في الواجهةمقالات قانونية

الدعاوى الكيدية وانعكاسها على زمن مسطرة التحفيظ

 

   الدعاوى الكيدية وانعكاسها على زمن مسطرة التحفيظ

                                                                       من اعداد : ذ/محمد جحا

                                                          محامي متمرن بهيئة المحامين بخريبكة

 

يعتبر مبدأ حق التقاضي من أهم الحقوق الطبيعية للإنسان، إذ يستطيع كل فرد من خلاله صد أي اعتداء يشكل مساسا بحقوقه وحرياته، لذلك نصت جل الدساتير الحديثة على هذا الحق كأحد الضمانات اللازمة لتعزيز مبدأ سيادة القانون من ناحية وحماية حقوق وحريات الأفراد من ناحية أخرى، وقد جاء في الفصل 118 من الدستور المغربي  على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، وهو حق لا يجوز التنازل عنه ولا ينقضي بالتقادم أو بأي سبب من أسباب الانقضاء، ولا يسأل الشخص عما يترتب عن استعماله لهذا الحق من ضرر، إلا إذا تعسف أو أساء استعمال حقه، بمعنى أنه إذا كانت الغاية من رفع الدعوى ليس الدفاع عن مصلحة جدية ومشروعة وإنما بقصد الإضرار بالخصم[1].

فمن خلال هذا النص الدستوري فإن كل شخص تم الاعتداء على حق يعود إليه إلا ويمكنه اللجوء إلى مؤسسة القضاء من أجل طلب الحماية أو الاعتراف بهذا الحق.

وبالتالي، فإن الشخص الذي تبين له أن حقا من حقوقه سوف يتضرر من جراء عملية تحفيظ معينة، يمكن له أن ينازع طالب التحفيظ عن طريق ممارسته لحقه في التعرض شريطة احترام الاجراءات و الآجال القانونية المنظمة لهذا الحق. فبمجرد قبول التعرض من طرف المحافظ العقاري يتم نقل و إخراج مسطرة التحفيظ من قالبها الاداري إلى القالب القضائي.

ومنه، فإن التعرض يشكل دعوى تقام في وجه طالب التحفيظ من أجل حماية حقوق المتعرض المفترض أنها تضررت أو سوف تتضرر من خلال عملية تحفيظ العقار موضوع النزاع[2]، فغاية المشرع من إقرار هذه المؤسسة – أي التعرض- كما سبق البيان هو حماية حقوق الغير المرتبطة بمسطرة التحفيظ.

غير أن الواقع العملي أكد على أن الحق في التعرض يثير مجموعة من الإشكالات القانونية و العملية، التي  تؤثر سلبا على العمر الافتراضي لمسطرة التحفيظ، ولعل أبرزها عدم ممارسته بحسن نية، مما نتج عنه ما يسمى بالدعاوى الكيدية في إطار مسطرة التعرضات[3].

فهذه الدعاوى الكيدية من شأنها أن ترتب مجموعة من الآثار السلبية على مسطرة التحفيظ أهمها هو التسبب في تطويل هذه المسطرة دون وجه حق، لهذا سوف نحاول إبراز أهم الأسباب التي تسمح بازدياد هذا النوع من الدعوى و أثرها على مسطرة التحفيظ (الفقرة الأولى)، والتطرق للآليات القانونية التي يجب اتخاذها من أجل الحد من هذه الدعاوى الكيدية (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى: أسباب انتشار الدعوى الكيدية و أثرها على مسطرة التحفيظ

إن مؤسسة التعرض الكيدي أو التعسفي لم تكن وليدة اليوم، بل إنها مرتبطة بعملية التحفيظ منذ إقرار أول القوانين المنظمة لها سنة 1913، إلا أنه من الناحية التشريعية والقانونية لم يتم التنصيص عليها صراحة إلا بعد التعديل الذي طال ظهير التحفيظ العقاري بموجب القانون07/14[4]، بحيث نص الفصل 48 منه على ما يلي: ” كل طلب للتحفيظ أو تعرض عليه ثبت للمحكمة صدوره عن تعسف أو كيد أو سوء نية يوجب ضد صاحبه غرامة لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به. والكل دون المساس بحق الأطراف المتضررة في التعويض.

