد رجال الشرطة في تسجيل قام بتصويره المطلوب للنقض، حيث قام بتصوير سيارة كانت متوقفة على الجانب الايسر من الشارع العام، والتقط مشاهد تُظهر نوع السيارة، دون أن يحصل على إذن أو موافقة من الشرطي الذي كان يقدم شروحات ومعلومات لسائق السيارة.
وقد تم إنجاز التسجيل باستعمال الهاتف الشخصي للمطلوب للنقض، الأمر الذي اعتبره الشرطي تعديًا على خصوصيته ومسًّا بحياته الخاصة، ليقوم الشرطي بتقديم شكايته في الموضوع.
أصدرت المحكمة الابتدائية حكمًا قضى ببراءة المتهم، معللة ذلك بانعدام القصد الجنائي لديه.
استأنفت النيابة العامة الحكم الابتدائي القاضي ببراءة المتهم أمام محكمة الاستئناف بفاس، التي أيدت بدورها الحكم الابتدائي، واعتبرت أن عناصر الجريمة غير متوفرة في غياب نية الإضرار أو قصد المساس بالحياة الخاصة.
تقدمت النيابة العامة بطعن أمام محكمة النقض، معتبرة أن القرار المطعون فيه خالف مقتضيات الفصل 1-447 من القانون الجنائي[1]، لأن مجرد التقاط صورة دون موافقة صاحبها يُكوّن الفعل المجرّم، بغض النظر عن نية الفاعل أو الغاية من التصوير.
القراءة التحليلية:
من خلال القراءة الأولى لحيثيات القرار أعلاه، يتبين أن المطلوب للنقض سجل مقطع فيديو مدته دقيقة واحدة بواسطة الهاتف النقال، وَوُجِّهَت عدسة الهاتف نحو سيارة كانت مستوقفة على الجانب الايسر من الشارع العام، وفي الثانية السادسة ظهر الشرطي يعطي شروحات لصاحب السيارة، ومن خلال المعطيات أعلاه
يمكن القول على أن المطلوب للنقض لم يوجه عدسة الهاتف نحو الشرطي، ولم يقم بتصوير الشرطي وهو ينتقل من مكان إلى مكان، والملاحظ هو أن المطلوب للنقض وجه إطار عدسة الهاتف نحو السيارة بشكل مركز ثابت، وبقيت عدسة الهاتف على نفس التركيز، مما يفهم منه أن الشرطي هو الذي انتقل إلى إطار الصورة وفي حدود تغطية عدسة الهاتف، وما يؤكد هذا الطرح وهو ما جاء في شأن الوسيلة الوحيدة المستدل بها على النقض والمتخذة من نقصان التعليل الموازي لانعدامه، ” وبعدها يبقى التصوير مركزا على السيارة الأولى من نوع…، أي أن عدسة الهاتف بقيت مركزة على السيارة الأولى بالرغم من مغادرة الشرطي، مما يكون معه غياب القصد الجنائي والمتمثل في تصوير الشرطي.
وبالرجوع إلى الفصل 1_447 من مجموعة القانون الجنائي: “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20.000 درهم، كل من قام عمدا وبأي وسيلة بما في ذلك الانظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع اقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة اصحابها.
يعاقب بنفس العقوبة من قام عمدا وبأي وسيلة بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص دون موافقته”.[2]
ومن الخلال القراءة التحليلية للفصل أعلاه وربطها بوقائع القضية: الملاحظ أن الشخص قام بالتقاط وتسجيل المركبة والتي ظهر من خلال الشرطي وهو يقدم معلومات وشروحات لصاحب المركبة من نوع…
ومن خلال الفصل أعلاه حيث ذكر المشرع الالتقاط والتسجيل، وكما جاء في الدورية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة بتاريخ: 08 ديسمبر 2018 في الموضوع المتعلق بحماية الحياة الخاصة للأفراد في ظل القانون رقم 103.13
حيث اعتبرت أن الالتقاط هو “اعتراض أقوال أو معلومات لم تكن موجهة أصلا إلى الشخص الذي التقطها، كالرسائل الهاتفية النصية او تلك المحالة عبر الوسائل الإلكترونية أو نحوها، التي يقوم بالتقاطها آخر غير طرفي المحادثة”.[3]
لكن في المقابل نلاحظ أن هذا التعريف ضيق شيئا ما، حيث حصر الالتقاط في اعتراض الرسائل الهاتفية…، في حين أن الالتقاط يشمل كذلك أخذ أو تصوير أو تسجيل صورة أو مشهد أو صوت لشخص دون إذنه، في لحظة وقوع الفعل، بمعنى آخر، أن الالتقاط هو المرحلة الأولى من العملية، الذي يمكن من الحصول على المادة الأصلية (صورة أو صوت) بطريقة غير مشروعة.
