من عقل يبتكر إلى عقل يستعين مفارقة التقدم التكنولوجي وتحولات العلاقة بين الإنسان والمعرفة –
من عقل يبتكر إلى عقل يستعين
مفارقة التقدم التكنولوجي وتحولات العلاقة بين الإنسان والمعرفة
هاجر كرم باحثة في القانون الدستوري و العلوم السياسية

لم تكن الأشياء التي تشكل اليوم جزءا من الحياة اليومية للإنسان موجودة على الدوام بالصورة التي نعرفها فما يبدو مألوفا وبديهيا في الحاضر هو في جانب كبير منه حصيلة مسار تاريخي طويل من الملاحظة والتجربة وتراكم المعرفة ، فوسائل توفير الماء الصالح للشرب، واكتشاف الكهرباء وتسخيرها، وتطوير الأدوية، وابتكار تقنيات حفظ الأغذية، لم تكن مجرد أدوات أضيفت إلى الحياة الإنسانية، بل كانت تعبيرا عن قدرة الإنسان على تحويل حاجاته إلى مشكلات تستدعي التفكير ثم تحويل المعرفة المتراكمة إلى حلول عملية.
لقد ارتبط تاريخ الإنسان منذ بداياته بالسعي إلى تجاوز الإكراهات التي فرضتها عليه بيئته فالحاجة إلى الغذاء والمأوى والأمن دفعته إلى التجربة والابتكار بينما أتاح تراكم الخبرات انتقاله من وسائل بدائية إلى تقنيات أكثر تطورا، ولم يكن هذا التحول نتيجة فعل منفرد بل ثمرة مسار تراكمي أسهمت فيه أجيال متعاقبة، وأضافت من خلاله كل مرحلة تاريخية إلى رصيد المعرفة الإنسانية.
وبهذا المعنى لم تكن الحضارة مجرد تراكم للأدوات وإنما كانت أيضا تراكما لقدرة الإنسان على الفهم والتجريب وإعادة تشكيل شروط وجوده.
ومع تطور العلوم والتقنيات اتسعت قدرة الإنسان على التحكم في محيطه وتراجعت حاجته إلى بذل بعض أشكال الجهد التي كانت تفرضها عليه الوسائل المتاحة سابقا ، فقد انتقل من وسائل بسيطة لإشعال النار إلى أجهزة أكثر تطورا، ومن أساليب محدودة لمعالجة الماء إلى تقنيات تتيح الحصول عليه وفق معايير صحية محددة ولم يكن هذا الانتقال تراجعا عن الممارسة الإنسانية، بل تجسيدا لنجاحها في ابتكار وسائل أكثر فعالية ، فليس من المعقول أن يطلب من الإنسان التخلي عن مكتسباته التقنية والعودة إلى الوسائل البدائية لمجرد الحفاظ على استقلاله عن الأدوات؛ إذ إن التقدم نفسه يقوم على توظيف المعرفة لتجاوز حدود الوسائل السابقة.
غير أن التحولات التكنولوجية المعاصرة تطرح إشكالا يتجاوز مسألة توفير الجهد المادي وتيسير شروط العيش، فمع تطور الأنظمة الرقمية وخصوصا الذكاء الاصطناعي امتد نطاق الاستعانة بالتكنولوجيا إلى مجالات ترتبط بإنتاج المعرفة وصياغة الأفكار وتحليل المعطيات وبناء الاستنتاجات، ولم تعد الأداة تقتصر على مساعدة الإنسان في تنفيذ ما قرره مسبقا، بل أصبحت قادرة على المشاركة في بعض المراحل التي كان يضطلع بها بنفسه.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يواصل الإنسان توظيف التكنولوجيا لتوسيع قدراته على التفكير والابتكار، أم أن سهولة الحصول على النتائج قد تدفعه في بعض الحالات إلى تقليص دوره في إنتاجها؟
لا يستدعي هذا السؤال موقفا رافضا للتكنولوجيا كما لا يفترض أن التطور التقني يؤدي بالضرورة إلى تراجع القدرات الإنسانية فالأدوات الجديدة تتيح إمكانات حقيقية لتيسير البحث، وتنظيم المعلومات، ومقارنة المعطيات، وتطوير الحلول غير أن القيمة المعرفية لهذه الإمكانات تظل مرتبطة بطبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان معها: هل يستخدمها لتوسيع مجال تفكيره، أم يكتفي بما تقدمه له دون أن يمارس دورا فعليا في فحصه وتقييمه؟
تكمن أهمية هذا التمييز في أن الحصول على المعرفة لا يتطابق بالضرورة مع إنتاجها، مثلما لا يتطابق الحصول على إجابة مع امتلاك القدرة على تفسيرها أو مناقشة الأسس التي تقوم عليها، فثمة فرق بين أن يستعين الباحث بالذكاء الاصطناعي لتجميع المعلومات وضبط المفاهيم واختبار الفرضيات، ثم يوظف هذه المعطيات في بناء تحليله الخاص، وبين أن يكتفي بنقل مخرجات جاهزة دون إخضاعها للفحص أو إسنادها إلى معرفة يستطيع الدفاع عنها، وفي الحالة الأولى تظل الأداة جزءا من عملية فكرية يقودها الإنسان، أما في الحالة الثانية فقد تتحول الاستعانة إلى إحلال تدريجي للمخرجات الجاهزة محل الممارسة العقلية التي يفترض أن تسبق إنتاجها أو تصاحبها.
ومن ثم، لا يكمن الإشكال في الاستعانة ذاتها بل في الحدود التي تفصل بين توظيف الأداة وتفويضها بالقيام بالعمل الفكري كله فالابتكار لا يتحقق بمجرد الوصول إلى نتيجة، وإنما يرتبط أيضا بالقدرة على تحديد المشكلة، وصياغة الأسئلة، والتمييز بين المعطيات، واختبار الفرضيات، ومراجعة الاستنتاجات وهذه العمليات لا تفقد أهميتها لمجرد أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على المساعدة في إنجاز بعضها؛ بل قد تزداد أهميتها حين تتكاثر المخرجات التي يتعين على الإنسان التحقق من دقتها وملاءمتها.
وتتضح هذه المفارقة بصورة أكبر في ظل ثقافة السرعة والنتائج الفورية فعندما تصبح الإجابة الجاهزة متاحة بجهد محدود، قد يتراجع الحافز إلى خوض المسار الذي يتطلب الوصول إليها بصورة مستقلة، ولا يعني ذلك أن الإنسان يفقد قدرته على التفكير لمجرد استخدامه أداة ذكية، بل إن الاعتماد المتكرر عليها دون مشاركة فعلية قد يقلل من فرص ممارسة بعض المهارات المعرفية وتطويرها، فالبحث والمحاولة والخطأ ليست مجرد مراحل شاقة يمكن تجاوزها دائما، بل تمثل في كثير من الأحيان جزءا من عملية التعلم نفسها ، إذ يكتسب الإنسان من خلالها القدرة على الربط والتحليل والتقويم، لا مجرد الوصول إلى النتيجة النهائية.
ولا يقتصر هذا التحدي على القدرة على التفكير، بل يمتد إلى علاقة الإنسان بإنتاجه الفكري وبالثقة في قدرته على التعبير عنه فقد يمتلك الفرد فكرة ذات قيمة لكنه يتردد في تطويرها لأن الصياغة التي ينتجها بنفسه تبدو له أقل إحكاما من الصياغة التي تقدمها الأنظمة الذكية ، وإذا أصبحت جودة المخرجات الفورية معيارا وحيدا للحكم على قيمة المحاولة الإنسانية، فقد ينشأ ميل إلى رفض الأفكار في مراحلها الأولية بدل العمل على تطويرها، والحال أن التفكير لا يبدأ دائما بصياغات مكتملة، كما أن الإبداع لا ينفصل عن المراجعة والتجريب وإعادة البناء، فالفكرة التي تبدو بسيطة في بدايتها قد تفتح من خلال التأمل والنقاش مجالا لتساؤلات أكثر عمقا واتساعا.
وعليه فإن التحدي الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بقدرته على إنتاج مخرجات متقدمة، وإنما أيضا بكيفية تأثير استخدامه في دور الإنسان داخل عملية إنتاج المعرفة فإذا كان الإنسان قد بنى حضارته من خلال تحويل التساؤلات والحاجات إلى مسارات للبحث والابتكار، فإن المحافظة على هذه القدرة تقتضي ألا يختزل علاقته بالتكنولوجيا في الحصول على النتائج بل أن يظل مشاركا في تحديد المشكلات وفهم المعطيات وتقييم الحلول واختيار ما يمكن تبنيه منها، فالأداة قد توسع نطاق الممكن، لكنها لا تعفي مستخدمها من مسؤولية التفكير النقدي ولا تجعل كل ما تنتجه صحيحا أو مناسبا لمجرد أنه صيغ بصورة مقنعة.
إن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا بهذا المعنى ليست علاقة تعارض حتمي بين العقل والآلة، وإنما علاقة تتحدد نتائجها وفق طبيعة الاستخدام ومستوى المشاركة الإنسانية ،فقد تتيح التكنولوجيا فرصا أوسع للتعلم والابتكار حين توظف في خدمة التساؤل والتحليل، وقد تقلص مساحة الممارسة الفردية حين تتحول إلى بديل دائم عن المحاولة والفهم ، لذلك لا ينبغي قياس التقدم بما يوفره من سرعة وراحة فحسب بل أيضا بقدرته على توسيع إمكانات الإنسان دون أن يفقد دوره في توجيهها وتقييمها.
في المحصلة لا تتمثل المفارقة في أن الإنسان أصبح يستعين بالتكنولوجيا، فالاستعانة بالأدوات وتراكم المعارف كانا دائما من مكونات تطور الحضارة، وإنما تتمثل في احتمال أن تتحول الوسائل التي ابتكرها الإنسان لتجاوز حدود قدراته إلى وسائل يختزل من خلالها ممارسته لتلك القدرات، ومن ثم فإن الرهان لا يكمن في إبطاء التقدم أو رفض مكتسباته، بل في بناء علاقة واعية معه تحافظ على المبادرة الإنسانية وتضمن أن تظل التكنولوجيا وسيلة لتوسيع التفكير لا مبررا للاستغناء عنه.
فإذا كان العقل الإنساني قد ابتكر الأدوات لكي يوسع بها قدرته على الفعل والمعرفة، فإن التحدي المعاصر يتمثل في أن يظل قادرا على توظيفها دون أن يتنازل عن دوره في التفكير والابتكار.