إن المحكمة التي أحيل عليها مطلب التحفيظ لها صلاحية الحكم تلقائيا بالغرامة والبت، عند الاقتضاء، في طلبات التعويض”.

فمن خلال هذا النص يتضح لنا بأن المشرع وضع جزاء متمثلا في الغرامة مع الحق في التعويض، الذي يتم ترتيبه على كل من تبت عليه أن تعرضه يتسم بالكيدية و التعسف في استعمال الحق وكان غرضه فقط هو عرقلة إجراءات التحفيظ، وبالتالي فإن الغاية من إقرار هذا الجزاء هو التصدي لهذا النوع من التصرفات.

ولكن رغم هذا الجزاء فإن الواقع العملي يعرف عدد كبير من الدعاوى الكيدية وهي في ازدياد وهذا ما أكده المحافظ العام في مذكرته رقم 5829 [5] التي جاء فيها:

“… يشرفني أن أنهي إلى علمكم أنه من خلال ما يرد علي من مراسلاتكم ومن تظلمات بعض الزبناء في شأن التعرضات المنصبة على مطالب التحفيظ لاحظت ما يلي:

ازدياد حالات التعرض الكيدي بظهور أشخاص أصبحوا يمارسون باعتياد عملية التعرض على مطالب التحفيظ وذلك بهدف ابتزاز أصحابها عن طريق عرقلة إجراءات تحفيظ ممتلكاتهم ويلجؤون في ذلك إلى عدة وسائل منها عـــدم التصريح بعنوانهم الحقيقـــي و عدم أداء الرسوم القضائية وحقوق الترافع وعدم الإدلاء بالحجج المؤيدة، وإن اضطروا فإنهم يدلون بنفس حجج التعرض على مطالب متعددة يتبين منها انها لا علاقة لها بأرض النزاع أو يدلون بسندات لا تفيد التملك كرسم الإراثة…”.

انطلاقا من هذا الأمر يتضح أن الدعاوى الكيدية تعرف ازديادا رغم الجزاء القانوني الدي جاء به المشرع من خلال مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع، فأمام هذا الازدياد والانتشار يدفعنا الأمر إلى التساؤل عن الأسباب التي تساهم في شيوع هذا النوع من التصرفات؟

وكإجابة على هذا السؤال فإن أهم الأسباب التي تساعد على شيوع هذا النوع من الدعاوى هي كالتالي:

أولا: حدود سلطة المحكمة في مجال التعرض:

حدد الفصل 37 من ق.ت.ع نطاق بت المحكمة بخصوص التعرضات، بحيث إنها ثبت في وجود الحق المدعى به وطبيعته ومشتملاته ونطاقه، فالمشرع من خلال مقتضيات الفصل أعلاه فقد ضيق من اختصاص محكمة التحفيظ، حيث لا يمكنها أن تنظر في النزاعات القائمة بين المتعرضين فيما بينهم، بل تقتصر على البت في حقوق كل هؤلاء في مواجهة طالب التحفيظ[6]، على اعتبار أن كل تعرض يشكل دعوى مستقلة في مواجهة طالب التحفيظ. وقد أكدت محكمة النقض هذه القاعدة من خلال قرار لها جاء فيه ما يلي : ” يقتصر اختصاص المحكمة في القضايا العقارية على الفصل في النزاع الذي يثيره المتعرض ضد طالب التحفيظ ولا يتعداه إلى الفصل بين المتعرضين فيما بينهم”[7]   على هذا المنوال سار العمل القضائي بحيث جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بخريبكة[8] ما يلي: ” وحيث إن كل تعرض يعد دعوى مستقلة وجب البت فيها باستقلال عن باقي التعرضات الأخرى و أن المحكمة لا تبت في تعرضات المتعرضين في مواجهة بعضهم البعض بل كمدعين في مواجهة طالب التحفيظ كمدعى عليه”.

وهكذا، فمتى اقتصر دور المحكمة على النظر فقط في حجج كل متعرض على حدة في مواجهة طالب التحفيظ دون امكانية تقدير حجج المتعرضين في مواجهة بعضهم البعض سوف يؤدي إلى تقليص دور المحكمة في الحد من التعرضات التعسفية، وهو ما يؤدي الى انتشار مثل هذه التعرضات، الأمر الذي يترتب عنه عرقلة مسطرة التحفيظ[9].

وخلاصة القول، أن منع القضاء من الفصل بين المتعرضين يقيد سلطته في الحد من التعرضات الكيدية والتعسفية والناتجة عن سوء نية، لأن إعادة عرض النزاع من جديد أمام أنظار القضاء لا لشيء سوى أن المحكمة محكومة بنطاق الدعوى المحدد مسبقا من جانب المحافظ العقاري، الأمر الذي يسمح بظهور متعرضين جدد ولو لم يكونوا متواجدين خلال المرحلة الاولى، وهذه النقطة يستغلها أصحاب النيات السيئة لتقديم تعرضات تعسفية، لا يراد بها سوى المماطلة والتسويف والتأجيل في زمن تأسيس الرسوم العقارية[10].

ثانيا– محدودية تفعيل الجزاء المنصوص عليه في الفصل 48:           

لقد سعى المشرع العقاري من خلال مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع الحد من تقديم مطالــب التحفيظ و التعرضـــات على حد سواء، وذلك عن طريق ترتيب جزائــي التغريـــم و التعويض في حالة تبوث قيام مسؤولية الشخص المتعسف.

غير أن هذا الجزاء وبغض النظر عن مضمونه العقابي يظل عديم المفعول والأثر إن لم يتول الجهاز القضائي وظيفة تجسيده على مستوى الواقع، ليتم نقل الحماية القانونية في جانبها النظري إلى حماية قضائية في جانبها الواقعي فتتحقق بذلك وظيفتي الردع والحماية لمنطوق الحكم أو القرار القضائي عقابا للمتعرض الذي قدم تعرضه بشكل كيدي أو عن سوء نية بدون مصلحة، وحماية للطرف المتضرر من أثار هذا التصرف فتتكامل بذلك الأدوار التشريعية والقضائية في التصدي لهذه التعرضات الكيدية.

فهذا التكامل في ظل واقع العمل القضائي يكون مفقودا، إذ نادرا ما نجد على مستوى التطبيق القضائي لنص الفصل 48 من ق.ت.ع، وهو ما يؤكد على محدودية تفعيل الجزاء المترتب عن التعسف في استعمال الحق في التعرض.

وهذا ما يلاحظ جليا من حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتاوريرت الذي جاء فيه:         “وحيث إن المتعرض لم يؤيد لا أثناء المرحلة الادارية ولا أثناء المرحلة القضائية بأي حجة تؤيد تعرضه.

وحيث إن عدم استناد طلب المتعرض على أية حجة لا يسع معه المحكمة إلا التصريح بعدم صحة تعرضه”[11].

فالمستفاد من خلال هذه الحالة أن المحكمة كان من الواجب عليها أن تطبق الغرامة المنصوص عليها في إطار الفصل 48 من ق.ت.ع، فالمدعي في مثل هذه الحالات يتقدم بتعرضه أمام المحافظ على الأملاك العقارية أو المهندس المساح الطبوغرافي أثناء اجراء عملية التحديد دون أن يدلي بأي دليل وحجة تثبت مزاعمه وعند احالة ملف التحفيظ على أنظار القضاء يستمر في المناورة وتقديم مستندات لا علاقة لها بالنزاع أو الامتناع عن تقديم أي حجة أصلا، بل يصل به الحد إلى الغياب عن الجلسات رغم استدعائه بصفة قانونية، وهذه في الحقيقة قرائن تدل عن سوء نية المتعرض، وأنه كان عالما وعارفا بأن لاحق له على العقار موضوع مسطرة التحفيظ[12]. لكن القضاء رغم ذلك لم يوقع عليه الجزاء القانوني بنص الفصل 48 من ق.ت.ع.

وفي حكم آخر صادر عن ابتدائية بني ملال والذي جاء في احدى حيثياته ” وحيث إن المتعرض لم يعزز تعرضه وقت التصريح به بأية وثيقة كما أنه استدعى بصفة شخصية فلم يتكلف بالدفاع عن مصالحه والادلاء بما يحتج به، مما يجعل تعرضه مفتقدا الى أي سند فوجب القول بعدم صحته”[13].

فمن خلال قراءة حيثيات هذا الحكم أيضا سوف يتبين لنا قصد المتعرض في هذه الحالة على أنه  تعرض كيدي وتعسفي لم يرم من خلاله إلا التسويف والمماطلة في مسطرة التحفيظ، فعدم تقديم أي حجة لتعزيز التعرض أمام المحافظ  وقبول هذا التعرض من طرف المحافظ رغم ذلك وإحالة الملف على المحكمة وعدم دفاع المتعرض على مصالحه وعدم إدلائه أمامها بأية حجة رغم إشعاره بذلك، و رغم أن الأطراف مدعوون تلقائيا للإدلاء أمام القضاء بحججهم، وعلى الرغم من وجود النص الذي يقضي بضرورة الإدلاء بتلك الحجج أمام المحافظ، كلها وقائع ومعطيات لا يمكن أن يستنتج منها إلا التماطل والتعسف وعرقلة مسطرة التحفيظ[14].

وأمام كل هذا فإن المحكمة في الحكمين أعلاه لم تعمد إلى تطبيق مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع، و إنما اكتفت فقط بالحكم بعدم صحة التعرض بالرغم من أن مظاهر التعرض الكيدي والتعسفي متوفرة في النوازل المعروضة، وبالتالي فإن تعامل القضاء مع هذه النوعية من التعرضات بهذه الكيفية سوف يؤدي بلا شك إلى ازدياد عددها.

ونظرا لكل هذه الأسباب التي من شأنها أن تسهل احتراف و امتهان بعض الأشخاص لممارسة هذه الدعوى الكيدية وذلك كله من أجل تحقيق هدف وحيد ألا وهو عرقلة مسطرة التحفيظ.

فممارسة التعرضات التعسفية أصبحت من أهم الإشكالات التي تؤجل إنشاء الرسم العقاري لأنها تؤدي إلى وقف الإجراءات الادارية للتحفيظ العقاري، ويتم الانتقال إلى المرحلة القضائية حيث يجب على المحافظ العقاري في هذه الحالة وقف اجراءات التحفيظ ورفع الملف إلى القضاء المختص من أجل الفصل فيه، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة عمر مسطرة التحفيظ.[15]

وبالتالي، فإن التعرضات الكيدية تلعب دورا كبيرا في تمديد و تطويل العمر الافتراضي  لمسطرة التحفيظ دون وجه حق، لأن غاية المتعرض من خلال دعواه الكيدية ليس الحصول على حماية قضائية وإنما غايته الأساسية سوى المشاكسة و المساومة على حقوق الناس و التسبب في تأخير الوقت المقرر فيه إنشاء الرسم العقاري، وهذا ما ينعكس سلبا على عقلنة وترشيد  الزمن القضائي.

فنظرا لهذا التأثير السلبي للدعاوى الكيدية على زمن مسطرة التحفيظ، وأمام محدودية مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع، فما هي الحلول التي يجب اعتمادها من أجل التصدي لهذه الدعوى؟

الفقرة الثانية: آليات الحد من الدعاوى الكيدية خلال مسطرة التحفيظ

كما سبق البيان فإن الدعاوى الكيدية أصبحت تشكل تهديدا خطيرا سواء على حقوق الاشخاص أو على عرقلة و تطويل مسطرة التحفيظ وهدر الزمن القضائي، فأمام عجز المقتضيات التشريعية للتصدي لها تطلب الأمر تعزيز مجموعة من الآليات التي من شأنها المساعدة على الحد منها.

ومن هنا سوف نحاول ابراز الدور المهم لكل من المحافظ العقاري في المرحلة الادارية لمسطرة التحفيظ في التصدي لهذه الدعاوى (أولا)، وكذا دور القضاء خلال المرحلة القضائية في الحد من هذه التعرضات الكيدية أو التعسفية أو الناتجة عن سوء نية (ثانيا).

  أولا: دور المحافظ العقاري في الحد من الدعاوى الكيدية:

يمكن القول أن المحافظ العقاري يعتبر من أحرص الناس على سلامة مسطرة التحفيظ المتبعة لتأسيس الرسوم العقارية، و ذلك راجع للاختصاص المخول له أثناء جريان هذه المسطرة.

فالمحافظ العقاري متى تبين له بأن التعرض الذي قدم هو تعرض كيدي و تعسفي من شأنه فقط التمديد في زمن مسطرة التحفيظ وعرقلتها، فيمكن له أن يعمل ضده سلطة الرفض أو الإلغاء.

فمن خلال قرار الالغاء الذي يمكن أن يتخذه المحافظ العقاري استنادا للفصل 32 من ق.ت.ع[16]، فالتعرض الكيدي قد يكون ناتج عن عدم الادلاء بالمستندات التي تعزز التعرض داخل الآجال المحددة[17]، أو في حالة عدم أداء الرسوم القضائية وحقوق المرافعة فسلطة الإلغاء هي من أهم الآليات التي من شأنها المساعدة على التصدي لظاهرة التعرضات التعسفية.

غير أن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا المقام هو ما مدى سلطة المحافظ العقاري في فحص وثائق المتعرض من حيث جديتها وقوتها الإثباتية؟ وهل يحق للمحافظ تقييم الوثائق المقدمة من قبل المتعرض؟

و كإجابة على هذا السؤال  يرى بعض الفقه بأن المحافظ على الأملاك العقارية لا يملك سلطة واسعة لتقييم حجج المتعرض خصوصا عندما يجد صعوبة في الادلاء بكافة الوثائق المثبتة للحق موضوع التعرض مما تبقى له إمكانية واحدة وهي تقديم هذه الوثائق أمام المحكمة عند إحالة المتعرض عليها، أما إذا لم يقدم أية وثيقة فإنه يملك صلاحية إلغاء تعرضه[18].

وهذا الأمر مستفاد أيضا من صياغة الفقرة الثالثة من الفصل 25 من ق.ت.ع التي لم تلزم المحافظ العقاري بالتأكد من صحة الوثائق المقدمة من طرف المتعرض، وبالتالي فإن سلطة المحافظ في هذا الإطار تنحصر في بحث مدى إدلاء المتعرض بالرسوم المؤيدة لتعرضه من عدمها دون البحث في مدى جديتها أو قوتها الثبوتية، حيث يرجع ذلك للمحكمة المختصة التي لها صلاحية تقييم حجج المتعرض باعتباره الطرف المدعي، ومدى كفايتها في إثبات استحقاق للملك موضوع التعرض للحكم بصحة تعرضه أو عدم صحته[19].

وتجدر الاشارة إلى نقطة أخرى مهمة، وهي بخصوص رفض التعرض، فالمشرع قد منح المحافظ العقاري إمكانية رفض التعرض وذلك في حالة واحدة مرتبطة بالتعرض الاستثنائي[20].

وبالتالي فالمحافظ العقاري يعمل سلطته في الرفض ضد كل التعرضات خارج الآجال متى تبين له أنه غير جدي لا تتوفر فيه الشروط  القانونية المحددة في إطار الفصل 29 من ق.ت.ع، بل الأكثر من ذلك فالمشرع جعل قرار رفض التعرض خارج الأجل لا يقبل أي طعن قضائي، وذلك بحجة الحد من التعرضات الكيدية التي لا يكون الهدف منها فقط هو تأخير وتمديد عملية التحفيظ العقاري[21].

 ثانيا: دور مؤسسة القضاء في الحد من الدعاوى الكيدية:

يلعب القضاء دورا فعالا في ابراز مظاهر التعسف في استعمال الحق عند تقديم التعرض، وذلك من خلال جملة الاجراءات القانونية التي منحها المشرع للقاضي المقرر عند تهيئه للقضية، هذه الاجراءات التي تمكنه من مدى معرفة جدية التعرض.

فعندما يتبين للمحكمة أن تعرضا ما أو مجموعة من التعرضات المقدمة ضد مطلب تحفيظ معين، تتسم بالطابع الكيدي أو التعسفي فيجب عليها أن تعمل ضدها مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع الذي يحدد جزاء هذه التصرفات المتمثل في الغرامة التي يبلغ قدرها عشرة في المائة من قيمة العقار و تستخلص لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، مع التعويض لكل من أصابه ضرر جراء استعمال التعرض بكيفية تعسفية أو كيدية، والذي قد يكون في الغالب الأعم المالك الحقيقي للعقار موضوع مسطرة التحفيظ.

إذا فالدور الأساسي الذي تلعبه المحكمة من أجل الحد من هذه الدعاوى التي تؤثر سلبا على العمر الافتراضي لمسطرة التحفيظ هو إيقاع الجزاء القانوني على كل من ثبتت مسؤوليته، غير أن الواقع العملي كما سبقت الاشارة أكد على محدودية  تطبيق الفصل 48 من ق.ت.ع، بحيث تبين في الآونة الأخيرة أن القضاء المغربي لم يطبق مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع إلا نادرا، وذلك يتضح جليا من خلال القرارات والأحكام التي تصدر في هذا الشأن (كما سبقت الاشارة من قبل ) بحيث يتبين أنه يكتفي بالحكم بعدم صحة التعرض فقط دون أن يتدخل ليحدد هل كان المتعرض الذي ألغى تعرضه متعسفا أم لا[22].

وبالتالي فمن أجل أن تلعب مؤسسة القضاء دورها على أكمل وجه في محاربة هذه الدعاوى يجب أن تعمل على تطبيق و تفعيل مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع خصوصا أنه من الناحية العملية نسبة كبيرة من التعرضات التي تتم إحالتها على المحكمة يحكم بعدم صحتها.

وتجدر الاشارة إلى نقطة أخرى التي تعتبر أيضا من أهم الآليات المساعدة من أجل الحد من انتشار هذه الدعاوى هو اعطاء المحكمة صلاحية تقدير و مناقشة كل حجج المتعرضين في مواجهة بعضهم البعض، لأن تحديد دور المحكمة للنظر في حجج كل متعرض على حدى في مواجهة طالب التحفيظ، دون امكانية تقدير حجج المتعرضين في مواجهة بعضهم البعض، يساهم في تقليص دور المحكمة في الحد من الدعاوى الكيدية[23] بل هذه التقنية في حد ذاتها تساهم في تمديد زمن القضية مما قد يؤدي بها الأمر إلى أن تعمر لمجموعة من السنين  في ردهات المحاكم خصوصا إذا كان مطلب التحفيظ يعرف عددا كبير من التعرضات.

وصفوة القول، أنه أمام محدودية الجهاز القضائي للتصدي لهذه الدعاوى الكيدية يجب العمل على تعزيز و تفعيل مقتضيات الفصل 48 من ق.ت.ع، وذلك بحكمة وعقلانية من أجل تحصين التحفيظ العقاري ضد أي تعسف أو غش، ومن تم فرض الجدية  في التحفيظ، وضمان استقرار المعاملات العقارية .

 

[1]– عبد كريم عبو، “التعسف استعمال حق التعرض والتقييد الاحتياطي في ضوء قانون رقم 14.07″، رسالة لنيل دبلوم الماستر جامعة محمد الاول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- وحدة، سنة 2014-2015، ص 18.

[2]– ومن أهم النتائج المترتبة عن كون التعرض بمثابة دعوى في وجه طالب التحفيظ هو عبئ الإثبات فالمتعرض بمثابة مدعي والقاعدة تقدي بأن من يدعي شيئا فهو ملزم بإثباته و قد اكدت محكمة النقض في قرار لها على إلزامية المتعرض بإثبات ما يدعيه بحيث جاء في القرار ما يلي: ” المتعرض يقع عليه عبء الإثبات طبقا لما تقتضيه قواعد البت في التعرضات والتي بموجبها لا ينتقل إلى مناقشة حجج طالب التحفيظ إلى بعد أن يدلي المتعرض بما هو مقبول شرعا تعزيزا  لتعرضه.”(قرار صادر عن المجلس الأعلى عدد 2481 الؤرخ في 2008/07/02، ملف مدني رقم 2007-1-1-2777 مأخوذ من الموقع http://www.jurisprudencemaroc.com تاريخ الاطلاع 14/05/2019 على الساعة 16:21).

[3]– لأن مظاهر الكيد و التعسف في استعمال الحق لا يقف عند حدود مسطرة التعرضات فقط بل، يمكن تصوره أيضا في إطار تقديم  مطالب التحفيظ وهذا ما أكده الفصل 48 من ق.ت.ع، و أيضا في حالة التقييد الاحتياطي حسب الفصل 86 مكرر من ق.ت.ع.

[4]– الحسن أولياس،” صور ومظاهر التعرض الكيدي أو التعسفي ضد مطلب التحفيظ وطبيعة الغرامة  بها ضد المتعرض سيء النية”، مقال إكتروني منشور بالموقع: http://frssiwa.blogspot.com/2017/01/blog-post_21.html#.XNsCjeX7Rdg وقت الاطلاع 14/05/2019 على ساعة 17:05.

[5]– مذكرة المحافظ العام رقم 5829 الصادرة في تاريخ 25 دجنبر 2001 في شأن التعرضات.

[6]– محمد خيري. “العقار و قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي”، مطبعة المعارف الجديدة- الرباط ، طبعة 2014 . ص 255.

[7] – قرار محكمة النقض عدد 4499 مؤرخ في  18/10/2011 ملف مدني  2856/1/1/2009 منشور مجلة القضاء المدني  بسلسلة دراسات و أبحاث “المنازعات العقارية ” الجزء الأول،  مطبعة المعارف الجديدة-الرباط  ص 260.

[8]– حكم رقم 05 بتاريخ 09/01/2019 ملف عقاري رقم 15/1402/15، غير منشور.

[9]– حسن البكري،” نظرية التعسف في استعمال الحق وتطبيقاتها في قانون التحفيظ العقاري”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية-مراكش، السنة الجامعية 2017/2018 ص 36.

[10]– عبد المجيد الغموشي،” الحد من المطالب والتعرضات الكيدية بين صلاحيات المحافظ والقضاء”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة السنة الدراسية 2009-2010ص 80.

 

[11]– حكم  صادر عن المحكمة الابتدائية بتاوريرت، عدد 34 بتاريخ 06-05-2015 ملف عقاري عدد10/1402/03 أشار اليه ياسين فردي، “التعسف في مسطرة التحفيظ العقاري على ضوء القانون رقم 14.07″، رسالة لنيل الدبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- طنجة، السنة الدراسية 2015-2016، ص 46.

[12]– حسن البكري، م س، ص 29.

[13]-حكم ابتدائي بني ملال عدد 180، صادر بتاريخ 23-10-2007. ملف عقاري عدد 06459 مأخوذ من رسالة حسن البكري م س، ص 41.

[14]– ادريس الفاخوري، نظام التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون رقم 14,07″، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية و القضائية، مطبعة المعارف الجديدة -الرباط، طبعة 2013، ص 85.

[15]– عبد كريم عبو. مرجع سابق. ص11.

[16]– جاء في الفصل 32 من ق.ت.ع: “يعتبر التعرض لاغيا وكأن لم يكن، إذا لم يقدم المتعرض خلال الأجل المنصوص عليه في الفصل 25 من هذا القانون، الرسوم والوثائق المؤيدة لتعرضه، ولم يؤدي الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو لم يثبت حصوله على المساعدة القضائية”.

[17]– هذا الأجل الذي حدده المشرع في الشهر الموالي لتاريخ انتهاء أجل التعرضات (الفصل 25 من ق.ت.ع).

[18]– ادريس الفاخوري. مرجع سابق. ص 82.

[19]– حسن البكري، م س، ص 64.

[20]– رشيد الفيداح،”الادعاء بسوء نية في قضايا التحفيظ العقاري وفق مستجدات القانون رقم 14.07″، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية- وجدة، السنة الجامعية 2012/2013، ص 87.

[21]– لكن رغم ذلك يبقى أمر تحصين قرار المحافظ العقاري برفض التعرض الاستثنائي ضد أي طعن قضائي أمر غير مقبول و نص غير دستوري يتنافى تماما مقتضيات الفصل 118 من الدستور.

[22]– حسن البكري، م س، ص 84.

[23]– أمال الجداوي، م س، ص 318.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: