في الواجهةمقالات قانونية

مجمل أخلاق البحث العلمي – عبد الصمد نيت أكني

مجمل أخلاق البحث العلمي

إعداد: عبد الصمد نيت أكني

بسم الله الرحمان الرحيم

الأخلاق صفات توجب مدح فعل متمثلها وقدح فعل الحائد عنها، وأصلُ هذا المدح أو القدح عند الفلاسفة عائد إلى الضمير، وطبيعة هذا الأخير عبارة عن قوة فطرية حاسية على مذهب الحاسة الأخلاقية للمدرسة الأسكتلندية، وقوة فطرية عقلية على مذهب المدرسة الكانطية، وقوة كسبية تتشكل من العادة وتنمو بالشرائع السماوية والوضعية على مذهب المدرسة الإنجليزية، وبين هذه المذاهب أخذ ورد مظانُّه في كتب فلسفة الأخلاق، وأما أصلهما في علم اللاهوت الإسلامي فيتحدد تبعا للرأي في مسألة الحسن والقبح في الأفعال، والخلفُ فيها مشهور بين المدرستين الاعتزالية والأشعرية.

وتمتد هذه الأخلاق لتسري مقتضياتها على كل ما يصدر عن الإنسان؛ فتضطلع بوظيفة توجيهية إلى ما ينبغي أن يكون عليه فعله، وبوظيفة ضبطية تصحح مسار فعله لينسجم ومقتضياتها، وفي تجاوزها أصل كل عبثية ونقيصة كما لا يخفى.

والفعل البحثي عمل إنساني إرادي، مما يسري عليه هذا الشرط الأخلاقي، حتى تكون النتائج مستساغة؛ إذ لا قيمة لنتيجة بنيت على نقيض الأخلاق المجمع عليها لوضوح فسادها بفساد أصلها، والقاعدةُ أن الفرع ٱخذ حكم أصله.

وفيما يلي محاولة لإجمال أخلاق البحث العلمي في ثلاثية رئيسة، تندرج تحتها مُثُل أخلاقية عديدة، وهي: الصدق، والتواضع، والصبر.

أولا: خلق الصدق

الأصل في البحث العلمي أن تكون نتائجه مفيدة للإنسانية في مجالات مختلفة؛ وينبغي استصحاب هذه الغاية باختيار واع وصادق لموضوع ذي بال ينتج جديدا، أو يكمل ناقصا، أو يصحح خطأ، أو يوضح مستغلقا، أو يختصر مطولا، أو يجمع متفرقا، أو يرتب منثورا، وكل موضوع خلو من غاية الفائدة فهو بتعبير القاضي أبي بكر بن العربي “تسويد الورق، والتحلي بحلية السرق” [1]؛ وذلك لعدم صدق الباحث في نفع غيره، فكلما تغيا هذا الأخير إفادة الٱخر إفادة حقيقة كان فعله البحثي لذيذا ومحبوبا، “واللذيذ المحبوب مختار، فيكثر المقبلون عليه، والمحتفون به، والٱخذون عنه” [2] بتعبير المؤرخ ابن مسكويه.

ومن لوازم الصدق الاستقلال؛ فلا يتصور الصدق في باحث متحيز إلى نتيجة مسبقة في الموضوع، أو متطلع إلى رغبة محددة فيه، والعبرةُ في التجرد بالغالب، فإن قلّت ذاتية الباحث في بحثه فلا حكم للنادر؛ لتعذر الموضوعية التامة في بحوث معينة، لا سيما تلك التي يدرس فيها الإنسانُ الإنسانَ.

ومن الصدق كذلك قصد الإنصاف؛ وذلك بمحاولة تخليص الفعل البحثي من أي نزعة ذاتية، سواء أ كانت نزعة تعسفية، أم نزعة انتقائية، أم نزعة تسويغية، أم نزعة شمولية، أم نزعة مصلحية؛ لأنها تزيف الحقيقة، وتطمس كل وسيلة موصلة إليها، وإنما قلتُ «محاولة تخليص الفعل البحثي» إشعارا بصعوبة الوفاء المطلق للإنصاف، وتلويحا بقلة المنصفين؛ وإلى هذا يشير الحافظ الذهبي حين قال: “الإنصاف عزيز” [3]، وقبله الإمام مالك حين قال: “ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف” [4].

ومن الصدق تمييز كلام الباحث عن غيره بنسبة النقول إلى أصحابها بالطريقة المتعارف عليها، مفرِّقا بين النقل بالحرف والنقل بالمعنى، وبين النقل المباشر والنقل بالواسطة، فذلك أدعى لرفع الظّنّة عن الباحث، وأقرب إلى نيل القبول في بحثه، وقِدْما قيل: “إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله” [5]، ويعبَّر عن هذا التمييز تارة بالأمانة العلمية وتارة بالنزاهة، وهو حق للغير حماه المشرع المغربي بقانون رقم 00-2 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.

وعدم رعي خلق الصدق مودٍ إلى الأدلوجة، أو الاجترار، أو “التقليد” بمعناه –أي هذا الأخير- عند فقهاء القانون.

ثانيا: خلق التواضع

من التواضع في البحث العلمي عدم التحدث بلغة جزمية فيما يستوعب أكثر من احتمال، وفيما لا تضيق فيه وجوه التأويل، لما في ذلك من التحكم بلا موجب، ومن ادعاء الشمول بلا دليل، وغالبا ما يكون باعث هذه الجزمية الإعجاب بالذات؛ وذلك حينما يعد الباحث نفسه مركزا للمعرفة، ومحورا منه المنطلق للإجابة عن جميع الأسئلة؛ ورضي الله عن علي بن أبي طالب حين قال: “الإعجاب ٱفة الألباب” [6].

ومنه كذلك حفظ منازل العلماء وأقدارهم باستثمار أقوالهم وأفهامهم، وتنزيهُ الفعل البحثي عن التعرض لهم بالنقد ما لم يكن الباحث في منزلتهم العلمية، وأما إن كان دونهم معرفة ومنهجا فحسبه إيراد قولهم وما وقع بينهم من نقد ودفع، فإن قلتَ: لا قدسية للأشخاص؛ قلتُ: رعي قدر العالم لا يلزم منه إضفاء القداسة على قوله، وإنما المسألة هنا لها تعلق بأهلية النقد من عدمها؛ فمتى تحققت صفة الأهلية في الباحث ساغ له التصدر للنقد، وإلا قيل له ما قاله الفقيه أبو الطيب سهل الصعلوكي: “من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه” [7].

ومنه احترام ٱراء غيره من الباحثين، بعدم الانتقاص منها، والتقليل من شأن قائلها، ولا يلزم من ذلك تركها بلا نقاش ولا تقويم.

ومنه اتهام الذات بالقصور عن الوفاء للموضوع بحقه، دون مغالاة في اتهام الذات إلى حد يكون فيه المتهِم مازوخيا يستمتع بتحقير إنتاجه المعرفي، وإنما القصد مجرد دفع ٱفة التعالم والحذلقة بعدم الفرح بما عند الباحث من علم وما توصل إليه من نتائج، ويعبِّر العلماء قديما عن اتهام الذات بختم كتبهم بنسبة العلم إلى الله جل وعز، أو بنسبة القصور إلى النفس والشيطان، أو باستثمار أبيات مناسبة، كما صنع بعضهم حين ختم كتابه بقول الإمام الشاطبي في حرزه:

وَإِنْ كانَ خَرْقٌ فَادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ *** مِنَ الْحِلْمِ ولْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلَا

وغير ذلك مما يومئ إلى اتهام الذات بالتقصير، ونفي الكمال عن الفعل البحثي.

ومنه الاعترافُ بالأخطاء حينما يقف عليها بنفسه أو يُنبَّه عليها من قبل غيره، وعدمُ التمادي في الأخذ بها بأن يجنح إلى تبريرها والتماس المخارج لها بحيل ضعيفة، فذلك من جنس الكبر، وأشبه بمن أخذته العزة بالإثم، فهذا الإمام ابن السبكي يعبِّر عن تواضعه باعترافه بزلّة وقع فيها بقوله: “وأما ما وقع في كتابي «طبقات الفقهاء» في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في «الأم» في الجزء الرابع من أجزاء تسعة في باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، وقبل: الحجة في البتة وما أشبهها – نصَّ على ما ذكره الإمام عنه من أن العبرة بعموم اللفظ – فذلك خطأ مني في الفهم، وأردتُ أن أنبه على ذلك هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإن حذفه من ذلك الكتاب تَعَذَّر لانتشار النسخ به” [8].

وعدم رعي خلق التواضع مودٍ إلى الكبر، ودالٌّ على نفسية نرجسية مرضية حيث الشعور بالصدارة، واتخاذ مواقف متعالية.

ثالثا: خلق الصبر

ومنه تحمل عناء البحث في الجمع، والدراسة، والعرض، فليس من البحث في شيء ذلك الذي لم يراعَ فيه حقه من الوقت، ولم يُبذل فيه أدنى جهد، إذ العناء والبحث متلازمان، لا يفرِّق بينهما سوى العابث أو المنتحِل.

ومنه التطلع إلى الجودة في البحث، بأن يحاول استيعاب الموضوع من مختلف الجهات، وينوّع من المقاربات والأدوات، وينشد الجدية في دراسة الجزئيات.

ومنه عدم التسرع في توظيف المعلومات دون فهمها الفهم الدقيق، وفي تحليلها دون اختيار واع لأنسب المناهج في التحليل، وفي نقدها دون تأهل ودون اعتبار لمعايير التقويم.

ومنه سعة صدر الباحث لنقد الٱخرين لنتائج بحثه، واعتقاد أهميته لترصينها، فهو بمنزلة أسلوب الفنقُلة الذي دأب العلماء على نهجه في مؤلفاتهم، إلا أن هذا الأسلوب يَفترض فيه صاحبه اعتراض المخالف، وأما هنا فإنه يقف على اعتراضه حقيقة لا افتراضا، ولم تتطور العلوم إلا بمثل هذه الاعتراضات التي هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل كما ذهب إلى ذلك الطرح الشهير لغاستون باشلار.

وعدم رعي خلق الصبر مودٍ إلى تعميمات متسرعة، واستدلالات دائرية، واحتكامات غير معرفية، ودالٌّ على نفسية حدّية مرضية حيث الاندفاعية، والانفعالية.

هذه ثلاثية رئيسة بمثابة أصول أخلاق البحث العلمي التي لا يستغني عنها باحث حصيف ينشد الجودة في فعله البحثي، ويتغيا نفع غيره في موضوع ذي شأن يدرسه بصدق، وتواضع، وصبر جميل.

ولهذه الأصول تفاصيل تتبع مجال الموضوع، وقاصدُها دونه كتب المطولات في هذا الباب.

والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1)- أبو بكر بن العربي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، دار الكتب العلمية، ط: 1/ 1997م، (ج: 1، ص: 8).

2)- ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق: ابن الخطيب، مكتبة الثقافة الدينية، (ص: 164).

3)- الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين، مؤسسة الرسالة، ط: 3/ 1985م، (ج: 13، ص: 120).

4)- ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، ط: 1/ 1994م، (ج: 1، ص: 531).

5)- القول بهذه الصيغة حكاه ابن عبد البر، ينظر كتابه: جامع بيان العلم وفضله، (ج: 2، ص: 922).

6)- ينظر: ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (ج: 1، ص: 569).

7)- ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، دار هجر، ط: 2/ 1992م، (ج: 4، ص: 398).

8)- السبكي وابنه، الإبهاج في شرح المنهاج، دراسة وتحقيق: أحمد الزمزمي ونور الدين صغيري، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط: 1/ 2004م، (ج: 4، ص: 1512 و1513).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى