قراءة قانونية وسياسية في مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة: من التوجيه الاستراتيجي إلى النجاعة المؤسساتية والتنمية الترابية

اليعقوبي الحسن
دكتور في القانون العام
قراءة قانونية وسياسية في مضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة: من التوجيه الاستراتيجي إلى النجاعة المؤسساتية والتنمية الترابية
مقدمة
يشكل الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى أعضاء مجلسي البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، محطة مهمة لاستشراف التوجهات الاستراتيجية للدولة، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
وقد أكد الخطاب أهمية تعزيز السيادة الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإحداث فرص الشغل، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، إلى جانب تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وتطوير التعاون الدولي، وترسيخ المسؤولية المرتبطة بالانتداب البرلماني.
وتطرح هذه التوجيهات إشكالية الانتقال من تحديد الاختيارات الاستراتيجية إلى تنفيذ سياسات عمومية فعالة، قادرة على تحقيق نتائج ملموسة، في إطار احترام الاختصاصات الدستورية وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعليه، تتمحور الإشكالية الأساسية لهذا المقال حول السؤال الآتي: إلى أي حد تعكس مضامين الخطاب الملكي السامي توجهاً نحو تعزيز النجاعة المؤسساتية والحكامة الترابية، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والمجالية؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، سنعتمد مقاربة قانونية وسياسية تقوم على محورين أساسيين:
- المحور الأول : الاختيارات الاستراتيجية للدولة بين تعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية
- المحور الثاني : الحكامة الترابية واللاتمركز الإداري والسياسة الخارجية والمسؤولية البرلمانية
المحور الأول: الاختيارات الاستراتيجية للدولة بين تعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية
تكشف مضامين الخطاب الملكي عن توجه يروم تعزيز قدرة المغرب على مواجهة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، من خلال تطوير القطاعات الاستراتيجية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإحداث فرص الشغل، وتحسين شروط الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. غير أن فعالية هذه الاختيارات تظل رهينة بمدى قدرتها على تحقيق التكامل بين التنافسية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
أولاً: السيادة الاستراتيجية وتطوير القطاعات الاقتصادية الحيوية
أكد الخطاب الملكي أهمية إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، ولا سيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.
وتعكس هذه التوجهات وعياً متزايداً بأهمية تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات الدولية والحد من مخاطر التبعية في القطاعات الحيوية، بما يضمن استمرارية الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ويحافظ على المصالح الاستراتيجية للمملكة.
فالأمن المائي، على سبيل المثال، لم يعد مجرد قضية مرتبطة بتدبير الموارد الطبيعية، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستمرار الإنتاج الفلاحي والصناعي وضمان الاستقرار الاجتماعي والمجالي. كما يرتبط الأمن الغذائي بقدرة الاقتصاد الوطني على تطوير الإنتاج وتنويع مصادر التموين وتحسين تدبير المخزونات الاستراتيجية.
أما في المجال الطاقي والصناعي، فإن تطوير القدرات الوطنية وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتعزيز الابتكار من شأنه أن يسهم في تقوية التنافسية الاقتصادية وخلق فرص الشغل. ويكتسي الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي بدورهما أهمية متزايدة، بالنظر إلى إمكاناتهما في تحديث الإدارة وتحسين الخدمات وتطوير الإنتاج.
غير أن نجاح هذه التوجهات يقتضي تجاوز منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق قياس آثارها الفعلية، من خلال مؤشرات واضحة تتعلق بالإنتاجية، وفرص الشغل، والاستدامة، ومدى استفادة المواطنين من نتائج الاستثمار.
ومن منظور قانوني ومؤسساتي، يتطلب ذلك تحقيق الانسجام بين السياسات القطاعية، وتحديد المسؤوليات، وتطوير آليات التتبع والتقييم، بما يضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية.
وبذلك، فإن السيادة الاستراتيجية لا تتحقق بمجرد إنشاء البنيات التحتية أو إطلاق البرامج، وإنما بقدرة الدولة على ضمان استدامتها ومردوديتها الاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً: القطاع الخاص وخلق فرص الشغل
دعا الخطاب الملكي القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي، من خلال تعزيز المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير، وتوسيع قدرته على خلق فرص الشغل.
ويطرح هذا التوجه ضرورة تطوير العلاقة بين الدولة والمقاولة على أساس التكامل بين المبادرة الاقتصادية الخاصة ودور الدولة في تنظيم الاقتصاد وحماية المصلحة العامة.
فتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز الأمن القانوني، وتيسير الولوج إلى التمويل، تشكل جميعها عوامل أساسية لتشجيع الاستثمار المنتج. كما أن استقرار القواعد القانونية ووضوحها يسهمان في بناء الثقة بين المستثمرين والمؤسسات.
غير أن الشراكة التنموية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على إحداث فرص شغل مستقرة، وتطوير الإنتاج الوطني، وتحسين ظروف العمل، وتوسيع قاعدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
كما يقتضي تحقيق العدالة الاجتماعية ضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار النمو، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، من خلال سياسات عمومية تراعي الحاجات الاجتماعية والاختلافات المجالية.
ومن ثم، فإن المطلوب هو بناء علاقة تكاملية بين الدولة والقطاع الخاص، تقوم على وضوح الأدوار والشفافية واحترام القانون، مع اعتماد آليات لتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستثمارات، بما يجعل النمو وسيلة لتحسين شروط العيش وتعزيز الثقة في المؤسسات.
ثالثاً: الشباب وتكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي
وضع الخطاب الملكي قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، مؤكداً ضرورة اعتماد تصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، ويعزز الثقة في المؤسسات وفي إمكانات الارتقاء الاجتماعي.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى أن الشباب يمثلون رصيداً بشرياً أساسياً في تحقيق التنمية، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة مضافة يقتضي توفير الشروط الملائمة للتكوين والتشغيل والمشاركة في الحياة العامة.
ومن الناحية الدستورية، يرتبط هذا الموضوع بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وبالمقتضيات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة تهيئة الظروف التي تسمح للمواطنين بالمساهمة في التنمية والاستفادة من نتائجها.
ويقتضي ذلك تطوير منظومة التعليم والتكوين بما يستجيب للتحولات الاقتصادية، وتعزيز الربط بين التكوين وسوق الشغل، ودعم المبادرات المقاولاتية، وتيسير الولوج إلى التمويل والمواكبة، فضلاً عن توجيه برامج الإدماج نحو المناطق التي تعاني ضعف فرص التشغيل والخدمات الأساسية.
كما أن معالجة البطالة لا يمكن أن تقتصر على البرامج الظرفية، بل تتطلب سياسات متكاملة تربط الاستثمار بالإنتاج، والتكوين بالتشغيل، والتنمية الاقتصادية بالحماية الاجتماعية.
وتبرز هنا أهمية العدالة المجالية، إذ يؤدي تفاوت البنيات التحتية والإمكانات الاقتصادية إلى اختلاف فرص الاستفادة من الخدمات بين المواطنين. لذلك، ينبغي أن تراعي السياسات العمومية الخصوصيات المحلية، وأن توجه الموارد وفق الحاجات الفعلية.
وعليه، فإن الرهان لا يتمثل فقط في إعداد برامج موجهة للشباب، بل في تمكينهم من فرص حقيقية للإدماج والمشاركة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل التنمية أكثر شمولاً واستدامة.
المحور الثاني: الحكامة الترابية واللاتمركز الإداري والسياسة الخارجية والمسؤولية البرلمانية
إذا كانت الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية تحدد الاتجاه العام للتنمية، فإن فعاليتها تظل رهينة بقدرة المؤسسات على تنفيذها وتنسيق تدخلاتها على المستوى الترابي. ومن هنا تبرز أهمية الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، إلى جانب تطوير الشراكات الدولية وتعزيز المسؤولية المرتبطة بالانتداب البرلماني.
أولاً: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري مدخلان للنجاعة المؤسساتية
أكد الخطاب الملكي أهمية العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشاكل الفعلية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها. كما شدد على الارتباط بين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج، من جهة، والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، من جهة أخرى.
ويجد هذا التوجه أساسه في دستور 2011، الذي كرس التنظيم الترابي اللامركزي، وأقر مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان في تدبير شؤونهم.
ويكتسي الفصل 136 أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره يؤطر التنظيم الجهوي والترابي على أساس التدبير الحر والتعاون والتضامن والمشاركة المواطنة. كما ينص الفصل 140 على تمتع الجماعات الترابية باختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها، وفق الشروط التي يحددها القانون.
غير أن التفعيل الفعلي للجهوية المتقدمة لا يتحقق بمجرد توزيع الاختصاصات قانونياً، بل يتطلب توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وتعزيز القدرات التدبيرية للمجالس المنتخبة، وتحسين التنسيق بينها وبين المصالح اللاممركزة للدولة.
ويقتضي التحليل القانوني التمييز بين اللامركزية الإدارية، التي تقوم على إسناد اختصاصات إلى أشخاص اعتبارية عامة مستقلة في الحدود التي يحددها القانون، واللاتمركز الإداري، الذي يروم إعادة توزيع الاختصاصات والوسائل داخل الإدارة التابعة للدولة، بما يسمح بتقريب القرار الإداري من المواطنين وتسريع تنفيذ السياسات العمومية.
وفي هذا الإطار، يشكل المرسوم رقم 2.17.618 بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري إطاراً مرجعياً لإعادة تنظيم توزيع الاختصاصات بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة.
وقد دعا الخطاب الملكي إلى التعجيل بالتفعيل الكامل لهذا الميثاق، بما يقتضيه ذلك من نقل فعلي للاختصاصات والوسائل البشرية والمالية، وتوضيح اختصاصات مؤسسات الجهة، وتعزيز مواردها، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات من خلال آليات التنسيق والتعاقد.
ويكشف هذا التوجه عن أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بوجود النصوص القانونية، بل بمدى تفعيلها وقدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها فعلياً.
ومن ثم، فإن تجاوز بطء المساطر وتعدد مستويات الموافقة وتشتت التدخلات يقتضي الانتقال إلى تدبير ترابي مندمج، يقوم على وضوح المسؤوليات، وتفويض الصلاحيات في الحدود القانونية، وتنسيق البرامج، وربط الأداء بالنتائج.
ثانياً: اختصاصات الجماعات الترابية والعدالة المجالية
يؤطر التنظيم القانوني للجماعات الترابية ثلاثة قوانين تنظيمية أساسية، هي القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
وتحدد هذه النصوص الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة، وتؤطر آليات التدبير والتعاون والتنسيق بين مختلف المستويات الترابية.
وتضطلع الجهة بدور مهم في التخطيط للتنمية الاقتصادية وإعداد التراب، وإعداد برنامج التنمية الجهوية، وتنسيق المشاريع التي تتجاوز حدود الجماعات. غير أن فعالية هذا الدور تتطلب تعبئة الموارد، وتطوير القدرات التدبيرية، وتعزيز التنسيق مع الدولة وباقي المتدخلين.
أما العمالات والأقاليم، فتساهم في التنمية الاجتماعية والتضامن الترابي وفق الاختصاصات التي يحددها القانون التنظيمي رقم 112.14، ولا سيما من خلال دعم الجهود الرامية إلى تقليص الفوارق داخل المجال الإقليمي وتحسين ظروف الولوج إلى الخدمات.
وتشكل الجماعة المستوى الترابي الأقرب إلى المواطن، بالنظر إلى ارتباط اختصاصاتها بمجموعة من الخدمات والمرافق المحلية. ولذلك، فإن جودة التدبير الجماعي تؤثر بصورة مباشرة في الحياة اليومية للسكان، وتقتضي تطوير التخطيط المحلي وتحديث الإدارة وتبسيط المساطر وتعزيز الشفافية.
وتبرز أهمية العدالة المجالية باعتبارها معياراً أساسياً لتقييم السياسات العمومية. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، بل كذلك بمدى تقليص الفوارق في الولوج إلى التعليم والصحة والنقل وفرص الشغل والبنيات التحتية.
ويستدعي ذلك اعتماد مؤشرات واضحة لقياس أثر البرامج، تشمل احترام الآجال والميزانيات، وتحسن الخدمات، ومدى استفادة الفئات المستهدفة، وتطور فرص الشغل، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
كما تقتضي الحكامة الترابية تعزيز آليات المشاركة المواطنة والشفافية، في إطار المقتضيات الدستورية والقانونية ذات الصلة، حتى يصبح المواطن شريكاً في تحديد الأولويات وتتبع تنفيذ المشاريع وتقييم نتائجها.
وبذلك، فإن نجاح الجهوية المتقدمة لا يرتبط فقط بتوسيع الاختصاصات، بل بقدرة المؤسسات الترابية على تحويلها إلى برامج فعالة تستجيب لحاجات السكان وتحقق تنمية أكثر توازناً.
ثالثاً: السياسة الخارجية والهجرة بين السيادة الوطنية والتعاون الدولي
تناول الخطاب الملكي مكانة المغرب كشريك دولي مسؤول وموثوق، كما توقف عند التحديات التي تواجه التعاون الدولي في مجال الهجرة، معتبراً أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وداعياً إلى تطوير شراكات تقوم على رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وتبرز أهمية هذا التوجه في ضرورة التوفيق بين حماية المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون الدولي، خاصة في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والإنسانية والأمنية والاقتصادية.
ومن الناحية الدستورية، يحدد الفصل 55 من الدستور اختصاصات الملك في مجال اعتماد السفراء وتوقيع المعاهدات والمصادقة عليها، وفق الشروط والإجراءات الدستورية المقررة.
أما الهجرة، فتشكل مجالاً يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التدبير الأمني، بل تشمل التعاون الدولي واحترام القواعد القانونية، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، والتعامل مع أوضاع المهاجرين وفق الالتزامات القانونية ذات الصلة.
ويبرز الخطاب، في هذا السياق، ضرورة مراجعة أسس التعاون القائم بما يستجيب للتحولات الواقعية والتحديات القانونية والمؤسساتية التي تعترض تنفيذه. كما يطرح أهمية تطوير الشراكات على أساس وضوح الالتزامات المتبادلة واحترام السيادة الوطنية والمسؤولية المشتركة.
ولا يتعارض تعزيز التعاون الدولي مع السيادة الوطنية، بل يمكن أن يشكل وسيلة لحماية المصالح الاستراتيجية متى قام على الاحترام المتبادل والتوازن في الالتزامات.
وعليه، فإن فعالية السياسة الخارجية ترتبط بقدرتها على الجمع بين وضوح الرؤية الاستراتيجية ومرونة الوسائل الدبلوماسية، مع ربط التعاون الخارجي بأهداف التنمية الداخلية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
رابعاً: المسؤولية البرلمانية وأخلاقيات الانتداب
أكد الخطاب الملكي أن الانتداب البرلماني يمثل التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً يربط البرلمانيين بالمواطنين. ويكتسي هذا التأكيد أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري للبرلمان في البناء الدستوري، سواء من حيث التشريع أو مراقبة العمل الحكومي أو تقييم السياسات العمومية.
ويجد هذا الدور أساسه في الفصل 70 من الدستور، الذي يحدد وظائف البرلمان في ممارسة السلطة التشريعية ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الانتداب البرلماني باعتباره مجرد تفويض انتخابي يمنح صاحبه صفة تمثيلية، بل باعتباره مسؤولية تجاه المواطنين تقتضي الدفاع عن المصلحة العامة، والمساهمة في تحسين جودة التشريع، وممارسة الرقابة على العمل الحكومي، والتفاعل مع انتظارات المجتمع.
كما أن فعالية العمل البرلماني لا تقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها أو الأسئلة الموجهة إلى الحكومة، بل ينبغي أن تشمل جودة التشريعات، ومدى استجابتها للحاجات المجتمعية، وفعالية الرقابة على تنفيذ السياسات العمومية.
وتقتضي أخلاقيات الانتداب احترام قواعد النزاهة والشفافية، وتغليب المصلحة العامة، وتعزيز التواصل مع المواطنين، وتوضيح المواقف والاختيارات، بما يرسخ الثقة في المؤسسات التمثيلية.
غير أن المسؤولية السياسية والأخلاقية لا ينبغي أن تظل مفهوماً عاماً، بل يتعين أن تقترن بآليات قانونية ومؤسساتية تسمح بتقييم الأداء وتعزيز الشفافية والمساءلة، مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة.
كما أن مسؤولية التنمية لا تقع على عاتق البرلمان وحده، بل تتوزع بين الحكومة والإدارات العمومية والجماعات الترابية وباقي المؤسسات المعنية. لذلك، فإن المطلوب هو إرساء تكامل مؤسساتي يقوم على وضوح الاختصاصات والتنسيق والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة
وبذلك، فإن تجديد الثقة في المؤسسات يقتضي الانتقال من الالتزامات العامة إلى الممارسة الفعلية، ومن تدبير الشأن العام بمنطق الإجراءات وحدها إلى تدبير يقوم على الفعالية والإنصاف وخدمة الصالح العام.
يتضح من خلال هذه القراءة أن الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة يطرح مجموعة من الرهانات المتداخلة، التي تجمع بين تعزيز السيادة الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتطوير الحكامة الترابية، وترسيخ المسؤولية المؤسساتية.
فعلى المستوى الاقتصادي، تبرز أهمية تطوير القطاعات الاستراتيجية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتعزيز دور القطاع الخاص، ووضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية. غير أن نجاح هذه الاختيارات يظل رهيناً بمدى انعكاسها على فرص الشغل وتحسين الخدمات وتوسيع الاستفادة من ثمار التنمية.
وعلى المستوى الترابي، تشكل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري مدخلين أساسيين لتقريب القرار من المواطن وتحسين فعالية الإدارة العمومية. غير أن تحقيق هذه الغاية يتطلب تفعيل النصوص القانونية، وتوفير الموارد الضرورية، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز آليات التنسيق والتعاقد والتقييم.
أما على المستوى السياسي والمؤسساتي، فإن التأكيد على المسؤولية المرتبطة بالانتداب البرلماني يعيد طرح مسألة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وضرورة جعل العمل التمثيلي مرتبطاً بالمصلحة العامة وجودة التشريع وفعالية الرقابة.
وتبرز السياسة الخارجية بدورها باعتبارها مجالاً لحماية المصالح الوطنية وتطوير الشراكات الدولية، على أساس السيادة والمسؤولية المتبادلة والتعاون الفعال.
وبناءً على ذلك، فإن الرهان المركزي الذي يطرحه الخطاب لا يتمثل فقط في مواصلة الأوراش الكبرى، بل في ضمان الانتقال من التوجيه الاستراتيجي إلى التنفيذ الفعال، ومن تعدد البرامج إلى تكامل السياسات، ومن قياس الأداء بالوسائل إلى تقييمه بالنتائج.
فالتنمية المستدامة لا تتحقق بمجرد توفر الرؤية أو الموارد، وإنما تتطلب مؤسسات فعالة، وإدارة قادرة على الإنجاز، ونخباً تتحمل مسؤولياتها، ومواطنين يشاركون في البناء والتقييم. وبقدر ما تنجح المؤسسات في تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة ومنصفة، بقدر ما تتعزز الثقة في العمل العمومي وتتقوى أسس الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون والفعالية والتضامن.
لائحة المراجع
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 (29 يوليو 2011)، الجريدة الرسمية، عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليو 2011.
- الخطاب الملكي السامي الموجه إلى أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، الرباط، 9 أكتوبر 2026، النص الكامل المنشور عبر البوابة الرسمية للمملكة المغربية.
- القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015)، كما وقع تغييره وتتميمه.
- القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.84 بتاريخ 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015)، كما وقع تغييره وتتميمه.
- القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.85 بتاريخ 20 رمضان 1436 (7 يوليو 2015)، كما وقع تغييره وتتميمه.
- المرسوم رقم 2.17.618 الصادر في 18 من ربيع الآخر 1440 (26 ديسمبر 2018) بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، الجريدة الرسمية، عدد 6738، بتاريخ 27 ديسمبر 2018.