أما التسجيل فيمكن تعريفه على أنه عملية حفظ أو تثبيت الصوت، وكما جاء في الدورية (تسجيل المكالمات الهاتفية، أو حوار أجري في مكان خاص ولو كان الفاعل طرفا في الحوار، الصورة أو الفيديو على وسيلة معينة الهاتف، الكاميرا، الحاسوب…، والفرق بين الالتقاط والتسجيل، هو أن هذا الاخير يقوم على عملية التثبيت المادي لما تم التقاطه، حيث يمكن اعتباره في نفس الوقت تخزين ما تم تسجيله.
وفي النازلة التي أمامنا الشخص قام بالالتقاط والتسجيل بواسطة الهاتف الخاص به، ولكن لم يتبث أنه قام بعملية البث أو التوزيع.
الركن المادي والمعنوي لجنحة التقاط وتثبيت صورة شخص دون موافقته
النشاط الاجرامي: المعلوم أن النشاط الإجرامي يقصد به كل سلوك إيجابي صادر عن الجاني ويتخذ أحد الأفعال التي نص عليها المسرع صراحة في الفصل 1ـ447 وهي الالتقاط، التسجيل، البث، التوزيع…، ويشمل هذا النشاط الإجرامي كل ما من شأنه الحصول على أقوال أو معلومات أو صورة شخص صادرة بشكل خاص أو سري، أو تثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص في مكان خاص، دون موافقته.
ويجب الإشارة إلى أن المشرع لم يشترط وسيلة معينة، وهو ما تم الإشارة إليه أعلاه، وعبارة “بأي وسيلة” وهي التي يفهم منها أن الجريمة تعتبر قائمة سواء ارتكبت بواسطة طرق تقليدية معتادة أو رقمية كالحاسوب أو الهاتف…
النتيجة الإجرامية: إن الحديث عن النتيجة الإجرامية هو حديث لا يمكن حصره في بضعة أسطر، كون أن هذه النتيجة تشمل مستويات عدة، ويختلف وقعها من جريمة لأخرى، وما يمكننا الحديث عنه هو المس بالحياة الخاصة الحميمية للضحية، وانتهاك حقه في الخصوصية وسرية أقواله أو معلوماته أو صورته، وشعوره بعدم الأمان.
العلاقة السببية بين النشاط الإجرامي والنتيجة الإجرامية: لا يمكن الحديث عن نتيجة إجرامية في ظل غياب علاقة سببية مباشرة قائمة بين النشاط الإجرامي والنتيجة الإجرامية، أي أن يكون هذا المساس بالحياة الخاصة ناتجًا مباشرة عن فعل الالتقاط أو التسجيل أو البث أو التوزيع…، وأن يكون سلوك الجاني هو السبب المباشر في تحقق النتيجة الإجرامية، فإن ثبت أن الأقوال أو المعلومات أو الصورة تم الحصول عليها أو نشرها بفعل الجاني، وأن ذلك أدى إلى انتهاك خصوصية الضحية فإن العلاقة السببية تصبح متوفرة، ولا يؤثر في ذلك كون الوسيلة رقمية أو تقليدية كما وسبق الإشارة.
أولا: الضرر المادي إن كان لزاما علينا التطرق لكل من الضرر المادي والضرر المعنوي في هذا المقال، فإن هذا التطرق هو نسبي على كل حال، لكون الأضرار بطبيعتها تختلف من شخص لآخر، حسب ظروف الجريمة وظروف الجاني ومحددات أخرى، إضافة إلى كونها تتخد أبعاد ومستويات مختلفة كليا.
ويمكن القول على أن هذا الضرر قد يتجلى في فقدان الضحية لعمله أو مصدر دخله نتيجة نشر معطيات أو صور خاصة أو وقائع أو ادعاءات كاذبة تمس سمعته أو صفته المهنية سواء كان الضحية، موظفا أو مستثمرا أو سياسيا أو مدير شركة، وقد يخسر هذا الضحية فرصة، أو وظيفة مهنية أو مكانة إجتماعية ( بسبب استغلال غير مشروع لمعطياته الخاصة)، كما أن هذا الضرر لا يتوقف هنا وحسب، بل يشمل كذلك المصاريف المادية الإضافية التي تحملها المتضرر والمتمثلة في اللجوء إلى القضاء ورفع الدعوى ومصاريف التنقل والإقامة، ومصاريف الخبرة، وأتعاب المحامي…
ثانيا: الضرر المعنوي يتفق الجميع على أن الضرر المعنوي يشكل أهمية بالغة، ولا يمكن منطقيا وقانونيا مقارنته بالضرر المادي، وحيث أن الضرر المعنوي هو الضرر الجوهري والأساسي في جريمة الفصل 1-447، لكون الجريمة تمس مباشرة الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية، ويتجلى هذا الضرر في المساس بحق الشخص في الخصوصية وسرية حياته الخاصة، والاحساس بالانتهاك وفقدان
الطمأنينة والأمان، الناتج عن تصوير أو تسجيل أو نشر أقوال أو صور دون رضا صاحبها، والشعور بالإهانة أو الحرج الاجتماعي، خاصة إذا تعلق الأمر بصور أو أقوال ذات طابع حميمي أو سري.
وتجدر الإشارة إلى أن الضرر المعنوي مفترض في هذه الجريمة، ولم يشترط المشرع إثباته بدليل مادي، بل يكفي ثبوت الفعل الجرمي ذاته (الالتقاط، التسجيل، البث أو التوزيع دون موافقة صاحبها.
الركن المعنوي للفصل 1ـ447 من مجموعة القانون الجنائي
القصد الجنائي: وهو اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة وهو قصد عام مباشر
أولا: عنصر العلم أي أن يكون الجاني على علم بالنتيجة الإجرامية، أي أن كل من التصوير أو التسجيل أو النشر لأقوال أو صور… سيؤدي حتما إلى المس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم.
ثانيا: عنصر الإرادة وهو عزم وتصميم الجاني على ارتكاب الجريمة، هي إرادة تتجه بشكل مباشر نحو تحقيق النتيجة الإجرامية، إرادة حريصة على تهييئ كل الوسائل والظروف والسهر على أن تتحقق هذه النتيجة.
ويفهم من هذا الفصل أن المشرع بتنصيصه على محل الجريمة، هو أي مكان سري منزل، سيارة، مكتب… هو مكان ليس مباحا أو مسموحا بدخول العامة، بخلاف مفهوم المكان العام، الشارع العام والفضاءات العمومية…
ومن الفقه من ذهب قوله على أن الشخص وخلال تواجده في أي مكان عام فهو يصبح جزء من ذلك المكان، ويؤتت المشهد أو الفضاء العام، ومن خلال الحكم الصادر عن المحكمة الكبرى لإيكس بروفانس بفرنسا الصادر بتاريخ: 16 اكتوبر 1973 والتي اعتبرت أن الحديث الخاص الذي يجريه الشخص مع صديقه في الشارع العام مشمولا بالحماية لأن الاقوال صدرت بشكل خاص.[4]
وفي النازلة التي أمامنا فإن الشرطي كان يقدم معلومات وشروحات لصاحب المركبة المستوقفة في الشارع العام، مما يكون معه أن الصورة التقطت في مكان خاص مبني على غير أساس.
من خلال النازلة التي أمامنا فإن الشخص وجه عدسة الهاتف والتي بقيت تابثة صوب المركبة المستوقفة من طرف الشرطي، مما يكون معه انعدام القصد الجنائي المتمثل في تصوير شخص دون موافقته.
وبذلك قضت محكمة النقض برفض الطلب المرفوع من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس وتحميل الخزينة العامة الصائر.
يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية
- الفصل1ـ447 المضاف بمقتضى المادة 5 من القانون رقم 103.13 المتعلق بقانون محاربة العنف ضد النساء. ↑
- نفس الإحالة. ↑
- رئاسة النيابة العامة، دورية عدد 48/س ر ن ع، في موضوع حماية الحياة الخاصة للأفراد في ظل القانون رقم 103.13، صادرة بتاريخ 06 دجنبر 2018. ↑
- حكم صادر عن المحكمة الكبرى لإيكس بروفانس بفرنسا الصادر بتاريخ: 16 اكتوبر 1973 ↑





